من ذكريات أديب: حوار مع شيخ شعراء القطيف أحمد الكوفي
عقيل بن ناجي المسكين * - 4 / 3 / 2011م - 1:43 م - العدد (24)

نلتقي في هذه الحلقة من سلسلة (من ذكريات أديب) بشيخ شعراء القطيف الأُستاذ أحمد الصايغ، المعروف بالكوفي، ليتحدث عن ماضي المنطقة وعن القطيف القلعة و الأحياء.. القطيف العلم والعلماء.. القطيف البحر والغوص.. القطيف السوق والتجارة.. وعن ذكرياته منذ أيام صباه وشبابه وعن شعره وأدبه.. وقد أجري هذا اللقاء منذ بضع سنوات وتم تأجيل نشره لأسباب - لسنا بصدد التطرق لها هنا - ولكننا رأينا نشره لأهميته من حيث المعلومات التي ذكرها الشاعر الكوفي - رحمة الله عليه - ولأهمية هذا الحوار باعتباره حلقة من الحلقات التي يمكن لأي متتبع أو دارس للحياة الاجتماعية في المنطقة أن يستفيد منها جنباً إلى جنب مع ما كتب عن حياة الشاعر الكوفي، كالشيخ علي المرهون في كتابه (شعراء القطيف) وعبد الله حسن آل عبد المحسن في كتابه (شعراء القطيف المعاصرون) و (هكذا عرفتهم) للدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي، و (القطيف.. وأضواء على شعرها المعاصر) للأستاذ عبد العلي آل سيف، وغيرهم..

وللأمانة العلمية.. كان الشاعر الكوفي يتحدث معنا باللهجة العامية بحكم شخصيته الشعبية في القطيف وأريحيته وعدم تكلفه مع الآخرين، لذا فإننا قمنا بصياغة الحوار صياغة مناسبة وقد أشرنا إلى جميع المسميات التي تنطق باللهجة العامية ووضعناها بين قوسين وذلك حفاظاً على السمات التراثية المحلية لمدينة القطيف وتوابعها.. وقد التزمنا بكتابة جميع ما ذكره شاعرنا الكوفي ولكن بعد إجراء الصياغة المناسبة، كما قمنا بتنظيم الأسئلة والإجابات تنظيماً مقسَّماً حيث أن الحوار أخذ صيغة مشتتة على غِرار "الكلام يجر الكلام".. وهذا الحوار لا يخلو من فائدة تراثية وتاريخية لتوثيق بعض أحداث المنطقة وعادات مجتمعها من واقع ذكريات أبي سلمان - رحمه الله -

علماً أن اللقاء مع الشاعر الكوفي تم في حاضرة القطيف عصر يوم 19/03/1418هـ وقمت بتسجيل القسم الأول من الحوار، أما القسم الثاني من الحوار فقد تم عصر يوم 28/03/1418هـ، وتحتفظ مجلة الواحة بنسخة من التسجيل الكامل لهذا الحوار، وعند إجراء الصياغة النهائية للحوار رأيت أن أضم بعضاً من قصائد الشاعر ومقطوعاته مما يتناسب والإجابات التي أدلى بها زيادة في إعطاء موضوع الحوار شيئاً من أدب الشاعر وآرائه فيها شعراً، كما تم وضع بعض الهوامش اللازمة لتوضيح بعض المسميات والتعليق على بعض الأحداث التي أشار إليها الشاعر الكوفي في تضاعيف إجابته عن الأسئلة.

ولا أنسى هنا جهود مدير تحرير الواحة الأديب الشاعر السيد عدنان العوامي حيث ألقى الضوء على هذا الحوار ووضع بعضاً من لمساته الفنية بواقع خبرته ومعرفته بالشاعر الكوفي رحمه الله، فله منا جزيل الشكر والامتنان.

