لمحات من تراثنا القريب
باقر الشماسي * - 4 / 3 / 2011م - 7:26 ص - العدد (23)

التراث هو دلالة على الجذور الحضارية لكل شعب أو أمة، وهو مِفصَل مسكون بنبض دافق، وزخم عابق، حيث أن التراث لم يأت من فراغ، وإنما هو نتاج ثقافات تتسم بخصوصية من شعب لآخر، ومن زمن لآخر. والثقافة هي نتاج فكر نيِّر تدل بصماته على مدى عمق وفاعلية مساهماته في بناء حضارة الإنسان حينذاك.

والفكر الإنساني هو كائن حي ومتحرك غير قابل للسكون، بل هو وهجٌ كوني يتجدد ويتطور ويبدع، ويختلف في أبعاده ومناحيه وفق الظروف والزمان والمكان، ووفق صيرورة تاريخية.

وإبراز الأمم والشعوب لتراثها هو قراءة شفافة لتاريخها وثقافتها كالمرآة التي تعكس أصالة تلك الشعوب، وحضورها الحضاري على مر الأزمان. وتراثنا الغابر، حتى قبل ربع قرن من الزمن، كاد أن يأفل ويندثر. إذ كسته الطحالب، وعلاه غبار الزمن وكأن النسيان قد طواه ووضعه في جعبة مقفلة منسية، ولكنه حتمًا بقي محفورًا في الذاكرة ليكون له مصدر حضور في عصرنا الحاضر والمستقبل، وقد بدأ فعلاً يبرز كزينة في المنازل في لوحات فنية، ومجسمات، مقالات، وكتب، حيث بعض الأقلام، والفن التشكيلي بدءا يبرزان هذا التراث ببدايات جيدة على شكل لوحات تعبيرية في منتهى الجمال والإتقان، رسمتها ريشات مبدعة واعدة لبعض الشباب الفنانين التشكيليين في منطقنا، وكتابات، ولقطات فوتوغرافية قديمة، لبيوت غارقة في القدم، ونقشات دهاليزها، ولبعض بساتينها، بعض الأزقة الضيقة، ونوافذ لتلكم البيوت من جيرية، وخشبية، وبعض الصناعات الفخارية، والعيون النباعة التي دفنتها الرمال، وأماتها الإهمال.

ومجلتنا الواحة الغراء أصبح لها مساهمة وجهود طيبة في إبراز هذه اللوحات والصور الجميلة، حيث أطلت علينا في أغلفتها، وبعض الكتابات عن هؤلاء الفنانين التشكيليين، ونأمل منها المزيد بتسليط الضوء على هذا الرافد التراثي القيم، وبالنسبة لتلك الصناعات المحلية فقد كان لها دور هام وحيوي في حياة الإنسان في منطقة القطيف والأحساء والبحرين، وبقية مدن الخليج العربي كسلطنة عمان وغيرهاز وعلى سبيل المثال: الصناعات الفخارية كـ (الشربة) لتبريد الماء مياه الشرب، و(الحب)، بكسر الحاء[1] ، والجحلة[2] ، وهي الخزان الكبير لحفظ الحفظ الماء، والجرة (بتشديد الراء)، والقدو، لشرب الغليون، وكذلك صناعة الخوص، والأسل - وتصنع منها المديد والحصر، وهذان الصنفان يستعملان لسكوة أرضية الغرف بدل السجاد نظرًا لثمنه الباهظ، وبعض الأسر الثرية تفرش عليه السجاد الفارسي الثمين، والتركي. وإلى جانب ذلك تصنع منها السلال، والسراريد لوضع الرطب، وكذلك السلال الكبيرة التي تستعمل كخزانة لثياب الناساء المجهزة للإستعمال اليومي، وكذالك يصنع من الأسل أيضًا (الزبيل[3] )، أو الجفير، كما ينطقها بعض العامة، وتستعمل في الدكاكين لعرض بعض المواد الغذائية النية كالأرز والدقيق وحبات القهوة، واللومي العماني وخلافه، وأيضًا والقفة، وتنقط القاف جيمًا مصرية، وهي على شكل زبيل صغير، والسفرة، والمخرف، وهذا مخصص ليوضع فيه ما يشترى من سوق السمك واللحوم وغيرها. وأيضًا المراوح اليدوية الخوصية.

