فلسطين والقدس في الشعر السعودي
الساحل الشرقي نموذجاً
عقيل بن ناجي المسكين * - 4 / 3 / 2011م - 7:32 ص - العدد (23)

مقدمة

الطابع العام للأدب العربي في المملكة العربية السعودية هو الالتزام؛ بما لهذه الكلمة من معنىً، حيث أن الأدب الملتزم يحافظ على أصالته العربية ومقوّماته التي درَج عليها منذ القدم حتى عصرنا الحاضر، مع الحفاظ على إسلامية المنطلق، وإنسانية الشمول والتلاقي مع الآخر، ولا يعني ذلك تناقض المدارس الأدبية في مضمار الوطن الواحد وإنما الاختلاف يكون في أسلوب الطرح الفني بينما المضامين والغايات واحدة ومتفق عليها، ولعل أبرز القضايا والموضوعات الهامة التي يتطرق لها الأدباء في المملكة هو موضوع القضية الجوهرية للأمة، المتمثلة في مأساة الوطن الفلسطيني السليب والشعب الفلسطيني المضطهد منذ أكثر من نصف قرن حتى الآن، وقد تناول الكثير من أدباء المملكة من مختلف مناطقها في موضوعاتهم الأدبية هذه القضية من مختلف الجوانب، وبعدة أشكال أدبية منها الشعر، القصة القصيرة، الرواية، المسرحية، المقالة، الخاطرة، ولعل الشعراء - وبحكم قرب الشعر من الحالة الجماهيرية ولأنه أكثر التصاقاً بالثقافة العربية ولكون العرب أمة شاعرة - هم أكثر من تطرق إلى هذا الموضوع الحساس، فقد سخّروا هذا الفن العربي الأصيل لبث مشاعرهم الصادقة تجاه هذه القضية المصيرية، وبتصفح سريع لديوان الشعر السعودي لأي شاعر من الشعراء من مختلف المدارس الأدبية فإنه لابد أن يتطرق إلى هذا الموضوع، كل حسب الزاوية التي يراها مناسبة للتعبير الصادق عن القضية وتداعياتها بموجب ما تستجيب لها مشاعره وأحاسيسه ورؤيته الأدبية.

فهذا هو الشاعر محمد حسن فقي من الساحل الغربي (الحجاز) في قصيدته (فلسطين الدامية) التي كتبها قبل تسعة وثلاثين عاماً في جدة بتاريخ 5 ذي الحجة عام 1384هـ، يبكي على ضياع فلسطين ويحمل العرب ذلك بسبب تخاذلهم عن نصرة الحق فيقول:

كانت فلسطين تاجاً فوق هامتنا

فكيف فازت بها هام الشياطين

من العروبة والإسلام نابتة

فكيف تنزعها كف الصهايين

لولا تخاذلنا ما كان منـزلهم

بها مدى الدهر إلا منزل الهونِ[1] 

 

والشاعر حسن القرشي في ديوان (فلسطين وكبرياء الجرح) يحث الأمة على النهوض، وإعادة كرامتنا بالنصر المؤزر فيقول في قصيدته (درب النضال):

لا تحسبوا درب النضالِ شائكا

لا تذكروا الجندل فيه والحصى

ولا تصدقوا يا أخوتي أنّا انتهينا

إنّا مضينا في الطريق رغم الأسى

رغم احتضار الأمنيات رغم إقفار الجنى

هل ننتهي ؟ وكيف يا قوافل الأجداد

نحن ننتهي ؟ يا موكب الأجداد يا تلهُّفَ القرون!

 

إلى أن يقول:

أنستكين ؟ هل لنا أن نقهرَ الأجيال ؟

يا رفقتي وا ضيعة الرجال

إذا استكان الأسدُ في العرين

إذا تناسوا صيحة السنين

وحزننا الكبير.. يا رفاق حزننا الكبير

سوف يظل رائداً يهتف بالمسير

حتى نرى الصباح حتى نبصر الضياء![2] 

 

أما الشاعر أسامة عبد الرحمن، من مواليد المدينة المنورة في قصيدته (فلسطيني) يعبر عن صدق الفدائي الفلسطيني وقيامه بواجبه تجاه وطنه وقضيته العادلة فيقول:

حفرتُ المجدَ في تلك الربوعِ

بنهر من دمي لا من دموعي

ومن ثأر تأجج في فؤادي

زرعت على الدجى بعض الشموعِ

وفي المقابل يسخر الشاعر من التخاذل العربي عن نصرة القضية الفلسطينية والقدس ويقول من ضمن قصيدته (زمجري يا ريح):

نحن يا بيداءُ جيلٌ

باتَ للذلّة بؤرهْ

لاحقتنا نقمة الأجدادِ

من عبس و مُرَّهْ

سقطت حطينُ ضاعت

كل أشعار المعرّهْ

وسبى نيرون ليلى

وسقى التاريخ جورَه

صدئ السيفُ فلم

ينهض لثأرٍ أو لثورَهْ

قد مضى الرعدُ ولم يكـ

ـتب على الصحراءِ قطرَهْ

ومضى العزّ ولم ينشر

على التيجانِ عطرَهْ

وانتهى المجدُ وما زلنا

نياماً في الأسرّهْ

زمجري يا ريحُ في

البيداءِ فالبيداءُ قفرَهْ

[ أسامة عبدالرحمن، شمعة ظمأى - دار تهامة - 1403هـ 1983 م - ط1- ص 21 ]

أما الشاعر علي الدميني في ديوانه رياح المواقع فيغني الألم الفلسطيني بطريقته الخاصة عبر رمزيته الشعرية مستخدماً النظم الحر فيقول في نص (البواخر) معبراً عن خروج الفلسطينيين من بيروت في أزمة الثمانينيات:

في طولها بيروت.. في زيها عكا.. وأنا على الإسفلت.. استنطق القتلى.. وأبوح حيث أبوح.. بالحزن والدفلى.. من يعرف الطابوق.. وحدائق الخشب.. سقط المدى في الصمت.. زماننا "ملهى" .. طرِد الفلسطيني.. وزناده المنفي.. خرج الفلسطيني.. وعيوننا مبكى.. صمد الفلسطيني.. وقلوبنا حجر.. ذُبح الفلسطيني.. وأتى "زمان الصمت" .

.. هل بحت بالأسرار.. أم أنني مازلت.. أهذي ولا أهذي.. وأعضُّ هذا الصوت..[3] 

25/11/1402هـ

 

ولدى أغلب الشعراء السعوديين الكثير من القصائد في هذا الموضوع، وبعضهم أفرد دواوين كاملة عن فلسطين، وبعضهم أفرد فصلاً خاصاً عن فلسطين في دواوينهم الشعرية، كما شارك الكثير من الشعراء في المناسبات الوطنية ويعرّجون في قصائدهم على هذه القضية الأم لأهميتها لدى المواطن والمواطنين وقادة هذه البلاد العزيزة..

وقد رأيت أن أكتب في هذا المجال، ولكن ليس بشيء من التوسع حيث سأتطرق إلى بعض الشعراء من منطقة الساحل الشرقي -على سبيل المثال لا الحصر- باعتباري من مواطني هذه المنطقة، وأحب أن أقدّم لها بعض كتاباتي وإعداداتي الثقافية والأدبية من باب الرصد والتوثيق الإنساني للنشاط الثقافي لهذه المنطقة، فرأيت أن أتطرق لهذا الجانب الإنساني ممن لديهم قصائد في فلسطين، واخترت التعليق على بعض هذه القصائد لتوفرها لدي هذا من جهة، ومن جهة أخرى لإبراز جانب مهم من جوانب الشعر العربي الأصيل لدى شعراء هذه المنطقة متمثلة في القطيف والأحساء باعتبارهما حاضرتي المنطقة منذ قديم الزمان حتى عصرنا الحاضر، ولوجود الكثير من الشعراء في هاتين المنطقتين على امتداد الساحل الشرقي من المملكة العربية السعودية، وقد تناول الشعراء في هذه المنطقة الكثير من الموضوعات والمضامين الإنسانية، ومنها قضيتنا الأم والجوهرية قضية فلسطين ومأساة الشعب الفلسطيني الأبي.

إن رؤيتي لمجمل النصوص الأدبية بمختلف ألوانها واتّجاهاتها تكون في إطار هذا الإقليم أو المحافظة أو المنطقة، أو بمعنىً أدق (منطقة الساحل الشرقي من المملكة العربية السعودية) وهذه الرؤية تتوازى مع حركة مجتمع هذه المنطقة وتاريخها عبر الزمن حتى عصرنا الحاضر، تتوازى مع السياسة.. الاقتصاد.. الاجتماع.. تتوازى مع حقيقة الحركة الأدبية وما وصلت إليه بالفعل في هذا المجتمع لا بما يُنظر إليها بمثالية كأولئك الذين ينشدون مدينة الفارابي الفاضلة أو ما أسموه بالحداثة ظلماً وبهتانا - وما هي من الحداثة الحقة في شيء - الحداثة التي لم ولن يصلوا إليها ما داموا يتخبّطون خبط عشواء ويبتعدون عن منبع الأصالة العربية، وتراث الحضارة الإسلامية..

أنا لا أدعو إلى الإقليمية بمعناها البغيض.. الإقليمية التي تفصل المجتمع عن باقي الأمة، ولكنني أدرس هنا مجتمع هذه المنطقة باعتباره يستوطنها منذ آلاف السنين وله عمق تاريخي مسجل في كتب التراث والأدب والتاريخ وأيام العرب، وله امتداد حضاري عبر الدول والممالك حتى عصرنا الحاضر، أدرس هذا المجتمع من الناحية الأدبية لما لهذا الجانب من أهمية للتعرف على أنماط التفكير الأدبي والاتجاه الثقافي لهذا المجتمع، ومدى ما توصل إليه من إبداعات إنسانية تعبر عن مشاعره وأحاسيسه الكامنة في داخله.. إنني أدرس - بطرح هذه الموضوعات - إنسان هذه المنطقة وما يحمله من الرؤية والوعي والبصيرة تجاه أكبر قضية عايشها الإنسان المعاصر، ألا وهي قضية فلسطين ومأساته الدامية.

وكان من المفترض أن تكون هذه الدراسة موسعة لهذه المنطقة على شكل كتاب أعددت له الكثير من المواد لإنجازه من المقالات، والقصائد، والمصادر والمراجع - آمل أن أوفق لإتمامه -، إلا أنني أثبتّ مختصراً على شكل تأمّلات انطباعية لينشر في "الواحة" لتناسبه مع تسارع الأحداث واحتدام القضية، وسخونة الساحة الفلسطينية، وليعذرني القارئ العزيز إن وجد في هذا الإعداد السريع أي قصور وإنما جاء هكذا تفاعلاً مع القضية ومحاولة سريعة للتعريف بالشيء ليس إلا مصداقاً للحديث القائل " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان "..

انطباع ذاتي

قبل الشروع في وضع هذا الإعداد الأدبي الانطباعي أحب أن أسرد بعضاً من مشاعري الشخصية التي تتسم بالذاتية جنباً إلى جنب مع المشاعر العامة تجاه القضية التي أصبحت منذ حوالي نصف قرن قضية جميع المسلمين على وجه هذه المعمورة، وليست قضية العرب فقط،.. كنّا نسمع منذ طفولتنا عن جرائم اليهود في فلسطين وقد خدشت تلك الجرائم صفحات طفولتنا.. حفرت على سطورها الكثير من الأسئلة التي لا عدّ لها ولا حصر.. حتى بدأنا نتفهم للواقع المزري الذي تعيشه الأمة العربية خاصة؛ والمسلمون بشكل عام؛ وقرأنا الكثير عن الهزيمة الحضارية التي مُنِيت بها الأمة الإسلامية منذ سقوط الخلافة بمؤامرات خطط لها اليهود بالتعاون مع العلمانيين في تركيا آنئذٍ؛ وقبل ذلك أيضاً بقرون عندما تحولت الدولة الإسلامية إلى ملك عضو على يدي خلفاء بني أُمية ومن ثم بني العباس وما بعدهم حتى آخر خليفة في الدولة العثمانية التي سُميت بالرجل المريض؛ بينما كانت أوروبا قد دخلت الحضارة من أوسع أبوابها بعد أن سرقت أسرار البناء الحضاري والرقي في ميادين العلم والتقدم من الحضارة الإسلامية..

لقد كنا نتابع الأخبار عبر الإذاعات، ونقرأها في الصحف والمجلات إلى أن رأينا رأي العين في أكثر من فضائية عربية وأجنبية، ورأينا كيف يتساقط شهداء الانتفاضة الثانية شهيداً تلو شهيد.. نعم رأينا كيف قُتل الشهيد محمد جمال الدرّة كما رأته الملايين من كافة دول العالم.. ولا زالت الدماء تسيل منذ الاجتياح اليهودي الذي قامت به عصابات الصهاينة عام 1948م مروراً بالعقود المتتالية حتى تاريخ كتابة هذه السطور وقد اعتدت القوات الصهيونية بشراسة على عدة مدن وقرى فلسطينية، وقتلت المئات وجرحت الآلاف وهدّمت الكثير من المساكن والمنشآت. وكنت كلما سمعت عن خبر مفجع عن فلسطين المغتصبة وشعبها المضطهد وحقوقهم المضيعة، أسأل نفسي الكثير من الأسئلة ولعل أهمها:

(ما هي مسؤوليتنا تجاه القضية الفلسطينية ؟..

أو بالأحرى.. ما هي مسئوليتي الشخصية تجاه هذه القضية المركزية ؟..)

بالطبع إن مسئولية جميع المسلمين هي التأييد المطلق للحق الفلسطيني باعتبار أن أرض فلسطين مغتصبة من قبل اليهود، وأن شعبها المضطهد والمشرد لا بد أن يعود إلى أرضه وأن يتسلم كافة حقوقه؛ ويستلم زمام أمره وتقرير مصيره على أرض وطنه الأم؛ وأن يخرج اليهود الصهاينة من أرض فلسطين كما دخلوها.. وليس هذا التأييد والإيمان بالحق من قبيل التفكير المنطقي السليم الموافق للضمير الإنساني فحسب، بل إنه يعتبر جزءاً لا يتجزأ من إيماننا بالله والرسول والدين الإسلامي وتعاليمه السمحة، حيث أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالجهاد بمختلف أشكاله، والقرآن الكريم ينطق بذلك في كثير من آياته الكريمة وكذلك السنة المطهرة ممثلة في أحاديث وحِكم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)..

