النهضة في الوطن العربي..
البدايات والآفاق
زكي طاهر محمد العليو - 4 / 3 / 2011م - 7:49 ص - العدد (23)

شكل عصر النهضة منذ أكثر من مائة وخمسين عاماً، مرحلة تاريخية مهمة بالنسبة للعرب وللمسلمين على حد سواء، ونستطيع القول إن هذه المرحلة كانت هي الفاعل الأكبر في تشكيل الوعي والتاريخ المعاصرين، ليس فقط على التيار الديني، ولكن على التيارات الأخرى كافة.

ونحن في بداية ألفية ثالثة ما هي نظرتنا لهذه النهضة أو لنقل بصورة أدق محاولات النهوض السابقة:

لماذا نريد نهضة؟

المجتمع العربي عاش في ظل الحضارة الإسلامية حال التقدم آنذاك، بينما الآن يعش حال التخلف، فهو عايش التخلف مرتين الأولى قبل مجيء الإسلام وصعود حضارته والثانية منذ قرون سابقة وإلى وقتنا الراهن.

ومن هنا فإن مطلب النهضة ينطبق بصورة واضحة تماماً على المجتمع العربي المعاصر، فهو يعيش حالياً حال التخلف والتأخر والفقر والضياع والتشتت، ويريد العيش في حالة أفضل وهي حال التقدم والتطور والغنى والحضور والوحدة، لأن الحال الحاضر لا يرتضيه أي شعب عربي، هذا الانتقال من الوضع الأول إلى الوضع الثاني هو ما تنتجه عملية النهوض للوصول إلى النهضة المنشودة، والتي تعني بالنسبة لنا الوضع الثاني المتمثل في التقدم والتطور والغنى والحضور والوحدة.

ولأن التجربة الذاتية والاحتكاك بالآخر عرّفت العرب بأن النهضة هي الآلية التي سيتم عن طريقها تقدم العرب، لذا نجد أن هذه النهضة تحتل موقعاً مهماً وبارزاً، وتشغل حيزاً كبيراً في اهتمام مفكريه وسياسييه واقتصادييه لأهميتها، وخير دليل على ذلك هو أهمية ما أحدثه عصر النهضة من تأثير على المجتمع العربي آنذاك، وامتداد تأثيره علينا في الوقت الراهن، وكذلك مما يثبت أهمية النهضة أن الغرب صاحب الحضور القوي عالمياً على المستوى الفكري والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي ما كان له أن يكون هكذا لولا نهضة قادته لذلك، ولدينا مثال آخر وهو اليابان الذي يشق طريقه عالمياً بخطى ثابتة كانت لديه نهضة والتي تتشابه تجربته معنا في بعض الجوانب مما أدت به إلى منافسة الغرب حالياً في بعض مجالاته، فالمجتمعات المتقدمة خاضت تجارب نهوض ونجحت فيها، ونحن لنا تجربة نهضوية لم تتحقق بصورة كاملة.

خلاصة ذلك، أن النهضة هي نتيجة لعملية النهوض، وهي الحالة التي يستطيع فيها مجتمع ما التخلص من المعوقات والقيود التي تعيقه من الانطلاق، فمتى ما تم التخلص من هذه المعوقات والابتداء في شق طريق الإنتاج فهو مجتمع ناهض.

مفهوم النهضة

لننطلق، بداية، من تعريف النهضة حيث يتيح لنا معرفة مفهومها القدرة على تمييزها عن باقي المفاهيم التي تقترب منها كالحداثة والتحديث والإصلاح والتنمية والتقدم، فلكل مفهوم من هذه المفاهيم تعريف محدد، وله دلالة معينة لا يتجاوزها إلى دلالة أخرى، وبالتالي لكي لا يحدث خلط بين هذه المفاهيم بأن يستخدم مفهوم بدل آخر، حيث لا يمكن أن تحقق الحداثة أو التنمية، مثلاً، ما تحققه النهضة، وثانياً لكي نستطيع عن طريق تعريف المفهوم معرفة الجوانب المهمة المتعلقة بمسألة النهضة.

النهضة في اللغة من "نهض، والنهوض: البراح من الموضع والقيام عنه.. نهض وينهض نهضاً ونهوضاً. وانتهض أي قام.. والنهضة الطاقة والقوة" [1] ، وهي "نظرية الصعود من درجة إلى أعلى، أو هي إيصال العرب إلى مستوى الحضارة الكونية" [2] ، وهي "هبة مجتمعية تسعى إلى إكساب الحضارة القومية قدرتها على إنتاج المعارف والمهارات في تعامل متكافئ مع الحضارات الأخرى" [3] .

حدوث النهضة

لننطلق بعد معرفة أهمية النهضة وتعريف النهضة بالتفكير في كيفية حدوثها. بمعنى آخر هل تحدث النهضة في مجتمع ما بصورة تلقائية من دون وجود أسباب أو حدوث مقدمات؟ أم أنه لابد من وجود مسببات ومقدمات لحدوثها؟ ومن يحدثها؟

باعتبار أن النهضة هي المحصلة لعملية التغيير، يحدث التغيير، كما يرى علماء الاجتماع، أما من داخل المجتمع، كحدوث ابتكارات وتجديدات فيه، أو من خارج المجتمع كالاحتكاك بالثقافات الأخرى، إذاً يوجد أمران مهمان مؤثران في حدوث النهضة: الذات والآخر. فطريق الذات تعني أنه تتوافر لدى هذه الذات ظروف موضوعية تخصه دون غيره من المجتمعات، أو نابعة من هذه الظروف تجعل المجتمع ينهض، وطريق الآخر يعني وجود عوامل خارجية تعمل على السعي لإنهاضه، أو التأثير فيه سواء كان هذا التأثير بطيئاً أو سريعاً.

ومشروعية طرح السؤال السابق -من يحدث النهضة- هو لمعرفة الدور الذي قام به المجتمع العربي في النهوض في فترة سابقة، فهل هو فعلاً من قام بهذا السعي، وأن الدور الأكبر كان له؟ أم أن الدور الكبر كان لعامل خارجي ولم يكن لديه أي دور، بل كان دوره مجرد التلقي والتأثر. ومن ثم فالإجابة عن هذا السؤال تحدد لنا هل يمكن لهم الاستقلال الذاتي ومن ثم التقدم لمرحلة تحقيق النهضة أم لا؟

ولكي لا نتسرع في الإجابة على هذا السؤال نحن بحاجة لبحث بعض النقاط:

أ - الذات والآخر (أوروبا نموذجاً):

من المعلوم أن إنسان مجتمع ما لا يمكنه أن يعيش في هذا الكون وحده، فلابد له من علاقة تجمعه بغيره (آخرين). أما علاقة تأثر أو علاقة تأثير، أو حالة وسط بين الحالتين، هذه العلاقة تكون حسب موقع كل من الذات والآخر من القوة، فتكون الذات متأثرة بالآخر عندما تضعف الذات ويقوى الآخر، وهنا تحدث إشكالية للذات، وتكون الذات مؤثرة عندما تقوى الذات ويضعف الآخر، وهنا لا تكون الذات في الحالة الأفضل بل إنها أفضل من سابقتها، وتتكافأ الذات مع الآخر عندما يكونان في حالة ضعف أو في حالة قوة. إلا أنه جدير بالذكر أن ليس كل الآخر أو كل آخر عدواً للذات أو شراً عليها.

هذه المسألة مهمة ولا يمكن تغييبها عن فكرنا ولا سيما في المسائل التي نشترك فيها معا -نحن والآخر- فيستفيد فيها الآخر منا، ونحن نستفيد منه حيث نحتاج لمعرفة ماذا فعل الآخر في تلك المسائل؟ وكيف واجهها؟ مع الآخذ في الاعتبار ألاَّ يعمل الاحتكاك بالآخر على فقدان الثوابت، هذه الحالة تفترض أن نكون مجتمعاً فاعلاً ولنا تأثير.

وإذا أخذنا النهضة كمثال واضح نجد أننا مررنا بوضع قريب من أحد الآخرين وتحديداً الآخر الأوروبي. لذلك فنحن بحاجة لمعرفة تاريخية مختصرة عن النهضة الأوروبية باعتبارها أبرز نموذج للآخر لنا، ومن جهة أخرى لنعرف ما هي الأمور والتجارب التي مرت بها النهضة الأوروبية، ونستطيع الاستفادة منها، ويزيد من أهمية معرفتنا لتجربة النهضة الأوروبية هنا أن بعض مثقفي العرب يرى أن على المجتمع العربي إن أراد النهوض أن يتمثل نهضة أوروبا من أمثال سلامة موسى، وفرح إنطون، وشبلي الشميل، وطه حسين، ولا يزال لدينا امتداد واضح لهذا التيار يسلك نفس مسلكهم، ومن ثم نحدد هل فعلاً لا ننهض إلا بتمثل تجربة أوروبا في النهضة؟

من المعلوم أن لأوروبا نهضة سبقتنا، وأن النهوض العربي في بعض جوانبه قد تأثر بنهضة أوروبا، وذلك عن طريق الأفكار الحديثة، أو تطور الأفكار القديمة التي وصلت إلينا، أو التعرف عليها عن طريق من ذهب لأوروبا، فأول احتكاك واضح للمجتمع العربي –وليس فقط لأفراد- كان الحملة الفرنسية على مصر (1798 – 1802) بقيادة نابليون بونابرت (1769 – 1821) والتي تعتبر إحدى ثمار تحقق الثورة الفرنسية (1789) والتي بدورها تعتبر إحدى ثمار النهضة الأوروبية، واختلف الباحثون في هدف الحملة، فرأي يرى بأن هدف الحملة حسن النية، وذلك بالعمل على تنوير المجتمع المصري بإخراجه من الجهل، ورأي آخر يرى أن مقصد الحملة هو الاستعمار والاستفادة من خيرات مصر وما حولها، وتوسيع رقعة مملكة نابليون ومحاصرة ومنافسة الإنجليز وتصدير مبادئ الثورة الفرنسية عدل – حرية – مساوة؛ إلا أن الوقائع التاريخية تثبت أن هدف الحملة الأساسي لم يكن تنوير مصر، وما قامت به ا لحملة فيما بعد في مصر خير دليل، وكذلك لوجود طرق أخرى أفضل لتنوير المجتمعات.

"تختلف الدراسات الغربية في تحديد تاريخ نهضة أوروبا الحديثة. بعض المدارس تركز على سقوط القسطنطينية (1453م) وتعتبر ذاك الحادث بداية انطلاقة النهضة الأوروبية. وتربط بعض المدارس تلك البداية بانطلاقة الحركة البروتستانتية (1513م) وما تلاها من حركات تمرد على الكنيسة الكاثوليكية. وترى مدارس أخرى أن بداية النهضة انطلقت مع فشل السلطة العثمانية في حصار فيينا الثاني (1683م) وبروز دور أسرة آل هابسبورغ الأوروبي الدولي في إطار ما عرف بالإمبراطورية الهنغارية - النمسوية التي تفسخت في الحرب العالمية الأولى.

وهناك بعض المتطرفين من المؤرخين الأوروبيين يعتبر أن بذور النهضة بدأت مع خسارة المسلمين معركة بواتيه في القرن الثامن (732م)" [4] .

لم تنتج النهضة الأوروبية من فراغ فقد مرت أوروبا بمراحل عدة "ذلك أن مرحلة "الحداثة" قد قامت في أوروبا (القرن التاسع عشر) بعد مرحلة "الأنوار" (القرن الثامن عشر) التي قامت هي نفسها بعد مرحلة "النهضة" الثانية (القرن السادس عشر) والتي سبقتها "نهضة" أولى (القرن الثاني عشر)" [5] .