وثمة صناعة أخرى تصنع من سعف النخيل حيث يجرد من خوصه، ويسمى الجريد - وينقع في الماء لمدة أيامٍ لتطويعه في التقويس والخرق، ليصنع منه أسرة النوم لفردين، ولفرد واحد، وتسمى (القفاصة)، ومفردها قفص، للأطفال الصغار، والرضع قفص صغير ويسمى (منز) بتشديد الزاي، وأيضًا ثمة صناعة الجص، حيث يجفف ثم يحرق بطريقة الصيران -والصيران تشبه إلى حد ما شكل الأهرامات- ثم يدق يدويا بخشبة متينة وقوية حتى يستوي ناعمًا، فتبنى به مع الحجارة الصلبة البيوت، والأسوار، والقلاع، والمساجد، وما إلى ذلك، وتجلب هذه الحجارة من البحر أو البر. أما جذوع النخل فهو لتسقيف المنازل، والسوابيط -ساباط- كما تستعمل للقبور.

أما صناعة الخشب، والخشب يجلب من الهند، وصنع منه محلياً أبواب الغرف، وبوابات البيوت، وبوابات القلاع، وصناعة القوارب والسفن الشراعية (الجوالبيت)، ويقول بعض المؤرخين، كما ورد في كتاب ساحل الذهب الأسود للمرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم، (إنه كان في الزمن السحيق تصنع الرماح الخطية) وتعني أن منطقة القطيف قد اشتهرت بصناعة الرماح، حيث كانت تسمى الخط. إذن كانت منطقتنا غنية بكل ما هو ضروري لحاجة الإنسان على مر الأزمان، كما أنها ثرية أيضًا باللؤلؤ والأسماك، والتمور، إلخ، وإلى جانب تلكم الصناعات والحرف اليدوية والثروات، كانت عمالتها محلية مائة في المائة، فنجد في فجر كل يوم العشرات من عمال البناء قد أتوا من أنحاء قرى ومدن القطيف، ويتجمعون في الساحات العامو ليأتي إليهم أساتذة البناء فيختار كل أستاذ مجموعة من هؤلاء العمال ليشغِّلهم لديه حسب مقاييسه الخاصة، وحسب الحاجة في العدد المطلوب، وبأجور يومية، وكان يسمى رئيس البنائين (أستاذًا) بالخبرة فقط، إذ هو الذي يقوم بإعداد وتخطيط الخارطة[4] ، وهندسة المبنى، وهو الذي يباشر لبناء بمساعدة عماله، وقد يبرز من بين هؤلاء من يتميز بالنباهة والدقة في العمل والديناميكية؛ فيختاره الأستاذ مساعداً له، وبعد أن تكون لهذا المساعد التجربة، والخبرة الطويلة قد يستقل بذاته، ويصبح أستاذاً.

وهكذا كان فن البناء تجربة وخبرة ليس إلا، دونما حصيلة دراسية علمية، والمثير للدهشة والإنبهار ليس في البناء بقدر ما هو في صلابة الأسس، ومتانة الجدران، والاهتمام بوضع بوضع وسائل التهوية. لذلك يعمر البناء زمناً طويلاً متحدياً عوامل الطبيعة من رطوبة، وملوحة، وتقلبات الطقس اليومية. من هنا نعلم بأن منطقتنا كانت تعتمد على الذات من عمالة وبناء وصناعات، ومن التأثيث إلى المأكل والمسرب، إلخ.

وقد كتب لهذا الزخم من العطاء الديمومة والإزدهار والحياة الرغيدة حتى وإن تخللت تلك الحقب قبل خمسة قرون من منغصات بسبب الكر والفر بين البرتغاليين والهولنديين، والعثمانيين والإنكليز، على حصة الأسد من الكعكة (الخليج العربي). ناهيك عن حراس الأسواق ليلاً ( النواطير) أو العسس، وعلى ذكر الصكة - فقد كانت هي السوق الرئيسية الممونة لمنطقة القطيف وباديتها حيث يتواجد فيها تجار الجملة والمفرد للمواد الغذائية والأقمشة، كم يوجد بين هؤلاء التجار المحليين تاجران أو ثلاثة من التجار الهنود أحدهم أسمه -كما أتذكر- تيكم، والأهالي ينطقونها تيكموه، والآخر اسمه (موترم)، وهم من البانيان -أي الهندوس- كما أعتقد، وهم البقية الباقية من جسور التعامل التجاري مع الهند الذين يجلبون سلعهم بواسطة ميناء القطيف وتسمى الفرضة، (المرحومة).