إضاءة

عن ترجمة شاعرنا الكوفي يقول الأديب الكاتب عبد الله حسن آل عبد المحسن في كتابه(شعراء القطيف المعاصرون): "ولد الشاعر الكوفي بالقطيف عام 1324هـ وتعلم في الكتّاب كعادة أترابه ثم ترك الدرس لإعانة والده لفترة تزيد على خمسة عشر سنة، عمل خلالها في الغوص، وعاوده الحنين إلى الاستزادة من التعليم كما يقول الأديب عبد العلي آل سيف، فأكمله من حيث قطعه، وأكمل القرآن وتعلم الكتابة، وبدأ في دراسة العلوم العربية، فدرس (الأجرومية) و (قطر الندى) و (شرح الألفية) على يد الأستاذ الكبير الشيخ البريكي، ودرس شطراً من (المغني) على يد المرحوم الشيخ محمد حسين آل عبد الحبار، ثم يكمل الأديب عبد العلي قوله: وكان لالتزامه مجلس الأستاذ البريكي الأثر الكبير في نمو موهبته الشعرية وتفتحها، فكان الأستاذ ينقح شعره أول قوله له ويصححه، بالإضافة إلى أن مكتبة الشيخ البريكي الغنية كانت للشاعر المورد العذب، غرف منها ما شاءت له طاقاته من صنوف المعرفة والفكر والثقافة العامة ولا سيما التراث الشعري القديم منه والحديث، ومع كل هذا مع ضيق حاله نبغ شاعراً مرموقاً"[1] 

كيف كانت القطيف في أيام صباك؟

حاضرة القطيف القديمة هي القلعة، والقلعة هي البلدة الكبيرة و يحيط بها عدد من الأحياء والقرى، من هذه الأحياء التي حولها " المدارس" و " باب الشمال" و "الشريعة" و "مياس" و "الشويكة" و "الكويكب" و "الدبيبية"، وجلها الآن أصبحت كثيرة البيوت وقد تغيرت معالمها، وجاء (القص) للقلعة في سنة 1405هـ، و من شعري في القلعة:

أتت بعدما شابت وشاب شبابها

ترجّي احتراماً أن يعز جنابها

فبالأمس كانت بالضياغمِ غابةً

بهم كان محمي الجوانب بابها

غدت روضة معطارة ذات بهجةٍ

فصوّح منها زهرها وملابها

تخلت عن السكان فأغبر وجهها

وعادت يباباً واكفهرت رحابها

وراحت لشكوى الغبن تسمع أهلها

عتاباً ولكن غير مجدٍ عتابها

برغم الأولى شادوا البلاد وعمّروا

يرون البلاد اليوم حان خرابها

و رانت على تلك المنازل غبرة

وعشش فيها بومها وغرابها

وراح اسمها يُنسى وينحطّ ذكرها

ويقرأ في أخبار كان كتابها

عفى رسمها ؟ لا، لا، فلم يعفِ

رسمها وإن بان عنها شيبها وشبابها

فها هي عادت متحفاً غير أنها

لوحشتها بادٍ عليها اكتئابها

وكيف بلاد الخير تعفو رسومها

وقد وازن التبر المصفى ترابها[2] 

من كان عمدة بلدة القطيف القديمة وكبار شخصياتها وقتئذٍ ؟..

كان العمدة في تلك الفترة الحاج عبد الله بن نصر الله[3] ، وكان يسكن في القلعة وهو من كبار أهالي القلعة وله أقارب في بلدة سيهات وهم آل نصر، ومن هذه العائلة الملا عبد المحسن النصر رحمه الله، والملا عبد الرحيم النصر رحمه الله، ومن شخصيات القلعة آل أبي السعود، وآل البيات، وآل السنان، وعائلة الجشي، والشماسي، والزاير، وغيرهم.. أما أمير البلاد في تلك الفترة الزمنية فهو شخص نجدي.. ففي الأحساء كان يوجد بن جلوي أما في القطيف فكان "بن سويلم" فعندما حكم عبد العزيز سنة 1331هـ وكانت الترك تحكم القطيف قبل مجيئه ثم جاء وزالت دولة الترك في المنطقة وجاء الأمان وكان أمير المنطقة من قبله هو "عبد الرحمن بن سويلم" ثم جاء "بن ثنيان" وآخرون..

بالنسبة إليك في بداية صباك وشبابك ما هي الأعمال الأولى التي مارستها ؟..

كنت أُخيِّط "الشد" وهي ثياب تسمى "شد" وفيها نقوش، وقد عملت فيها خمسة عشر أو ستة عشر عاماً، ثم عملت في "البشوت" حيث كنت أقوم بعمل "القياطين" وهكذا، وكنت أعمل في سكة القطيف، وبعد ذلك عملت في "الغوض" وعمري وقتئذٍ سبعة عشرة سنة، وعملت في هذه المهنة خمسة وعشرين سنة.