لا زلت أتذكر عندما كنت في المرحلة الابتدائية من 1394هـ حتى 1399هـ كيف كانت نفوسنا تتوق لتقديم أيّ مساندة لفلسطين خصوصاً عندما يعلن لنا مدير المدرسة أن في اليوم التالي سيتم جمع ريال فلسطين من جميع طلاب المدرسة، بل من جميع طلاب المدارس في المنطقة وقتئذٍ؛ وأراني في عصر ذلك اليوم أخبر والديّ عن هذا الموضوع حتى يبادرا بإعطائي ريالاً آخرَ مع مصروفي لكي أدفعه بكل فرحٍ وسرور مساهمة لنصرة القضية الفلسطينية، ودعم مسيرة الجهاد لتحرير القدس ودحر اليهود.. أتذكر ذلك جيداً وقد مضى حتى تاريخ هذه السطور أكثر من ربع قرن..

لا زلت أتذكر ذلك المقال القصير الذي كتبته في إحدى المجلات العربية بعنوان "مؤتمرات الاستسلام لا السلام" وعمري وقتئذٍ 19 سنة، وكذلك ما كتبته عن فصول الجرائم اليهودية والعمليات الإرهابية التي قامت بها بحق الشعب الفلسطيني المضطهد، وقد كانت مؤتمرات السلام تعقد بعد أن اشتعل فتيلها في كامب ديفيد على يَدي "مناحيم بيجن" رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك والرئيس الأمريكي "جيمي كارتر" والرئيس المصري "أنور السادات" ، ثم ظهرت في الأفق بوادر انعقاد مؤتمرات بين اليهود ومنظمة التحرير الفلسطينية ممثلة في قائدها "ياسر عرفات" ، وبدأ بالفعل العد التنازلي لهذه المنظمة حتى ترضخ بالفعل مُسلّمةً بما أسموه بالسلام، و تقبل ببقاء الحكم الإسرائيلي، حتى رضيت مؤخراً في السنوات القليلة الماضية بالحكم الذاتي في قطاعين صغيرين جداً نسبة إلى مساحة الأرض الفلسطينية المحتلة، بل رضيت أيضاً أن تكون شرطياً يعمل لصالح إسرائيل ضد أي حركة جهادية أخرى تعمل على مقاومة الاحتلال، والغريب في الأمر أن جميع الحكومات العربية وقفت جنباً إلى جنب مع "ياسر عرفات" ، وأمدته بالمال والمساعدات المادية والمعنوية إرضاء للبيت الأبيض الأمريكي..

لا زلت أتذكر تلك القصائد الساذجة التي كنت أكتبها أيام المرحلة المتوسطة رغم أن عمري آنئذ كان صغيراً إلا أنني كنت أتفاعل مع الأحداث وأنفعل بها حتى أنني لا زلت أحتفظ ببعض أوراقي القديمة لقدسيتها لديّ، ولأنني أحترم الروح الصادقة التي ألهمتني حب الخير لكل الناس ولجميع المسلمين على وجه البسيطة بل لجميع الإنسانية مادامت تسير على منهج العدل والسلام..

وقد أحببت أن أقدم شيئاً للقضية الفلسطينية فلم أجد شيئاً أحب إليّ من الأدب الملتزم، وهو أحد جنود فلسفتي في هذه الحياة، خصوصاً أن الأدب هو أجمل ما في الوجود لأنه يحاكي حلاوة الحق؛ ونقاء الإيمان؛ و صفاء الضمير؛ وسمو الإنسانية، ويترجم نوتة القلب، وغناء الحب إلى لغة جميلة مستساغة وساحرة لكلّ من يدنو منها ويتلقّاها..

من هنا وجدتني أبحث عن أغلب ما قيل من الشعر لدى شعراء الساحل الشرقي من بلادنا الحبيبة في القضية الفلسطينية، وأقصد بالساحل الشرقي أي ما حاذى ساحل الخليج من الجزيرة العربية وما يعرف بالمنطقة الشرقية التي تشمل الكثير من المدن و القرى التابعة لها، ووجدت رغم تقصيري في عملية البحث الكثير من القصائد في هذا الموضوع وهي تتفاوت في المستوى الإبداعي بين الممتازة والمتوسطة والجيدة والمقبولة والرديئة، ووجدت أيضاً بعض المنظومات المناسبة وقد أدرجتها في المجموعة، خصوصاً وأنني سمحت لنفسي أن أتخذ منهجية البحث عن جماهيرية القضية في وجدان مجتمع هذه المنطقة بشكل عام، وليس لدى نخبة الشعراء فقط، إلا أنني لم أبخس النخبة من الشعراء حقهم في إبراز نصوصهم الراقية والتنويه بها وبشاعرية قائليها، ووضعتها في مكانها المناسب لا على سبيل المجاملة وإنما التزمت بمعايير الاختيار التي وافقني على وضعها ثلة صديقة من أدباء المنطقة، لا سيما الأديب الشاعر السيد عدنان العوامي مدير تحرير الواحة على ما بذله معي من مجهود يشكر عليه لإظهار هذا الإعداد.

وبحكم حرارة الساحة الفلسطينية وما يعاني منه هذا الشعب المضطهد وسقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى على يدي سفاح الكيان الصهيوني " شارون "، وبحكم هذا التسارع غير الطبيعي في الأحداث أردت أن أقدم هذا المشروع الأدبي بشكل مختصر عبر صفحات (الواحة) من باب المشاركة الوجدانية مع الشعب الفلسطيني المظلوم، ومناصرة قضيته العادلة، فرأيت أن أعد هذا الملف المختصر عن الانطباع الأدبي لبعض قصائد شعراء الساحل الشرقي حول فلسطين والقدس ومآسي الشعب الفلسطيني المظلوم..

دعوة لتطبيق المنهج الإحصائي

لو طبّقنا المنهج الإحصائي لكل ما قيل وكتب من الشعر في هذه المنطقة، وقمنا بتصنيف هذا الشعر وفق أغراضه وموضوعاته، وكذلك قسّمنا هذه المجاميع الشعرية للعقود الماضية [ خلال القرن الماضي على أقل تقدير ] حتى الآن.. حينئذ ستتضح لنا خارطة الشعر في المنطقة بطريقة علمية أكثر دقة من الإطلاع الفردي وإصدار الأحكام الجزافية و الإجمالية..

إن الشعر في هذه المنطقة لم يُنصف حتى الآن؛ ولا يزال الكثير من أدبها لم يُلتفت إليه من قبل الباحثين والنقّاد سواءً المطبوع منه أو المخطوط، وأكثر ما يصدر من النقد والقراءات بين الحين والآخر تعتبر نقداً سريعاً؛ و قراءات انطباعية إجمالية؛ وليست تفصيلية عادلة.. نحن بحاجة إلى إعادة قراءة ديوان أشعار المنطقة قراءة ثانية أكثر جدِّيةً من ذي قبل، وربما لو تعدّدت مناهج النقد في دراسة هذا الشعر لأثرينا الساحة بكثير من القراءات النقدية المفيدة فهناك كما هو معروف عدة مناهج في النقد منها المنهج الفني و التاريخي والنفسي والمتكامل ومنها المنهج الإحصائي، وهذا المنهج يفيدنا في معرفة الكم من النتاج بشكل عام إضافة إلى أنه يفيدنا في معرفة الكم النوعي أيضاً وهو أهم من الكم العددي بكثير وهو ما يعتمد عليه الناقد في رؤيته النقدية وتشكيل الرؤية عن هذا الشعر وموضوعاته واتجاهاته ومضامينه.

إن تقسيم أغراض الشعر في المنطقة بطريقة مدرسية لا يعني أن هذا التقسيم هو النتيجة المحصلة من بحث مضنٍ وتقصٍ دقيق لكل ما وُجِد من الشعر في هذه المنطقة؛ فلعل وعسى تتغير النظرة الناقدة للمتابع والمتفحص للنتاجات الشعرية في هذه المنطقة فيما لو تم البحث بطريقة أكثر علمية وأكثر إمعاناً في النظر لما هو موجود بالفعل من الكم الهائل من هذه النتاجات – أعني لو أنه طبّق المنهج الإحصائي -؛ وإنِّي ألتمس لأديبنا الأستاذ حبيب محمود العذر في ذلك حيث أن كتابه المخطوط (الشعر القطيفي في 40 عاماً 1370هـ 1410هـ) الذي كتبه بُعيد عام 1410هـ ونحن حالياً في عام 1422هـ وقد أشار إلى تقسيم أغراض الشعر في المنطقة إلا أنه - برأيي - لم يحصل على أكبر عدد ممكن من النتاج الشعري للمنطقة خلال الأربعين سنة التي أشار إليها، واعتمد على نظرة إجمالية ليس إلا- ثم إن ما كتبه أصبح تاريخاً - وخلال هذا العَقد المنصرم تتغير الكثير من النظرات تجاه الأدب فتقوم دولة أدبية وتسقط أخرى، و يبرز فارس شاعر ويكبو فارس آخر، والرؤية النقدية لأي أدب ما ربما تتغير بين حين وآخر بتغيّر الزمان واختلاف الظروف..وربما - أيضاً – يتم اكتشاف الكثير من الإبداعات الحقيقية في خبايا الحياة بمنطقة ما وعند شعب ما، خصوصاً أن الكثير من المثقفين والأدباء يضنون بالكثير من المخطوطات ولا يسمحوا لأي كان الاستفادة منها أو حتى تصويرها وتوثيقها.

بعض الآراء حول شعر المنطقة

أتذكر ذات مرة أن أحد الأكاديميين المتخصصين في الأدب العربي وهو الدكتور محمد محمود رحومة -من مصر الشقيقة- عميد كلية المنيا سابقاً وأستاذ الأدب والنقد بكلية البنات بالرياض خلال الأعوام 1997م حتى أواخر 1999م وقد اطّلع على مجموعة من دواوين الشعر لأدباء وشعراء القطيف فأثنى كثيراً على هذا الشعر وذكر لي بأن أدب هذه المنطقة مظلوم، كما أن المذكور اطّلع على بعض القصائد في الشعر الساخر لشعراء المنطقة خلال المائة سنة الماضية فأعجب بها كثيراً وقال بالحرف الواحد: " إنها تستحق أن تدرس في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه لتميّزها "

كما أن أديباً مصرياً كبيراً هو الأستاذ عبد الرحمن شلش - رحمه الله- ذكر لي بما مفاده أن شعر وأدب المنطقة مليء بعالم البحر والشطآن؛ وما في هذا العالم من عجائب سواء في الشعر الفصيح أو الشعر العامي أو القصة والرواية، والمجتمعات الساحلية تتميز بالانفتاح على العالم أكثر من غيرها، وهذا يعني وجود مزايا خاصة لأدب هذه المنطقة نظراً لموقعها الجغرافي وطبيعة بيئتها الساحلية وينبغي أن يدرس انطلاقاً من هذا المنحى.

أما الشاعر الأستاذ بدوي السعيد راضي صاحب ديوان (خولة لا تقرأ الشعر) و (مأتم الصعاليك)، وهو شاعر مصري معروف، عمل في سلك التدريس والإشراف في بعض المدارس بالمنطقة الشرقية، وهو من جيل الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور.. فهو يؤكد دائماً من خلال جلساتنا الأدبية ومسامراتنا الثقافية العامة على أهمية مواكبة أدب المنطقة لما هو عصري وحديث في عالم الثقافة والأدب بشكل عام وعالم النص الشعري الحديث بشكل خاص مع عدم نسيان أو تناسي الخصوصيات التي تميز المنطقة عن غيرها، وهذا برأيي عين الصواب لأنه يتوافق والمنطق العقلائي لتعامل الإنسان مع عصره بلغته لا بلغة الماضي والاتكاء على الموروث فقط..

أما الكاتب الأستاذ زكي الميلاد رئيس تحرير مجلة " الكلمة ".. فيؤكد بأن أدب المنطقة يحتاج إلى استفراغ من كافة مضامينه وفنيّاته في قوالب نقدية علمية لها طابع أكاديمي بحت، وأنا مع هذه الآراء لأنها باعتقادي تصيب عين الحقيقة فيما يختص بأدب هذه المنطقة..

وعليه فإن شعر المنطقة فيما لو قمنا بتقسيمه حسب الموضوعات الحيوية وتماسها بالواقع وحركة الإنسان عبر السنين وأدوار الزمن فإننا سنتطرق إلى الكثير من الأبواب والموضوعات والمضامين الحية؛ ومنها - خلال الخمسين سنة الماضية - الشعر المناصر للقضية الفلسطينية ومأساة الشعب السليب في فلسطين المغتصبة، وقد وجدت الكثير من القصائد في هذا المضمار تختلف في أسلوبها وتناولها للموضوع والزوايا التي انطلقت منها للتعبير عن قضيتنا الأم، ورأيت أن أعدّ ملفاً عن هذا الموضوع عبر مجلتنا (الواحة) مستفيداً من فكرة طالما راودتني حول إصدار كتاب أدبي عن شعر المنطقة في تناوله للقضية الفلسطينية إلى أن جاءت هذه الفرصة لنشر محطات وتأملات واختيارات تشكل هذا الملف ليصب في مناصرة الوطن السليب والشعب المقهور في فلسطين.