كما يوجد فيها الحرفيون من حدادين وخياطين وندافين أي صناع مفارش النوم القطنية والإسكافية، والخبازين، والحواجين (بتشديد الواو)، وهم باعة الأدوية العشبية ومركبيها. كما يتوجد فيها صاغة الذهب والفضة، وقد اشتهر هؤلاء بجودة الصياغة حيث تنافس أفضل أنواع الصياغة في الخليج العربي، ويوجد فيها ساعاتي واحد فقط، أي الذي يصلح الساعات الجيبية، وتسمى (راس كوب)، والجدارية، وآخر بجانبه يصلح الفوانيس.

من ذلك يتضح أن الصكة (السكة) هي بمثابة مجمع أسواق لمختلف أنواع التجارة والمهن، حيث كان طولها ربما يتجاوز المائتي متر من الشمال إلى الجنوب، وعرضها حوالي أربعة أمتار، ودكاكينها متقابلة على امتدادها ومتماسكة في بناء مرصوص، ما عدا نافدين ضيقين يبعدان عن بعضهما قليلاً، ويغطيها سقف جملون عال صنع من الكندل (الخشب)[5]  ومن الجريد والخوص، ويحدها جنوبًا شارع الحرية، وعلى جانبيه دكاكين، ويحده غربًا دروازة المخطب -أي بوابة كبيرة، ولا أدري لما ذا سمي هذا الشارع بالحرية؟ وكلك دروازة المخطب- وما تعني كلمة المخطب؟ ويقع حي الكويكب جنوب هذا الشارع مباشرة، وحي مياس شماله، وهذان الحيان لا يزالان ينبضان بالحيوية والتجديد، وشرق الصكة خي الشريعة وسوق الأغنام والإبل وتسمى الجبلة، وفي صباح عيد الفطر وعيد الأضحى تنقلب هذه السوق بين ليلة وضحاها من شبه زرايب أغنام، وروائح تزكم الأنوف، إذا بها تخلع ثوبها الرث فتصبح سوقًا نضرة، بل وكأنها مهرجان للأطفال في صباح هذين العيدين حيث الروائح العطرية تفوح من الأطفال فرحين مبتهجين بثيابهم الجديدة الناصعة البياض، وبجيوبهم العامرة بالروبيات والأنات - وهما عملتان معدنيتان هنديتان- ومبتهجين، كذلك، بهذه السوق التي لا يرونها إلا في صباح هذين العيدين لتمنحهم الدفء والبهجة والسرور، وتمطرهم بكل ما يخطر على ببالهم من لذ وطاب من مأكولات ومشروبات وألعاب اتناسب ذلك الزمن فتجدهم يتزاحمون على بسطات الباعة للسباق على الشراء، وكان كاتب هذه السطور أحد المئات من أولئك الأطفال.

وثمة كرنفال آخر لا يقل إسعادًا وبهجة من سوق الجبلة حيث يذهبون عصر ذلك إلى مدينة عنك حيث إخوانهم بنو خالد والمهاشير والهواجر والعليوات يقيمون كرنفالهم في هذه المناسبات الدينية السعيدة، وهناك تكتحل عيونهم بمشاهدة فرسان الخيالة، وتنافسهم الأخوي الرائع في سباق الخيل والعرضة -ولا يزال في عنك شراع يسمى شارع الخيل- ولكنه اليوم عامر بالبيوت والمحلات التجارية على جانبيه، بعد أن كان فضاء واسعًا تكسوه الرمال والأتربة، كما ويصاحب هذا السباق أكثر من عرضة وهي على شكل صفين منتظمين ومتقابلين، وبأيديهم سيوف مصقولة لماعة، يهزونها، ويلوحون بها يمنة ويسرة، وبين هذين الصفين آخرون يرقصون في وسطهم، وبأيديهم طبول كبيرةٌ ودفوف، وتسمى (الطيران) بكسر الطاء، ويغنون بألحان جميلة، ولكن الكلمات غير جلية المعنى بالنسبة لنا نحن الأطفال، ولكن الإيقاعات مجتمعة كانت في غاية التناسق النغمي، مما يبعث في النفوس الغبطة والإمتاع، وكان في أسفل بطونهم أحزمة جلية عريضة، وكذا على أكتافهم لحفظ الرصاص لاستعمالها عند اللزوم ولكنها خلية من الرصاص، إذ لم نسمع طلقة واحدة[6] ، وأظن أن ذلك ممنوع منذ حكم الملك عبد العزيز آل سعود منطقتي القطيف والأحساء حرصًا على ضبط الأمن، وسلامة الحضور، ولكي لا يقدح أحد الزناد عمدًا أو سهوًا فتصيب أناسًا رصاصة طائشة، وعندئذٍ قد تشعل فتنة لا قدر الله.