مع أي سفن كنت تخرج للغوص ؟ ومن كان النوخذة الذي انضممت إليه؟.

دخلت مع جماعة من سيهات مع شخص يقال له منصور بن مدن – على ما أتذكر – ومعنا شخص من عائلة الشويخات وآخرون وقد نسيت أسماءهم، وكان معي أيضاً شخص يقال له "بن خميس" من القطيف، وكنا نذهب معاً ونعود معاً، ومعنا أيضاً حجي أحمد بن سنان.

ما هو الأجر الذي كنت تتقاضاه عن هذا العمل ؟..

لا نأخذ أجراً بالمعنى المتعارف عليه، وإنما نأخذ مبلغ في البداية على أساس أنه "سلفة" ومقدار هذا المبلغ مائتا ريال أو ثلاثمائة ريال أو أربعمائة على القدر الذي يرغب به البحار.

كم كنتم تعملون في الموسم ؟ ومن أين كنتم تنطلقون ؟.

نعمل ثلاثة أو أربعة أشهر، وهي مدة الغوص حيث ندخل عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً ونحصل على بعض الدخل، و نعطل لنا يومين أو ثلاثة للاستراحة، ثم ندخل مرة أخرى حيث يُسمى كل فرد منا "مطراش" والمطراش يأخذ نصف شهر أو عشرين يوماً و نحصل على بعض الدخل؛ ثم نستريح يوماً أو يومين أو ثلاثة وهكذا لأوان "القفَّال" والمكان الذي كنا ننطلق منه هو ساحل القطيف قديماً حيث كان يوجد وقتها حجارة هنا وحجارة هناك مدفونة بالتراب.. نسير عليها من "الجمرك" إلى "الخشب" وهي السفن التي "نبندر" فيها وتسمى "أسكلة" ثم بُنيتْ بعد ذلك وسُميتْ "فرضة"..

من كان أشهر الغواصين وتجار اللؤلؤ في تلك الحقبة الزمنية ؟..

تجار اللؤلؤ يسمون "الطواويش".. ففي القطيف حجي منصور الجشي، وهو من كبار تجار اللؤلؤ، وآخرون لا أتذكر أكثرهم إلا أن أغلبهم من عائلة الجشي.. وفي سيهات من عائلة الحمود، وشخص يسمى أبو مكي، وهو شخص آخر يختلف عن أبي مكي خريدة لأن هذا الأخير يعمل غواصاً بينما الأول يعمل طواشاً، وكذلك كان هناك عائلة النصر، وعائلة الحمود وهو والد الخطيب والشاعر عبد الكريم الحمود المعروف من مدينة سيهات..

سمعنا عن سنة الطبعة حبّذا لو تحدثتم لنا عن ذكرياتك عن هذه الكارثة ؟..

سنة الطبعة - والعياذ بالله - ذهبت فيها أنفس كثيرة، وغرقت سفن كثيرة، ولم يسلم إلا القليل، وهي امتدت من الكويت إلى البحرين إلا أن البحرين لم يصبها أذىً لأنهم "قفَّلوا" ولم يكونوا في الغوص، أما لدينا في المنطقة فإن الطبعة حدثت قبل "القفَّال" بيومين وهي حدثت بالتحديد في ليلة الثالث عشر من ربيع الأول سنة أربعة وأربعين بعد الثلاثمائة والألف للهجرة.

من فَقَدَت من الضحايا أكثر من غيرها من بلدان المنطقة ؟..

من القطيف وتوابعها الذين ذهبوا قليل، ولكن أكثر الضحايا كانوا من أهالي البلدان المجاورة، أما من أهالي القطيف وتوابعها فإنه فُقد البعض وليس بكثرة ما فقدوا من البلدان الأخرى المجاورة …

مع أي نوخذة كنت وقت الطبعة وفي أي وقت حدثت بالتحديد ؟..