فمنذ القرن الثاني عشر والمجتمعات الأوروبية تعيش حالة انتقال من عصور متخلفة إلى عصور متقدمة، ومن متقدمة إلى أكثر تقدماً، حيث رافق ذلك وجود إصلاح ديني تمثل في أبرز الداعين إليه مارتن لوثر (1483 - 1546) الذي دعا إلى الثورة ضد ما تقوم به الكنيسة، التي كانت تحتكر التحدث عن المسيحيين، وتقوم بإعطاء صكوك غفران لمن ترضى عنه ومن يخرج عن أمرها يعد بنظرها خارجاً عن المسيحية، ورفض التوسط بين الله والإنسان، ورفض احتكار تفسير الكتاب المقدس، ورفض أيضاً الرهبنة، ومن ثم تراجعت السلطة التي كانت تحظى بها -الكنسية- إلى مواقع متأخرة بحيث لم يعد للكنيسة تلك السلطة على المجتمع الأوروبي ومن ثم همشت نوعاً ما من العقيدة المسيحية التي كان يهيمن عليها من طرف رجال الدين، وكان للكشوف الجغرافية أثرها الهام في نهضة أوروبا حيث أعطت لأوروبا الشعور بأهمية اكتشاف الجديد، ومن ثم العمل من أجل ذلك، الذي تطلب جهود كبيرة، ولقد اعتمدت هذه النهضة أيضاً على العلم فكوبرنيكوس (1473 - 1543) وغاليلو (1564 - 1642) وكبلر (1571 - 1630) ونيوتن (1642 - 1727) على سبيل المثال أحدثوا هزة في الفكر العلمي لأوروبا وللعالم، وكذلك اعتمدت أيضاً على العقل حيث كان للفلاسفة فرنسيس بيكون (1561 - 1626) وديكارت (1596 - 1650) وسبينوزا (1632 - 1677) وغيرهم، الدور الذي لا يقل عن دور العلماء حيث تلازم العلم والعقل معاً، مما أتاح لأوروبا البعد عن الخرافات والأساطير في تفسير مجريات حياتهم وإحلال بدلاً عن ذلك النظرة العلمية مما أنتج بعد ذلك الثورة الفرنسية (1789) والثورة الصناعية بإنجلترا فغيرت أوضاع أوروبا والعالم من بعد، فالنهضة الأوروبية حققت لأوروبا فكراً متميزاً واقتصاداً مزدهراً وتكنولوجيا متقدمة، فأوروبا ما بعد عصر النهضة تختلف عن أوروبا ما قبل النهضة، فالعصور الوسطى لأوروبا تختلف اختلافاً كبيراً عن العصور الحديثة لأوروبا مما جعلهم يتبوؤون وضعاً متميزاً بل وضع سيطرة على المستوى العالمي.

فالنهضة الأوروبية حلقة مهمة من حلقات الحضارة الغربية مكنتها كما ذكرنا من السيطرة على العالم حالياً… وقد نتج عن ذلك ليس فقط تكنيك الإنتاج بل ومن إخضاع البارونات المناهضين للقانون، وتضخّم المدن وتحسّن وسائل المواصلات، ومضاعفة الاتجار مع الدول الأجنبية، واتساع مجال التجارة، أيضاً. وكان هناك، ثانياً، اختراعات، واكتشافات، وتحسينات في الإنتاج، مثل التقدم في مجال الأسلحة.. والتقدم في الملاحة، وظهور فن الطباعة.. ثم كانت هناك، في المكان الثالث، استعادة الأدب والفلسفة اليونانية بما به من قبول صريح للحياة، واختبار نقدي لكافة المشكلات السياسية والأخلاقية والإنسانية، وجرأة فكرية  حازمة في البحث، واستعداد للذهاب إلى الحد الذي يفرضه الحجاج، وكان الأسميون ينشرون التشكك في مجال الدين، وكان للعقل العلمي نوع من حرية السير في طريقه، سواء مع العقيدة المنزلة أم لا" [6] .

وإن كان لمنير شفيق رأي في أن النهضة الأوروبية لم تنشأ أو أنها لم تكن نهضة إلا من أجل السيطرة على العالم الخارجي حيث يلزم في ذلك ترتيب البيت من الداخل ولا يتم ذلك إلا بقيام نهضة "من هنا، يصبح الجواب على السؤال: هل كان ذلك العصر عصر نهضة؟ والجواب على ذلك: لا؛ لأنه كان عصر انطلاق الاستعماريين البيض من القمقم ليستعبدوا العالم. كما يصبح السؤال: هل كان عصر الثورة البرجوازية العالمية؟ الجواب: لا، أيضاً؛ لأنه كان عصر سيطرة قلة من البلدان على العالم ونهبه وإحكام قيود الذلة والعبودية على معصمية.

في الواقع لو غصنا عميقاً في فكر عصر النهضة لوجدناه يخدم غرضين: الأول تعبئة الداخل ليقوم بمهمة السيطرة على الخارج، وتسويغ سيطرة الرجل "المتمدن" أو "الحضاري" أو "المتقدم" على العالم" [7] . وحيث وقع منير شفيق في إشكالية أما أبيض أو أسود ولم يرَ أنه يمكن أن يوجد لدينا وسط قد يتدرج بينهما، ففي النهضة الأوروبية نهضويون قد لا يتبعون حكومات الدول الاستعمارية التي قامت بالسيطرة على العالم، ورغم أن النهضة الأوروبية تختلف عنا إلا أن بإمكاننا الاستفادة من بعض جوانبها من قبيل استنادها للعلم والعقل والمرحلية، والتتابع الزمني والاستقلال الذاتي والتي تعني عدم التبعية لأحد، ولذلك نحن نستطيع أخذ وسائل النهضة الأوروبية دون غايتها، حيث إن تجربتهم النهضوية لا يمكن نقلها زمانياً أو مكانياً بحذافيرها إلى مجتمعاتنا بسبب الظرف التاريخي والوضع الاجتماعي بيننا وبينهم من قبيل إقصاء دور الدين في حياة المجتمع العربي المسلم، أو محاولة إيجاد كشوف جغرافية حيث إننا لسنا بحاجة لذلك ولا يوجد أساساً حالة تستدعي ذلك في وضعنا الحالي.

ب- التاريخ العربي:

مما لاشك فيه أننا عندما ندرس مسألة ما فإن عملية التأريخ لها تعتبر من الأمور المنهجية الضرورية لمعرفتها من ناحية أسباب نشوئها، مظاهرها، انحسارها، تطورها، الظروف التي أثرت فيها، ومن هنا فباعتبار النهضة مسألة تخضع لمثل هذه الأمور، فتأريخها يساعدنا في الإجابة عن سؤالنا السابق: من يحدث النهضة.

إن من سمات المجتمع أن أحداثه التاريخية تؤثر بعضها في بعض سواء كان هذا التأثير سلباً أو إيجاباً، فالتاريخ أحداث متواصلة مترابطة، وقد يصل التواصل والارتباط بين هذه الأحداث إلى قرون إذا المجتمع ما زال قائماً ولم يندثر، مرحلة في هبوط ومرحلة في صعود، وذلك راجع للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تحيط بها. ونظراً لكون الإسلام عامل مهم في حياة المجتمع العربي باعتباره دين وثقافة الكثير من أفراد الأمة العربية وثقافة للآخرين من أفراده كالمسيحيين، فالإسلام هو من أعطى للعرب مكانة مهمة في تاريخهم فمنذ أربعة عشر قرناً والإسلام كان أحد الأسباب التي أدت إلى إيجاد ظروف موضوعية لتقدمهم. هذا الإسلام وتخلف  المسلمين جعل خروج الإصلاحيين ومن تكونت لديه فيما بعد حركة إصلاحية منطقياً، حيث اعترى المسلمين شوائب في فهم وممارسة الإسلام، فالإصلاحيون سبقوا النهضويين وبقوا معهم، وثمة شخصيات إسلامية تحمل في داخلها الشخصية الإصلاحية والشخصية النهضوية كما نجد ذلك بوضوح عند الأفغاني ومحمد عبده. فكانت هذه الجهود الإصلاحية من أجل الرجوع لقوة المسلمين بتمسكهم بالإسلام بصورة صحيحة. فالتقدم والتأخر الذين عاشهما المجتمع العربي الإسلامي يجعلاننا نبحث عن النهضة من جديد.

هاتان المفردتان الذات والآخر من جهة، والتاريخ الإسلامي من جهة أخرى سوف تفيدنا كثيراً في دراسة النهضة العربية.

النهضة العربية بدأت تتضح مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت حيث جلب معه العديد من المختصين والعسكريين والطابعة -قد ذكرنا الاختلاف حول هدف الحملة- وبعد خروجهم من مصر حكم محمد علي باشا (1769 - 1849) مصر في الفترة (1805 - 1846) والذي أحس بالفارق بين المجتمع العربي والمجتمع الأوروبي فقام بإرسال بعثة إلى فرنسا من أجل الاستفادة من علوم ومعارف الفرنسيين، وهذا ما يوضح لنا دور الدولة آنذاك في العملية النهضوية باعتبار محمد علي باشا رجل دولة في الدرجة الأولى. يعتبر الكثير أن الحملة الفرنسية على مصر بداية عصر النهضة العربية وأبرز هؤلاء إلبرت حوراني في كتابه (الفكر العربي في عصر النهضة)، وعلي المحافظة في كتابه (الاتجاهات الفكرية عند العرب) والذي أورد فيه عدة عوامل اعتبرها هي أسباب حدوث النهضة حول بداية هذه النهضة "لقد اعتاد المؤرخون عموماً التاريخ لبداية "النهضة" العربية الإسلامية بحملة نابليون بونابرت على مصر، باعتبارها صدمة نبهت العرب إلى تخلفهم إلى محتليهم، إلا أن الكثير من الوقائع التاريخية تؤكد أن "النهضة" هذه بدأت في الإمبراطورية العثمانية، وفي تركيا بالذات منذ عهد السلطان أحمد الثالث (1703 - 1730) وخليفته السلطان محمود الأول (1730 - 1754) واكتسبت زمن السلطان سليم الثالث (1789 - 1807) زخماً وقوة كبيرين. ففي عهده تسللت إلى تيار الفكر في أرضه مبادئ الثورة الفرنسية، وعمل هو من جانبه على تشكيل لجنة "النظام الجديد" بهدف إدخال إصلاحات على الأسطول العثماني، وذلك بإنشاء مدارس حربية، فضلاً عن إرسال بعثات إلى فرنسا" [8] ، فهنا اختلاف حول تأثير الحملة الفرنسية على النهضة العربية، فثمة من يقول: إن الحملة كانت سبباً مهماً، وآخر يرى أن للسلاطين العثمانيين دوراً إضافة لأفكار الثورة الفرنسية، ونرى أن النهضة العربية كانت نتيجة لمراحل سبقت الحملة الفرنسية وأن الحملة كانت منبه ومحفز ولم تكن السبب الرئيسي للنهضة، "ولاشك أنه كان للحملة الفرنسية ومحمد علي معاً تأثير واضح في صياغة مجرى النهضة. أما نقطة الانطلاق أو الشرارة، فهي انهيار الإمبراطورية العثمانية ونضج الظروف الموضوعية لقيام الثورات العربية المتعاقبة على الإمبراطورية والفرنسيين معاً. ولم يكن استقلال محمد علي بالأريكة المصرية عن الباب العالي إلا تعبيراً عن نضج الشارع الشعبي في مصر، وعجز القيادات الوطنية عن الارتفاع إلى مستوى هذا الشارع بتحرير مصر، وعدم تسليمها إلى الضابط الألباني الطموح" [9] ، ورغم الاختلاف حول بداية ومن هو المؤثر الأكثر فعالية في النهضة إلا أن مرحلة بداية النصف الثاني للقرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين قد حفلت بحركة فكرية وسياسية قوية ومؤثرة وذلك لوجود رواد النهضة آنذاك حيث استطاعوا التعرف على أوضاع المجتمع العربي في تلك الفترة، والتي يصفها كمال عبد اللطيف "فمن المعروف تاريخياً أن العالم العربي كان يعيش في القرن التاسع عشر ظرفية تأخر تاريخي شاملة، ممثلة في ركود بنياته الاقتصادية والاجتماعية، وجمود بنياته الفكرية على قوالب تقليدية وسيطية. ومن المعروف أيضاً أن العالم العربي دخل في نفس الفترة الزمنية المذكورة في علاقة اصطدام مع أوروبا الإمبريالية، وهو ما يعني حصول صدام مع بنية تاريخية مغايرة، بنية تتسم بدينامية تاريخية مختلفة عن الحركية البطيئة التي كانت تشكل الملمح البارز في المجتمعات العربية الإسلامية. وقد ولد هذا التقابل صراعاً تاريخياً شمل مختلف أصعدة الوجود التاريخي العربي في المجتمع والفكر والوجدان.

