ثمالة..
الدكتور تركي الحمد - 4 / 3 / 2011م - 8:00 ص - العدد (23)

آسرة هي السلطة في العالم الذي كان ثالثاً ومغرية إلى درجة الإدمان.

لها نشوة ولذة ومتعة أين منها نشوة الراح عند أبي نواس، ولذة الوصل عند المجنون، ومتعة الحلول عند السهروردي المقتول أو الحلاج المصلوب.

فالحاكم في ذلك العالم يبقى حاكماً، حتى يموت أو يقتل أو يطاح به، أو أي شيء آخر.

كل احتمال وارد، إلا أن يتخلّى الحاكم عن السلطة بإرادته، حتى وإن أصبح غير قادر على الحكم، أو أصبح عقبة في طريق الحكم.

قبل سنوات ليست كثيرة، وصل واحد من حكام العالم الثالث إلى مرحلة أصبح فيها غير قادر على التحكم بحركات جسده، ولكنه كان مصراً على القبض على مقاليد السلطة المطلقة حتى آخر لحظة قبل الإطاحة به.

فعندما لا تكون السلطة مقيدة بسلطة أخرى، فإن الحاكم يتصور نفسه إلهاً صغيراً، أو خليفة للإله على أرضه. فهو يقلب مجتمعه رأساً على عقب؛ لأنه يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة التي لا يعرفها سواه، مع أن الحقيقة المطلقة لا يعرفها إلا الله وحده. ثم يكرر الخطأ تلو الخطأ، والتجربة تلو التجربة، وهو لا يزال يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة.

والمشكلة في كل ذلك أن من حوله يصفقون ويهللون له، فيزداد قناعة بأنه الإله أو خليفة الإله ورسول القدر.

نعم، السلطة آسرة وقاتلة في ذات الوقت حين لا تكون مكبوحة الجماح بالمؤسسات، أو مقيدة اليدين بالقانون.

ورغم أن هؤلاء الحكام يتصرفون وكأنهم من الخالدين، إلا أنه يأتي يوم يكونون فيه في الفانين، ومع فنائهم تنساهم مجتمعاتهم، وهم من كل ذات يوم ملء السمع والبصر، فما يشتعل بسرعة، يخبو بسرعة أيضاً، ومن يطمع في كل شيء قد ينتهي بلا شيء.

ولو علم هؤلاء الحكام أن سر الخلود بعد الممات يكمن في التحرر من السلطة، وليس في الوقوع في أسرها، لأسرعوا إلى الخلود متلهفين. هو سر يعرفه الجميع، ولا يعرفه أحد في نفس الوقت، وهنا تكمن المشكلة.

371316