كنت مع نوخذة من (السنابس) وهي قرية في تاروت ومهنة أهلها الغوص مثل بيت(الصوال) حجي حسين الصوال.. وحجي علي الصوال، ودخلت معهم أثني عشر سنة متوالية، ثم صرت ما بين سنتين اذهب لمكان معين إلى أن انتهيت من الغوص حيث انكسر الغوص وخصوصاً بعد أن جاءت شركة آرامكو.

أما عن الطبعة فإنها حصلت وقت المغرب، والذين خرجوا للغوص كثير؛ وأكبر الغواصين شخص يقال له حجي حسن، وهو يجمع بين الغوص و"الطواشة" وهو يملك "سنبوك" خاص به، والسنبوك نوع من السفن آنئذ ومنها "الشوعي" و "الجالبوت" و "المحمل" و "البتيل" وغيرها الكثير..

ومنهم أيضاً شخص آخر وهو أبو حسين، وحجي علي الضامن، و القروص، ومن بيت الأبيض وهم "نواخذة"..

عندما حدثت العواصف في البحر وحلت الكارثة في طول البحر وعرضه كيف نجوتم؟

واجهنا الموت وإنما الله أراد لنا الحياة فقد تحطمت بنا السفينة التي كنا بها ولكننا تشبثنا بلوح من أجزائها يُسمى "دستور" وطوله من مكان مجلسي هذا لآخر باب المجلس، وكنا أحد عشر نفراً أمسكنا بها وهي تجري في البحر ونحن عليها ولا ندري إلى أين..

كم من الوقت بقيتم على هذا اللوح الذي ساقه الله لكم للنجاة ؟..

ليلة بيوم.. حيث هبّت العاصفة وبقينا ليلة الجمعة ويوم الجمعة حتى ليلة السبت ولم تدم العاصفة إلا حوالي نصف ساعة ولكننا بقينا عائمين ونحن متعلقين باللوح، وفي ليلة السبت لقينا "محمل" وانتشلنا من البحر.. وقبل ذلك كنا قد رأينا شخصاً على لوح صغير يطلع على البحر ثم يركس مرة أخرى وهكذا، فقلنا له تعال معنا على "الدستور" إلى أن يفرج الله، فقال لنا: أنتم من أهل القطيف ؟.. فقلنا لنا: نعم، فقال: (لا ماني جاي الكم...)، وقد غرق في البحر.. ورغم ما أصابنا وما نحن فيه من المحنة لم نفكر في الشرب أو الأكل.. كل ما نفكر فيه هو الحياة، وأصبحت صدورنا تشخب دماً من الاحتكاك بالخشبة التي تمسكنا بها، وعند وصولنا مع المحمل إلى الدمام وضعنا على جروحنا "الجفت" وهو مجبِّر إلى أن برينا من هذه الجراح..

عندما كنتم في عرض البحر على هذا اللوح ألم تواجهكم أخطار الأسماك الكبيرة؟..

لا لم نواجه أخطارها.. ثم إن الله سبحانه وتعالى نزع الخوف من قلوبنا لأن لطفه وعنايته أحاطت بنا، وإلا فإن "الهامور ما يسوي شي" فالخوف هو من الغرق نفسه..

من أين جاء هذا "المحمل" الذي انتشلكم من بين الأمواج ؟..

من الدمام، وهو لأُناسٍ من الدواسر، وقد وصلنا إلى الدمام وأعطونا بعض الأُزر لأن ملابسنا قمنا بتمزيقها حتى لا "تغوِّش" علينا في السباحة.. وجلسنا في الدمام إلى الصباح ثم جئنا نمشي إلى القطيف حيث كلنا من الشباب ونريد أن نذهب إلى أهالينا لأنهم قد آيسوا منّا وقالوا أننا "طبعنا وغرقنا".

مجموعة السفن التي خرجت معكم للغوص كم كانت ؟..

التي كنا بها سفينة واحدة، ولكن هناك "خشب" كثير لآخرين خرجوا أيضاً، ففي هذا الموسم يخرج الكثير من السفن ويسمى "سنيار" وهي من عشرين إلى ثلاثين سفينة، مثل ما يسمون النوق عندما يربطون الواحدة بالأخرى (قَطار).

