دعونا نبتسم
محمد الجلواح * - 15 / 10 / 2007م - 4:35 ص - العدد (3)

 

اقدم هذا البحث الاجتماعي المتواضع الذي هو أولا سمة من سمات ديننا الحنيف. وثانيا.. هو عن جانب أخلاقي رفيع من الجوانب الأخلاقية السامية لنبينا محمد صلى الله عليه واله،والذي نال به وببقية الجوانب الأخلاقية الأخرى أعلى وسام من اللطيف الودود الرحمن الرحيم حيث تجلى ذلك في الآية الكريمة " وانك لعلى خلق عظيم " الجانب الأخلاقي النبوي الذي أقدمه هو عن طلاقة الوجه، والابتسامة، وترك العبوس، والتجهم، ولأنه بحث قصير، وليس كلمه.

قال الله تعالى في كتابه العزيز.. بسم الله الحمن الرحيم.. "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة.. ادفع بالتي هي احسن.. فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم "

وقال تعالى مخاطبا نبيه " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " وقال النبي محمد " خياركم أحسنكم أخلاقا..الذين يألفون ويولفون "(1)

وقال " حسن البشر..يذهب بالسخيمه "(2).. والسخيمه هي الضغينة والحقد الموجودان في النفس وهي من السخمة.. أي السواد..

وقال - ص - (تبسم المؤمن في وجه أخيه المؤمنْ حسنه)3

وجاء رجل إليه :فقال له أوصني..فأوصاه النبي بوصايا كثيرة ومن ما أوصاه قوله : تحبب إلى الناس يحبوك، والق أخاك بوجه منبسط اليه "4.

وقال : "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم..فالقوهم بطلاقة الوجه، وحسن البشر"5.

وقال : "ما في أمتي عبد..الطف..أخا..له في الله بشي من لطف..إلا اخدمه الله من خدم الجنة". وقال الإمام علي : " إن احسن ما يؤلف به الناس قلوب اودائهم.. وينفعوا به الضغن".

الضَّغْنَ من قلوبِ اعدائهم: حُسنُ البِشرِ عند لقائهم، والتفقد في غيابهم، والبشاشة عند حضورهم"(6).

وقال : "البشاشةُ فخُّ المودو وحبالها"(7).

وقال الإمام زين العابدين السجاد : (من قال لأخيه (مرحباً) كتب الله له مرحباً إلى يوم القيامة)(8)..

وقال الإمام محمد الباقر : ما عبد الله بشيء أحبُّ من إدخال السرور على المؤمن(9).

وقال الامام الصادق : "الشر الحسن وطلاقة الوجه، مكسبة للمحبة وقربة من الله وعبوس الوجه. وسوء البشر مكسبة للمقت، وبُدٌ من الله"(10). ومن رسالة له الى جماعة من اصحابه قال: من كره الله اليه الشر وباعده عنه: عافاه من الكبر ان يَدْخُلَهُ فلانت عريكته (أي طبيعته وخلقه) وحَسُنَ خُلُقه، وطلعة وجهه"11.

وقال الامام الرضا : من تبسم في وجه أخيه المؤمن: كتب الله له حسنة ومن كتب الله له حسنة لم يعذه" 12.

ويروى أن النبي محمد : كان من أخلاقه أنه لم يُر في حياته إلا هاشاً باشاً مبتسماً وكان لا يغضبْ إلا نادراً وفي المواطن التي تقتضي الغضب، وإذا غضب فلا يطيل.

ويقول الجاحظ: من قابلني ضاحكاً وإن لم يَقِرْني ـ أي يضيّفني ـ فكأنه أضافني الدهر كلّه".

أما الكاتب الاجتماعي الامريكي الشهير دايل كارنيجي فيقول في كتابه المعروف "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس": "إن قسمات الوجه خير معبر عن مشاعر صاحبه، فالوجه الصبوح ذو الابتسامة الطبيعية الصادقة خير وسيلة للكسب الآخرين وإنها افضل منحة يقدمها المرء إلى غيره.. إن الابتسامة المشرقة ذات اثر سري عجيب في نفوس الناس، وهي لا تكلف شيئاً ولكنها تعود بخير كثير وهي لا تفتقر من يمنعها مع أنها تبهج من يأخذها، وهي لا تستغرق سوى لحظات لكنها تبقى ذكرى حلوه الى أمد بعيد"(13).

وقال الشاعر العربي إيليا ابو ماضي:

قال السماء كئيبةٌ وتجهَّما

قال التجارة في صراع هائل

أو غادة مسلولة محتاجة

قلت: ابتسمْ، ما أنت جالبُ دائها

قال: العدى حولي، علتْ صيحاتُهم

قلت ابتسم لم يطلبوك بذمِّهم

قال المواسم قد بدت أعلامها

وعليّ للاحباب فرضٌ لازمٌ

قلت: ابتسمْ، يكفيك أنك لم تزلْ

قال اللياليْ جرّعتني علقماً

اتراك تغنم بالتبرم درهما

يا صاح لا خطرٌ على شفتيك أن

قال البشاشة ليس تسعد كائناً

قلت ابتسْم مادام بينك والرّدى
 قلت: ابتسم.. يكفي التجهمُ في السما...

مثل المسافر كاد يقتله الظما..

لدم، وتنفثُ، كلما لَهثثْ دما

وشفائها فإذا ابتسمت فربما

أ أُسَرّ و الاعداء حولي في الحمى

لو لم تكن منهم أجلَّ وأعظما

وتعرضت لي في الملابس والدُّمى..

لكن كفي ليس تملكُ درهما

حياً، ولست من الاحبة مُعدما

قلت ابتسم، ولئن جَرَعتَ العلقما

أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما

تتلثما، والوجه ان يتحطما ‍! !