من البوادر الأولى للتفاعل مع القضية الفلسطينية:

لقد تفاعل مثقفو وأدباء وشعراء المنطقة مع الأحداث من حولهم، فما أن يصاب أي شعب من الشعوب العربية أو الإسلامية بأي مكروه أو تتوالى عليه نكبات الزمن حتى يتعاطف معه ويُبدي تفاعله بالرأي والنتاج الثقافي والفكري والأدبي ولولا الحواجز المصطنعة والحدود الوضعية التي خلّفها لأمتنا " الاستعمار " البغيض لتغيّرت معادلة التغيير والمواجهة مع الأعداء ولكانت يد العون تُمدّ بالعمل والمشاركة بالعمل بدلاً من القول والتعاطف القلبي فقط، وبشيء من التصفح لديوان شعر المنطقة خلال القرن الماضي نلاحظ أن الكثير من الشعراء يبثون لواعج الأسى والحزن على ما يصيب إخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها، بل إن المشاركة الوجدانية امتدّت إلى ما هو أبعد من ذلك حيث نقرأ بعض القصائد لمصائب الإنسان في العالم أجمع وما خلفته الحروب منذ الحرب العالمية الثانية حتى عصرنا الحاضر، فكيف بمصائب أمتنا الإسلامية وما لحقها من التفرق والانقسام وتكالب الأعداء عليها من كل حدب وصوب، وأبرز قضية تفاعل معها الشعراء هي مأساة الوطن السليب والشعب المقهور في فلسطين، فما أن ظهرت النوايا الأولى لاختيار فلسطين لتكون وطناً لليهود حتى ظهرت موجات الاستنكار عند الكثير من الشعراء والأدباء والمفكرين، ونقرأ في هذا الموضوع ما كتبه الشاعر الشيخ محمد حسن النمر عام 1923م وعام 1924م، حيث حصلت من نتاجه الشعري على قصيدتين من رئيس تحرير (الواحة) الأستاذ محمد النمر، وهما من أقدم ما حصلت عليه مجلة الواحة من القصائد في هذا الموضوع بخط الشاعر - رحمه الله - وهما من مقتنيات أسرة "النمر" ، و هاتان القصيدتان لم تنشرا في ديوان أو في أي كتاب من قبل وتنفرد مجلة الواحة في هذا العدد بنشرهما عبر هذا الملف، والقصيدتان كتبتا قبل تسعة وسبعين عاماً أي قبل دخول العصابات الصهيونية لفلسطين عام 1948م بربع قرن حيث تظهر بين الحين والآخر وقتئذ نوايا اليهود على شكل مؤتمرات ولقاءات إبرازاً لمشروعهم المستقبلي بتكوين وطنهم الموعود.

مع قصيدتي الأديب الشيخ محمد حسن النمر في فلسطين

كتبت الأولى عام 1923م والثانية عام 1924م، ويقول الأديب النمر عن الأولى أنه نظمها في سنة 1923م وألقاها تلميذه في مدرسة الغري في النجف بمناسبة عيد الفطر في مجلس عميد النجف وقتئذٍ الشيخ جواد عرب، وفي الأصل إحدى عشر بيتاً وهي من بحر الخفيف:

يقول الشاعر في قصيدته الأولى:

ليس للعيدِ بهجةً في سوانا

فاسعدونا عسى ننال منانا

علنا نصلح البلاد بعلمٍ

علنا نستفيقُ مما عرانا

أمة العرب ليس للعرب عيد

كيف والشرقُ خاضعٌ لسوانا

قد جهلنا حقوقه فاعتراهُ

ما اعترى الغرب عند يوم هدانا

فخضعنا لغيرنا باختيارٍ

واحتسينا من الزمان هوانا

فدهتنا أوهام قوم دهتنا

فإلى الله نشتكي مَنْ دهانا

قل لمن رامَ أن يحطّ عُلانا

ويكَ صبراً فعنْ قريبٍ ترانا

ويقول في قصيدته الثانية:

(نظمتها 1924 عندما أعلن قرار [فورد] بتكوين فلسطين وطناً لليهود) ولعله يشير إلى وعد بلفور الذي أعلن عام 1917م، وتتكون هذه القصيدة من عشرين بيتاً من البحر البسيط، والقصيدة فيها عتاب شديد للأمة على تقاعسها وانهزامها أمام أعدائها الذين يعيثون فساداً في الأرض ويدبّرون المؤامرات والدسائس لإذلالها وهوانها..

دعِ الحياةَ بغير السيف والقلمِ

واشحذ ضباك وجرّد ماضيَ الهممِ

بالسيفِ تحيى إذا رمتَ الحياةَ عُلاً

وباليراعِ فخذْ ما شئتَ من عِظَمِ

تروم حقاً بلطفِ الخصمِ ذا حمقٍ

الحقّ بالسيفِ إن السيفَ ذو ذممِ

إن كان أكثر منك الخصم في عددٍ

وفي عتادٍ فكن من أثبتِ القدمِ

ما نال جدّك ذاك العزّ في كسلٍ

بل باليراعِ وحدّ السيفِ واللجُمِ

ولم يهنهُ عدوٌ كيف ما كثرتْ

أعداؤهُ بل عُلاهُ في ذُرى القممِ

إنا لنفخرُ مهما جاء في خبرٍ

ذكر لأجدادنا في العلمِ والحكمِ

يا صاحِ كم مصر من قحطان مضطهدٍ

وفي العروبةِ با للهِ سفكُ دمِ

وناصبٍ فخَّهُ في قنصِ إخوتهِ

كقانص الصيدِ في الأحزامِ والجرمِ

وبايعٍ شعبهُ في نيلِ مأربهِ

وبايحٍ إرثهُ نهباً لمغتنمِ

يباعُ حرٌّ بسوقِ النخسِ في ثمنٍ

بخسٍ وكانَ أبوهُ منقذَ الأممِ

أينَ العهود التي كانت لنا قُطعتْ

نعم بـ "قبرص" أودت ناشرَ العلمِ

وفي فلسطين قحطانٌ تئنُ بها

ونحن نبصرها للهِ منْ حِكَمِ

 

آهٍ لقلبي قد شقّت حرارتهُ

وهاج من قيِّ ما ألقاهُ من ألمِ

حتى اليهود لهم في أرضنا مرحٌ

تعيثُ فينا وتحضى أطيب النعمِ

اللهُ.. قومي هل ماتت عزائمكمْ !

أما استقيتمْ مياه الحزمِ منْ عرِمِ

قبّ البطون لكم والماضيات معاً

فأين تلك وذي هل صرن في العدمِ

فأطلقوا نجبكم في نيل مأربكمْ

وصيّروها ضروساً حرب منتقمِ

ليعلم الغرب أنّا نسل من سلفوا

لا يخضعون لغير الحقِّ والنّظُمِ

قومٌ قرومٌ فما لانتْ قناتهموا

إلا إلى اللهِ والتاريخِ كالعِلَمِ

فلسطين في إبداعات الشاعر خالد الفرج

في هذا المضمار نقرأ ما كتبه الأستاذ الأديب عبدالله شباط عن الشاعر خالد الفرج واهتماماته بالقضية الفلسطينية وأثر ذلك في شعره:

"ما أن تطأ قدمه أرض المملكة حتى يتلقه الأمراء والأدباء ليقدموه إلى جلالة الملك عبد العزيز الذي رحب به.. وقد أعجب به الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية آنذاك فأغدق عليه من عطفه وطلب منه الإشراف على الإذاعة السعودية فقام بتنسيقها والإشراف على برامجها فترة حتى أسندت إليه بلدية القطيف عام 1354هـ.. وفي عام 1370هـ استقال من منصبه في بلدية القطيف واستقر بالدمام حيث أسس فيها مطبعته (المطبعة السعودية) التي تولّت طباعة مجلة "الخليج العربي" في أعدادها الأولى.. وفي أوائل 1373هـ انتقل إلى دمشق وأقام حتى وفاته في عام 1374هـ".

"لقد عالج خالد الفرج في شعره العديد من الأغراض فكان في كل ميدان ذا القِدح المعلّى.. وعاصر مأساة احتلال الإنجليز للخليج واحتلال اليهود لفلسطين ومأساة الجزائر والمغرب العربي والحرب العالمية الثانية وتأسيس جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة والحرب الكورية، فجاء شعره مصوّراً لتلك الحالة الفوّارة التي كانت تسود العالم آنذاك.. فيقول عن حلف الأطلنطي وقد تذكّر شعب فلسطين المشرد:

قد سطروا للورى حِبراً على ورقِ

فيه الجوامعُ إلا الصدق والشرفُ

فيه التحرّرُ إلا من مظالمهمْ

والعدلُ لكن عن المفهومِ يختلفُ

قد يهرفُ المرءُ فيما ليس يعرفهُ

لكنهم هرفوا عمداً وقد عرفوا

قالوا تُصانُ حقوقُ المرءِ كاملةً

وهم بمليون من إخواننا قذفوا

 

ويقول في وعد بلفور:

من قبل وعدك بالهنا

عاش المسوّد والمسُود

حتى جعلت القدس بابلاً

في تكاثرها العديد

وعجلت قبل الحشر تجمعـ

ـهمْ جميعاً في صعيد

هل كان وعدك منزلاً

بالوحي من ربِّ حميد

أم أنت تمثال الوفاءِ

فلا تحولُ ولا تَحيد

 


صفحة من ديوان الأديب الشيخ محمد حسن النمر المخطوط، والقصيدة كما هي مؤرخة عام 1924م.

 

 وقد قال قولاً نأسف أن مغزاه استمر يلاحقنا حتى الآن:

والاحتجاجُ سلاحنا

نفري به هام العدا

وندمر استحكامهم

إن لم يثوبوا للهدى

ولسوف نغزوهم به

حتى يثوبَ من اعتدى

فالاحتجاج إذا دوى

في الناس ضاعفه الصدى

فتطير أفئدةُ اليهودِ به

على طول المدى

وقد أقيمت حفلة للاكتتاب لفلسطين سنة 1947م فحيّاها الشاعر بقصيدة عصماء قال فيها:

يا قومُ من لم يدافع عن مواطنهِ

فإنه مثلُ ما فيها من النعمِ

ما في الصياح ولا الإضرابِ منفعةٌ

وليس ينفعُ إلا بطشُ منتقمِ

فالعدلُ والحق والإنصافُ يوجدها

من يحسنُ الفصلَ بين السيفِ والقلمِ

ومن يُرجى لدى الأعداءِ مرحمةً

يجد لديهم حنانَ الذئبِ للبَهَمِ

لا يرحمون دموعَ الحقِّ هاميةً

إلا إذا استُبدلتْ قطراتُها بدمِ

لليوم ما بعده إمّا إلى سِعةٍ

من الحياةِ وإما الموت والعدمِ

إن اليهود ملايينُ تضيق بهم

رُبى فلسطين من سهلٍ ومن أكَمِ

العلمُ يعضدهم والمال يخدمهم

فربما اقتسمونا شرَّ مقتسمِ

يا قوم ساعتُنا لقد أزفتْ

وليس غير امتشاقِ الصارم الخذِمِ

فكوّنوا وحدةً منكم مؤيدةً

بكل مقتدرٍ بالله معتصمِ

وتتجلى وطنيته عندما يتحدث عما تلاقيه البلاد العربية على يد المحتلين في كل جزء من أجزائها وما يلاقيه أبناؤها من الظلم والبؤس، بينما الأجانب يتمتعون بخيراتها فيقول في قصيدة ألقاها بمناسبة افتتاح النادي الأدبي بالبحرين سنة 1345هـ:

أنا شاعرٌ لكن ببؤسِ بلادي

أفؤادكم يا قومُ مثل فؤادي ؟

يا قوم هل من ناظرٍ فأريه ما

فيها وهل من سامعٍ فأُنادي ؟

زعماؤها متخاذلون لجهلهم

والكل للثاني من الأضدادِ

والعالمون حديثُهم بعلومهم

صفّ المآكلَ من لذيذ الزادِ

قد قاوموا روحَ الهدى بسلاحهمْ

يرمون ذا الإصلاح بالإلحادِ

وإذا ابنُ هذا العصر جاء مفاخراً

بعُلاهُ فاخَرناهُ بالأجدادِ

نحن العظاميون نفخرُ بالأُلى

عظموا بقُرطبةٍ وفي بغدادِ

صعِدَتْ إلى قممِ الجبالِ جدودنا

فعلام صِرنا في حضيضِ الوادي؟[4] 

قراءة في قصيدة "أغنية في عرس الدم" للشاعر العوامي

الشاعر الأستاذ السيد عدنان العوامي يشاطر في قصيدته "أغنية في عرس الدم" المجاهدة الشهيدة سناء محيدلي التي سطّرت ببطولتها وبسالتها أروع صفحات المجد على جبين الكفاح ومواجهة العدو الصهيوني ومقاومته في الجنوب اللبناني، وسجلت أسمها لامعاً في قائمة المجاهدات اللواتي أخجلن الكثير من الرجال لا سيما العرب وجيوشهم، والشاعر العوامي دمج في قصيدته هذه في مقدّمتها بين أنثوية اللغة الشعرية والمفردات وبين ذاته الحزينة التي غنّت على هذا العرس الخالد، يقول في مطلع قصيدته:

نثرتِ شَعركِ شلاّلاً من الغضبِ

زلازلاً تتحدّى نَخوةَ العربِ

إن نثر الشعر عند المرأة العربية دلالة على الغضب الكبير الذي لا حدّ له، إلا أن هذا الغضب يتحدى بالدرجة الأولى النخوة الكاذبة للعرب الذين خذلوا ولازالوا يخذلون قضيتنا الجوهرية.

هذي ضفائركِ الشقراءُ تفضحنا

تزيحُ عنا قناع الزيفِ و الكذبِ

استخدم الشاعر ضمير (نا) المتكلمين في كلمة (تفضحنا) و (عنا) إشارة إلى أن الخطاب موجه من العرب إلى سناء محيدلي، البطلة التي تحدت العنجهية الإسرائيلية، ويكرر الشاعر ضمير الجمع في الأبيات الأخرى التالية:

هل تسمحين إذا جئنا نطرّزها

غاراً يكلّلُ هامَ الأرزِ باليلبِ

هل تسمحين إذا جئنا لنجدلها

نصوغُ منها وساماً في ذُرى الشهبِ

نمدّ منها على التاريخ ألويةً

تاجاً على الدهرِ هالاتٍ على الحقبِ

فيقول (جئنا) مرتين، ويقول (لنجدلها) و يقول (نصوغُ) ويقول (نمدّ)، لقد وضع الشاعر الأمة العربية في كفةٍ وهذه المجاهدة في كفة أخرى ليؤكد ما قاله في البيت الأول: "تتحدى نخوة العرب" ..

