شهادة للوطن
محمد رضي الشماسي * - 4 / 3 / 2011م - 2:24 م - العدد (24)

حلفتُ بالشعر هذا الشعرُ ما ندبـا

إلا الذي مِن هوى الأوطانِ قد شرِبا

ومارَسَ الحبَّ بعضـاً من شعـائرهِ

تقـدَّسَ الحـبُّ إيمـانًا ومحتسبَا

ألحب للأرض شـيء من مبادئـه

فما استعـارَ بها جَـاهاً ولا لَقَبَا

وما استراحَ إلى نُعمى وعـافيـةٍ

من أجلها أو تُشرى باسمها رُتَبَـا

لو شاء أن يملكَ الدنيا أخو طمعٍ

أوهى الضميرَ وماتَتْ عنـدَهُ الرُّقَبَا

الحُرُّ صفحـةُ إشراقٍ تمورُ بها

مواقفٌ تتهادَى في الـورَى شُهُبَا

لا يعـرفُ المجـدَ تاريخاً لمنهزمٍ

لا يستوي الحُر مصلوباً ومن صَلَبَا

يغدو مع الشمس خيطاً في أشعتِها

وفي الدُّجى ألقُ الإشعاع مُنَسِكَبا

 

من يرخص الفِكَر في دنيا مهازلِهِ

(ومن يسوِّي برأس الأمة الذنبا)[1] 

أو مَنْ غَدا في مرافي الحبِّ يرسِلها

سفينـةً شاطئـاها عِـزَّةٌ وإبا

وراح يسرج في ظلمائهـا قبساً

منْ روحهِ، وأعَارَ الجنـة اللَّهَبَا

وعـايش الألم المضنى، فيرفدهُ

نبعٌ منَ الخلق السامي، وقد عَذُبَا

وعاش تحتَ لظى الأيام لا وهناً

مِنَ اللظى، وإن استضرى بهِ تَعَبَا

ألستَ في فَلكِ الأوطـانِ دُرَّتَهُ؟

لو انتخبنا لكنتَ الرمز مُنتَخَبَا

وما عدوناكَ، والأيامُ شاهدةٌ

حتى ولو أكثرت من مثلكَ النخبا

وما سلوناكَ، والأسماءُ شامخةٌ

لو اتخـذنا لكَ الآثارَ والنُصُبَا

سرى مع الليلِ تاريخٌ لهُ عَصَفَتْ

بهِ الرياح، وعرت دونهُ الحُجُبَا

نهر من الحمم العمياءِ رانَ بها

ليلٌ من الأمسِ داجٍ خلته سُحُبَا

ولو تنفَّـس صبحٌ عن دياجِرِهِ

ألقى على الليلِ من إشعاعهِ رَهَبَا

ترنحت في سناهُ كلُّ فلسفـةٍ

منَ البقاءِ، وأورى زيفها عَطَبَا

وصاغ من تعب الأيام عاطفةً

توهَّجت في حنـايا صمته يلبا

فلا الحياة بها نشوى لمعتصرٍ

على اللذاذة في كأسِ الهوى عِنَبَا

أستغفر الله إن قدست تربته

فلست، والله، ممنْ يعبدُ التُرُبَا

فإن وجدتَ على آثارهِ وطني

فإن لي شاهدين: الفكرَ والكُتُبَا

تبارك الوطنُ الزاكي فساحتهُ

مسرى المحبين لا مَيْناً ولا كَذِبَا

وملتقى الشاردات البِكرِ منْ قِدمٍ

ومهبط النيِّرين: الشعرَ والأدَبَا

من عبد قيسٍ وسحر القولِ ما فتئت

صناجة الشعرِ منه تنتشي طَرَبَا

الشعر والكلـم الغراء تسكبهـا

قيثارةَ الدهر في أسماعِنَا حَبَبَا

ففي يراعـك كم ناغيت غرَّتها

ومن يراعكَ ما أسدى وما خَلَبَا

دنيا من الحممِ السوداء طاف بها

نبض اليراعِ فما كلَّت وما تَعِبَا

وما استقر على شَطِّ يداعبهُ

وهج الشراعِ وإن قد خالَهُ ذهَبَا

ومن يجد زبد الأيام زاد غنىً

فكلما امتاح منه زاده سَغَبَا

إيهٍ أبا السادة الأبرار لو نطقت

عصاً بكفك ناجت عودك الرطبا[2] 

وحدثت عن مساع في مسيرتها

وأنت تحتضن السبعين معتصبا

تاجاً ترصعه الأيام دُربَتها

وأي ماجد قوم كالذي دربا

عصا عليها غبار العمر لو نفضت

غبارها لاجتليت الحزم والدأبا

وشمت تحت خطاها ألف بارقةٍ

من الطموح, و(تاريخًا وظل صبا)[3] 

ظل من الأمس آت في مسيرته

هيهات ظل الليالي أن يمر هبا

إيهٍٍ أبا السادة الأخيار ما وطفت

عيني عليك، ولكن قلبيَ انْسَكَبَا

فخذ دمي في مداد الشعرِ ممتزجاً

وخلني والأسى المحموم مصطحبا

وأنت في دار خلد عند سدرتها

تستمطر الله ما أعطى وما وهبا

[1]  تضمين من قول الحطيئة :

قومٌ هم الأنف والأذناب غيرهم

ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا


[2]  إشارة إلى عكاز المرحوم.

[3]  ما بين الهلالين من بيت للشاعر عدنان العوامي:

تاروت جئتك مكدود الخطى تعبا

أجرُّ خلفي تاريخاً وظلَّ صبا
أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران - السعودية
304695