كم استمرت العواصف في يوم الطبعة؟ وكيف كان الأهالي يجدون الضحايا ؟

نصف ساعة فقط و"لو تمت ساعة ما يتم نفاخ ضو" ولكانت أفنت الكثير وهي أعاصير شديدة العنف.. وقد ذهب الكثير من أهالي الدمام وكذلك من دارين حيث مات الكثير منهم وظلوا ينتشلون الجثث من الساحل لمدة ثلاثة أو أربعة أيام، حيث كانت الجثث تطفو على السيف وعندما ينتشلونهم يدفنونهم بلا تغسيل ولا تكفين لأنهم تلاشوا..

هل دخلتم البحر مرة أخرى بعد هذه الحادثة؟..

نعم دخلنا في السنة التالية لأنه بعد الحادثة كان "القفال" حيث أن الطبعة كانت قبل القفال بيومين، وعندما جاء موسم الغوص التالي دخلنا ولم نترك هذا العمل لأنه كان عملنا، فالغوص في ذلك الزمن عليه معتمد كبير إلى أن جاءت شركة آرامكو.. حيث ذهب الغوص وذهبت النخلة أيضاً..

بخصوص أعمال الغوص كيف كنتم ترتبون وتنظمون طبيعة العلاقة والتعامل بين "النواخذة" والغواصين؟.

كان هناك شخص يعتبر حاكماً في الغوص وهو من قبل الحكومة ويُسمى (سالفة) فإذا صار بين الغواص والنوخذة سوء تفاهم يذهبون للتحكيم عند (السالفة) وهو يجلس في السوق، وأذكر منهم حسن علي المرزوق، ثم من بعده حجي عبد الله بزرون من القطيف من المياس، وقالوا في المثل "اللي يسويه السالفة يستوي".. ويقولون أيضاً "دفتر الغواص مصدق" والذي يكتبه صاحبه على الغواص فهو عليه حتماً، والنوخذه هو صاحب هذا الدفتر، و بعض الغواصين لا يأخذون "تسقام وسلف"..

وليس عليهم نوخذة معين، فهم يتقاسمون ما يحصلون عليه من البحر وهذا أفضل عمل ولا ظلم فيه، أما الذي يعمل مع النوخذة فإن العشرة ريالات التي يأخذها البحار تسجل عليه ولا تنزل من الدفتر ولو يضيف عليها مائة ريال فهي لا تسجل للبحار.

لا زلنا في أجواء البحر وعالمه العجيب.. من كان أشهر النجارين الذين يعملون في إصلاح السفن من القطيف ؟..

في السويكه بيت الشيوخ أما كبار "القلاليف" والنجارين الكبار فهم في البحرين في قرية تسمى "النعيم" وفيها سفن الأبوام والجوالبيت والشواعي، وكذلك في الكويت، أما في القطيف فأذكر بيت الشيوخ وآخرهم جواد الشيوخ رحمه الله، وقد عاش مائة وستة عشر عاماً.

في تلك الفترة.. عندما كانت القلعة مزدهرة من كان أشهر العلماء والخطباء فيها وفي القطيف عموماً ؟..

القلعة هي دار العلم.. وفيها الشيخ علي أبو عبد الكريم الخنيزي، وفيها الشيخ علي الخنيزي أبو حسن، وفيها السيد ماجد العوامي وهم مجتهدون، ومن تاروت هناك الشيخ عبد الله بن معتوق.

ومن الخطباء الملا حسن الجامد من المدارس ثم من بعده من أم الحمام الشيخ منصور المرهون، وكذلك الملا عيسى بن عبد العال، وهم من الخطباء الكبار في ذلك الزمن.

ذكرت أنك عملت في السكة من تتذكر من التجار والباعة والحرفيين فيها ؟..

كلهم رحلوا – هنا يبتسم الشاعر ويقول – والآن لا يوجد إلا الهنود، ولكنني أتذكر من "الخبابيز" سيد محفوظ الخباز وأولاده، والسيد شبر، وسيد أحمد وأولاده وأولاد أولادهم، والآن لا يوجد أحد.. أما "الصفافير" من "مياس" ومن "القلعة" بيت الصفار، حجي صالح الصفار وحجي عبد الله الصفار، أما من البنائين أتذكر محمد علي أبو ذيب وهو كبير البنائين في القطيف من أهل القلعة، وشخص يقال له محفوظ بين حبيل، وهو من البنائين الجيدين، وحجي حسن بن مصطفى، وأخوه ماجد، وهم ثلاثة بنائين أساتذة، وآخر من بيت سنان يقال له حجي أحمد، أما من الخياطين في السكة وهم كثر وكانوا يجلبون المكائن من الهند ومنهم حجي محمد بن دهنيم وابنه عبد الله بن دهنيم ومحمد صالح بن خميس وعبد علي بن دهنيم كلهم خياطين، وكذلك حجي حسن الخنيزي، وحجي أحمد بن مصطفى وصالح بن ليث وعبد الله بن حمود كلهم خياطين..