يكاد يُحسّ من هذه الأبيات الثلاثة أن العرب يجيدون التحدث عن الأمجاد وتوزيع الأوسمة على البطولات واجترارها مدى التاريخ والحقب، ولكن واقعهم الفعلي خلاف ذلك، والبيت التالي قد يشير إلى هذا المعنى حيث يخاطب الشاعر البطلة سناء بقوله:

إيهٍ سناءُ ؟ ومازالت ضمائرنا

كالعهدِ أرهفَ إحساساً من الخشبِ

وبما أن الخشب لا يحس فإن العرب كذلك لا يحسون ولا يشعرون، والعجيب أن الشاعر صنع معادلاً موضوعياً من ذاته ونفسه كمثال أو عينه من الأمة العربية المنهزمة في تقوقعها على الذات وحب الأنا ومطالب الدنيا وهو أسلوب تجريدي فيه من السخرية ما فيه، إلا أنه يمكننا أن نقرأ هذا المقطع من القصيدة والذي يعبر عن هذا المعنى على أساس أن المخاطِب هو الأمة والمخاطَب هي البطلة ويعرف هذا بالأسلوب التجريدي وهو من باب " إياك أعني واسمعي يا جاره " إلا أن الشاعر أراد بظاهر القول نفسه ولكنه أراد بباطن القول الأمة العربية وهذا المراد يُفهم من السياق العام للأبيات.

هذا إذا قرأنا الأبيات من البيت السابع حتى البيت الثالث عشر، ولكننا ننصدم عندما نقرأ البيت الرابع عشر حيث نرى الشاعر يؤكد لنا أنه يقصد ذاته - الشاعر -، ويا لجرأة الشاعر على ذلك !.. إلا أننا لا نسيء الظن في الشاعر حيث أنه يقصد الطبيعة البشرية للإنسان وقد صرح القرآن الكريم بأن الإنسان يحب الدنيا وأنه يحب المال ويحب النساء والشهوات، ثم إن من طبيعة الشعراء أن يميلوا إلى هذه الأمور خصوصاً وأنها من أكثر الملهمات للشعر الغزلي والعاطفي في تجاربهم الشعرية، وأكثر ما يشتد حب هذه الأمور عند الشعراء و شاعرنا فرد منهم، حينما يقول " كسائر أترابي ذوي الأدب " ولا ينفصل هذا المقطع عن سابقه من حيث التجريدية وإن اختلف المعنى به.. لنقرأ ما يقوله الشاعر:

ماذا أغنّيكِ في مدحي وفي غزلي

وما مكانُ أناشيدي.. وما خطبي

عندي الغناءُ، ولكن ليس في وطني

مالي ؟ ولا الأرضُ من همّي ولا نصبي

مالي ؟ ولا الوطن المنكوب يوقظني

ولا يثيرُ أحاسيسي ولا غضبي

أقصى مناي من الأيامِ غانية

لها هوايَ وفي أحضانها أرَبي

حبستُ شعري على صدرٍ أهدهدهُ

إذا تعِبتُ فأنسى عنده تعبي

وعشتُ ما بينَ زنّارٍ و خاصرةٍ

وناهدٍ مثل حقِّ الياسمينِ صبي

أطوي النهارَ على أهدابِ فاتنةٍ

أغري على شفتيها الماسَ بالعنبِ

وأذرعُ الليلَ في ثغرٍ أقاسمهُ

عمري كسائرِ أترابي ذوي الأدبِ

ثم يتطرق إلى كونه أحد المثقفين والأدباء الذين أدمنوا الفكر وحرفة لأدب، وكأنني فهمت من الأبيات الأخرى - ابتداء من البيت الخامس عشر - أنه يتحدث عن موضوع أزمة الثقافة في عصرنا الحاضر على اعتبار أن المثقفين يعيشون في دائرة واحدة هي عالم الثقافة والفكر والأدب، إلا أن الشاعر يسخر من الدخلاء على الثقافة ممن ليس لهم أي نسب في هذا العالم، أي أنهم يدخلون متطفلين لا على سبيل الإضافة النوعية أو خدمة المبادئ والقيم وإنما لأهداف مصلحية وذاتية حتى لو كانت على حساب الآخرين !.. حتى لو كانت على حساب الحقائق !.. حتى لو كانت على حساب قضايانا المصيرية في واقعنا المعاصر!، يقول الشاعر:

المدمنين فتات الفكر مملصةٌ

حروفهم وقوافيهم بلا نسبِ

لا فرق بين كريم الأصل منستبٍ

وبين آخر مسخٍ غير منتسبِ

وبين بيتٍ سخيِّ الجرسِ ملتهبٍ

على الشفاهِ وبيتٍ غير ملتهبِ

مطاطىءٍ يمسحُ الأقدامَ مسكنةً

مهلهلِ الحرفِ موسومٍ على العقِبِ

مولولٍ كالأيامى في مآتمها

مقيّدٍ كالإمى في زحمةِ الجلَبِ

من ذا يميّز بين الحرفِ متّقداً

على خدودِ العذارى أو على الرّكبِ

وبين قافيةٍ خُنثى مزوّرةٍ

تُدعى لغيرِ قبيلٍ أو لغيرِ أبِ

وتدّعي شرف التقوى إذا ارتجلتْ

في ربّة الحسنِ أو في ربّة الحسبِ

ومثلها مومسٌ أخرى مرابيةٌ

تبيعُ ألف ضميرٍ ساعةَ الطلبِ

تريقُ ماء المُحيَّا غير آسفةٍ

عن رعشةِ الحسِّ تُغني رنّة الذهبِ

والشاعر هنا يقدم نقداً مقنّعاً بالأسلوب الساخر للشعر الذي يبيع قوافيه لمن لا يستحقها رغم أنها قوافٍ مزوّرةٍ ليس لها أصل ولا يُعترف بها لكذبها وزيفها، إضافة إلى كونها تدّعي التقوى وهي منافقة دجّالة كأصحابها لذا فإنهم يضعون قوافيهم مع الجبهة الأخرى التي تعاند الحق وتتحايل عليه لمصالحها الذاتية والآنية حتى لو ذهبت فلسطين إلى الدمار والخراب، كل ذلك من أجل عرض الدنيا ورنين الذهب.

ثم يعود ليعزف على وتر الغناء لبطلة القصيدة التي جاءت ممزقة كلّ ما يكتبه دُعاة الثقافة غير المسئولة التي ذهبت كتابتها نهب الرياح، وقد وضع الشاعر مرة أخرى مقارنة بين الفعل والقول، حيث أن الفعل في الميدان هو الذي يصنع الواقع أما القول غير المقترن بالفعل فلا فائدة منه، والمجاهد الحقيقي هو الذي يقول ويفعل أما أولئك الذين يقولون ويقولون ولكنهم عندما تقرع طبول الحرب يكونون من أول الهاربين:

وجئتِ أنتِ فمزّقتِ الذي كتبوا

نهبَ الرياح فوالهفي على الكُتُبِ

إن العمل الجهادي على مسرح الواقع يغني عن الكثير من الكلام والثرثرة الثقافية التي يدمنها دعاة الثقافة والفكر الذي يدورون في حلقة حلزونية.. يقول الشاعر: أن بضاعة هؤلاء الذين يدّعون الثقافة والفكر ويدّعون حرصهم على قضايا الأمة ومستقبلها.. بضاعتهم هذه ضاعت هباءً منثورا حيث أنك أيتها البطلة العظيمة عشقت الإلهَ ومشيتِ إليه في ثوبٍ من اللهب - إشارة إلى العملية الاستشهادية التي قامت بها -

ثم يسأل الشاعر: أين مكان الشعر في هذا الزمن الذي له مع الموت رأي، ولكنّ هذا الرأي ليس في الخطب الرنّانة والثقافة الفارغة، إن رأي الزمن في الموت أن يكون مقترناً بالكرامة والشرف والسؤدد لا مع الذل والهوان ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..

يقول الشاعر:

بضاعة الأهل ضاعتْ عند عاشقةٍ

مشتْ إلى اللهِ في ثوبٍ من اللهبِ

سناءُ ! أين مكانُ الشّعرِ في زمنٍ

له مع الموتِ رأيٌ ليسَ في الخطبِ ؟

لكنْ فزعتُ من التاريخِ يسحقني

ويُطعمُ النارَ أوراقي و يهزأ بي

فجئتُ أشدوكِ نجوى الحرفِ يا رصداً

على ترابي، و يا سُمَّاً لمغتصبي

ماذا أحدث أجيالاً ستقرؤني

إنْ لم تجدكِ رُعافَ الجرحِ في أدبي

طال الركوعُ وهذا المسخُ منتصبٌ

فجرّبي مرَّةً رجليكِ و انتصبي

هذي رُؤى الخُلدِ، خيل اللهِ فاقتحمي

موجَ اللهيبِ، وخوضي في اللّظى وثِبي

توضَّئي بنزيفِ الجُرحِ واغتسلي

وخضّبي بغبارِ النَّقعِ و اختضبي

أو يخلُدُ العارُ محفوراً بأعيننا

ولن تعودَ سبايانا من السَّلبِ

مسرحية ذات مشهدٍ واحد رمزية لأطفال الحجارة للشاعر حسن الخليفة

لدى الكثير من شعراء المنطقة تجارب عدّة ومتفاوتة في كتابة المسرحية والمسرحية الشعرية، ونقرأ للشاعر حسن الخليفة مسرحية ذات مشهد واحد، إلا أنها مسرحية ذاتية تؤدّى على خشبة المسرح بصوت بطل واحد وهو الشاعر الذي يبث مشاعره الدفينة تجاه القضية بطريقة رمزية، وقد تطرق الشاعر في هذه الرمزية الشعرية إلى عدة عوالم شعرية، ويخيّل للمتلقي وهو يحاول تفكيك رموز هذه القصيدة الحرة أنه يقرأ قصيدة غزلية بحتة:

يقول الشاعر:

مفعمٌ بالشوقِ هل يحظى بكِ ؟..

ويقول:

وكنتُ فوق ما كنتِ بقلبي.

ويقول:

فأنا والحب شخصانِ.. وأنتِ.

وهكذا يعزف الشاعر على وتر الغزل إلا أنه غزلٌ من نوعٍ آخر هو أقرب إلى مخاطبة الذات الأبيّة والروح المفعمة بالمقاومة والرفض للظلم والطغيان الصهيوني.. إن الشاعر يتغزل في هذه العزيمة الفولاذية، ونلاحظ ذلك عندما يقول:

بكِ يا مهد الأمل.

ويقول:

حيث أثبتِّ إليَّا.. ذلك الأصلَ الأبيَّا

ويقول:

وتغنّيتِ فكان اللحنَ عذباً يعربيا

نلاحظ هنا بعض العبارات التي تعيننا على ففكيك النص بما يحمله من الرمزية مثل:(الأمل) (الأصل الأبيّا) (يعربيا) هذا هو المفتاح الذي دخلت به عالم هذه القصيدة الرمزية حيث استطعت أن أضع هذه الفرضية عند قراءتي للنص من أول وهلة فوجدته كما توقّعت، إن الشاعر وضع ذاته في قبال الروح الأبية لأطفال الحجارة الذين صمدوا أمام الطغيان الصهيوني وعنجهيتهم، وقفوا أمام الدبابات والمجنزرات يرشقونها بالحجارة على مرأى ومسمع من العالم، إنه يتحاور مع هذه الروح منذ بداية النص، حيث نلاحظ توزع الضمائر بين ذاته كشاعر وبين الطرف الثاني المخاطب (روح التضحية والإباء)..

الشاعر
 مفعمٌ بالشوقِ
 
الروح الأبية
 هل يحظى بكِ
 
الروح الأبية
 بكِ يا مهد الأمل وترانيم العنادل وأغاريد البلابل، بك يا مزمار داود ومعبودات بابل
 
الروح الأبية
 كم تمنّعتِ
 
قلب الشاعر
 فكنتِ فوقَ ما كنتِ بقلبي
 
الروح الأبية
 حيث أثبتِّ
 
الشاعر
 إليا
 

وهكذا نلاحظ توزع الضمائر بين الشاعر و الروح الأبية التي يتغزل بها الشاعر بطريقته الخاصة حتى نهاية القصيدة.

وخلاصة العلاقة المنطقية بين موضوعي الحبيبة المتغزّل بها ظاهراً والحبيبة الحقيقية ألا وهي الروح الأبية وإرادة الصمود.. خلاصة هذه العلاقة أن الحبيبة شيء ليس من السهل الحصول عليها، وكذلك الروح الأبية وإرادة الصمود شيء نادر في عصرنا الرديء المليء بالخزي والعار والرضا بالهوان والاستكانة والركون إلى الدنيا كما هو الحال في واقعنا العربي للأسف الشديد، ولعل قول الشاعر:

وتغنّيتِ فكان اللحن عذباً يعربيا

وبنات الشعر يرقصن

ولا يدرين ما فيكِ وفيّا

إن الشاعر هنا يتغنى على الماضي التليد لأمة كانت خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والشعر يرقص من فرحه بهذه الروح الأبية التي ولّت ولكن بنات الشعر ترقص من دون أن تدري ما في هذه الروح المفقودة ومن دون أن تدري ما في ذات الشاعر من الحرقة والألم على واقعنا المزري..

يندمج الشاعر بذاته وبما يحمله من الحب الصادق للقضية مع الروح الأبية التي يتغنى بها ويتغزل بجمالها ومحاسنها. يقول الشاعر:

وأخيراً.. خاطبتْ أنفاسكِ الخجلى الحبيبا

قدت قلبي لكي تلقي عليه النغمَ المنحوتَ فيه.. أنتَ حبي

يا حياتي.. أنا في عينيك أجتاز الوجودا

نحو أعماقك قد سرتُ صعودا

فترقيتُ إلى حيث وجدتُ

ذاك أني مُذ وُجدتُ راقيا ثم سقطتُ

وانحدرتُ نحو هذا العالم حيث أتيتِ فاصطفيتيني حبيبا …

إن الشاعر هنا يصعد بذاته إلى ما يؤمن به إلى درجة اليقين بأنه ليس حبيباً اعتيادياً وإنما هو حبيب وصل بحبه إلى درجة الهيام وهو أعلى درجات الحب والعشق، إنه في عيني حبيبته يجتاز الوجود نحو أعماقها ويرتقي في عالمها حيث وجد نفسه هناك إلى أن انحدر إلى هذا العالم لذا فإن الحبيبة تصطفيه حبيبا.. إن هذه الروح الأبية لا تقرن حبها وودها إلى لمن يستحقها ويقدّرها حق قدرها وإلا فإن مصير المدّعين إلى سواها لا إليها..

