التاريخ الذي يعيد نفسه
التاريخ الذي نفهمه
موسى عبدالهادي بوخمسين * - 15 / 10 / 2007م - 4:33 ص - العدد (3)

 

إن من نافلة القول أن التاريخ جزء لا يتجزأ من مسيرة الإنسان في هذه الدنيا، إذ يحتل مساحة واسعة من حياته وتفكيره ومعتقداته،  ومن رأى أن بالإمكان أن يتنصل منه أو يستغني عنه فإنه واهم إذ أن صوراً من حياة الماضين تجد طريقها للظهور في حياة الأجيال اللاحقة خلال الأقوال والأفعال سلوكاً وممارسةً بشكل أو بآخر .

فللتاريخ بصماته الواضحة في حياتنا شئنا  هذا أم أبينا، لأننـا  - نحن المسلمين -  نرتبط بالتاريخ ونعتمد عليه، إذ لا بد أن نبحث عن الأحكام الشرعية التي نزلت ودُوِنت قبل ألف وبضع مئات من السنين، ولكنا كثيراً ما نجد روايات تختلف اختلافاً كبيراً في الأحكــام، ولذلك يتحتم علينا أن نعرف بشكل دقيق خلفية الظروف التاريخية التي جاءت فيها  تلك الأحكام.

إلا أن الطريقة التي ندرس بها علوم الإسلام، وخصوصاً الفقــه، هي الطريقة التجزيئية التي تجزئ العلم، فتبحث التاريخ وحده، بينما هما كلٌ لا يتجزأ  ( 1).  

وطالما يهمنا امر الفقه : فالتاريخ  كذلك. ولكن إذا ما أردنا تحديد علاقتنا بالتاريخ فبماذا ننعته.

أهو فضول وحب استطلاع على مجريات القرون الماضية؟

أم هو قراءة عاطفية قشرية لسير الشخصيات المرموقة في الزمن الأول ؟

أم هو ترف ثقافي نجتر عبره حكايات قديمة لمجرد التسلية ليس إلا ؟

بالطبع ليس هذا ولا ذاك إنما التاريخ رصد لحركة المجتمع البشري الذي مر يوماً  من هنا، من هذه البقعة أو تلك، من هذه البلاد أو البلاد المجاورة بل من هذه الأرض التي نعيش فوقها، إذ لم نعهد أن ولد آدم مهما انتشروا قد استوطنوا أو استعمروا كوكباً غير هذا الكوكب .

إذن فكل حركة صدرت أو دولة قامت  أو حضارة نهضت هي من شأننا، ومن واجبنا البحث والتقصي عنها للتعرف على معالمها واستخلاص العبرة منها. إذ لم تصدر أية حركة ولم تنهض حضارة إلا ومن ورائها إرادة. والإرادة لا يصنعها إلا الإنسان الحر وبغيرها لا يستطيع الإنطلاق والتألق ‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

وليس من ريب أن الحضارات لم تنبثق فجأة وما ولدت عملاقة وإنما كانت كفاءات تبلورت وجهوداً تجمعت، وخبرات تراكمت، وعلماً أُضيف إلى علم، فنتج من ذلك الكم خضم الحضارة. وحين تعددت التجارب الإنسانية شهد التاريخ البشري سلسلة الحضارات.

إذن  فالتاريخ معين لا ينضب من المعارف والدروس والمواقف والعبر، لابد للأجيال أن تتتلمذ عليه وتفيد منه. ولكن السؤال هو كيف ..؟

أننا حينما نقول أن التاريخ هو سجل الحضارات ومعين التجارب، فأي تاريخ يستحق بأن يوصف كذلك ؟

أهو تاريخ الدسائس والفتن .. ؟

أم هو تاريخ الخلاعة والمجون، والليالي الراقصة .. ؟

أم هو تاريخ أفراد مهما بلغت قوة الواحد منهم وبأسه، أو مهما تصاغرت همته .. ؟

أهو تاريخ الحكام، وأسرهم حينما تتنازع السلطة فيما بينها فتهرق الدماء الزاكية، وتزهق الأرواح البريئة ..؟