ومن بين أهم نتائج الاصطدام التاريخي بين الإمبريالية الغربية وبلاد العروبة والإسلام، حصول وعي بالفارق الحضاري بين الذات، ودار الإسلام الممزقة (لم يكن مفهوم العالم العربي قد تبلور بعد)، وبين الأخر، أوروبا القوية والمتقدمة والمستعمرة.." [10] .

ثمة أمران مهمان دعوا المجتمع العربي للبحث عن النهضة هما التفكك الاجتماعي والابتعاد عن الإسلام، والثاني التأخر عن الغرب سياسياً وعلمياً ومجتمعياً.

لذلك واجه المجتمع العربي الإسلامي مشكلتان في وقت واحد وهما استبداد السلطة العثمانية ومحاولة فك الارتهان السياسي لأوروبا، فتوجهت فئة لمحاربة سلطة الحكومة العثمانية بينما توجهت فئة أخرى لمحاربة الاستعمار.

لم يكن يحكم عصر النهضة تيار وحيد بل كان هناك عدة تيارات، ولكل تيار رموزه وأفكاره التي تميزه عن باقي التيارات، فكان يوجد التيار الديني والقومي -حيث كانت بداية تشكله في أواخر القرن الماضي- والليبرالي والاشتراكي. وكان عصر النهضة يزخر بالكثير من الرواد النهضويين. وسوف نعرض لثلاثة نماذج نهضوية مثلت الخصوصية العربية والإسلامية.

1- رفاعة رافع الطهطهاوي (1801 - 18739:

ولد في فترة كان التخلف والتأخر سمتان واضحتان للمجتمع العربي والإسلامي، درس في الأزهر، ومن بعد درّس فيه بين (1817 - 1824)، ثم أرسل ضمن البعثة التي ذهبت إلى فرنسا من قبل محمد علي باشا حاكم مصر آنذاك لمدة خمس سنوات (1826 - 1831)، والتي كان هدف محمد علي باشا منها اكتساب معارف وعلوم فرنسا والاستفادة منها لأجل بناء دولة حديثة، ويمكن اعتبارها من أهم أحداث حياته، وكان دور الطهطاوي فيها دور الشيخ في البعثة، وحيث أيد سفره ودفعه لذلك أستاذه الشيخ حسن العطار (1766 - 1835) الذي كان في زمانه من الشيوخ المستنيرين في الأزهر، لم يقصر الطهطاوي دوره فيها على دور الشيخ فقط، بل سعى للاستفادة من هذه العلوم والمعارف حتى أصبح أهم شخصية في البعثة. ففي البعثة ألف الكتب وترجم أخرى، وبعد عودته من فرنسا تولى في الحكومة المصرية عدة مناصب، وألف بعضاً من كتبه وترجم أخرى، وأقام المؤسسات التربوية والفكرية، وبعد مجيء الخديوي عباس الأول نفي إلى السودان لمدة أربعة سنوات (1850 - 1854)، ورجع في عهد الخديوي سعيد، اهتم بصورة واضحة بمسائل الفكر والاستفادة من معارف وعلوم وتنظيمات أوروبا، فاهتم بالسياسة والقضاء والفقه واللغة والتاريخ والقانون والإدارة والتربية وأبرز كتبه:

1- تخليص الإبريز في تاريخ باريز، وهو خلاصة رحلته إلى فرنسا.

2- مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، ويهتم بقضايا الفكر.

3- نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، وهو كتاب تاريخي في سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

5- المرشد الأمين في تربية البنات والبنين، في التربية.

6- جمل الآجرومية، في اللغة العربية.

وله ترجمات أبرزها:

1- نبذة في (تاريخ الإسكندر الأكبر).

2- كتاب (دائرة العلوم في أخلاق الأمم وعوائدهم).

3- القانون المدني الفرنسي.

4- قانون التجارة.

اهتم بصورة واضحة بقضايا الوطن وركز فكره عليه، لم يدعُ إلى عزلة العرب والمسلمين عن معارف وعلوم وحياة الآخرين، ولا سيما أوروبا آنذاك، فكان يرى أن معرفة علومهم ومعارفهم تأتي بالفائدة على مجتمعنا العربي، ودعا للمواطنة بمعنى المطالبة بالحقوق التي للفرد من قبل وطنه وتأدية الواجبات التي عليه تجاه وطنه، دعا إلى أن يكتسب المجتمع حريته، ودعا إلى سن القوانين التي تحفظ لأفراد المجتمع حقوقهم، ودعا إلى العمل المنتج والعدل والمساواة، وإلى احترام المرأة وإعطائها حقوقها ومن هذه الحقوق عملها، وإلى الأخذ بالعلم واعتباره من أهم الأمور التي ينبغي الاشتغال بها وليس فقط معرفتها، وإلى تبني الحكومة الاهتمام بالتعليم فهو طريق التمدن والترقي، وإلى عدم طبقية التعليم، وإلى التربية حيث بها تكتسب الآداب والمعارف.

2- جمال الدين الأفغاني (1838 - 1897):

من بداية حياته مع والده تنقل في أكثر من بلد، وكان منذ صغره يتميز بصفات ذاتية علمية ونفسية، فوصل إلى النجف الأشرف مع والده عام 1850م، ودرس فيها لمدة أربع سنوات، توجَّه بعدها إلى الهند ثم إلى مكة عام 1857 ثم إلى طهران من جديد مروراً بكربلاء والنجف الأشرف، ثم إلى أفغانستان حيث تقلد منصب الوزير الأول في دولة محمد أعظم خان، وعاش الصراعات الداخلية التي كانت موجودة هناك آنذاك إلى أن فقد منصبه نتيجتها، ثم ذهب إلى الهند عام 1868، وفرض عليه حصاراً من قبل الحكومة الإنجليزية يمنعه من التحرك، بعدها رُحّل من قبلها إلى السويس وانتقل بعدها إلى القاهرة حيث وصلها لأول مرة عام 1869، اجتمع بطلاب العلم هناك ثم انتقل إلى الأستانة في نفس العام حيث عين فيها عضواً في المجلس الأعلى للمعارف، وتسنى له ممارسة النشاط السياسي والفكري، ومن ثم غادرها إلى مصر عام 1871 فنشط هناك سياسياً وفكرياً كعادته فأنشأ الحزب الوطني الحر والذي كان شعاره مصر للمصريين، والتقى به محمد عبده، وكذلك اجتمع مع الطلاب في الأزهر، وأثر في الحياة السياسية والفكرية عبر تلاميذه الذين كانوا حوله، وكتب في صحيفة التجارة، وفي خضم الأحداث السياسية نفي الأفغاني عام 1879 من قبل الخديوي محمد توفيق باشا إلى بمباي، ثم توجه إلى فرنسا عام 1883، وأقام فيها ثلاث سنوات حيث اصدر عام 1884 مجلة العروة الوثقى بمساعدة الشيخ محمد عبده والذي جاء من بيروت بطلب من الأفغاني، واصدر من المجلة 18 عدداً ثم توقفت، رجع إلى إيران عام 1886، ثم غادرها إلى موسكو عام 1887 بدعوة من الشاه حيث اختلف معه، ومن موسكو إلى ميونيخ ثم مجدداً عاد إلى طهران عام 1890، ثم أخرج منها إلى العراق عام 1891، وفي عام 1892 سافر إلى الأستانة بطلب من السلطان عبدالحميد لكي يبقيه في قبضته إلى أن توفي فيها، وقيل إنه مات مسموماً.

تميزت حياته كما ذكرنا بالأسفار الكثيرة في العالم الإسلامي وإلى خارجه مما أعطاه معرفة بالمجتمع الإسلامي وكانت له علاقات كثيرة سواء مع الحكومات أو الأفراد، فتارة علاقات جيدة مع الحكومات، وتارة سيئة، فهم يحتاجونه ويخافون منه، والتقى مع عدد كبير من العلماء والفقهاء والسياسيين والشخصيات المهمة، ولم تنحصر أفكاره وتأثيراته عليهم فقط بل امتدت إلى عامة الناس مما أتاح لأفكاره الانتشار في كل أنحاء العالم الإسلامي، يعتبر مفكراً ومصلحاً، له صفات نفسية عالية، فكان ذكياً، ويمتلك استعدادات عالية، ولديه قدرة على التأثير فهو خطيب بارع، وكان يمتلك ثقافة إسلامية ووعي سياسي ومعرفة بالعصر الذي يعيشه وبأوضاع المسلمين، كان يعرف أكثر من لغة، له تلاميذ كثير أبرزهم محمد عبده، سعد زغلول، البارودي، أديب إسحاق، سليم نقاش، أنشأ جمعية أم القرى في مكة المكرمة وأتبعها بمجلة تحمل نفس الاسم، له تأثير على الشيرازي في فتوى التنباك المعروفة في إيران.

لم تكن كتاباته كثيرة له كتاب (الرد على الدهريين)، وكتيب (الإسلام والعلم) وهو رد على محاضرة أرنست رينان التي اتهم فيها الإسلام بعدائه للعلم.

دعا إلى نهضة الشرق بالتصدي للاستعمار عن طريق اكتساب الحرية والاستقلال، وهو صاحب دعوة الجامعة الإسلامية والتي تعتمد على الإسلام في وحدتها وذلك لمجابهة الاستعمار، ودعا إلى إعطاء العقل مكانته الصحيحة والاعتماد عليه في حياتنا، وإلى العلم الذي فيه خير البشرية، وإلى التغيير السياسي عن طريق الثورة، وإلى وحدة المسلمين شيعة وسنة، وإلى أن يعيش المسلمون وفقاً لما جاء به دينهم والرجوع إلى الإسلام الحقيقي، وحارب الصوفية، وكان يرى أن سبب تخلف المسلمين هو ابتعادهم عن الدين وليس الدين ذاته.

3- محمد عبده (1849 - 1905):

ولد في الريف ونشأ في أسرة تقاوم الظلم، درس العلوم الدينية من عمر الخامسة عشر، تعرف على الصوفية في وقت مبكر من عمره، ذهب إلى الأزهر عام 1866 حيث درس فيه ومن ثم درّس فيه فيما بعد، التقى الأفغاني عام 1871 وعمل معه حتى عام 1879 حيث نفي الأفغاني وعزل الشيخ من منصب التدريس، ثم عفا عنه الخديوي توفيق عام 1880، وتولى من بعدها رئاسة تحرير (الوقائع المصرية)، ثم نفي عام 1885 إلى بيروت، ومن هناك دعاه الأفغاني عام 1883 الذي كان في باريس للالتحاق به حيث أصدرا معاً مجلة (العروة الوثقى)، ثم عاد إلى بيروت عام 1885 حتى 1889 ومن بعدها عاد إلى مصر حيث عين فيها قاضياً ومن بعد عين في منصب مفتي الديار المصرية كما عمل في بعض الوظائف الحكومية، ومن خلال عمله ذلك كانت له إصلاحات كثيرة منها إصلاح الأوقاف والمساجد.