ويسترسل الشاعر في غزلياته مموّهاً النص نوعاً ما زيادة في إبراز المعنى الرمزي إلا أنه بعد عدة مقاطع يقول:

جيدكِ.. صدرك.. نهديكِ.. وشعركْ

عذباً كان جمالكْ

ليس يستوعبه إلا الذي بيني وبينك

لغة الحبِّ التي كنّا خلقنا

وبها الشعر نشدنا

وتغنينا وبالنجوى سكرنا

وتكلمنا وأمضينا الزمانا

إن الشاعر هنا يقول: إن اللغة التي يتم الوصول من خلالها إليك أيتها الروح الأبية يا إرادة الصمود يا عزيمة الأبطال هي لغة لا يفهمها إلا من وطّن نفسه على نصرة الحق، إن هذه اللغة هي بحق لغة الحب التي ينشد بها الشعراء ويتغنى بها الأحباب ويتناجى بها الخلاّن..

وبعد مقاطع أخرى يبين الشاعر آهاته وآلامه ويتمنى لو أن هذه اللغة تتواصل بين الأحباب وأن الحواجز بين الأحرار وبين الروح الأبية تزول وتتلاشى:

آه هل أحسستَ آهاتٍ بها القلبُ تجلّى

ورويتَ الحبّ للأجيال يا راوٍ وخلاّ

ولقد أكبرت بالعشّاقِ، والحبُّ الكبيرُ

إنه في المُثُلِ العليا كتابٌ وسطورُ

الشاعر هنا بدأ يفكك الرموز وبدأ يوضع مآربه ومقاصده من هذه الغنائية الحزينة التي تستنهض الروح النائمة عند العرب والمسلمين لنصرة القضية الفلسطينية، أنه يقول أن هذه الروح الأبية لدى أطفال الحجارة والمنتفضين في أرضنا السليبة فلسطين هي روح كبيرة أحس بها القلب الصافي وأن هذه الروح يُستحق أن تروى للأجيال وأنها تحمل لغة الحب الحقيقية بل تحمل الحب الحقيقي.. الحب الكبير وأن هذه الروح مسجلة في المُثُل العليا على شكل كتابٍ وسطور..

إن هذه الروح انطلقت من أحلام الأطفال الصغار الذين وقفوا أمام الدبابات والمجنزرات الصهيونية..

إنها أحلام أطفالٍ وتُنسى

ليس إلا

ثم يختم الشاعر مسرحيته ذات المشهد الواحد بمقطع أخير حيث يقول:

هل تذوّقتَ مراراتِ العبارهْ ؟

ولمحتَ القصدَ من تلك الإشارهْ ؟.

آهِ لو أدركتَ ما أعني وما تعني الحبيبهْ

آهِ لو زرتَ رياض الحبِّ في الأرضِ الغريبهْ

آهِ لو زرتَ فلسطينَ وزرتَ القدسَ والأرضَ السليبهْ

ما تأففتَ فدخّنتَ سِجارهْ

وتسللتَ عن المسرحِ لَهْجاً:

إنها ألغازُ عشاقٍ، وأسدلتَ الستارهْ

يا خسارهْ[5] 

وهكذا يسدل الشاعر الستار على هذه الرمزية الحزينة باكياً على فلسطين الأرض الغريبة والأرض السليبة..

 

جراح القدس والأناشيد الإسلامية

الاحتفالات الدينية في المنطقة قائمة منذ سنوات طويلة ولم تتوقف حتى يومنا هذا وهي تعتبر منتديات مفتوحة لكل الجماهير وتقام في المساجد والحسينيات بكافة مدن وقرى المنطقة إحياء للذكريات الإسلامية الخالدة كمولد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) والمناسبات الدينية كالمبعث النبوي الشريف وذكرى المعراج وعيد الغدير وغيرها من المناسبات، ويلقي علماء الدين والأدباء والمثقفون والشعراء في هذه الاحتفالات الكثير من مشاركاتهم النثرية والشعرية، كما يتخلل هذه الاحتفالات الأراجيز و الأناشيد الإسلامية في مختلف الموضوعات ومما يتم تناوله في هذه الأناشيد قضية فلسطين ومظلومية الشعب الفلسطيني المضطهد، ولكثير من شعراء المنطقة مشاركات في هذا المضمار حيث يتم التنسيق مع لجان تنظيم هذه الاحتفالات ومسئولي فرق الإنشاد المتواجدة في المنطقة في مختلف المدن والقرى وذلك بالتعاون معهم وإعطائهم هذه القصائد الخفيفة لتلحينها وإجراء " البروفات عليها " وحفظها ومن ثم إلقائها من قبل فرق الإنشاد الإسلامي على مسمع ومحضر من الناس، وقد اشتهرت الكثير من الأناشيد والأراجيز باللغة الفصحى والدارجة من خلال هذه الاحتفالات حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الناس وجزءاً من ثقافتهم الإسلامية الواعية، خصوصاً وأن أكثر أفراد فرق الإنشاد ممن هم في مقتبل العمر حيث يتفاعلون مع هذا النشاط الإسلامي الهادف لأنهم يرونه موافقاً لفطرتهم السليمة وما جُبِبت عليه نفوسهم وما تلقوه من التربية الدينية السليمة على أيدي آبائهم وذويهم.

ومن الشعراء الذين يكتبون الأناشيد الإسلامية الشاعر الشيخ عبدالكريم آل زرع من تاروت، والشاعر ناجي الحرز من الأحساء، والشاعر علي جعفر آل إبراهيم من سيهات، وغيرهم.

ومن هذه الأناشيد نطالع من خلال هذا الإعداد أنشودة في المولد النبوي الشريف للشاعر حسن اليوسف من مدينة سيهات، وهذه الأنشودة التي كتبها الشاعر على طريقة الموشحات من بحر (الرمل) بحيث يأتي ببيتين على قافية واحدة في كل شطر ثم يختم بقفلة على قافية موحدة حتى نهاية القصيدة، وقد تناول فيها مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومناقبه ومنهجه الإسلامي القويم والممتد عبر العصور حتى يوم القيامة:

يا رسول الله يا خير الأنام

يا سنا الرحمة يا رمز السلام

أنت نور شع في جنح الظلام

فعلى روحك في كل مقام

من محبيك صلاة وسلامْ

إلى أن يختم قصيدته بتقديم شكوى عن وضع الأمة وما أصابها من الويلات والمصائب على أيدي الأعداء:

يا رسول الحق يا خير البشر

فيض ذكراك دروس وعبرْ

أين عن مصدر تشريع أغرْ

أمة عطشى وقد شح المطرْ

فانثنت تبكي ولم يبك الغمامْ

ويركز الشاعر على القضية الأم للأُمة الإسلامية ألا وهي قضية فلسطين باعتبارها القضية المركزية لكل ما أصابنا من هزائم حضارية في العصر الحديث وباعتبارها القضية الجوهرية التي وضعت الحكومات العربية في امتحان صعب لم تستطع الخروج منه بنجاح حتى الآن..

يقول الشاعر:

أحجمت في البذل للدين الحنيفْ

بثقيل من عطاء وخفيفْ

لم يُفدها ساعة الروع المخيفْ

ألف وعدٍ من نصيرٍ وحليفْ

(قدسها) تسبى و (أقصاها) يضامْ

ويضيف الشاعر إلى تضييع فلسطين بقدسها وأقصاها من قبل العرب ما أصاب الأمة من التمزق وقطع الأرحام وتسليط القوة وتحكيم الضغائن والترهات، وما أصاب الأمة من التمزق والشتات، ثم يختم أنشودته:

إن أردتم عيش حر لا يُذلْ

وجهوا طاقاتكم نحو العملْ

فيه تحيا شعوبٌ ودولْ

ودعوا "قالاً وقيلاً" لا يُملْ

وقفوا صفاً وخلّوا الانقسامْ

إن بث هذه المفاهيم عبر الأناشيد الإسلامية كفيلة بتوعية الجيل الجديد والأخذ بيده لمعرفة واقعنا المعاصر ومدى ما وصلت إليه الأمة من الاستكانة والهوان والرضوخ للأعداء، خصوصاً وأن الأطفال والفتية والفتيات ممن هم في مقتبل العمر يتقبلون المفاهيم الدينية وهم بحق كما وصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام) عندما قال له: "إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته" ، و التركيز على القضية الفلسطينية عبر هذه الأناشيد يزيد من الاهتمام بقضايانا المصيرية في عالمنا المعاصر، ويزرع في الجيل الجديد البذور اللازمة لنصرة الحق ضد الباطل.

استنهاض المُخلِّص العالمي (عج)

في كثير من القصائد الولائية يربط الشاعر الموالي قضايا الأُمة الإسلامية بموضوع استنهاض الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) باعتبار أنه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ويكاد يكون هذا الاستنهاض وطلب الخروج موضوعاً أساسياً في كل قصيدة ولائية يتم التطرق فيها إلى الإمام الحجة (عليه السلام)، ويلخص هذا المطلب الشاعر الشيخ سعيد أبو المكارم في رباعيته (المنتظر المصلح) ويقول فيها:

لمجدك أهداب النواظر تُفرشُ

ففي ظل علياكَ الهدى ليس يخدشُ

وإنك عهدٌ للكتاب وسنة النبيّ

جديدٌ نور فضلك يُدهِشُ

فيا أملاً للمؤمنين مظفّراً

ويا نقمةً في كل من يتحرّشُ

أعدها على الأيّامِ دولة (أحمد)

فإن عروض المجد والعدل تُنهشُ

[الشيخ سعيد أبو المكارم - رباعيات القرن العشرين - طبعة شعبية - ص 95]

ومن القصائد نقرأ للشاعر حسن الخليفة قصيدة في مولد الإمام المهدي (عج) يقول فيها:

لا تيأسي نفسي وتوبي عن كلّ سالفة الذنوبِ

وتأسي بالأخيار حبل الله واعتصمي وطيبي

بالطيبين محمدٍ و بآلهِ ذوبي و غيبي

وبنجله المهدي مولده أتى مسك الطيوبِ

لا تيأسي وهماً يقالُ من طبعِ الأديبِ

اليأس كفر بالحجا بالسائرين على الدروبِ

بالحاملين الفكر بناءً بآمالِ الشعوبِ

بالحجة المهدي ينهض للقيامِ و للوثوبِ

ويروح للبيتِ العتيق القدس في البلدِ السليبِ

ويقوم فوق المنبر المحروقِ يا له من خطيبِ

ليردّ عادية العدوِّ ويحرق العلَمَ الصليبي

[ قصيدة بخط يد الشاعر - من مقتنيات المعد ]

أما الشاعر شفيق آل جليح من القطيف في قصيدته (مولد الإمام المهدي المنتظر (عج) والتي بدأها بالغزل على الطريقة " الكلاسيكية " المعهودة حيث تعاتبه حبيبته ودموع عينيها تنهمل على خدّيها بسبب هجرانه لها بعد عهود الحب التي عاشها معها، ثم يخلص إلى أن سبب عشقه لحبيبته هو حبها لأصحاب الكساء، وهذه الصورة جميلة في حدّ ذاتها وهي مطروقة عند كثير من الشعراء الموالين ممن يدمج الأسلوب الغزلي بموضوعات ولائية إلا أن أساليب عرضهم لهذه الصورة تختلف من شاعر لآخر، يقول الشاعر شفيق آل جليح:

تعاتبني و قد جلست إزائي

ودمعُ العينِ يهملُ في سخاءِ

إلى أن يقول:

عشقتكِ لا لأنكِ قد حويتِ

خصالَ الحورِ أو عينِ الظباءِ

ولكني هويتكِ حيثُ أنتِ

متيمةً بأصحابِ الكساءِ

ويبدأ الشاعر - على لسان حبيبته - بوصف الإمام المهدي المنتظر (عج) ونسبه ودوره في قيادة العالم وكيف أنه سيملأ الدنيا سلاماً وعدلاً، وكيف أن الأرض تزهر وتتزين في عهده وينتشر الأمان في كل مكان، ثم يعدد الشاعر بعض صفات الإمام المنتظر إلى أن يخلص إلى واقعنا المعاصر، ويعدد الشاعر مصائبنا وويلاتنا في عدة أقطار عربية وإسلامية من مجاعات وتشريد المسلمين ومطاردتهم وارتكاب المجازر بحقهم إلى أن يأتي إلى مأساة القدس فيقول:

وأرض القدس قد صبغت ثراها

دماءٌ فارتوتْ كلَّ ارتواءِ

فأطفالٌ صغارٌ قد أشنُّوا

على الأعداء سطو الأقوياءِ

بأحجارٍ كأن بها شواظ

أحبوا الموتَ من غير انحناءِ

ويعرج الشاعر على الأمة ويصف مشيتها كمشية السلحفاة ولكن إلى الوراء وليس للتقدم إلى الأمام لنصرة الشعب الفلسطيني وتحرير القدس من أيدي الصهاينة، وبعد ذلك يخلص الشاعر إلى قريته في القطيف وحبه لها ويتحدث عن بعض المشاكل الاجتماعية وهكذا ينتقل الشاعر من موضوع إلى موضوع مستنهضاً بذلك الإمام المهدي المنتظر (عج):

أثر نقعاً و لا تبقي عليها

من الكفار من قاصٍ وناءِ

[ قصيدة بخط يد الشاعر - من مقتنيات المعد ]

أما قصيدة (القدس في محفل الأمل) للشاعر عادل علي اللباد، من مدينة العوامية فقد استنجد بالإمام المهدي المنتظر من أول بيت في قصيدته ويكرر الاستنجاد به في أدوار القصيدة حتى نهايتها، فقد بدأ قصيدته بقوله:

القدس يا سيدي تدعوكَ في عجلِ

جرّد حسامك با بن الضيغم البطلِ

أنخ ركاب الردى فوق الردى حمماً

واسلل وميض المنى من ليله الجللِ

ثم يسخر من قادة العرب وكيف أنهم أثقلوا الأرض بالسلاح والعتاد والجيوش ولكنهم عندما تحين ساعة الحرب لم يستأسدوا إلا على شعوبهم:

توعدوا حرق صهيونٍ وما حرقوا

غير الشعوب على بوابة الأملِ

ثم يشكو الشاعر للإمام المهدي المنتظر حال الشعوب وما تعانيه من اللظى وكيف أنها تستلذ وتتشوق إلى المسجد الأقصى لتشفى جروحها، والشاعر في هذا الدور من القصيدة يعمد ويتمنى لو تقلب المعادلة وتصير بيد الشعوب حتى تنقلب الموازين رأساً على عقب حيث أن الشعوب ستحقق ما تصبو إليه دون حكامها، يقول الشاعر:

لو تستوي الأرض دون الحاكمين سرى

وتنجلي عثرة الأصنام من هُبلِ

لمرّغتْ أنف أمريكا وما بقيتْ

صهيون تُذكرُ حتى لحظة الطفَلِ

ويبين الشاعر مدى ألمه وحرقته على هذا الواقع المزري التي تعيشه الأمة، ويناجي الإمام المهدي المنتظر (عج) ويذكره له أن آماله مشلولة في هذا الزمن الرديء وأن طموحاته وأحلامه قد نضبت لما أصاب الأمة من الهزيمة الحضارية الكبرى..