أم هو تاريخ الأباطرة حينما تزحف جيوشهم على البسيطة لتجتاز أملاك الغير بالقوة والجبروت، وتخضع ببوارجها لسلطانها الأمم والشعوب ؟

أهو تاريخ النمرود وفرعون، أم هو تاريخ الطواغيت والجبابــرة ؟

كثيرة هي المفردات التي نقرأ عنها في أسفار التاريخ ولكنها لا تحكي إلا نمطاً واحداً من المجتمع البشري الذي دب على هذه الأرض . وكأنما تلك الكتب لم تكتب إلا من أجل العيون الناعسة في غرف القصور الدافئة وهي تحي لياليها الحمراء الساهرة !

ماذا نريد من التاريخ ؟
 
 

 غني عن القول أن للضعفاء التافهين مواقفَ رخيصةً على طول امتداد التاريخ يلجأون فيها إلى الخطيئة من لهو ومجون وفحشاء، وهؤلاء  لا شأن لنا بهم. كما أن للجبناء لحظات يركسون خلالها إلى حضيض الجريمة النكراء من خيانة أو دسيسة، وهؤلاء ليس لهم مكان في التاريخ.

أما تاريخ البطولة والفداء فهو محط أنظارنا، وإنما يتركز البحث حول الظروف الذاتية والموضوعية التي تتسبب في رسم الحوادث التاريخية وبالتحديد التطورات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية وعوامل النمو الديمغرافي، التي غالباً ما يهملها المؤرخون.

وأما التاريخ السياسي فهو ما يملأ بطون الكتب، وتاريخنا الإسلامي مع - الأسف -  لم يحفل إلا بهذا النمط من الكتابة التاريخية، فأسفار التاريخ لا تتحدث إلا عن الأباطرة أو ما أسسوا من قلاع وقصور وجيوش، و عن الخلفاء وما أنجزوا من فتوحات وما جلبوا من جواري وما عاشروا من شعراء ومهرجين.

وعن الجبابرة وسطواتهم وبطشهم، وعن المحاربين وبطولاتهم وانتصاراتهم أو هزائمهم .. ثم ماذا؟

ماذا عن التقويم والعبرة .. ؟

أي لماذا نقرأ التاريخ من زاوية معينة، ونغفل قراءته من الزوايا الأخرى ؟

وبتساؤل آخر لم لا نقرأ التاريخ كما نقرأ مقطعاً عرضياً من شريحة حيوية ؟ فندرس التاريخ بيئة وجغرافية واستراتيجية وسكاناً فنتعرف على الأرض والإنسان وتأثير الزمن فيهما ثم نبحث عن الفلسفة التي يتبناها المجتمع وبالتالي فهمه للدين والحياة.

تلك هي الدراسة الشاملة التي تقود الدارسين إلى تلمس الطريق نحو التقدم والبناء الحضاري .

إن معرفة تجربة الحياة ضرورية وعمر الإنسان أقصر من أن يستوعب كل ما فيها. ولولا أن يستفيد من التاريخ بمعرفة تجارب السابقين لما عدا أن يكون واحداً من الحيوانات التي تقاسمه العيش على الأرض.

إننا نريد عبر النظــرة الشمولية للتاريخ أن نتعرف على التجارب الإنسانية والعلاقات الاجتماعية والموازين الخُلُقية؟.

ثم ماذا عن الأفعال المجيدة التي يحق للبشرية أن تفخر بهـا .. أو الأعمال القبيحة التي يندى لها جبين الآدمية ؟

وكيف لنا أن نتباهى بالأهرام وعبقرية صناعها .. وننـسى فتـك فرعون بآلاف الأطفال الرضع، سفك دماءهم لمجرد رؤياً أفزعته حينما داهمته في المنام؟ هل نفتخر بتاريخ الفراعنة و القرآن بين ظهرانينـا يقول صارخـاً: ﴿ إن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شـيعاً، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين (2)

وبعدئذٍ أيحق لنا أن نعتز بآثار بابل وآشور وبطولات بخت نصر وهم وثنيون .. ونغفل جرائمهم بالموحدين وقتلهم الذراري وسبيهم العذارى والأرامل .. ؟

إذن ماذا أفادنا التاريخ لحاضرنا .. ؟

و ماذا عن الحياة الاجتماعية التي مر بها الوطن عبر مراحل التاريخ ؟ ..