يعتبر من النهضويين والمصلحين العرب والمسلمين البارزين فعلاً، له دوره الواضح وأحياناً غير المباشر في التأثير على الحياة المصرية في عصره والفترة التي تليها على مختلف الأوجه، وذلك عن طريق عدد من تلامذته من قبيل محمد رشيد رضا، وسعد زغلول، وفتحي زغلول، ومصطفى عبدالرزاق، وقاسم أمين، وطه حسين. تنقل الشيخ بين الأشعرية والمعتزلة إلى أن وصل إلى أشعري التوحيد معتزلي العدل، كان له أسلوب مختلف عن كثير من شيوخ الأزهر والذي اختلف معهم في بعض الآراء. قام بإصلاح بعض التنظيمات والمقررات في الجامع الأزهر، وسعى لإصلاح التحرير في اللغة العربية، كانت علاقته بالدولة العثمانية في فترة من فترات حياته غير جيدة.

للشيخ كتب أبرزها (الرد على هانوتو) و (الإسلام والنصرانية بين العلم والدين) الذي رد فيه على فرح أنطون، و (رسالة التوحيد) وشرح وتعليق على كتاب (نهج البلاغة)، وله فتاوى معروفة وكثرة، وتفسير للقران الكريم، إضافة إلى كتاباته في الصحف والمجلات.

دعا إلى تحرير العقل من التقليد، وإلى فهم الدين بصورته الحقيقية، وتحديداً إلى ما فهمه سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، رد على مدعي السلطة الدينية، ودعا إلى إخراج الإنجليز من مصر وإلى الإصلاح والتغيير الاجتماعي لا إلى الثورة كما كان يراها أستاذه الأفغاني، ولابد من استناد هذا الإصلاح إلى الدين، وأن يكون للأسرة دورها المهم في إصلاح المجتمع حيث يبدا الإصلاح منها، وإلى الأخذ بالتربية والتعليم، وإلى المساواة بين الرجل والمرأة، وإلى ترك المسلمين البدع والأفكار التي ألصقت بالإسلام بدون وجه حق، كان يرى أن الإسلام صالح لأن يكون أساساً للحياة الحديثة، وأن المسلمين بإمكانهم الاستفادة من علوم ومعارف أوروبا دون التخلي عن إسلامهم، وأن نهضة المسلمين والعرب لابد وأن تستند إلى الدين، له موقفه المعروف من السياسية.

يفرق البعض بين أمثال النماذج المذكورة والنماذج العلمانية التي كانت موجودة في المجتمع العربي آنذاك كما نجد ذلك واضحاً عند محمد عمارة الذي لا يعترف بأن يوضع شبلي الشميل وفرح أنطون وطه حسين وسلامة موسى مع الطهطاوي والأفغاني وعبده في سلة واحدة ويعتبرون معاً رواداً للنهضة العربية حيث كانت المجموعة الأولى تدعو إلى التبعية لأوروبا أو الدعوة للعلمانية، ولكن تلاميذ التنوير الغربي العلماني في واقعنا العربي الإسلامي لا يرون هذه الحقائق.. بل لقد بلغ بهم الأمر إلى حد خلط الأوراق على نحو عشوائي.. فزعموا -إبان حملتهم التي استدعوا فيها (التنوير - العلماني) ليواجهوا به (المشروع الإسلامي) في النهضة والتغيير- زعموا أن (المجددين المسلمين) هم (تنويريون) بالمعنى الغربي للتنوير، وذلك عندما وضعوا أعلام التجديد الإسلامي، الذين ارتادوا، في عصرنا الحديث، ميادين تجديد الإسلام ليجددوا به دنيا المسلمين.. وضعوهم في سلة واحدة مع النخبة التي انبهرت بالغرب، وتبنت فلسفته في التنوير، ونمطه العلماني في النهضة والإحياء!

فعندما نشروا صحائف (التنوير - الغربي - العلماني) التي سودها (جيل الرواد) من أمثال (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبدالرزاق، و (مستقبل الثقافة في مصر) لطه حسين، وكتابات سلامة موسى.. إلخ.. إلخ رأيناهم قد وضعوا، وسط هؤلاء: رفاعة الطهطاوي (1216 - 1290هـ/ 1801 – 1873م) وجمال الدين الأفغاني (1254 – 1314هـ/ 1838 - 1897م) والإمام محمد عبده (1265 - 1323هـ/ 1849 - 1905م).. بل وكتبوا يقولون: لقد "كان نموذج رجل الدين الذي سعى زمن التنوير إلى تأكيده.. هو نموذج رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي ومحمد فريد وجدي.. وتمثل التراث التنويري في كتب الطهطاوي وفرح أنطون وشبلي الشميل وإسماعيل أدهم ولطفي السيد.." !!

وهذا الصنيع الذي يضع (الإيمان) و (الإلحاد) في سلة واحدة!! والذي يخلط (التنوير - الغربي - العلماني) بـ(التجديد الإسلامي)، هو صنيع يرقى في نظرنا إلى مستوى (التنوير)، الذي يستدعي وقفة علمية موضوعية نتحقق فيها، بالرجوع إلى كتابات أعلام (التجديد الإسلامي)، من صدق وصحة هذه الدعوى! هل حقاً يقف محمد عبده مع فرح أنطون؟! مع ما كان بينهما من خلاف وسجال؟! وهل يقف الأفغاني، المنافح عن (الاستقلال الحضاري) مع دعاة استعارة النموذج الغربي، بخيره وشره، بحلوه ومره، بما يعاب فيه وما يحمد، بما يحب فيه وما يكره؟! وهل يقف الطهطاوي: السني، الأشعري، صاحب رسالة (القول السديد في الاجتهاد والتقليد) مع إسماعيل أدهم صاحب (لماذا أنا ملحد)…؟! هل يقف " المجددون لدين الإسلام ، كي تتجدد به دنيا المسلمين " مع دعاة النهضة العلمانية التي تطوي صفحة الإسلام من دنيا وشؤون وميادين العمران؟!.. " [11] .

لم ينحصر دور رواد النهضة العربية في مجال دون آخر فلقد كانت لديهم هموم سياسية واجتماعية ودينية، فالقضايا التي عولجت كانت مرتبطة بعضها ببعض حيث لم تنفصل قضايا السياسة عن الدين ولا قضايا المجتمع عن السياسة، وتتمثل هذه القضايا في (الوحدة العربية، والجامعة الإسلامية، والوقوف في وجه الظلم والاستبداد والمطالبة بالشورى والديمقراطية)[12]  ومن الملاحظ وجود بعض المطالب يتفق فيها رواد التيار الإسلامي ورواد التيارات الأخرى أو بعضها، من قبيل تحرير المرأة أو أخذ أكبر نصيب من الصناعة والتكنولوجيا والتخلف في الفكر والسلوك مع التيارات الأخرى، والوحدة العربية مع التيار القومي، ولكن المشكل الموجود هو عدم الاتفاق على كيفية تحقيق هذه المطالب، وفضلاً عن الاختلاف حول المرجعية التي يستند إليها كل تيار، فمثلاً كون الإسلام دين غالبية أفراد المجتمع العربي فهناك عدم اتفاق حول دور هذا الدين، فثمة من يرى ألا دور له في الحياة السياسية والاجتماعية وإنه فقط عبادات وطقوس، ومن ثم لا ينبغي أن يخرج عن هذا الإطار، وآخر يرى العكس أن الدين الإسلامي يشمل جميع مناحي الحياة، وقد ولد هذا الاختلاف إلى اتخاذ شريحة من المجتمع العربي الفكر الأوروبي مرجعية له، باعتبار هذا الفكر يعيش حالة قوة واستطاع أن يؤثر على غيره، فمثلاً في نهايات القرن التاسع عشر نجد في المجتمع المصري هذه الحالة كما يصفها طارق البشري "ونحن نلحظ أثر كل ذلك في مجال الفكر في نهايات القرن التاسع عشر، نلحظه في ظهور الازدواجية المرجعية والشرعية، وتركز ذلك في نظام قانوني وقضائي، وفد من نظم الغرب الوضعية، وصارت له الهيمنة في أوضاع المعاملات، وشيد نظام قضائي كامل لتطبيقه، بعيداً عن أحكام الشريعة الإسلامية وولاية القضاء الشرعي. كما تركز أيضاً في ظهور نظام التعليم الآخذ عن علوم الغرب وفنونه، والذي يفصل بين علوم الدين وعلوم الدنيا، ظهر بعيداً عن الأزهر والمعاهد الدينية الإسلامية، وظهر أيضاً في مظاهر الحياة وأساليب العيش المحاكية للمظاهر الغربية وأساليبها في المأكل والمشرب والمسكن والملبس، وكل ذلك لم يرد بحسبانه مخالفاً للشرعية القائمة، وإنما انزرع بمرجعيته الوافدة وشرعيته التي تحميه" [13] .فالانفتاح على أوروبا كما أنه عمل في التأثير على حياة المجتمع فإن ذلك كان نتيجة لوجود أفكار اعتبرت بنية أساسية لذلك، فوردت أفكار جديدة على كافة الجوانب الحياتية، وكذلك تم نقد لبعض الأفكار والعادات والقيم المجتمعية.

أورد علي المحافظة عدة عوامل اعتبرها هي عوامل ساعدت على حدوث النهضة الفكرية وهي:

1- الحملة الفرنسية على مصر (1798 - 1801)

2- البعثات العلمية إلى أوروبا.

3- الإرساليات التبشيرية في البلاد العربية.

4- الطباعة.

5- الصحافة.

6- الترجمة.

7- الجمعيات العلمية.

8- الاستشراق[14] .

من العوامل السابقة نستنتج أن علي المحافظة يرى أن للآخر دوراً مهماً في النهضة العربية حيث لها تأثير واضح، فالحملة والبعثات والإرساليات والطباعة والترجمة والاستشراق كلها يتدخل فيها الآخر بصورة أساسية.