ماذا أطرّز من شكوى تبيح دمي

يا حجة الله و الآمال في شللِ

بحر الطموحات والأحلام قد نضبتْ

شطآنه و تراءت دفقة الوشلِ

فلم يعد لهدير العزم منتجعٌ

والسيف يبكي على الأمجاد والطللِ

ويستمر الشاعر في بحث أحزانه للإمام المهدي (عج) إلى أن يطلب منه ويرجوه أن يستنقذنا من هذا الواقع:

فخذ بنا نحو أفقٍ مشرقٍ لبستْ

ضفافه من صباها أروع الحللِ

أعد إلى الدين (يا مهدي) جوهرهُ

وداونا من جراح الظلم والزللِ

خذنا إلى منهج الأطهار حيث غدتْ

محافلُ الحق والإقدام والمثلِ

حيث البطولة تلهو في مراتعها

وموطن العز مبنيٌّ على زحلِ[6] 

الانتظار الإيجابي

إلا أن الشاعر حسين الخليفة الشقيق التوأم للشاعر حسن الخليفة ينظر إلى موضوع الانتظار من زاوية أخرى هي أقرب إلى الفهم الصحيح إلى مفهوم الانتظار للمخلص العالمي الذي بشّرت به الرسالات السماوية وبشر به ديننا الإسلامي العظيم، حيث أن الانتظار ينبغي أن يكون بالعمل وليس بالتقاعس عن العمل والجهاد في سبيل الله، يقول الشاعر في قصيدته (غريب الانتظار):

في خضم الترهبنِ بين المحاريبِ والأقبيهْ

في لزوم الصوامعِ دهرا

في ارتداء المهانة زهدا

في انتظار يعزّزُ سطو الطغاةْ

يصادر حرية المؤمنين

يسلبُ أرزاقهم، كلّ ثرواتهم

يصير أرواحهم في أيادي العلوجْ

بزغت في خضم الترهبنِ شمس الغريبْ

جاء يقلب منقلب الضعفِ والمسكنهْ

حاملاً عزّ إسلامهُ، كانساً ذلّةً منتنهْ

طائفاً في الديارِ يردد أنشودة لانتظار عجيبْ

لانتظارٍ يعيد العلو الإلهي من سمة الالتزامْ

يذيق الملايين طعم التديّنِ حلوا

يملكون البلاد، الجبال، المنابع، ثرواتهم، والسهولْ

فيدفعهم شوقهم لانتظار الإمام

يعدون ما استطاعوا من قوة ورباط الخيولْ[7] 

 

وفي هذا المضمار يتحدث شاعر آخر عن أهمية الجهاد والتسلح بسلاح القرآن الكريم وهديه ففيه أسباب الانتصار الحقيقي وهو الهادي إلى سواء السبيل، حيث أن فلسطين لن تتحر إلا بالجهاد الحقيقي وممارسته فعلاً على مسرح الواقع:

فمتى نعيد إلى العقيدة ثقلها ؟

في أنفسٍ فتعاودُ التبشيرا

ومتى نحنُّ إلى سفين جهادنا ؟

ونسيّرُ الجيش الأعز نفيرا

ومتى نشدّ رحالنا وسلاحنا ؟

ونطيرُ في أُفق السماء نسورا

ومتى نطهّر قدسنا من غاصبٍ ؟

قد خادن الإرهاب و التذعيرا

ومتى نجدّ بدربنا نحو العُلا ؟

ويرنّ صوت الانتصار جهيرا

نرمي إلى فتحٍ عزيز يُبتغى

نحو الكرامة رفعةً ونُشورا

وترفرف الرايات فوق ديارنا

تبقى على متن السحابِ نذيرا

ما ضلّ من نهج الكفاح مجاهد

يُسقى رؤاهُ تحصّناً مأثورا[8] 

من رباعيات الشيخ سعيد أبو المكارم

الشيخ الخطيب سعيد بن الشيخ علي أبو المكارم.. له الكثير من الشعر في مختلف موضوعات الثقافة الإسلامية ومنها قصائده ومقطوعاته ورباعياته حول فلسطين والقضية الفلسطينية وقد اخترنا من بعض رباعياته التي تحدثت في هذا المضمون، ومنها رباعية بعنوان (إسرائيل) يقول فيها:

ما لإسرائيل مجدٌ ولقدْ

عبدتْ عجلاً وتاهتْ في المضيقِ

تركتْ هارونَ لم تحفلْ بهِ

لا حماها الله في كلِّ فريقِ

جسَّمتْ للهِ كفراً وغدتْ

أمة مرجعها قعر الحريقِ

ملكتْ دنياً وهل تبقى لها

لا وربِّ الأمرِ ذي العهدِ الوثيقِ

[أبو المكارم، الشيخ سعيد – رباعيات القرن العشرين – نسخة مخطوطة، لا ت – ص 107]

هذه الرباعية تشير إلى قصة قوم موسى (عليه السلام) واتخاذهم العجلَ إلهاً من دون الله عزّ وجل، والشاعر يقول في رباعيته: ليس لقوم بني إسرائيل مجداً وقد عبدوا العجل من دون الله وتاهوا بسبب ما اقترفوه، وقد استخفوا بهارون (عليه السلام) عندما ذهب موسى (عليه السلام) لميقات ربه، وباتخاذهم العجل إلهاً من دون الله فإنهم بصنيعهم هذا جسّموا الله ولم يقدّروه حقّ قدره، وإن اليهود قد ملكوا الدنيا ولكن لا يبقى لهم ذلك وقد وعد الله في ميثاقه وكتبه السماوية أنهم سيندحرون وستكون الغلبة للمؤمنين بإذن الله تعالى، وقد فصل القرآن الكريم هذه القصة في سورة طه وفي سورة الأعراف ونقرأ معاً ما جاء في سورة الأعراف:

﴿واتّخذ قومُ موسى مِنْ بعدهِ مِنْ حليّهمْ عِجلاً جَسَداً لهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوا أنَّهُ لا يُكلمُهمْ ولا يَهديهمْ سبيلا اتّخذوهُ وكانوا ظالمين (148) ولمّا سُقِطَ في أيديهمْ ورأوا أنهم قد ضلّوا قالوا لئنْ لمْ يرْحمْنا ربُّنا ويغفرْ لنا لنكوننَّ من الخاسرين (149) ولمَّا رجعَ موسى إلى قومه غضبانَ أسفا قال بئسما خلفْتُموني من بَعدي أعجلتُمْ أمرَ ربّكم وألقى الألواحَ وأخذَ برأسِ أخيهِ يجرُّهُ إليهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القومَ استضعفوني وكادوا يقتلونَني فلا تُشمِتْ بيَ الأعداءَ ولا تجْعَلني معَ القومِ الظالمينَ (150) قالَ ربِّ اغفر ليْ ولأخي وأدخلنا في رحمتكَ وأنتَ أرحمُ الراحمين (151) إنَّ الذين اتَّخذوا العجلَ سينالُهمْ غضبٌ منْ ربِّهمْ وذلَّةٌ في الحياةِ الدنيا وكذلك نَجزي المفترين (152) والَّذين عَمِلوا السَّيئاتِ ثم تابوا من بَعدها وآمنوا إنَّ ربَكَ من بعدها لَغفورٌ رحيم (153) ولَمَّا سَكَتَ عَنْ موسى الغضبَ أخذَ الألواحَ وفي نُسخَتِها هُدىً ورحمةً للذينَ همْ لربّهم يرهبون (154)[9] .

( أرض المقدس )

في هذه الرباعية يتحدث الشاعر على لسان حال أرض المقدس حيث جعلها تتحدث عن الظلامة التي أصابتها من أعداء الله والإسلام و المسلمين والإنسانية جمعاء، يقول الشاعر:

كنتُ أرضاً طهراً وفوقَ ترابي

يسجدُ الناسُ منْ جميعِ النواحي

وإليَّ الرحالُ شُدَّتْ بعزٍّ

لا لصيدٍ ونزهةٍ وارتياحِ

ما غذاءٌ للجسمِ يثبتهُ العقلُ

بمثلِ الغذاء للأرواحِ

أنقذوني يا أُمةَ القدسِ لا يشغلكمْ

اللهوَ فاطلقوا للسلاحِ[10] 

يقول الشاعر على لسان حال أرض المقدس:

كنتُ في الماضي أرضاً طاهرة لم يدنسني أعداء الله، وفوق ترابي الطاهر يسجد الناس لله عزّ وجل وهم من جميع النواحي في هذه الأرض المعمورة، وإلى ربوعي يشدّ الناس الرحال بشعورٍ مفعمٍ بالعزة لا الذلة والمهانة والمسكنة، ثم إن الرحال تشدّ لي لا للصيدِ أو التنزه والإرتياح، وفي أرضي غذاءٌ للأرواح وأي غذاء وهو أرفع رتبة من غذاء الأجسام، فانقذوني من براثن الأعداء ودنسهم وانطلقوا لتحريري بالسلاح ولا يشغلكم اللهو عن الجهاد في سبيل الله..

( صخرة القدس )

في هذه الرباعية يتحدث الشاعر على لسان حال صخرة القدس حيث جعلها تتحدث أيضاً عمّا أصابها من الضيم على يدي الصهاينة وهو أسلوب بليغ:

ردموا بابي وما كنتُ الذي

يبتغي الذلّ ولا لين الجناحِ

أينَ منْ تغمرهمْ في ساحتي

فرحة النفسِ واطياً في الصباحِ

حجبوا نوري فما أشرقَ لي

في بطاحِ الأرضِ منْ نورِ صباحي

أخمدوا صوتي ولولا عسفهمْ

كنتُ صوت الحقّ في كلِّ النواحي[11] 

من الفلسطينيات الإحسائية

من ديوان الشعر الأحسائي نقرأ الكثير الكثير عن فلسطين والقدس ومأساة الشعب المضطهد في هذا الوطن السليب ولكننا نتطرق إلى بعضها على سبيل المثال لا الحصر حيث يطالعنا الشاعر يوسف أبو سعد - رحمه الله - بعدة قصائد من فلسطينياته الرائعة وهي متفرقة في مجموعته الشعرية الكاملة، وهي بحق تستحق دراسة مستقلة ومستفيضة لقوتها وصدقها وبيانها وتأجج حرارتها وحماستها، حيث نقرأ له قصيدة طويلة بعنوان (عاشق القدس) وهي قصيدة مهداة إلى الدكتور عبد الرزاق حسين رداً على قصيده كتبها الأخير له وقد وسمها بعنوان (عاشق الأحساء)، ويقول الشاعر يوسف أبو سعد "في الأعماق أشياء وأشياء عجز اليراع عن الإفصاح عنها، ستظل محفورة في القلب يتوهج بها الوجدان صباح مساء بدون توقف أو فتور، وفي هذه القصيدة - كعادتي في قصائدي الطويلة - لجأت إلى تقسيمها إلى مقطوعات، كل مقطوعة تحمل عنواناً خاصاً بها، وذلك لرغبتي في طرد الملل … " وبدأ الشاعر أبو سعد بمقطوعة عنوانها (فن وعشق) بدأها بقوله:

ماذا أقول فهاجسي محتارُ

صمت اليراعُ وشطّتِ الأفكارُ

وانتابني ضجرٌ فلُذتُ بروضةٍ

نشوى عليها من حجاكَ بهارُ[12] 

 

والمقطع الثاني من القصيدة بعنوان (ما لليهودِ بأرضنا وطن) ويؤكد فيها عمق هذا الجرح الذي أصاب أمتنا الإسلامية وعمق هذه المشاعر الجيّاشة تجاه هذه القضية المصيرية في تاريخ أُمتنا بواقعها المعاصر حيث يقول في مطلعها:

الجرح في أعماقنا متمكنٌ

لا.. لن يزول وفي الحمى أشرارُ

هذي مشاعرنا على أطراسنا

سُكِبت كما سكبَ الضياءَ نهارُ[13] 

 

ويتابع في دور آخر من القصيدة تحت عنوان (أحلام وآمال) حيث يؤكد على أهمية الجهاد قبل أن نفكر في السلام حيث أن الجهاد هو شعار المسلمين حتى لا نذل للأعداء كما هو واقعنا الحالي، حيث يقول في هذه القصيدة:

يا شاعري حب السلام سجيةٌ

غرست بنا، ولنا الجهادُ شعارُ

سنزفُّ في فلكِ الجهاد نفوسنا

طراً، ويشحذُ عزمنا الإصرارُ

لنعود بعد التمزّق للحمى

فتلذّ في أكنافه الأوطارُ[14] 

 

أما الشاعر المحلق جاسم الصحيح، أو كما أطلق عليه بعضهم (متنبي الأحساء) أو(صاروخ الأحساء) كما أطلق عليه الدكتور غازي القصيبي عندما تناوله في إحدى حلقات (صوت من الخليج) بمجلة "المجلة العربية" ، نقرأ لهذا الشاعر عدة قصائد ساخنة جداً وتكاد حروفها تحترق من شدة حراراتها، ففي قصيدته (الطيور الأبابيل) فإنه كما يقول الشاعر محمد جعفر آل إبراهيم: "يهيب الشاعر المحلق هنا بالرجال الذين هم صامدون في سوح القتال، وأما ربّات الحجال من الحاكمين ففي مخادع المؤتمرات وادعون آمنون في رفاهية من العيش يتوكفون عن أولئك البواسل الأخيار ويتربصون بهم الدوائر"[15] .