ثم ماذا عن المنهج التربوي الذي كان المجتمع ينشئ الأجيال عليـه ؟ ..

بل وماذا عن الإنتاج الزراعي والصناعي والتطوير الحياتي والوضع الاقتصادي والميزان التجاري، وتقلبات هذه الأمور كلما كرت الأيام واختلفت مؤثرات البيئة والمناخ .. ؟

إننا حينما نتحدث عن التاريخ فإنا نريد منه العظة والفائدة كيلا نلدغ من جحر مرتين!

وعندما نتأمل  حوادثه فلا نريد أن نتصفح كتاب ألف ليلة وليلة في ساعة ترفٍ فكري وأدبي.

ولكنا نريد أن نسمع آهات الثكالى وأنين الجرحى وصراخ الجائعين كي نشحذ الهمم، ونشمر عن سواعد الجد، فندخل ميدان الإنتاج بروح وثابة تتبلسم عندها جراحنا الحاضرة ولو تحسسنا ضجيج المصانع وطقطقـة المعاول في حركة البـناء لكان أجدى من صليل السيوف وصهيل الخيول!

نريد من التاريخ أن يكون مرشداً يقودنا نحو الفضيلة والعطـاء ..

ونريده منهجاً تربوياً يعلمنا معالم الحق ومكارم الأخلاق، ونرتضيه ضياءً شاملاً يرشد الأجيال المتلاحقة إلى سلم المجد يعلمهم كيف يبنون " الحضارة"!

والحضارة .. ما الحضارة .. ؟ وماذا تعني لنا كمسلمين ؟ وأين صرنا منها ؟

وهل الحضارة إلا الحضور؟!

لقد كنا - كعرب - قبائل متناحرة ضائعة، فالتقت بالإسلام على كلمة الحق، وسجلت حضوراً تاريخياً على صعيد العالم فتحولت إلى ما نعتها القرآن الكريم بقوله : ﴿ كنتم خير أمـة أخرجـت للناس تأمرون بالمعروف وتنهـون عن المنكـر وتؤمنـــون بالله .. (3)

فحين تلاقت السواعد وتعاونت الهمم وتلاقحت الأفكار، واندمجت في بوتقة الإسلام شعوب الشرق الأوسط تألقت أمة الإسلام المؤمنة التي أعطت بصبر كل ما عندها لتقدم للدنيا  " الحضارة الإسلامية الرائدة ".

أهمية دراسة التاريخ
 
 

 تنبثق أهمية دراسة التاريخ من المعطيات العقائدية التي تربط التاريخ بالواقع العملي والحياتي ربطاً وثيقا حتى يكادا لا ينفصلان عن بعضهما خصوصاً بعدما جعل القرآن إطار الإيمان والحياة هو القاسم المشترك بينهما .

فالإنسان لا يملك مندوحة عن الإمتداد الأفقي والإمتداد العمودي عبر الأبعاد المختلفة لوجوده، فهو يبحر عبر المحور المكاني أي الكون المحيط به وما فيه من آيات ربانية تكشف له حدوده ومدى ما يدرك من آفاق الدنيا وما يمكن أن يستوعب عقله المحدود من مظاهر كونية وأسرار إلاهية توضح له بالنتيجة تلك المحصلة القرآنية المطلوبة وهي " الإيمان بالله ". ذلك على صعيد الإمتداد الأفقي. وبنفس المقدار مطلوب منه أن يرحل على صعيد الإمتداد العمودي عبر المحور الزماني ليجتاز مراحل التاريخ المختلفة وصولاً إلى نقطة الإنطلاق الأول  " بداية الخلق " كيف و لماذا ؟ .. ثم يعرج قافلاً لينطلق عبر المحور ذاته إلى الأبد حيث الخلود أو السرمد مجتازاً مراحل المستقبل. وهو بين هذا وذاك يستقرأ المراحل التي مر بها الإنسان أو سوف يمر بها ليتوصل إلى الحقائق الإلهية والنواميس الكونية التي تحكم هذا الوجود بشكل عجيب ودقيق تثبت له بالدلائل القطعية عظمة الخالق وعجائب صنعه، وبالتالي تهديه إلى وحدانية المعبود جلت عظمته .