لم يغب الإصلاح عن عصر النهضة العربية، فقد كان الإصلاح والنهوض يتزامنان معاً، وكان للإصلاح أنواع فمنه السياسي والاجتماعي والديني، ويعتبر الإصلاح آنذاك أكثر المفاهيم التصاقاً بالنهضة بالنهضة حيث لم تتضح بعد الحداثة والتنمية والتحديث، وهذه المفاهيم الثلاثة الأخيرة في رأينا لا يمكن في الوقت الراهن التغاضي عنها عند حديثنا عن النهوض لأن لها ارتباطاً مهماً بالنهوض وتحقيق النهضة، وسبب التصاق الإصلاح بالنهضة ولا سيما عند رواد التيار الإسلامي أنه كان مفهوماً متصلاً بصورة واضحة بالفكر الإسلامي منذ بدايته وسبق وأن استخدم في مسائل وقضايا إسلامية معروفة، فمتى ما حدث فساد في أمور المسلمين أو المسلمين أنفسهم ظهر الإصلاح، فهو يظهر متى استلزم ذلك، وأيضاً هو أصيل في الفكر الإسلامي، ويحمل طابع الخصوصية المجتمعية حيث يصعب القول فيه أنه نتاج الاحتكاك بالثقافات الأخرى، فلم يستورد كما بعض المفاهيم المعاصرة كالحداثة والتي كانت مرتبطة بالفكر الغربي بصورة أكبر والتي في ذلك الوقت لم تتغلغل في الفكر العربي -وإلى الآن إلى حد كبير- لكي يستفاد منها، وأمر آخر أكثر ما يستخدم الإصلاح في الأمور السياسية والاجتماعية والدينية وهذه الجوانب لب القضايا التي تداولها عصر النهضة، الذي تجسد في جانبه السياسي في السعي لعدم استبداد السلطة واستئثارها على حساب المحكومين أو الوصول إليها بطريق غير شرعي لا يرتضيه الشعب، وأما في جانبه الاجتماعي فتجسد في تحرير المرأة والعدالة الاجتماعية والقضاء على الفساد الأخلاقي، أما في جانبه الديني فتجسد في إصلاح ما علق في أذهان المسلمين على أنه دين وهو ليس بدين. وهذا ما جعل أركون عند حديثه عن اتجاهات النهضة يعطي أهمية للإصلاح بوصفه "الرجوع إلى الشكل الحقيقي الأصلي للتعليم الإسلامي" [15]  فيقول عن مكانة الإصلاح في عملية النهضة "لقد ساد الموقف الإصلاحي النشاط الفكري العربي كله حتى حوالي سنة (1950)" [16] .

الإصلاح في اللغة من "صلح، والصلاح ضد الفساد.. والإصلاح نقيض الإفساد" [17] ، وكما جاء في الموسوعة السياسية "تعديل أو تطوير غير جذري في شكل الحكم أو العلاقات الاجتماعية دون مساس بأسسها، والإصلاح -خلافاً للثورة- ليس سوى تحسين في النظام السياسي والاجتماعي القائم دون المساس بأسس هذا النظام.

إنه أشبه ما يكون بإقامة دعائم الخشب التي تحاول منع انهيار المباني المتداعية ويستعمل عادة للحيلولة دون الثورة أو لتأخيرها" [18] .

والإصلاح من المقدمات الضرورية للنهضة فهو ينظر للماضي حيث يقوم بإصلاح الفاسد والذي لا يمكن أن تقوم نهضة باعتبارها نظرة مستقبلية على فاسد أو خاطئ، فمثلاً إصلاح الممارسات الخاطئة الناتجة من الفهم الخاطئ للإسلام، كذلك إصلاح الخلل في العلاقات والممارسات الاجتماعية، وأيضاً تحديد وضبط ممارسات السلطة الحاكمة، هذا كله سيساعد بصورة فاعلة على الانطلاق باعتبار هذه عوائق يستلزم إزالتها.

وللتدليل على أهميته من الناحية العملية، الحوادث التاريخية لأي مجتمع تؤثر بعضها في بعض، والإصلاحات التي تمت في المجتمع العربي أحداث تاريخية لا أحد يستطيع إلغاءها من تاريخنا لأنها أحدثت أفعالاً مهمة وضرورية، فثمة جهود إصلاحية كان لها تأثير واضح على حركات المقاومة الشعبية التي قامت في المجتمع العربي بعلم حالت دون أن يستطيع الغرب الاستعماري من تفكيك أو هدم المجتمع العربي بعمل حالت دون أن يستطيع الغرب الاستعماري من تفكيك أو هدم المجتمع العربي والإسلامي بإضعاف بنيته وتفكيك روابطه، ومن ثم جعلته -المجتمع العربي- مشدوداً إلى دينه وتراثه، رغم ذلك لا يمكننا إنكار وجود بعض من الجهود الإصلاحية أو الحركات أو إصلاحيين وقعوا في أخطاء واضحة قد لا نبالغ في القول إذا اعتبروا ليسوا بإصلاحيين أو أنها حركات لا ينطبق عليها دور الإصلاح.

إذن نستطيع الخروج بنتيجة أن النهضة كانت ممزوجة التأثير بنسبة مختلفة، فواقعياً لا يمكن أن تحدث عملية التغيير -باعتبار النهضة عملية تغيير- ينفصل فعل الذات عن التأثر بالآخر -ولو كان قليلاً- باعتبار أن هذه طبيعة الإنسان السوي الذي لابد من انفتاحه على الآخرين وأن يستفيد من تجاربهم الإيجابية والتي تتناسب معه فعلاً، والقول بأن ما حققه النظر عن وجود شخصيات تعي مجتمعها وواقع أمتها، وأن هذه الشخصيات لا اثر لها في تاريخنا، فقراءة التاريخ جيداً تجعلنا نعرف أنه في أضيق الأزمات وأكثرها صعوبة يوجد من يعمل من أجل إزالة هذه الأزمات -وهذا ينطبق على المجتمعات المتخلفة بصورة عامة وليست فقط حالة خاصة بنا على اقل التقدير- ويكون هذا حاملاً لخصوصية مجتمعه والفعل الذي يقوم به ناتج بفعل ثقافة تدفعه لذلك، فكيف والمجتمع الإسلامي الذي كانت له حضارة وتاريخ مشرقين، أيعقل أنه يعدم من وجود من يعرفون مطالب وحاجات مجتمعهم ويعون واقعهم. فرغم تأثر بعض رواد النهضة في بعض جوانب فكرهم بالآخر تحديداً أوروبا والذي نعتقد أن دوره كان المنبه والمحفز في عملية النهوض، يبقى للذات دورها الأهم، فإن لم يكن هناك ذات تريد أن تنهض فمهما تجلب لها من أفكار وتقنيات وتنظيمات من أجل إنهاضها وهي لا تعي ذلك لن تنهض، فالعامل الذاتي في وجهة نظرنا يبقي الأهم في عملية النهوض للوصول للنهضة المنشودة.

هل لا نزال في حركة نهضوية؟

للنهوض العربي دور مهم، فرغم عدم استطاعته تحقيق مطالب النهضة العربية بالصورة الكاملة. إلا أنه أعطى للعرب شعوراً مهماً، وهو الإحساس باللحظة الزمانية، وأنتج نخبة من العلماء والمفكرين والمختصين، ومن ثم فإن هذين الإنجازين يعتبران أمرين أساسيين لأي نهضة، فالإحساس يولد لدينا صبراً وجداً وجهداً وتضحية وإخلاصاً، ووجود النخب، سواء كانت سياسية أو ثقافية، تنتج العلم والمعرفة والوعي.

إن المتتبع لوضع العالم العربي والإسلامي يستطيع أن يقول بثقة، وبدون تردد، أنه على الرغم من وجود حركة نهضوية في مرحلة سابقة من تاريخنا القريب، إلا أننا لم ننهض إلى الآن. فبعد مضي أكثر من مائة وخمسين عاماً لا نزال نبحث عن النهضة، ومن ثم فسؤال هل لا نزال في حركة نهضوية؟ سؤال مشروع، فمطالب النهضويين في بداية عصر النهضة لم تتحقق كاملاً إلى اليوم، فلا تزال هذه المطالب هي مطالب الذين يسعون لنهضة العرب والمسلمين. ولبعض المثقفين رأي حول هذه النقطة تتعدى مسألة عدم تحقق النهضة بالقول لا فكر نهضة حصل لدينا "    فكر النهضة في عالمنا لم يظهر بعد، وذلك لسبب بسيط وهو أن النهضة، كمقومات تاريخية واجتماعية، لم تبدأ عندنا بعد. فشروط التقدم تاريخية وليست أيديولوجية. وهذا الاختلاف بين المستويين لم تدركه (نخبنا) في عالمنا العربي والإسلامي  " [19] ، بينما آخر يرى أن الذي حدث مجرد إرهاصات نهضة لا نهضة.

"نسأل أنفسنا أولاً: هل شهد الوطن العربي في العصر الحديث نهضة إنسانوية على غرار النهضة الأوروبية؟

والجواب هو أن الوطن العربي شهد إرهاصات نهضة في نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الحالي. لكنها لم تتحول إلى نهضة جارفة تغلغلت في صميم الوجدان الثقافي العربي" [20] 

، نحن قد نقترب من ذلك في فهمنا لمسألة النهضة -لما ذكر أعلاه- ونقول إن الحركة النهضوية بدأت ولم تستطع تحقيق النهضة، وذلك لأسباب عدة -سوف يتم الحديث عنها فيما بعد- ولذلك لا نحبذ تعبير إخفاق أو قصور حدث في الحركة النهضوية، ومن ثم فإن كلامنا عن عدم تحقق النهضة أن ثمة مجالاً لمواصلة البحث عن هذه النهضة، وبالتالي فنحن لا نزال في فعل النهضة، والدليل على ذلك أننا لا نزال نواصل السعي لتحقيق أهداف رواد النهضة العربية المتمثلة في المطالب التي سبق أن ذكرناها، والتي نعتقد أنها لم تغب عنا، فرواد النهضة العربية طالبوا بها منذ أكثر من مائة وخمسين سنة، ونحن نطالب بها في أواخر التسعينات من هذا القرن، فمثلاً مطلب التحرر من التبعية الغربية مطلب مهم من مطالب رواد النهضة العربية، ولا زال، مع قرب بداية الألفية الثالثة من أكثر القضايا طرحاً في وقتنا الراهن، كما طالب بها كاتب في السبعينيات "ونقول أيضاً للإيجاز والتوضيح أن نهضة العالم العربي اليوم -من محمد علي ورفاعة الطهطاوي والأفغاني حتى حرب الجزائر والسويس وفلسطين و 6 أكتوبر، وما سيجيء حتماً، وهو آت- لا تكمن في تحقيق مجالات أوفر للاستثمارات الغربية، ولا في جذب الملايين من السياح إلى شواطئنا، وإنما تعمل على كسر الهيمنة الغربية المتنكرة لحضارات الشرق على مصائر العالم المعاصر، وإشراق الشرق الناهض بشكل فعال وقيادي في تخطيط مجرى مصائر العالم خلال عشرات الأجيال القادمة" [21] .

فالأسباب التي جعلت الحركة النهضوية لم تحقق النهضة إلى الآن في مجتمعنا هي ثلاث عوامل:

1- عامل الزمن:

طبيعة العمليات والحركات التغييرية السلمية والسليمة بحاجة إلى وقت كي تنضج، فهي تحتاج لوقت يعتمد على حالة المجتمع موضع التغيير وكذلك للظروف المحيطة، ومجتمع مثل المجتمع العربي يعيش حالة معقدة يواجه التغيير فيه صعوبات أكثر لن المشاكل الموجودة مركبة يتدخل فيها أكثر من جانب.

ولكن أكثر من مائة وخمسين سنة أرى بأنها كافية لكي تكون حالتنا أفضل مما هي عليه بكثير، لذلك فهذا السبب مهم ولكنه غير كافٍ، مما يستدعي وجود عوامل أخرى.

2- العامل الداخلي:

للعوامل الداخلية دور إيجابي مهم في إحداث النهضة، وقد يكون لها دور سلبي أيضاً، فمثلاً يرى فؤاد إبراهيم أن تمثلنا لتجربة الغرب في النهضة طريق غير صحيح "أن النهضة العربية لم تأت من الطريق الصحيح، بل حاولت أن تتمثل تجربة الغرب في النهضة" [22] ، ويرى أهمية التخلص من حالة التبعية للغرب لبدء النهضة "وصحيح أيضاً -في تقديري- الارتقاء بعملية النقد إلى المستوى الذي يسمح لنا بالتخلص من تبعية الآخر فكرياً وحضارياً كشرط رئيسي لبدء النهضة" [23] ، ويرى سيار الجميل "لقد أضرت بالمشروع النهضوي العربي عوامل أساسية، نقلت بعضها إطار حداثته إلى حالة حداثوية، وزادت بعضها من ركام التناقضات، وساهمت أخرى في إجهاض بعض تطوراته بفصم علاقاته واستلاب بعض مضامينه:

1- الظروف السياسية المعقدة وطبيعة علاقات النظم السياسية مع الغرب والشرق، فضلاً عن التجزئة السياسية -العربية والصراع العربي - الصهيوني.