 

ونقرأ لجاسم الصحيح الكثير من القصائد الحماسية التي تتسم بطابع الثورية وروح المقاومة الباسلة، ويلمس ذلك من خلال الجملة الشعرية المتأججة والغاضبة على الصهاينة وعلى التخاذل العربي عن نصرة فلسطين والقدس وأطفال الحجارة والانتفاضة، منها قصيدته (الانتفاضة قبلتنا والإمام الحجر) حيث يقول في بدايتها مخاطباً الشهيد الطفل محمد الدرة:

"(بُراقٌ) من الزغراتِ.. يمدّ جناحيهِ ملء الشفاه.. فلا تبتئس يا "محمدُ" معراجكَ الآن يمتدّ عبر الفضاء الحديدي.. حيث الزغاريد عالمةٌ بالمجرّات.. فاخلع ضلوعك درعاً على جسد (القدسِ) واعرجْ على قمة الانعتاقْ.. وحين تهم (الصواريخُ).. صوب صلاتك.. إن الزناد السماوي لا يخطئ المستحيل..."[16] .

 

أما الشاعر محمود بن سعود الحليبي في قصيدته (نشيد يا رياح النصر) فإنه يستحث ويستنهض رياح النصر كي تهبّ وترفع عنا غمام الهزيمة حيث يقول:

يا رياح النصر هُبِّي

وارفعي عنَّا الغَمامْ

نامتِ الآسادُ فينا

والمآسي لا تنامْ

وفي ختام القصيدة يؤكد أن النصر لا يأتي إلا بعد توثيق الصلة بالله سبحانه وتعالى والانطلاق للأمام حيث يقول:

إن عرفنا الله حقَّاً

وانطلقنا للأمامْ

فسيأتي النصرُ حتماً

من عزيزٍ ذي انتقامْ[17] 

 

وفي قصيدة أخرى للشاعر محمود الحليبي، بعنوان (أنشودة الحجر) يقول في مطلعها:

من أصداءِ الحجرِ انتفضتْ

صيحاتُ الحقِّ العلويَّهْ

من غزَّةَ من أرضِ الأقصى

يتنفّسُ فجرُ الحرِّيَّهْ

يتفجَّرُ بركانٌ ضارٍ

من كفِّ صبيٍّ ثوريَّهْ[18] 

 

ونقرأ للشاعر عبد الرحمن بن عثمان الملا قصيدته (الفدائي والفردوس الجريح) ويقول فيها على لسان الفدائي، وهو أسلوب حماسي يستنطق فيه الشاعر أحد الفدائيين ليعبر عن حماسته في الجهاد وعزيمته القوية في الصمود أمام الأعداء:

علمتني مأساة شعبي الصمودا

لا تسلني متى أموتُ شهيدا

أشربُ العزم من دموعِ الثكالى

وأغذي من الأنين الصمودا

إن لي قصة مع الثأرِ باتتْ

خبراً راعَ في الأنامِ اليهودا

من جراحي ومن جراحِ رفاقي

ينسجُ المجد للنضالِ بنودا

من زئيري ومن هدير سلاحي

نظم الدهرُ للكفاحِ نشيدا

أبداً لن يعيش أهلي عبيداً

أبداً لن يظلّ شعبي طريدا

أبداً لن تضيع فلسطين

فقد مزّق الكماةُ الركودا

كل شبر منها له في حياتي

صورة تمنح الكفاح وقودا[19] 

 

أما الشاعر علي بن سعد بن صالح الضويحي، فنقرأ له قصيدة (فلسطيني مشرد) من ديوان (نداء الإيمان)، ويصف فيها الشاعر حالة الفلسطيني المشرد وما يلاقيه ثم يعاتب الأمة على هذا التضييع ويحثهم للرجوع إلى الله ليحرروا القدس وان لا يخدعنهم البريق وزيفه وأن يدعوا التكاسل ويستيقظوا من سباتهم العميق:

دوت بمسرى المصطفى صرخاته

ذاك الشريد تعظّمتْ نكباته

سحقاً لهم أقصوهُ عن أمجادهِ

فتقلّصت و تضاءلت و ثباته

عاث اليهود بأرضه وتمرّدوا

وتغطرسوا فتضاعفت حسراته

حيفا وعكا والخليل تدنّستْ

والقدس جهراً هدمت لبناته

الله أكبر.. ما دهاكمْ أمّتي

هذا الضلال تألّقتْ راياته

عودوا إلى الله المجيدِ وحرروا

قدساً كريماً حطّمت قنواته

لا يخدعنّكم البريق وزيفه

فالجهل ولّتْ وانقضتْ سنواته

ودعوا التكاسل واستيقظوا

فسهادكم قد أطبقت ظلماته[20] 

في طريق الحل: النهوض بالذات أولاً

من خلال قراءة بعض النماذج من فلسطينيات الشعراء في القطيف والأحساء أحاول أن أتلمس خطوات الحل فوجدت أهم عنوان في هذا الموضوع وهو النهوض بالذات أولاً، و الدعوة لعقد العزم على النهوض الحقيقي بالذات وبناء الكيان الواحد لمواجهة الصهاينة ومقاومتهم مقاومة صامدة حتى التحرير الكامل لكل شبر محتل من فلسطين، هذه الدعوة ركّز عليها بعض الشعراء في المنطقة وانطلقوا بشاعريتهم وأحاسيسهم لنفخ الروح في الجسد العربي والإسلامي الميت ليحيا من جديد لا لمواجهة الصهاينة واليهود بحسب بل لمواجهة كافة أعداء الله ورسوله في أي مكان وزمان، وأخالهم يطرحون هذه التساؤلات:

"... كيف ننهض بأنفسنا ؟ كيف نبني حضارتنا ؟ كيف نعيد رسالتنا ؟ لماذا لا نضع نحن الخطة، بعد تفكير ناضج وعميق، ثم ندع إسرائيل تتخذ الموقف النابع من " رد الفعل " ؟ ليكن الإيجاب منّا، والسلب من إسرائيل، إن تفويت الخطة على إسرائيل، ليس بضرب خطتها، وإنما بتقوية الذات، بالفعل الجاد والمدروس، بالتغيير الجذري لبنية مجتمعاتنا، فإذا أصبحنا أمة متماسكة.. إذا اعتمدنا على مفكرينا.. إذا طبقنا أيديلوجيتنا.. إذا انتجنا الصناعات بأيدينا.. إذا وقفنا على أرجلنا الأصلية.. وبكلمة: إذا أصبحنا "نحنُ.. نحنُ " وقتلنا في ذاتنا "الأجنبي" القابع فينا، إذا فعلنا كل ذلك، فستجد إسرائيل نفسها أمام أمة متماسكة، مستقلة، عنيدة، إيجابية، تخطط وتنفذ بنفسها، وعندئذ تنعكس المعادلة فتفكر إسرائيل: كيف تفوّت الخطة علينا.

أما إذا بقينا ممزقين ينهش بعضنا بعضاً، ويعيش بعضنا على أشلاء البعض، إذا بقينا نستورد الفكر من لندن، وباريس وروما … إذا بقينا نعتمد على أفكار الآخرين.. إذا لهثنا وراء ايديلوجيات العدو.. إذا بقينا ننتظر البواخر التي تحمل إلينا البضائع الأجنبية.. إذا بقينا نعتمد على عكّازات الغير.. وبكلمة: إذا فقدنا أنفسنا، وانتفخ "الأجنبي" القابع فينا.. إذا فقدنا ذلك - وهو ما نفعله الآن - فسنجد أنفسنا دائماً مأخوذين بخطة إسرائيل ومطالبين: بتفويت الخطة علينا "[21] .

والآية القرآنية تؤكد على أهمية تغيير الذات.. النفس.. حتى يغير الله ما بنا ﴿إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم، فالتغيير من الأنا أولا، ثم يبدأ التغيير الخارجي وترتفع شيئاً فشيئاً أعلام النصر في ميادين الجهاد ومضمار المواجهة مع الأعداء..

ويوجد في الشعر القطيفي والأحسائي الكثير من الموضوعات التي اتخذت في بنائها الفني ورسالتها الدعوة للنهوض بالذات وتغييرها فيما يختص والقضية الفلسطينية، وقد تنفرد بعض القصائد في هذا الجانب وقد يأتي في تضاعيف القصيدة الشعرية، ومن ذلك نقرأ بعض المقاطع لبعض هؤلاء الشعراء، منهم الشاعر محمد سعيد الجشي في قصيدته (يا أمة المجد) والتي يقول من ضمن أبياتها:

غير وخز الشوكِ لا تنتظري

فاستكيني للعنا أو فاثأري

أمتي قد سلب الباغي الحمى

وتمادى في انسياق عسرِ

طهّري الأوطان من أرجاسه

وانقذيها بالظّبا و السمرِ

غير نهج الحق لا تبغي ولا

ترهبي من غاضبٍ مستعمرِ[22] 

 

كما نقرأ للشاعر الشيخ الخطيب سعيد أبو المكارم عدة قصائد في استنهاض الأمة الإسلامية وإعادة مجدها التليد، والشاعر "…كما وصفه الأدباء والشعراء يمتاز بقلب رقيق يتجاوب مع آلام الناس وأفراحهم، وبهذا انعكس كل ذلك على شعره، فهو صادق الإحساس لذا انساب شعره نسائم تداعب العقول والقلوب، لإيمانه بأن الشعر رسالة إنسانية يهدف الإصلاح والتوعية، وأن الكلمة الجميلة هي التي تسمو عن الذاتية وتسبح في عالم الشعر لتسقي الفضيلة ومكارم الأخلاق، لذا نجد في قصائده المليئة بالحسرة على أمة العرب والإسلام بعث العزائم واستنهاض الهمم، وتثير الوعي بأنات موجعة، ضارباً لأبناء أمته المثل الأعلى، الذي يجب الأخذ منه والاقتداء به، مبيناً روح القوة التي تمكنهم من بلوغ المجد والعزة كما مكنت أجدادهم من قبل.. ففي قصيدته المعنونة بـ"يا أمتي" ما يوضح ذلك حيث يتحدث عن الصهاينة المغتصبين وطريق النصر عليهم فقال:

وحدي الصفوف نحو الكفاحِ

وابذلي للأموالِ والأرواحِ

حطمي القيد والسلاسل والأغلال

في ظل بندك اللماحِ

أسمعينا - على روابيك ألحان

البطولات في عناق الصفاحِ

إلى أن قال:

سلب الغاصبون منهم أراضيهم

فباتوا على لظى التحياحِ

يرقبون الفجر الطليق على الكون

على بسمة السنا الوضّاحِ

فأصيخي لما يقولون وامضي

نحو تحقيق مجدنا بالسّلاحِ

أما في قصيدته "أمة القرآن" فإنه يستنهض الأمة بأن تعلنها ثورة عارمة وأن تتوحد بعروبتها وقرآنها - إي التشريع الإسلامي الخالد - وأن تحفظ مجد الأمة حتى ترتفع راية الدين وتحلق في عالم الرقي والعلياء ويعود الأعداء خاسرين..

يا أمة القرآنِ مجداً حلّقي فوق الغمامْ

ولترفعي علم العروبة خافقاً بين الأنامْ

ولتبعدي يا أمتي عن نور طلعتك اللئامْ

ولتلطلقيها ثورة تجتاحُ أعداء السلامْ

إلى أن قال:

ولتحفظي يا أمتي في مجد ماضيك - الذمامْ

كيما يقوم الدين في أرجاء مرهوبِ الدعامْ

كيما نراك طليقة كالطير مطلوق الزمامْ

ويؤب بالبطلان أعداء العروبة والوئامْ[23] 

 

النهوض بالجيل الجديد

وفي ذات الموضوع جاد علينا أستاذنا الشاعر عدنان العوامي مدير تحرير الواحة ببعض القصائد المخطوطة من شعر المرحوم عبدالوهاب حسن المهدي، وهي من ضمن القصائد التي عثر عليها من بين أوراق صديق عمره بعد "الحدث الرهيب الذي أودى بالشاعر عبد الوهاب مع زوجته وأطفاله الأربعة حيث أحاطت بهم النار من جميع جهات بيتهم والتهمتهم أيما التهام في فجر ليلة الثلاثاء السابع من شهر صفر عام 1406هـ، ذلك البيت الذي أصبح بمثابة منتدىً أدبي يرتاده أصدقاء الشاعر"[24] .

وهذه القصائد تصب في مضمار النهوض بالجيل الجديد من الأمة وتوعيته منها قصيدة (تحية الجيل الجديد) والمصنفة ضمن أوراق الشاعر تحت " الشعر الاجتماعي " ويقول في هذه القصيدة:

باسم الإله ألا فاللهُ راعينا

أستفتحُ القولَ من للمراعينا

يا أيها النشء هيا لا تنوا وردوا

إلى المكارم والعليا مجدّينا

سيروا على منهج الإخلاص وانتهجوا

إثر الأماجدِ من أبائكم فينا

وسايروا لحضارات العلا وخذوا

للأمر عدّته وامحوا المعادينا

وسارعوا في طلاب العلمِ قاطبةً

وحصّنوا لجميع الشعب تحصينا

وصرخة جابت الآفاق روعتها

وجلجلتْ في نواحي الشرق تنبينا

هيا بني اليوم آمال الغدِ انتبهوا

من رقدةٍ سلبت منكم أمانينا

فهذه سنن الهادي بدت لكم

تريكم سبل الخيرات فاهدونا

واسترشدوا بهدى الإسلام واجتمعوا

على حبال التقى والله حامينا

روح الإخاء اجعلوها عدة لكم

ولا تكونوا إلينا جد ناسينا

ذودوا عن الوطن المسلوب واقتطعوا

حقاً غدى لبني الأمجاد مغبونا

واستخلصوا الشعب من أيدي الطغاة ولا

تخشوا لذلّ الدنايا الرجسِ صهيونا

وقوموا نهضة يرجى الفلاح لها

وحطموا دولة بالشر تردينا

واستنهضوا لجميع الشعب وانتزعوا

الحق السليب وردوا ما تحبونا

تلكم فلسطين أرض الطهر ما برحتْ

مهد اليسوع ومأوى للنبيينا

وتلك مثل التي أضحت مشردة

حماتها وبنوها والمحبونا[25] 

 

الوحدة الكبرى وتحقيق الحلم

الشاعر المرحوم محمد سعيد المسلم في قصيدته (بين الماضي والحاضر) يدعو إلى الوحدة الكبرى لتحقيق الحلم العربي بتحرير فلسطين فيقول:

حيي النضال.. وحيّ فيهِ وحدة

مُثلى.. تُحقق حُلمنا المنشودا

فعلى قضيتنا تألّبت العِدى

حتى فقدنا منهمُ التأييدا

فالحدة الكبرى.. هي الأمل الذي

سيعيدُ مجدَ بلادِنا المفقودا

والوحدة الكبرى..هي الفتحُ الذي

سيكون عهداً للنضالِ جديدا

لم يُحدِنا عند الحقائقِ.. أنّنا

دولٌ رفعنا في البلاد بنودا[26] 

 

والشاعر عبد الوهاب حسن المهدي في قصيدة أخرى مخطوطة يدعو أيضاً إلى الوحدة حيث يقول:

أيها العرب سارعوا في (اتحاد)

واعقدوا كلكم عليه (الخناصر)

إن في الاتحاد معنى التآخي

وجميل بكم تآخي (السرائر)[27] 

الموقف الحازم من عملية الصلح مع إسرائيل

يجمع الأدباء والكتاب والشعراء المخلصون والمتمسكون بالمبادئ الإسلامية وأصالتهم الصادقة على أن عملية السلام والصلح مع الكيان الإسرائيلي ليست من صالح الأمة وأنها تعتبر خطة يحيك خيوطها أعداء الإسلام والأمة من أجل تركيع المسلمين وإذلالهم، ولعلماء المسلمين رأيهم في ذلك إلا أن رأي علماء المذهب الجعفري.. مذهب أهل البيت (عليهم السلام) يشددون على خطر هذه المصالحة مع اليهود وكما يقول آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي أعلى الله مقامه:

"... الصهيونية وُلِدت في قلب الأمة الإسلامية وليس في نيتها الرحيل، وحقدها على الإسلام (حقد مقدس) ! كما يسمّيه اليهود، إذن هل هناك وجه للمصالحة معها.. وكيف ستُمدُّ يد المصالحة لها ؟!! فهل يجوز لك أن تصالح غاصب بيتك وتسميه صديقاً !!… "[28] .