فدراسة التاريخ إذاً ليست إلا رحلة في اتجاه واحد عبر المحور الزماني لابد وأن تؤدي إلى هذه النتيجة المحمودة عواقبها لأنها تؤدي في النهاية إلى الهدف الكامل وراء خلق الإنسان من عبادة واحد الأحد بعد رحلة التعرف على الكنز الخفي ومن ثم تذوق جميل آلائه وواسع رحمته.

والقرآن حينما يدل على صنيع ما فإنما ينظر إلى النتيجة التي يعبر عنها بـ " العاقبة " يقول تعالى :

﴿ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (4) ﴿ وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (5)   ﴿ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عـاقبة الـذين مـن قبلهـم (6) 

وهكذا، أمر صريح بالتنقيب عن آثار الماضين والنظر في مصائرهم بعد دراسة تاريخهم !

والأية الأخيرة تتكرر بنفس ألفاظها أو باختلاف جد يسير حوالي سبع مرات في الكتاب المجيد. كما يلفت القرآن العظيم النظر إلى عاقبة الظالمين والكفرين والمنذَرين والمجرمين، وكل قوم حسب مواقفهم من أنبيائهم.

والخلاصة أن الكتاب العزيز يوجه الأنظار إلى مصائر الأمم التي سبقت و اندثرت نتيجة لانحرافها عن طريق العدل والأيمان، لنأخذ من مواقفهم العظات والعبر في الوقت الذي يستعرض فيه تاريخ الأنبياء عليهم السلام وكأنه واقع حي ليستفيد الرسول والمسلمون معه من التجارب التي مرت بالأنبياء وكيف واجهوا مشاكلهم المتنوعة بحلول واقعية تبدأ من منطلق الأيمان بالله وتنتهي بنجاح التجربة الرسالية وسوء المنقلب بالنسبة للمعاندين .

أما الإعتداد بالمنجزات المادية التي حققها أولئك الأقوام عُربأ كانوا أم فراعنة أم آشوريين فليس من مبادئ القرآن. يقول الأستاذ " منير محمد غضبان " : ( في خضم الدراسات التاريخيـة الحديثة نبحث عن النظرة الشاملة للتاريخ الإسلامي فلا نجدها، ويكاد  لا يمر يوم لا نرى فيه دراسة جديدة عن شخصية معينة، لكننا نفتقد الدراسة الشاملة. وأعداؤنا يحاربوننا بهذا الشمول، بحيث يقدمون لنا تاريخ البشرية من خلا7ل فلسفتهم وعقيدتهم(7).

فهو يرى أن العقيدة وفلسفة الحياة ضرورية لمنهجة الكتابة حول التاريخ لذلك يسترسل في هذا الموضوع موضحاً كيف استفاد الأعداء من هذه النقطة بقوله : ( إن أعداءنا يهدمـون عقيدتنا ويبنون عقائدهم من خلال العرض الاقتصادي للتاريخ، أو العرض القومي للتاريخ، ويتلقف شباب الرقعة الإسلامية هذه الدراسات فتدخل في بنائهم الفكري، وتشوه معالم الإسلام في ذهنهم، وتضع معالم الجاهلية عوضاً عنه) (8)

ثم ينتقد المنهج التاريخي المقرر على ناشئتنا في المدارس حيث يقول : ( ودروس التاريخ  العربي في مناهج المدارس، وكذلك التاريخ العالمي - وقد وضعت خطة لتدريسه من الجامعة العربيـة، يتناول في فصوله الأولى تاريخ العرب قبل الإسلام في كل دولة يتم التركيز على الشعوب التي سيطرت فيها، ففي سوريا يركز على الفينيقيين، وفي مصر على الفراعنة، وفي العراق على الكلدانيين والبابليين والآشوريين وهلم جرا .