2- الاضطرابات الفكرية والمركبات الذهنية.

3- الإقليمية والقطرية والرؤية الضيقة في اتخاذ إقليم أو قطر عربي معين نموذجاً أحادياً في عملية صنع النهضة العربية، وتبني مشروعها الكبير.

4- الاستلاب المنظم للمفاهيم النهضوية اصطلاحاً من قبل الفئات التقليدية، بل وحتى من قبل السلفيين والمتزمتين على حساب المجددين والمحدثين.

5- استشراء الثقافة الخيالية والتفكير الطوباوي الذي لا يعبر عن واقع حقيقي، وابتذال بعض المفاهيم والمصطلحات التي لا تستقيم وحقائق الأمور" [24] .

وعند وليد نويهض سبب الفشل داخلياً في النخبة "تعود إلى السؤال: لماذا فشلت أفكار ما سمّي بـ(النهضة)، وتحولت النخبة إلى عدو داخلي للمجتمع، وضاعت بين العنصرية العرقية و (العنصرية) الاجتماعية؟

هناك العديد من العوامل منها ما تتحمل النخبة مسؤوليته، ومنها ما يتحمل الغرب مسؤوليته بسبب مشروعه السياسي العدواني ضد العرب ووحدتهم. اختصرت النخبة فكرة (النهضة) إلى أفكار وبرامج، واختزل الغرب مشروعه السياسي إلى صراع حضاري لابد من غالب فيه ومغلوب" [25] 

بالإضافة إلى هذه العوامل لدى الإنسان العربي المسلم في تركيبته النفسية أمراض كالاستبداد، والنزوع للتسلط، واستشراء بعض الصفات النفسية السيئة كالحقد والبغض، وكذلك لديه إشكاليات مجتمعية كعدم التعاون، والتفكك الاجتماعي، والعمل غير الجماعي.

إلا أننا نرى أن ثمة عامل داخلي مهم وهو العامل الثقافي، فمنذ عصر النهضة، وإلى الآن، كان هناك يوجد خلل واضح في البنية الثقافية، مما أدى إلى عدم نهوض، فالمشكل الموجود منذ ذلك الوقت هو عدم اتساق بين النخبة والجماهير العربية بصورة عامة، يوجد فارق واضح يحيل من زيادة فعالية العلاقة بينهما، وهذا لا يبرئ النخبة كلياً. وسبب التركيز على العامل الثقافي لأنه هو من يمد الإنسان العربي بالعناصر المعنوية لهذه العملية، ولأنه تم إحلال العامل السياسي بدلاً عنه والذي أخذ مجالاً كبيراً في العملية النهضوية، والذي يرى بأنه متى ما تم التخلص من الاستعمار والتبعية الغربية سوف ننهض، ولقد ركز الرواد النهضويون كثيراً على العامل السياسي وخير دليل على ذلك الطهطاوي والأفغاني وتواصل ذلك مع الأجيال التالية، وهذا لا يعني إقصاء السياسي من العملية النهضوية، ولكن إعطاءه مرتبة أقل من الثقافي. وتاريخنا يشهد غلبة الجانب السياسي على الجوانب الأخرى بما فيها الثقافي، ونظرة سريعة على أبرز الأحداث التي مرت على المجتمع العربي خلال قرنين نجد أنها أحداث سياسية أو على أقل التقادير لها ارتباط واضح بها، فنجد في 1798 الحملة الفرنسية على مصر، 1832 - 1840 محاولة محمد علي باشا الاستقلال عن الدولة العثمانية، 1882 ثورة عرابي في مصر، 1919 الثورة المصرية ضد الاحتلال البريطاني بقيادة سعد زغلول، 1920 ثورة العشرين في العراق بقيادة علماء الدين ضد البريطانيين، 1924 إلغاء الخلافة الإسلامية من قبل أتاتورك، 1928 تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، 1936 نهاية ثورة عمر المختار ضد الاحتلال الإيطالي في ليبيا، 1948 إعلان قيام إسرائيل في فلسطين، 1956 العدوان الثلاثي على مصر، 1967 هزيمة العرب من إسرائيل، 1973 انتصار العرب على إسرائيل في حرب أكتوبر، 1975 - 1990 الحرب الأهلية في لبنان، 1979 قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، 1980 - 1988 حر الخليج الأولى، 1982 غزو إسرائيل للبنان، 1986 ضرب أمريكا لليبيا، 1990 غزو العراق للكويت، 1991 حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت، كذلك استقلال الدول العربية من الاستعمار، وحدوث الانقلابات في هذه الدول، فهذه أحداث على سبيل المثال لا الحصر.

3- العوامل الخارجية:

ثمة عوامل خارجية ساعدت على عدم تحقق النهضة العربية بعد عقود من ظهور حركة النهوض، وهذه عند د. محمد عابد الجابري تتمثل في "خصصنا الفقرات السابقة لرسم معالم الفضاء الفكري الدولي العام الذي ظهر فيه المشروع النهضوي العربي. وهو فضاء أوروبي بالأساس، عرف ثلاثة مشاريع متنافسة ولكنها جميعاً رافضة ومضايقة للمشروع النهضوي العربي بشكل مباشر. لقد كانت تلك المشاريع ترتبط فيما بينها بعلاقات عضوية ووشائج متينة. فالصهيونية هي ربيبة الوجه الآخر للحداثة الأوروبية، وحركة الاشتراكية العالمية هي ثورة على هذا الوجه الآخر، على صورته داخل أوروبا وحدها. أما المشروع النهضوي العربي الذي ظهر في الفضاء الدولي الذي كانت تحتله تلك المشاريع فقد ولد يتيماً محارباً من كل جهة" [26] ، والمشروع الاشتراكي أصبح وضعه ضعيفاً كثيراً بعد أن مُني بخسارة في بداية هذا العقد في أكبر الدول تبنياً له، ولا زال المشروعان الصهيوني والحداثة الأوروبية ماثلان.

معرفة المجتمع العربي كمدخل للنهوض

بعد حديثنا عن أمور عدة منها تعريف النهضة، ومن يحدثها، وأسباب عدم تحققها؛ سوف نوضح رؤيتنا حيال العمل لتحقيق النهضة المنشودة، ولكن قبل ذلك نحن بحاجة لمعرفة بسيطة عن المجتمع الذي ستحدث فيه النهضة. فمعرفة هذا المجتمع بصورة أكثر دقة سوف تقربنا من فهم الواقع العربي، مما يجعلنا بعيدين عن المثالية في كيفية النظر إلى مسألة النهوض، وأيضاً تسهيله. ومن هنا سوف نقوم بإلقاء نظرة سريعة على المجتمع العربي من الناحية الاجتماعية، ولكن هذه النظرة تتضمن إلقاء الضوء سريعاً على الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والنفسية وليست مقتصرة على الجانب الاجتماعي.

توجد عدة سمات للمجتمع العربي تجعل الوصول إلى نقاط اتفاق حوله حالياً عملية صعبة نوعاً ما، حيث فيه أكثر من عشرين دولة، ومساحته الجغرافية تفوق مساحة أوروبا دون الاتحاد السوفيتي، لذا تتعدد فيه المجتمعات التي تختلف فيما بينها، فلو قسمت إلى مجموعات نرى أن كل مجموعة تحوي عدة دول، فمجتمع الخليج العربي يختلف عن مجتمع مصر والسودان، ومجتمع دول الشام بدوره يختلف عن مجتمع المغرب العربي، فثمة اختلاف ما في طريقة الحياة والثقافة والتقاليد والظروف من جانب، كما يوجد نوع من التشابه من جانب آخر، التي لا يمكن تجاهلها، مما يجعلنا نستطيع تقسيم المجتمع العربي إلى عدة مجموعات مجتمعية، فالمجتمع العربي عدة مجتمعات داخل مجتمع "يرى بعض الباحثين أن الوطن العربي مجموعة متميزة وليس مجتمعاً واحداً" [27] .

المجتمع العربي مجتمع صراع ففيه يتضح الصراع بين القوى والتيارات والأفكار المختلفة، فصراع بين قديم وحديث، وآخر بين من لهم ارتباطات خارجية، ومن ليس لديهم ذلك أو مع من لهم عداء لبعض الجهات الخارجية، وهذا من أبرز أنواع الصراع، وأبرز نموذج لذلك الغرب وفي مرحلة سابقة السوفييت فشخص ما يتخذ الغرب نموذجاً له في جميع جوانب حياته، وآخر يرفض اتخاذ هذا النموذج باعتبار أن له خصوصية مخالفة للنموذج الغربي الناتجة من اختلافه عن الغرب تاريخياً واجتماعياً ودينياً.

المجتمع العربي مجتمع تناقض -وإن جاز التعبير- ففيه الشيء ونقيضه، فالغنى الكبير يقابله الفقير المدقع، والمفكر والعالم والمتخصص الدقيق يقابله الجاهل والأمي، والمنتج يقابله الغارق في استهلاكه فلا يفكر في أي عمل منتج، والمنفتح على العالم ومجرياته وأحداثه يقابله المنغلق الذي لا يعرف أبعد من قريته أو مدينته، ومن هنا يتضح أن لكل شريحة أو مجموعة موضع خاص قد تؤثر به إيجاباً وقد تؤثر به سلباً، فالمشكلة الموجودة هنا لا يوجد تقارب بين هذه النماذج.

المجتمع العربي مجتمع متخلف[28]  غير علمي، تغلب فيه الأمية الحضارية وهذا له ارتباط واضح بالأمية الكتابية التي يصل عددها إلى 65 مليون عربي، ولا يستخدم العلم بصورة صحيحة وسليمة، ولا يستفيد منه في حياته اليومية بصورة صحيحة أو كثيرة، فهو يعتمد بصورة أكثر على الاجتهادات الشخصية التي تتصف بعدم التخطيط والعشوائية والقدم إن لم يستخدم مع ذلك الخرافات والأساطير والبدائية في التفكير.

المجتمع العربي مجتمع تقاليد، هذه التقاليد تؤثر في مجرى حياته، لذا فهي مستحكمة فيه لا يستطيع التحرر منها بسهولة، لا سيما وأن السلبية منها تتغلب على الإيجابية.

المجتمع العربي مجتمع جماعات، لذا فالإنسان العربي إنسان جماعي، أي أنه ينتمي لجماعة فلا يستطيع أن يستغني عنها، فهي من تعطيه الأمان، وكذلك أهمية لوجوده فبدونها لا يستطيع تحقيق الكثير من المنجزات حيث يداخله الشعور بأنه متى ما صار منفرداً فإنه سيفشل، ولن يحقق الكثير، ومشكلة الإنسان العربي في أنه ينتمي لأكثر من جماعة، فجماعة للعمل، وجماعة الأسرة، وجماعة الصداقة، وجماعة اللعب والترفيه أحياناً، وقد توجد جماعات أخرى، وبالتالي يصعب عليه أن يفصل بين هذه الجماعات بحيث لا يؤثر انتماؤه لجماعة على انتمائه للجماعات الأخرى.