ومن الشعر في هذا المضمار الكثير، حيث يسخر الشعراء من عملية السلام هذه لكونها أضحوكة يطلقها أعداء الإسلام للسخرية من العرب والمسلمين بينما هم في واقع الحال يمارسون الهيمنة والإرهاب والإذلال بشتّى صوره وعلى مختلف الأصعدة، وهو بحق سلام كاذب كما وصفه الشاعر بقوله:

كذب الدعاة إلى السلامِ لحاجةٍ

في نفسِ دجّالٍ تفوح شرورا

في كلِّ عصرٍ للحروبِ مسارحٌ

تُبدي الصفيقَ وتُرسلُ التصفيرا

ونظلّ في تيهِ التفرّق لقمةً

ونعبُّ ألوانَ الهمومِ خمورا[29] 

 

أو كما يقول في قصيدة أخرى بعنوان (دعاة السلام - رسالة عاجلة إلى رجالات السياسة في أمريكا وأوروبا):

قلتم بأن السلمَ منهجكم

والعدل والإنصف قد كمُلا

لا ظلم بعد اليوم في وطنٍ

قد جاء للإنسان ما أمِلا

إلى أن يقول:

يا رافعاً صوت السلام كفى

إن السلام العدل قد قُتِلا

 

أو كما يقول الشاعر حسين الجامع ساخراً من هذا السلام المزعوم:

ووعدنا.. ويا لبؤس وعودٍ

تتنزّى على لسان حقودِ

أننا سوف نضمن الحق حتماً

بالشعاراتِ في القريبِ البعيدِ

فغفونا، كما أرادوا، وذبنا

في انطفاءات حلمنا الموؤدِ

وطبعنا على السلام نفوساً

تتبارى في الشجب والتنديدِ[30] 

 

ثامر مهدي المطيلق في قصيدته (قصيدة لابن اليوم الأول) يسخر من عملية التطبيع مع إسرائيل وليس هي من العدالة في شيء حيث كيف يتم التطبيع مع المجرمين والقتَلة الذين يشرّدون ويقتلون ويستبيحون الشرف:

"أرادوا لك ما أسموه بتطبيعٍ،.. فعلوا أكثر من ذلك أضعافاً، ثم اختلفوا، أين التطبيع من التشريد ؟.. أين التشريد من أن يمهن الشرف، سبحانك يا بن اليوم الأول، تعالى وصفك عما رصفوا، جراحك كانت تنزف وعياً قومياً للجمهور…"[31] .

 

الشاعر حسن الخليفة يصور عملية السلام مع الصهاينة بأنه ضرب من لعب القمار ويصور العرب بأهم من الخاسرين في هذه اللعبة حيث أن السلام مع الباغين والغادرين لا يستحق أن نطلق عليه سلاماً:

وما لغة السلام سوى

قمار جماعة خسروا

وأي سلامةٍ تُرجى

من الباغين إن غدروا

ويدعو الشاعر إلى استمرار الانتفاضة لما فيها من الجدوى على مسرح الواقع حيث لا خيار للفلسطينيين إلا الجهاد في سبيل الله ومقاومة المعتدي:

كذا فلتفقأ الحجار

وغداً عينَه خزرُ

كما انهزمت بعاملة

غزاة سوف تندحرُ

عن الأقصى وصخرته

وكيف يُكذّب الحجرُ[32] 

 

ونختم هذا الإعداد المختصر، وهذه التأملات السريعة في بعض الموضوعات التي تطرق لها شعراء المنطقة، ونقرأ معاً قصيدة الشاعر الشيخ عبدالكريم آل زرع في الهم الفلسطيني، وهي على لسان فلسطيني يبث أنينه وشكواه:

أنة فلسطيني: للشاعر الشيخ عبد الكريم آل زرع - تاروت

وطني أيها السقيمُ الصحيحُ

وطني أيها الشجاعُ الذّبيحُ

وطني لفّهُ الأسى واجتوتهُ

دَيَمُ السعدِ لو أتاها تروحُ

وطني وردةٌ تنثُّ أريجاً

ودِماها على شذاها تسيحُ

وخلوقُ النجيعِ جمرةُ رفضٍ

باللظى والإبا العنيدُ تفوحُ

وطني بلبلٌ جميلٌ يغنّي

باسماً وهوَ مثقلٌ مجروحُ

وطني غنوةٌ تُردَّدُ نشوى

ديمةٌ من فَمِ السحابِ تصيحُ

وطني ملؤهُ الشتات غريبٌ

بين إخوانهِ كئيبٌ جريحُ

وطني لم يكتم السر صبراً

فهو في مسمعِ الزمان يبوحُ

حطّمتهُ الـ"أنا" وأيُّ هزبرٍ

يتضرّى وآههُ مفضوحُ

فلقد أنهك الكواهلَ حتّى

اطّرحتهُ فصاح وهو طريحُ

صاح: قد خانني الكبارُ ملياً

واستراحوا.. جبنٌ بأن يستريحوا

صدّ عنّي شوس الملمّات حتّى

خلت أنّي وهمٌ وطيفٌ نزوحُ

وجمالي أغفى على شفرة الرعـ

ـبِ فأصفى عني الشباب المليحُ

وتلقاني الصغارُ أكفاً

يافعاتٍ خضابها تشريحُ

بمآقيهمُ براءةُ طفلٍ

وبأحجارهم تحدٍّ صريحُ

ولقد ندّت الحجارةُ ماء

منهم يا لعودهم ما يميحُ

فلماذا قلب الصغير كريمٌ

ولماذا قلب الكبير شحيحُ ؟!

يتخلّى أهلي ؟ ألم أك دهراً

بين أبصارهم أمانٍ تلوحُ

ما أنا ؟ مبسمٌ شحوبٌ وفرعٌ

يابسٌ بائسٌ وجسمٌ كسيحُ

أم أنا نبتةٌ وبحرٌ وزيتٌ

وكتابٌ ومنبرٌ وضريحُ

أم أنا شتلةٌ تقاذفها الريـ

ـحُ عليها كلّ الجوانبِ ريحُ

أم أنا أحرفٌ وحبرٌ مدمّى

وسؤالٌ تمحو مداهُ الجروحُ

أم أسى ملهبٌ وقلبٌ كليمٌ

وجوىً حارقٌ ودمعٌ سفوحُ

بابنا موصدٌ إذا التاعَ قلبٌ

وإذا سامنا العدا مفتوحُ

بين عيني وساعدي وفؤادي

أملٌ صامتٌ وحلمٌ طموحُ

قدّ ما بينها الزمان فشّطتْ

بالضّنى بينها مهامهُ فيحُ

أنا أشلاءُ أمةٍ تتفرّى

كلّ عضوٍ على أخيهِ ينوحُ

صوّحتْ وردةٌ ونامتْ سيوفٌ

وذوى مزهرٌ ومادتْ صروحُ

من رآني مزمّلاً كشواظٍ

أطعمتهُ لظى الدماءِ القروحُ

فكأنّي أضيقُ بين حنايا

يَ وكم ضاقَ بي الفضاءُ الفسيحُ

وصغاري حامتْ بهمْ كل أفعى

وحكايا ثغورهمْ تسبيحُ

فإذا نثّ سمها رشفوهُ

لم يرعهمْ صريرها والفحيحُ

ما هم غير أكبدٍ ناعماتٍ

وثغورٌ دويّها مبحوحُ

ها أنا نهبُ مخلبٍ ونيوبٍ

تجتويني ولي فؤادٌ جموحُ

نام ما بين جدولي عدوّي

ومحيايَ مثخنٌ وصبيحُ

ثملاً من دمايَ كم أسكرتهُ

غبقُ الفتكِ أعقبتها صبوحُ

جمرُ دمعي هو اللسانُ الفصيحُ..

واعتقادي هو الإبا والصفيحُ

واصطباري ولستُ أقنطُ حيناً

علّ تحيى وتُستعادُ الفتوحُ

علّ أن تخفقَ البيارقُ يوماً

وتجلي على الرفاتِ الروحُ[33] 

* * * *

[1]  محمد حسن فقي، الأعمال الشعرية الكاملة، دار المعارف، مصر، الدار السعودية للنشر، 1984م، ج1، ص43.

[2]  محمود رداوي ، الأدب السعودي المعاصر في الكتب المدرسية - النادي الأدبي بالرياض - 1403هـ 1983م ط 1 - ص 102- 103.

[3]  علي الدميني، رياح المواقع - 1407هـ - ط 1 - ص 91- 92.

[4]  عبد الله بن أحمد الشباط – شاعر من الخليج – نادي المدينة المنورة الأدبي – دار الاعتصام بالقاهرة – 1408هـ 1988م، ط1، ص 18 – 20.

[5]  قصيدة مخطوطة للشاعر حسن الخليفة - من مقتنيات المعد.

[6]  كيتوس - العدد 20 - شهر شعبان 1421هـ - السنة الثانية.

[7]  خليفة، حسين - لساناً وشفتين - حسن وحسين خليفة، دار المحجة البيضاء، بيروت،ط1- 1418هـ 1998م ص40 –41.

[8]  اقرئيني نجمة الفجر - ط 1 - مطابع الكاتب / الرياض 1417هـ ص 38.

[9]  القرآن الكريم – سورة الأعراف – الآيات من 148 إلى 154.

[10]  أبو المكارم، الشيخ سعيد – رباعيات القرن العشرين – نسخة مخطوطة، لا ت – ص 56.

[11]  أبو المكارم، الشيخ سعيد – رباعيات القرن العشرين – نسخة مخطوطة، لا ت – ص 56.

[12]  المجموعة الشعرية الكاملة - يوسف عبد اللطيف أبو سعد - ج 3 - ص 216- ط 1- 1419هـ مطابع الكفاح.

[13]  المجموعة الشعرية الكاملة - يوسف عبد اللطيف أبو سعد - ج 3 - ص 218- ط 1- 1419هـ مطابع الكفاح.

[14]  المجموعة الشعرية الكاملة - يوسف عبد اللطيف أبو سعد - ج 3 - ص 219- ط 1- 1419هـ مطابع الكفاح.

[15]  تعليقات الشاعر محمد آل إبراهيم على بعض قصائد أمسية القدس - العوامية بتاريخ 20/8/1421هـ - مخطوط لدى المعد -.

[16]  كيتوس - العدد 20 شهر شعبان - السنة الثانية.

[17]  محمود بن سعود الحلبي، أشواك على طريق الأمل ط 1 - مكتبة العبيكان - 1415هـ 1994م - ص 82.

[18]  محمود بن سعود الحليبي - أشواك على طريق الأمل - مكتبة العبيكان – ط1 - 1415هـ 1994م - ص 84.

[19]  عبد الله الشباط - الأحساء أدبها وأدباؤها المعاصرون - مطابع الفرزدق، الرياض - ط 1 - ص 242- 243 .

[20]  عبدالله الشباط - الأحساء أدبها وأدباؤها المعاصرون - الدار الوطنية - مطابع الفرزدق، الرياض - ط 1 - ص 259.

[21]  هادي - محمد - الصراع الإسلامي الإسرائيلي - ط 2 - 1399هـ - 1979م ص 43 إلى 45.

[22]  شعراء القطيف المعاصرون - عبد الله حسن آل عبد المحسن - ص 31 - ط 1-1414هـ مطابع الرجاء – الخبر.

[23]  شعراء القطيف المعاصرون - عبد الله حسن آل عبد المحسن - ط 1 - ص 106-107- مطابع الرجاء - الخبر - 1414هـ.

[24]  بتصرف - بقايا الرماد - ص 8 - ط 1- 1414هـ 1994م مطابع الرضا – الدمام.

[25]  من مخطوطات الشاعر - مكتبة الشاعر الأستاذ عدنان العوامي.

[26]  محمد سعيد المسلم - عندما تشرق الشمس - ص 98-99ط 1409هـ 1989م مطابع الأهرام.

[27]  من مخطوطات الشاعر - مكتبة الشاعر الأستاذ عدنان العوامي.

[28]  الشيرازي، محمد - هل سيبقى الصلح بين العرب وإسرائيل - ط 1 - 1419هـ /1998م.

[29]  اقرئيني نجمة الفجر - ص 38 ط 1- 1417هـ مطابع الكاتب الرياض.

[30]  كيتوس - العدد 20 - شهر شعبان 1421هـ - السنة الثانية - ص 3.

[31]  كيتوس - العدد 20 - شهر شعبان 1421هـ - السنة الثانية.

[32]  جريدة الحياة - 16/07/1421هـ 13/10/2000م.

[33]  من مخطوطات الشاعر عبد الكريم آل زرع – تاروت – 1417هـ.
عضو هيئة التحرير
294633