وتتم دراسة هذا التاريخ على ضوء الأثار المتبقية في جرش أو بابل أو تدمر أو الأقصر أو حضر موت. ويتم الاعتزاز بهذا التاريـــخ. ومما يفتخر به أديانهم ولو كانت وثنيةً أو جاهلية أو مشركة. ثم يدرس العهد النبوي ومرحلة الراشدين والتاريخ الأموي والعباسي من خلال دراسة الملوك والحكام. ومع أنتهاء سيطرة العنصر العربي .. ينتهي التاريخ المجيد للأمة !. ثم تتحدث المرحلة الثانية عن سيطرة عهود الظلام كما يسمونها - عهود سيادة العنصر غير العربي فيسمونها عصور الانحطاط. ثم تأتي المرحلة الرابعة الأخيرة .. أسود مرحلة في تاريخ هذه الأمة .. المرحلة التي غاب فيها الإسلام عن الحكم في القرن الأخير، فيطلقون عليه عهد " اليقظة " أو عهد النهضة، وكلها بطولات وأمجاد خارقة، ويرفعون من كل طاغية استذل شعبه وأمته إلى مصاف التأليه .. هذا هو الخط القومي الذي تسير فيه دراستنا التاريخية القومية في جميع دول الجامعة العربية. وفي الدول الإسلامية الأخرى فالوضع أنكى وأشد حيث تسود الفلسفة القومية، فتعتبر العرب غزاة فاتحين، وتمجد بالتاريخ الجاهلي القديم لها قبل الإسلام مثل الاكاسرة في إيران - أيام الشاه - وجنكيز خان وتيمور لنك في تركيا .. وغيرها .. وغيرها كثير ! ) (9).

وأما فيما يتعلق بتاريخ شعوبنا الإسلامية المعاصر والملئ بمواقف الشرف والتضحية والفداء، والدفاع عن حياض العقيدة ومبادئ الدين وحدود الوطن الإسلامي فإن ذلك ما تتعمد المناهج التاريخية الحديثة إغفاله وتغييبه عن واعية الناشئ المسلم، حتى أن الواحد منا يتفاجأ حينما يقرأ عن نضالات الشعب الفلسطيني برموزه الرساليين كالشيخ عز الدين القسام أو عبدالقادر الحسيني، وجهاد الشعب الجزائري عبر مواقف الشيخ عبدالحميد بن باديس والشيخ الإبراهيمي، وجهاد كل شعوبنا المسلمة كالذي حصل في ليبيا والمغرب والسودان أو إندونيسيا والمورو وإيران وكافة بلداننا الإسلامية. فأين مناهج التاريخ في مدارسنا عن هذه البطولات الخالدة .. ؟

ماذا أفدنا من التاريخ
 
 

إن الحديث عن مـدى الفائدة التي حققناها من التاريخ هو قضيتنا الأخرى التي نحن في حاجة ماسة إلى  إعادة النظر فيها. فهل فعلاً استفدنا من ماضينا لكيلا نقع في ذات الأخطاء التي ركس فيها الأولون ؟

إن تاريخ الخلافات الحادة التي دبت بين مراكز القوى الدينية والسياسية في كيان الأمة' الإسلامية يبين لنا كيف ضاعت منا الأندلس قبل أن تنطفئ شعلة الحضارة الإسلامية، وكيف تجزأت الدولة الأم إلى عدة دويلات وممالك ليس من شأنها إلا التناحر في ما بينها. كما فتتت المذهبيات والاختلافات الفئوية جماهير المسلمين إلى شراذم وجماعات، ومذاهب يكفر بعضهم البعض الآخر !

لقد تجزأت الدولة العباسية إلى دويلات كما استُنزف المسلمون في الأندلس بسبب الأسبان ولكن التطاحن الفئوي كان أشد مضاضةً في رسم النهاية المفجعة لدور الإسلام في أسبانيا. يقول الدكتور/ عماد الدين خليل: ﴿ ما لبث المسلمون هناك أن استُنزفوا، وزادهم ضعفاً انقسامهم على أنفسهم وصراعهم الطاحن فيما بينهم، الأمر الذي حول الميزان لصالح القيادة النصرانية التي تمكنت في نهاية المطاف من إسقاط آخر كيان إسلامي هناك..مملكة غرناطة عام 897هـ.. (10)

فهل توقفنا عند هذا الحدث التاريخي الأليم لكي نستخلص منه الدروس ونستفيد منه لحاضرنا .