قبل أن يحكم الملك عبد العزيز كيف كانت ظروف الناس الاقتصادية ؟..

الأتراك كانوا يحكمون المنطقة.. القطيف والأحساء، كانوا يأخذون من الناس الجمرك و الدرمة وغيرها.. وفي زمن الأتراك كنت صغيراً لم أدرك بعد حيث كان عمري ست سنوات، وقد سمعت عن ذلك ولكنني لم أعايش تلك المرحلة في زمن الأتراك.. ولكن عندما دخل الملك عبد العزيز كان عمري سبع سنوات أما الترك فإنني رأيتهم ولكنني لم أفهم بعد.. وعندما دخل الملك عبد العزيز انقرضت الدولة العثمانية في المنطقة..

كم سنة عملت في سوق "سكة القطيف"؟.

عملت في السكة تقريباً عشر سنوات وعمري خمسة عشر سنة، ففي القيظ كنت أدخل الغوص وفي الشتاء أشتغل في الخياطة عندما يتم "القفال" نشتغل في السكة في مهنة الخياطة.

كيف كانت مجالسكم والقهاوي التي تجلسون فيها ؟..

كان يوجد الكثير من المجالس والكثير من "القهاوي" مثل قهوة مهدي الغراب[4]  وعبد الله الغراب وقهوة "نصيف" وقهوة "المطلق"، وموقعها في الجبلة، وفي السوق وفي السكة، وهناك قهوة عبد الرسول العطره في المدارس وهناك قهوة تسمى(قهوة أبو شلاخ) وكانوا يشربون فيها الشاي والقهوة، وكان البعض يلعب فيها الصبة والقرعة وغيرها..

متى وكيف تعلمت القراءة والكتابة؟. وما هي أولى قصائدك ؟.

تعلمت القراءة والكتابة عند الشيخ ميرزا البريكي، وهو أبو سعيد.. وتعلمت عنده في بيته حوالي سبع أو ثمان سنوات.. وكذلك تعلمت عند الشيخ فرج العمران الأجرومية والقطر والألفية والمغني وقليل من الشرائع ولكن أغلب دراستي كانت النحو، ومن تلك المرحلة انطلقت في كتابة الشعر الفصيح.. أما عن قصائدي فهي كثيرة ولا أتذكر بالتحديد أولى هذه القصائد، ولكن من أوائل ما كتبت أتذكر أنه كان هناك شخص من "الدبيبية" سيد واسمه سيد طاهر الشبركة، وكان يتعلم الشعر وقد نظم شعراً في حسن بن فارس وهو أبو سليمان بن فارس وقد نظم قصيدة يهجوه فيها وقال لي حجي حسن بن فارس: ألا تستطيع أن تردّ عليه، فكتبت قصيدة طويلة رداً عليه ولا أتذكرها الآن ولكنها موجودة في ديواني المخطوط ومنها:

حمدتُ الذي يدري بما في السرائرِ

وعما مضى قدماً وعن كلِّ غابرِ

وقد مرَّ عليها سبعون سنة ولكنها مدونة في الديوان المخطوط.. وواصلت كتابة القصائد بعد ذلك، وشاركت في الاحتفالات ومن قصائدي في مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قلت وهي من وزن (البند):

الحمد لمن قسَّم أرزاق العبادِ

وصلى ملك الناسِ على أكرم هادِ

هو المبتدأ الأول سواهُ الإلهُ

وقامت نظم الكون وضاءت بسناهُ

هو الفيض الإلهي الذي عم نداهُ

على من كان في الأرض وفي السبع الشدادِ

لقد أشرقت الأكوان في مولدِ طه

وخير الرسل أسماها لدى الجبارِ جاها

فلا غرو إذا الكون به اليوم تباها

هو العلة والغاية في خلق العبادِ

فلولاهُ لما كان أبو العالم آدمْ

ولا كتبٌ ولا رسلٌ ولا كانتْ عوالمْ

هو الفاتح للجائي والذاهب خاتمْ

وقد هيمن في الكل قضا داعي الرشادِ

كيف كانت حياتك الأسرية.. متى تزوجت وكيف كانت ظروف الزواج ؟ وأين سكنت ؟..