وفي الحقيقة إنها مشاهد جذابة ورائعة، علمًا بأنها مشاهد توحي للحضور لأول وهلة وكأنها حربية تمثل ابتهاجًا بانتصارهم في معركة ما، أو هي استعداد واستنفار لمواجهة معركة وشيكة الحدوث، وليس كرنفالاً، أو مهرجانًا تقليديًا. لكنه في الواقع فنٌّ رفيع في الفروسية والرقصات الفلكلورية الأصيلة المستمدة من وحي تراث الصحراء في الجزيرة العربية.

في ما تقدم دلالات على الرخاء والإعتماد على الذات والديناميكية في الإنتاج، وخصوصية اجتماعية من حيث التركيبة والنسيج المتجانس تمثل البساطة والعفوية، ولو لا فساد الإدارة العثمانية، وغياب الأمن والاستقرار منذ أن حكم العثمانيون منطقتنا حتى رحيلهم في مستهل ابريل 1913م - لو لا ذلك لكنا أسعد الشعوب وأوفرها حظًا آنذاك.

والجدير بالذكر هنا بأنه قد حدثني بعض المسنين (حينما جاء الملك عبد العزيز آل سعود لضم منطقة القطيف إليه خيم في البر غرب مدينة القطيف، وطلب من وجهاء البلد وزعمائها مقابلته، وكان للقاء بهم أخويًا حارًا ووعدوه بأن يكونوا بجانبه، ومن ثم اجتمعوا بقادة الأتراك وقالوا لهم بأن جيش عبد العزيز ضخم، ولا طاقة لكم بمواجهته، وإن لم ترحلوا بسلام فسوف لن نكون محايدين، بل سنقف معه. وهكذا رحلوا دون رجعة، ودون إراقة دم، وذلك في عهد السلطان محمد رشاد)، وعلى أية حال فإن الإسهاب في الحديث عن تراث منطقتنا، وبصماتها في التاريخ، وهي جزء من حضارة خليجنا العربي أمر شائق، ولا ينتهي بمجرد كتابة مقالة أو أكثر، أو تأليف كتاب، ذلك لأنها تحوي كنوزًا هائلة من الثقافة والإنجازات الحضارية الإنسانية، وفي نفس الوقت لا يعني بأي حال أن إبراز التراث، والتغني به لأنه أفضل من الحاضر كلا، حيث الحاضر بعلومه , وثرواته الخيالية، وتقنياته واكتشافاته المذهلة إذا ما وظف كل ذلك لصالح الإنسان وإسعاده دون تمييز، فلا يساور أحدًا الشك في أن الحاضر أفضل من الماضي.

ولو تحقق ذلك فرضيًا فلا غنى لأي شعب كان عن التغي بتراثه لأنه جزء من مكونات جذوره الحضارية، وكذلك فإن عشقه لتراثه هو للتأمل لكي يعطيه زخمًا وحافزًا نحو التطلع لإصلاح أمره، ومن ثم الارتقاء إلى الأفضل.

وكل ما أوردته هنا ما هو إلا لمحات بسيطة، ومساهمة متواضعة في إبراز جانب من تراثنا.

[1]  هذا في اللهجة الدارجة، وفي الفصحى بضم الحاء (الواحة)

[2]  الجحلة: إناء لحفظ الماء كالحُب لكنها أكبر منه . (الواحة)

[3]  يسمى (الزنبيل) في بعض بلدان الخليج.- الواحة

[4]  نظن أن الكاتب الكريم استخدم الخارطة والهندسة مجازًا، إذ لم تكن إعداد الخرائط مستعملاً في المباني، وإنما يقوم العمال بحفر أساسات المنزل حسب اقتراح البنَّاء وموافقة صاحب المبنى وعلى رسوم تلك الأساسات يشاد المبنى وحسب، ولعل ما يلفت الانتباه أن تلك المباني، مع هذا، كانت تعمر مئات السنين (الواحة)

[5]  تنطق محليًّا ( چندل) بالجيم المثلثة، والكلمة فارسية محرفة عن ( چندن) وعربيها صندل. ( الواحة)

[6]  عادة يطلق الرصاص في الهواء في هذه الألعاب تعبيرًا عن الابتهاج.
القطيف.
305235