أين الدراسات التاريخية التي انصبت على قضايا الطائفية والفروقات الاجتماعية والعرقية والمذهبية لتناقش بروح من العلمية والواقعية أسباب التمزق الطائفي ؟ وتجيب على تساؤلات الحاضر عن تلك الصراعات الدامية التي مزقت جسد الأمة شر ممزق. وما نزال نكتوي بنارها إلى اليوم ؟؟

مفارقات في تدوين التاريخ
 
 

لقد عرفنا عن مؤرخينا وطريقة كتابتهم وتدوينهم للتــاريخ، أما كُتاب الغرب  فإنهم حينما جاؤا إلى بلادنا، لم يهملوا شيئاً معتبِرينــه بلا قيمة، تعاملوا مع كل شي بلغة الأرقام ..درسوا الوضع السياسي .. والاجتماعي والاقتصادي والتربوي والتاريخي والجغرافي و .. و.. بلغة الحقائق، والوثائق، ولم يتركوا شيئاً للإحتمالات أو الصدفة .. وذلك هو المنهج العلمي في الكتابة ! ولا أريد أن أمدحهم لنزاهتهم أبداً فهم ليسوا كذلك ولكنهم لم يكتبوا ملقاً لأحد ولا تكسباً للقمة العيش وإنما أرادوا معرفة سر ارتقائنا في الماضي .. وكيفية القضاء على مقومات بلادنا لإمكانية السيـطرة علينا .. فقدمت طلائعهم الاستكشافية للبحث الميداني مدققين فاحصين!

وكما فعلوا في كل المناطق الإسلامية التي كتبوا عنها ميدانياً بعد رحلة استكشاف شاقة، كذلك فعلوا في منطقتنا هذه - الخليج والجزيرة العربية - حيث قدِموا على هيئة رحالين، فجاسوا خلال الديار وكتبوا عن كل ما رأوه ها هنا.

ولما جاؤا إلى الأحساء شدت أنظارهم هذه الواحة الخضراء، فلم يتوقفوا ليتفيئوا ظلال النخيل الباسقة، ويستلذوا بالشرب والسباحة في مياه عيونها الصافية الدافقة، وإنما ولجوا ميادين لم تخطر على بال مؤرخينا من قبل، بل لم يحذُ أحدٌ من كتاب التاريخ المعاصرين عندنا حذوهم، حيث دخلوا المدن والقرى فسجلوا مرئياتهم وانطباعاتهم،  ورسموا خرائط للمناطق والأرياف والطرق التي تربط بينها، ووصفوا هندسة البناء والعمران، وزخارف الأزياء والألبسة، وطرائق معيشة الناس، وخاضوا في مجال الإنتاج وقضايا التجارة وشؤون الصادرات والواردات .. وهلم جرا .. ولما شدتهم الجنبة الاقتصادية في الكتابة عن تاريخ الأحساء سلطوا عليها الأضواء وكتبوا ما يمكن أن  يفيدنا نحن اليوم. فإذا قارنا أرقام الماضي القريب مع أرقام اليوم قد يفغر الواحد منا فاه من الدهشة!

فلقد قدر لوريمر في عام 1908 م  إنتاج التمور بواحد وخمسين ألف طن يُصد رمنها إلى جدة 4000 طن والى البحرين 5000 طن عبر العقير وألفان إلى قطر  والأربعين الباقية تستهلك بين الأحساء ونجد.