تزوجت وعمري اثنان وثلاثون سنة، وفي تلك السنوات كان الفقر منتشراً وقد قدمت مهراً ثلاثمائة ريال، أما الآن فيقدمون خمسة عشر ألف ريال وأكثر، والثلاثمائة ريال في ذلك الزمن مبلغ جيد، وكنا نسكن بالإيجار بمبلغ بسيط حيث ندفع في السنة خمسين ريالاً، أما الآن ففي الشهر الواحد يدفع المستأجر ألف ريال، وقد توفي عمي شقيق والدي وورثته وورثت بيته إذ لم يكن لديه أولاد ولا بنات إلى أن جاء "القص" حديثاً وجئنا إلى هذا الحي الجديد.. ولكن بيتنا السابق كان في القلعة الذي ورثته من عمي..

في أيام صباك ما هي الألعاب الشعبية التي كنتم تمارسونها في القلعة ؟..

كنا نلعب لعبة "الطنقور" وهي من العصي، حيث نعمل للعصا قمة وتسمى أيضاً(الجلينة)، و لعبة أخرى (الصميدة) وهي عبارة عن شخص يجلس ويأتي شخص يصمد عينه ثم يمر عليه عدة أشخاص ويقال له: (هَدَا مِنْ).. فيقول: فلان.. فإن عرفه قام ووضع الشخص المعروف مكانه، وإذا لم يعرفه ضربوه بالكرباج على ظهره إلى أن يعرف أحد المارين عليه، وهكذا، ولعبة أخرى تسمى (الهول) و (الصبة) و (القرعة)[5] 

هل كان في القلعة ساحات يجتمع فيها الناس والباعة ؟..

يوجد (براحة الخيل) و (براحة الحليب)، وبراحة الحليب خاصة لرمضان حيث يبيعون فيها الحليب عصر كل يوم وكذلك الفاكهة، فهي عبارة عن سوق، وكان يحضر فيها الكثير من الباعة ولا أذكرهم الآن، فهناك أناس من (الفلاليح) يحضرون ويبيعون اللبن والحليب، ومن القرى المجاورة والأرياف يحضرون ويبيعون منتوجاتهم من اللبن والرويد واللوز والفواكه، وكذلك يببيعون بعض الحلوى، وبراحة الخيل ليس فيها شيء غير بيوت الحكومة والخيل وبيت الأمير وفيها مكان يسمى (الصراج)[6]  وهي سجن للذين يحكمون بالسجن.

[1]  آل عبد المحسن ، عبد الله حسن ، شعراء القطيف المعاصرون - ط1 - 1413هـ دار الرجاء - الخبر ، ص 6-7

[2]  أقرا القصيدة كاملة في (الواحة) - العدد 5 - ص 105

[3]  عن عبد الله بن نصر ، راجع مقالة السيد علي العوامي " رجال عاصرتهم " الواحة – العدد 18 – الربع الثاني 2000، ص68.

[4]  قهوة الغراب بصفة خاصة تعتبر مجلس لكبار التجار والشخصيات والأدباء والشعراء ، وكانت شبه صالون أدبي ومن اللذين يحضرون في هذه " القهوة " الشاعر خالد الفرج، والزهيري، وأبو السعود، وبعض الوجهاء، و" القهوة " موجودة حتى الآن ولكنها في موقع آخر في الجانب الشرقي من شارع الملك عبد العزيز قبالة أسواق مجمع الخنيزي .

[5]  للاستزادة عن الألعاب الشعبية في القطيف يمكن مراجعة كتاب الأستاذ عبد الله حسن آل عبد المحسن (الألعاب الشعبية في القطيف)

[6]  الصراح : تركية - " السراي " أو قصر الحكم..
عضو هيئة التحرير
302166