ثروات هذا المجتمع ليست ملكاً له أو لا يستفيد منها سواء كانت مادية حيث لا يستفيد منها إلا الخارج أو فئة محدودة من المجتمع، ففي بعض المجتمعات العربية -إن لم يكن كلها- توجد هوة تتسع بين أصحاب الثروات والطبقة المتوسطة حيث هي من تمثل أغلب شرائح المجتمع العربي والتي تعتبر أكثر نمواً من الشرائح الأخرى، والتي في كثير من الأحيان لا تستطيع إلا سد ضروراتها فقط من مأكل أو من ملبس، ولا تستطيع توفير كمالياتها، فأصحاب الثروات فئة قليلة تستولي على ثروات البلاد، والفئة الثانية كبيرة قد تصل إلى أكثر من 85% أو قد يستفيد منها الخارج بطريق أو بآخر. أو معنوية، فالكفاءات الموجودة فيه باعتبارها ثروات إنسانية إما توجد الخارج بصورة غير طبيعية فلا يستفيد منها المجتمع العربي إلا بصورة قليلة، أو في الداخل فعاليتها ضعيفة، ومن ثم تأثيرها بطيء.

كذلك يوجد فيها انفصال واضح وكبير بين الشعب والحكومات، فلا يشارك الشعب في اتخاذ القرارات التي تخصه، وتقرر مصيره، بل يتولى عنه ذلك المسؤولون غير المنتخبين إن لم يكن قادة الدولة العربية، كذلك لا تتوفر المساواة بين أفراد الشعب، حيث لا يستطيع كثير من هؤلاء نيل حقوقه، ومن ثم فالشعب يبقى غير محترم لا يملك حقوقه التي يفترض أن ينالها، ونستطيع القول بتعبير آخر عن هذا باختصار، بأن هذا المجتمع مجتمع غير ديمقراطي.

المجتمع العربي لا يمسك بزمامه تيار معين، حيث تتعدد فيه التيارات نتيجة تعدد المرجعيات الفكرية، فلكل تيار نخبة تقود جمهور، وله رؤى وتصورات قد تتفق في بعضها مع التيارات الأخرى، وقد تختلف، وهذه التيارات مختلفة في الحجم والتأثير، وفي طبيعة التأثير.

تبقى مسألة الثقافة، فإنسان المجتمع العربي غير مثقف ومن ثم غير مبدع، وثقافته، في كثير من الأحيان، لا تتجاوز النظرية إلى الفعل، وكذلك تكمن لديه مشكلة أخرى وهي أن ثقافته إما مستوردة من الخارج أو موروثة من التراث، والنخبة لم تستطع التأثير بآرائها في الجماهير العربية بصورة فعالة، وهذا لا يعني أن المشكل كله سببه الجماهير بل تتحمل النخبة بعضه.

يرى د. محمد عمارة في حالة المجتمع العربي الثقافية أنها تتسم بحالة انقسام وتقليد "فالقطاع الأكبر من مثقفي هذه الأمة ومفكريها، فريسة (للانقسام الحاد) -وليس (التنوع)- حول: هوية النفس العربية.. أهي إسلامية؟.. أم غريبة؟؟.. أهي ماضوية تراثية؟.. أم ماضوية ومعاصرة؟؟.. أم أن (الحداثة) -التي تقطع الصلات بالموروث- هي مذهبها وطريقها؟؟.." [29]  ويتابع ذلك "ويزيد من مخاطر هذا الانقسام: تكافؤ -أو تقارب- قوى وإمكانات التيارات الرئيسة التي تتنازع هذه المواقف والمنطلقات والمقاصد والتوجهات -وخاصة تياري التقليد لماضينا وسلفنا، ولماضي وسلف ونموذج الحضارة الغربية- الأمر الذي حال، حتى الآن، دون حسم الجدل والاختلاف حول طبيعة (هوية النفس العربية) وطبيعة (مذهبية ثقافتها).

فهذا التكافؤ -أو التقارب- بين تيار التقليد والمحاكاة للسلف- وهو الذي يجتذب وجدان العامة وأفئدة الجمهور -.. وبين تيار التقليد والمحاكاة للغرب- وهو الذي يهيمن على القطاعات المؤثرة ومراكز التوجيه في العلم والتعلم والتثقيف والإعلام - .. هذا التكافؤ - أو التقارب - بين (تياري المحاكاة والتقليد)؟!- مع ضعف تيار الإبداع والتجديد - هو الذي جعل الأمة، ويجعلها تستنفد أغلب طاقتها الثقافية والفكرية في هذا (الصراع الداخلي)، على النحو الذي جعل بأسها شديداً.. فاستنزفت أغلب هذه الطاقات في (الصراع) لا في (الإبداع).. يهدم ما يبنيه الآخر، ويقتلع هذا ما يغرسه ذاك.. فكأنهما يمارسان (لعبة شد الحبل)، فوقف فعلهما معاً -بسبب تكافؤ الطاقات- عند نقطة (الصفر) لا يتعداها؟!.." [30] .

يجمل السيد ياسين أبرز الصراعات الواقعة حالياً في المجتمع العربي الإسلامي في "أنه مما يلفت النظر أننا بإزاء معركتين مزدوجتين في الواقع. الأولى بين الدولة السلطوية، والمجتمع المدني البازغ بمختلف توجهاته وأيديولوجياته، والثانية داخل المجتمع المدني ذاته بين التيار العلماني الديمقراطي على تنوع اتجاهاته، وبين التيار الإسلامي السلفي، الذي ظهر على الساحة السياسية أكثر تنظيماً، وأعمق فاعلية وخصوصاً في مجال الاتصال بالجماهير وقدرته على تعبئتها" [31] .

في مواصلة السعي لتحقيق النهضة العربية

أرى أن مسألة تجديد النظر إلى النهضة العربية ضروري جداً في الوقت الراهن، ونحبذ مسألة التجديد لأمور منها: أولاً- أن الوقت الراهن يشمل متغيرات كثيرة، أدت لاختلاف ظروفنا عن ظروف من سبقنا، ومن ضمن هذه المتغيرات أن كثيراً من القضايا ظهرت في مجتمعاتنا قبل عدة عقود أو اختلف النظر إليها عن بداية عصر النهضة العربية حيث يشملها حديث واسع منها مسألة الدولة القطرية، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والإسلام والغرب، والعلمانية، فهذه القضايا لا شك أن لها ارتباطاً قوياً بالفعل النهضوي باعتبارها مداخل مهمة، لذا لابد من اتساق هذه القضايا مع المرحلة الراهنة، فمثلاً على سبيل المثال بعض الإسلامويين الذين يشكلون جزءاً مهماً من الواقع العربي بدؤوا ينظرون منذ عقود إلى بعض المفاهيم والأفكار بمنظار مختلف عمن سبقوهم، وهذا ليس عيباً في من سبقوهم، والثاني أننا لا نستطيع أن نستبعد تجربة بداية النهضة العربية من الاعتبار، ونقطع صلتنا بهم لأن مطالبنا ومطالبهم واحدة، ونحن نسعى لمواصلة ما انتهوا إليه لأن العمل من الصفر غير منطقي، فنحن حلقة تلي حلقتهم وليست على حسابها، وهذا التجديد المقصود في بعض المواقف والأفكار.

نعتقد أن الذي يدعونا، واقعياً، لكي نتبنى نهضة؛ ونواصل عمل من سبقنا؛ أن في عقيدة أي مسلم أن الإسلام سيسود في الأخير، أي بمعنى أن الإسلام سوف يقود البشرية لتحقيق السعادة الإنسانية، ومن ثم فإن نظرة المسلمين إلى المستقبل نظرة تفاؤل لابد وأن يستفيدوا منها، فعندهم يفترض أن الزمن يتقدم لا يتأخر، وخير مثال على ذلك الإسلام والغرب، الموضوع المطروح حالياً بكثرة، ويقام حوله مؤتمرات ومنتديات فضلاً عن الكتب والدراسات، الذي له دلالة واضحة على أن الإسلام في وضعه العام في تقدم، فمثلاً دول شرق آسيا دول مسلمة تتقدم تكنولوجيا بصورة جيدة، ولدينا أكاديميون ومتخصصون عرب ومسلمون لديهم إسهامات وإنجازات واضحة في مجالات العلوم وكثيراً ما تكون هذه الإسهامات في أوروبا وأمريكا، كذلك اعتراف دولة مثل بلجيكا بالإسلام ديناً رسمياً في أواخر عام 1998، وأيضاً وجود دولتين تتبنيان الخيار الإسلامي، ودول أخر بدأ فيها الخيار الإسلامي بصورة واضحة. قد لا تكون هذه الصورة الحالية هي المطلوبة، أو لا تحقق حداً أدنى، ولكنها تبقى أفضل من حالتنا قبل عقود ماضية.

بداية نستطيع أن نتبنى تعريف إسماعيل صبري عبدالله للنهضة -المذكور في هذه الدراسة- حيث نعتقد أنه يتضمن أموراً أساسية للنهضة المنشودة التي تحتوي على أمور عدة هي:

1- هبة أي وجود حركة فاعلة وقوية.

2- مجتمعية، أي جميع أفراد المجتمع حيث لا تنحصر مسؤولية النهوض في فرد معين أو تيار أو شريحة ما دون غيرها.

3- إكساب الحضارة القومية، فحضارتنا القومية لديها ولكن ما لديها ليس بكافٍ، فهي بحاجة للمزيد.

4- المعارف والمهارات، فلا يمكن النهوض بدونهما.

5- تكافؤ مع الحضارات الأخرى أي أن يكون لنا دور لا يقل عن الحضارات الأخرى على المستوى العالمي.

الدخول في النهوض من جديد يحتاج إلى عدة نقاط وهي:

1- يكون النهوض من أجل الحصول على استقلالنا من سيطرة أي آخر يريد تبعيتنا له.

2- إن النهضة العربية حدث مخالف تاريخياً واجتماعياً عن النهضة الأوروبية، ومن ثم لا يمكن أن نتخذ النهضة الأوروبية النموذج تاريخياً واجتماعياً عن النهضة الأوروبية ومن ثم لا يمكن أن نتخذ النهضة الأوروبية النموذج الأوحد لنهضتنا، وهذا ما وقع فيه بعض المفكرين والنهضويين العرب، وهذا لا يعني الانغلاق عن التجارب الأخرى.

3- لن تنجح نهضة عربية إذا اعتقد أفراد المجتمع العربي أن أحداً سيأخذ بيدهم لهذه النهضة.

4- تعميق الإحساس بأننا بحاجة إلى إصلاح وضعنا الراهن، وأن علينا أن ننظر ماذا قدمنا للعالم في عصرنا الحاضر، لذا ينبغي علينا أن نكون أصحاب فعل على مستوى مجتمعنا ومن ثم على المستوى العالمي، وهذا الأمر ليس صعباً على من يرغب فيه إذا عمل جاهداً لأجل تخطي العقبات التي تقف في وجهه، ويعمق الإيمان بأهمية النهوض لذلك.

5- ليس مهماً حالياً أن تكون نهضتنا من أجل الاستيلاء على الحضارة العالمية لأن هذا المطلب لم يحن بعد وقته، بل علينا أن ننهض لنكون مجتمعاً إنتاجياً على المستوى الفكري والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي، والابتعاد من ثم عن مرحلة السقوط والتي إن صرنا فيها فإننا سوف نتعرض للاندثار، ولن يبقى لنا وجود إلا في الذاكرة.