وفي إحصائية أخرى أشمل وأدق قُدر إنتاج التمور عام 1900م بـ 150000 طن يُصـــ‏در منها 10.000 طن إلى الخارج. ومن الأرز يُنتج 18600 طن، ومن القمح 450000 طن. قي حين أظهرت آخر دراسة لهذه الأنواع من المحاصيل الزراعية الأرقام التالية:

في عام 1995م كان إنتاج التمور يتراوح ما بين 40.000 طن أي تدنى إلى نسبة أقل تساوي 28%.   وإنتاج الرز في نفس العام أصبح 120 طن فقط بعد أن كان 18.600 طن، أي تدنى إلى 0.07%. بينما بلغ الإنتاج في كل الشرقية 90.000 طن أي بنسبة 20%. وأما القمح فقد كان محصوله  في عام 1900م  450.000 طن أصبح في عام 1995م 3.000 طن فقط أي أقل مما كان بـ 15 مرة !! .

ومن المؤسف حقاً أن تتقلص المساحة المزروعة في الأحساء من مساحة 30.000 هكتار في عـــام 1900م إلى16.000 هكتار فقط في عام 1970م أي إلى نصف المساحة بل أستمر هذا التقلص حتى وصل إلى 8.000 هكتار فقط عام 1995م أي إلى ربع المساحة القديمة .

وبذلك انخفض الناتج الزراعي في المحاصيل الرئيسة في البلاد في الوقت الذي كانت الكثافة السكانية تتنامى فيه بشكل مطرد .!!

فيما يلي جدول يوضح تقديرات السكان خلال قرن ونصف من الزمان حسب ماوردت في تقارير الباحثين الغربيين وبعض العرب فيما دونوه من مشاهداتهم عن الأحساء :

سنة التقدير
 اسم الباحث المقدر
 عدد سكان الاحساء
 عدد سكان الهفوف
 عدد سكان المبرز
 
1823م

1874م

1908م

1920م

1924م

1933م

1937م

1949م

1955م

1962م

1974م

1993م

1995م
 ــ

ــ

لوريمر

ميكي

هاريسون

فؤاد حمزة

فون ويسمان

ــ

فيدال

ــ

إحصاء رسمي

إحصاء رسمي

تقدير مكتب التخطيط
 75.000

126.000

67.000

95.000

100.000

100.000

15.000

150.000

158.000

180.000

350.000

696.000

752800
 15.000

25.000

25.000

30.000

30.000

ــ

30.000

30.000

60.000

100.000

101271

225847

224300
 10.000

16.000

8.500

20.000

ــ

ــ

ــ

10.000

28.000

30.000

54325

219123

237000
 

ماذا استفدنا من هذه المعطيات الإحصائية ؟

إن البيانات والأرقام التي مرت بنا تثير الدهشة والذهول، وهي تشير إلى تحولات تاريخية مرت بالمنطقة وبالذات الأحساء خلال العقود الماضية، فأين هي الدراسات التي رصدت تلك التحولات الدراماتيكية .؟

إننا في الوقت الذي يمكن أن نُعزي أسباب تلك التحولات إلى :-

1- ظهور البترول وعزوف اليد العاملة إلى صناعة النفط بدلاً من الزراعة .

2- انتقال عاصمة المنطقة من الهفوف إلى الدمام .. !

3- زحف الرمال الذي توالى على المناطق الزراعية فطمرها ولم يتوقف إلا بمشروع الرمال .

4- ارتفاع مستوى المعيشة الذي جعل من الفلاحة التقليدية وسيلة باهضة للكسب .

فإننا وبكل أسف لا نجد إلا محاولة مختصرة لدراسة السبب الثـاني (11) وهي الدراسة التي استقينا منها هذه الحقائق المؤلمة الموثقة بالأرقام.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) التاريخ الإسلامي  دروس وعبر ص14 / آية الله العلامة المدرسي .

(2) الآية 4 سورة القصص .

(3) الآية 110 سورة آل عمران.

(4)الآية 11 سورة الأنعام.

(5)الآية 86 سورة الأعراف.

(6)الآية 109 سور يوسف.

(7) المسيرة الإسلامية للتاريخ ص5 .

(8)المصدر السابق ص6 .

(9)المصدر السابق ص7 .

(10)هجمات مضادة في التاريخ الإسلامي  د. عماد الدين خليل .

(11)من دراسة للأستاذ سعيد الخرس بعنوان تأثير نقل أميرالأحساء إلى الدمام على مدينة الهفوف/ص10.

 

عالم دين
319907