6- النظر للأمور من وجهة نظر تناسب وضعنا الحالي، فنحن نعيش في مجتمع فيه تيارات مختلفة إسلامية، قومية، اشتراكية، ليبرالية وإن اختلف مقدار وجود وقوة تأثير كل واحدة، وعليهم العمل جزئياً كما ظهرت في العقد الحالي بين الإسلاميين والقوميين في بعض أعمالهم، أو كلياً جميعاً مع بعض في الأمور التي يتفقون فيها، ولا سيما موضوع النهضة، فمن عصر النهضة ورواد النهضة العربية بمختلف توجهاتهم يرون أننا بحاجة إلى نهضة تنقل المجتمع العربي لوضع أفضل، وهذا أيضاً ما تراه جميع التيارات الموجودة حالياً، والتي لديها إدراك واتفاق بأن المجتمع العربي متخلف، وأنه يحتاج للنهضة، فضلاً عن الاعتراف بالوجود الواقعي لكل منها، فلا يعتقد مثلاً التيار الإسلامي أنه هو المؤثر فقط، وأنه الوحيد على الساحة ومن ثم على الإسلاميين في الوقت الراهن، وما يحمله من مصاعب وعقبات وتحديات، المشاركة في عملية النهوض مع التيارات الأخرى. المختلفة معهم، وهذا أيضاً ينطبق على التيارات الأخرى فعليها العمل معه، وكذلك عدم القيام بعملية إقصاء للتيار الإسلامي من قبل التيارات الأخرى والتي نرى أنه الأكثر شعبية من جهة، وأنه له تطوره الواضح في مختلف جوانبه التي لا ينبغي غض الطرف عنها في أي مسألة تتعلق بالمجتمع العربي الإسلامي.

7- الاهتمام بالجانب الثقافي حيث لم يستطع المشروع السياسي تحقيق النهوض، والذي كان يعتقد، في وقت سابق، أنه هو صاحب الدور المهم في التغيير الاجتماعي من أجل تحقيق النهضة، أو أن الحل في تحديث الجيش كما كان يعتقد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أو في التنظيمات كما كان يرى خير الدين التونسي (1810 - 1890م). فلابد من تطويرها، ولا مانع من الاستفادة من خبرات وأفكار أوروبا في ذلك، أو كما يرى عبدالرحمن الكواكبي (1854 - 1902) أن الحل يكمن في رفع الاستبداد الذي كان يعيشه المجتمع العربي. فمتى ما رفع هذا الاستبداد؛ تقدم العرب، فهو الداء الذي يشتكي منه العرب كثيراً. ليعطي المشروع الثقافي الأولوية، ويترك له فرصة لكي يحقق مشروعه، بحل الإشكاليات التي وقعنا فيها، فالثقافة ذات أهمية للمجتمعات حيث تستطيع الثقافة الواعية الواقعية تشخيص الواقع، وتحليل مشاكله، ومحاولة إيجاد الحلول لإشكالياته، ويشمل دورها النقد والبناء (الإنتاج)، ولهذه العملية لابد من أن تتوفر الشروط اللازمة لأداء هذا الدور للثقافة من قبيل العمق، والانفتاح، والعصرية، والواقعية، ولدينا حالياً جهود لا يمكن إنكارها لكنها غير كافية، فنحن بحاجة للمزيد من الجهود الثقافية، ولتواصل المثقفين فيما بينهم من جهة ثانية وبين المجتمع جهة ثالثة -ولا نقصد هنا أن المثقفين شريحة واحدة- لا سيما ونحن نرى أن على المثقفين ألا يعشوا في عزلة عن المجتمع كما هو موجود في بعض المثقفين. ومن بعد تأسيس المشروع الثقافي يمكن أن تواصل نهضتنا عن طريق رجال السياسة أو أصحاب الاستثمار أو رجال الصناعة.

8- من سيقوم بالنهضة هو المجتمع المدني "إن نظرة شاملة لمجمل أوضاعنا وتجاربنا تدفعنا إلى القول اليوم أن نقطة البداية في عملية النهوض إنما تكمن في المجتمع ذاته، في عملية بنائه وتطويره واستنهاضه من داخله، فحين يستقيم المجتمع بمؤسساته وآلياته تنتظم كل جوانب حياتنا السياسية والفكرية والاجتماعية…" [32] ، وعن السبب الذي يوكل إلى المجتمع المدني القيام بمهمة النهوض "إن بناء مجتمعنا الأهلي اليوم هو المدخل إلى النهوض والتطور، بل إلى السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية.

فحين يتعذر الحوار وتجري ممارسة تقاليدها في المجتمع، يصعب على الحاكم أن يلغيها بقرار، وأن يحاصرها بمراسيم وتدابير.." [33] ، فحين يغيب دور الشعب تتأخر النهضة كثيراً، هذا إن تحققت، وهذا ما حدث مع تجربة محمد علي باشا فأحد أسباب فشل مشروعه النهضوي أنه أراد أن تتحقق النهضة عن طريق الدولة وللنخبة الحاكمة، مما أتاح للعامل الخارجي العمل على ألاّ يتحقق مشروعه، والذي يرى فيه فادي إسماعيل بأن "النهضة كانت نهضة للنخبة الحاكمة ومجتمعها الضيّق وسقوطاً للأكثرية المغلوبة بالحديد والنار، وللتربية، والعلم والثقافة.." [34] .

9- من عوامل نجاح أي نهوض هو الاهتمام بمسألة التعليم، فهو من يقوم بإعداد الكوادر والمؤهلات، ويعطي المعارف، ويطور المهارات.

10- قد تتباين الثقافات، وتختلف طرق التعليم، وهذا في نظرنا ليس الأهم، الأهم هو أن تستطيع الثقافة والتعليم إيصالنا للنهضة المنشودة، فثمة ظروف تحتم وجود هذا الاختلاف، فلابد من مراعاتها.

11- مطلب الوحدة ضروري للنهضة، على أساس أنه مطلب اجتماعي لا سياسي، حيث أكثر ما ارتبطت الوحدة في مجتمعاتنا بالسياسة وخير دليل الخمسينيات والستينيات من هذا القرن، فليس معنى هذا أننا ضد الوحدة السياسية، بل نعتبرها مطلب ينبغي العمل من أجله، ولكن الواقع العربي لا ينبئ بخير تجاه قيام وحدة سياسية، حيث المشاكل العربية السياسية تزداد تفاقماً ولعل خلاف الكويت والعراق دليل واضح على ذلك، ومن ثم فنحن نقترح أمرين مهمين في مسألة الوحدة الأول هو الوحدة بين الشعوب، وإزالة التوترات الموجودة بينها، فعندما تتكرس هذه الوحدة فلن تستطيع الحكومات العربية الوقوف في وجه هذه الوحدة، وسوف تحل مشاكل مثيرة تسببت فيها الحكومات، والثاني الوحدة الثقافية فبإمكاننا العمل من أجلها حيث ارتباط الثقافية بالمصلحة أقل من ارتباط السياسة بالمصلحة، حيث تتغير المصلحة حسب الظروف، وكذلك ممكن للثقافة العربية، عموماً، أن تتقارب بصورة أكثر من السياسات العربية.

12- السعي الجاد لتقليل مختلف الفروقات الضخمة غير المرغوب فيها في المجتمع العربي، بارتفاع الأدنى منها.

[1]  لسان العرب، ابن منظور، بيروت: دار مصادر للطباعة والنشر، عام 1990، ج7، ص245.

[2]  اغتيال عقل، د. برهان غليون، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط السادسة، عام 1992، ص192.

[3]  مجلة المستقبل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ع161، السنة 1992، نحو نهضة عربية ثانية: الضرورة والمتطلبات، إسماعيل صبري عبدالله، ص4.

[4]  النخبة ضد الأهل، وليد نويهض، بيروت: دار ابن حزم، ط الأولى، عام 1994، ص11.

[5]  المشروع النهضوي العربي: مراجعة نقدية، د. محمد عابد الجابري، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط الأولى، عام 1996، ص59.

[6]  مدخل إلى الفلسفة، جون لويس، ترجمة أنور عبدالملك، بيروت: دار الحقيقة، ط الثالثة، عام 1978، ص74، نقلاً عن الفلسفة والإنسان، د. علي الشامي، بيروت: دار الإنسانية، ط الأولى، عام 1990، ص198.

[7]  الإسلام في معركة الحضارة، منير شفيق، تونس: دار البراق للنشر، ط الأولى، عام 1991، ص20.

[8]  الاستبداد والحرية في فكر النهضة، اللاذقية، دار الحوار، ط الثانية، عام 1989، ص15.

[9]  دكتاتورية التخلف العربي، د. غالي شكري، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، عام 1994، ص130.

[10]  مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي المعاصر، كمال عبداللطيف، بيروت: دار الطليعة، ط الأولى، عام 1992، ص18.

[11]  الإسلام بين التنوير والتزوير، د. محمد عمارة، القاهرة: دار الشروق، ط الأولى، عام 1995، ص227.

[12]  المشروع النهضوي العربي، مصدر سابق، ص7.

[13]  مجلة المنار الجديد، القاهرة، ع1، شتاء 1998، التجديد الإسلامي بين قرن مضى وقرن يجيء، المستشار طارق البشري، ص25.

[14]  الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة 1798 - 1914، علي المحافظة، بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، ط الخامسة، عام 1987، ص23 - 34.

[15]  الفكر العربي، د. محمد أركون، ترجمة د. عادل العوا، بيروت - باريس: منشورات عويدات، ط الثالثة، عام 1985، ص149.

[16]  المصدر نفسه، ص150.

[17]  لسان العرب، مصدر سابق، ج2، ص516.

[18]  موسوعة السياسة، إعداد مجموعة من المؤلفين - المؤلف الرئيسي د. عبدالوهاب الكيالي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط الثانية، عام 1991، ج1، ص206.

[19]  النخبة ضد الأهل، مصدر سابق، ص52.

[20]  جدل الوعي العلمي، د. هشام غصيب، عمان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر - الجمعية العلمية الملكية، ط الأولى، عام 1992، ص109.

[21]  مجلة الآداب، بيروت، ع 5ن عام 1974، الخصوصية والأصالة، د. أنور عبدالملك، ص43.

[22]  مجلة الكلمة، بيروت: منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، ع7، ربيع 1995، إشكالية الإطار المرجعي في الفكر الغربي المعاصر، فؤاد إبراهيم، ص72.

[23]  المصدر نفسه، ص73.

[24]  التحولات العربية، د. سيار الجميل، عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، ط الأولى، عام 1997، ص78.

[25]  النخبة ضد الأهل، مصدر سابق، ص201.

[26]  المشروع النهضوي العربي، مصدر سابق، ص43.

[27]  المجتمع العربي المعاصر: بحث استطلاعي، د. حليم بركات، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط الخامسة، عام 1996، ص14.

[28]  يعرف د. محمد عابد الجابري التخلف بقوله "وهكذا إذا كانت التنمية هي "العلم حين يصبح ثقافة" فإن التخلف سيكون هو "العلم حين ينفصل عن الثقافة" ، أو هو "الثقافة حين لا يؤسسها العلم" ، راجع وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، د. محمد عابد الجابري، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط الثانية، عام 1994م، ص191.

[29]  مجلة الاجتهاد، بيروت: دار الاجتهاد للأبحاث والترجمة والنشر، ع10 – 11، السنة الثالثة، عام 1991، أزمة الثقافية العربية الإسلامية، د. محمد ع مارة، ص52.

[30]  المصدر نفسه، ص53.

[31]  مجلة عالم الفكر، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، المجلد 26، ع 3- 4، عام 1998، الفكر العربي والزمن: أين نحن الآن من نهضة مطلع القرن، السيد يسين، ص417.

[32]  إنماء المجتمع الأهلي، كتاب الكلمة 2، بيروت: منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، ط الأولى، عام 1996، من المجتمع يبدأ الإنماء والنهوض، معن بشور، ص72.

[33]  المصدر نفسه، ص74.

[34]  الخطاب العربي المعاصر، فادي إسماعيل، هيرندن – فيرجينيا – الولايات المتحدة الأمريكية: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط الثالثة، عام 1994، ص91.
295319