ياتي إلى الدنيا ويذهب مرغما

شبرٌ، فإنك بعدُ لن تتبسما (14)
 

ويقول أيضاً:

هشت لك الدنيا فمالك واجماً

إن كنت مكتئباً لعزّ قد مضى
 وتبسمت فعلام لا تتبسم

هيهات يرجعه اليك تندم
 

ويقول احد الشباب الذين يكتبون الشعر الشعبي في منطقة الأحساء، من قصيدة قديمة له:

احب الكلمة الطيبة، ويا محلاها من كلمة..

قصر عالي، ذهب غالي، حرير وشال، خدّام وحشم واموال

كل هذي ما تنفع لو خَفَت بسمه..

ممزوج معاها الطيب في كلمة

وتقدر تملك الناس باقل بسمة

بس لازم تخليها بقلب ايمان، بضحكة نفس ويّا سنان

تقدر تصنع الماكان.. تقدر تعصر الأزمان

بحرف لسان.. مع ايمان. مع طيبة قلب واحسان..

يبقى الكل يحبك دوم حتى لو صرت خسران(15).
 

وقد لا أذكر شيئاً جديداً إذ قلت: أن الابتسامه هي جواز السفر الجميل إلى الروح والقلب والنفس فأنت ندخل إلى غياهب من تقابله بدون أي حواجز، وقد تغيرت فكرة الشخص عنك رأساً على عقب إذا تفتحت عيونه ابتسامتك الحلوه..لماذا هي مفقودة الابتسامة بيننا - لماذا الغير يمارسها سلوكاً - ثابتاً، وعادةً لاصقة: هل اليابانيون الذين يقابلوننا بابتسامة مريحة دون سابق لقاء أو معرفة بيننا والذين قد لايعرفون شيئاً من سمات ديننا.. هم أفضل منا؟! أم الكوريون والصينيون والسياميون ومعظم دول شرق أسيا ومعظم شعوب دول أوربا والأمريكيتين.. هل كل هؤلاء.. أكثر تفهما.. منا.. لمفعول الابتسامة؟.

لماذا هم يمارسونها دوننا؟!

لماذا يترسم العبوس بصورة أبدية علىوجوه الكثير منا.. ؟. ولماذا لانقابل الآخرين بوجه ضاحك ؟ لا تقل لي: الظروف، والمجتمع، والمعاناة والمشاكل: فأنت أكبر منها جميعاً فلا العبوس يزيلها عنك.. ولا التبسم يضيف إليك معاناة جديدة.. بل يزيل عنكك معاناة كثيرة "إنك أقوى من الحادثات والخطوب وفي رأيي أن الله تعالى يخلق مع كل شخص قدرة خاصة وقابلية وطاقة تخصه بنفسه فلا يمكن أن يواجه المشاكل والمتاعب الا بمقدار حجمه وقوته وطاقتة، وليس أكثر من ذلك، ولولا أنه قادرٌ على تحمل هذا الحجم المعين من المتاعب لم يكن الله ليبتليه بها.. ولكن يجب مع ذلك أن يواجه الخطوات بابتسامة..

عشرات السنين مرت بل مئات، ونحن نركبُ سفينة العبوس فماذا كانت النتيجة؟ هل تحقق حلم أحدنا بذلك التجهم؟!

جرّب وابتسم لدى كلِّ من تقابله، وافعلها مرات ومرات وانتظر النتيجة!

إن الابتسامة التي نعرف أنها دواءٌ ناجعٌ للكثير من تدهور العلاقات الشخصية وجمودها وقوتها.. هي قد تكون ليست معروفة البته بيننا، ولكن ممارستها تأتي عندنا في اضيق الحالات وأندرها، وتنحصر ممارستها بين الأشخاص الذين نعرفهم فقط.

أما من لا تربطنا بهم صلة أو معرفة فإننا لا نبتسم أمامهم إطلاقاً، بل نعبس في وجوههم وهذا هو منبع الألم!

إن من ترتبط معه بمعرفة معينة.. يحتاج إلى بشاشة وجهك وحسن طلاقتك، ولو شك في ذلك ولكنه لن يحاسبك نفسياً إذا أنت لم تؤد هذا البروتوكول الجميل امامه لمرة أو مرتين أو مئة، لأن رابط المعرفة يشدكما!

لكن من لا تربطك به معرفة.. هو أحوج إلى ابتسامتك.. وأنت احوج إلى الدخول إلى قلبه بجواز السفر الخالد الذي وهبه الله لك في وجهك.. وهو الابتسامة.

حينما يأتيك شخص لا تعرفه.. بادره بالابتسامه.. لا تتجهم في وجهه وكن كريماً في الترحيب به والسلام عليه.. والسؤال عنه، حتى لو لم تعرفه.. ودع الطريقة المتبعة لدينا وهي انك تكلم من لا تعرفه (من طرف خشمك)، وكلماتك اليه.. معدودة وقليلة أو كما يقول أخواننا المصريون (بالقطارة).. دع هذه الصفات البخيله.. وأقبل إليه بالكرم الإسلامي في كل مكان.. في موقع عملك.. مع المراجعين.. في منزلك.. في السوق.. في السفر.. في المدرسة في المستشفى في أي مكان..

وأؤكد لك بعد هذا كله.. أنه سيزيد رصيدك من الأصدقاء والمحبين وسيرتفع شأنك الاجتماعي، وستزول غمامة سوداء كبيرة كانت تجثم على قلبك من جراء العبوس الذي ليس له معنى.

ايها الأحبة: انظروا إلى أي مؤمن يدخل إلى هذا المكان وهو غير معروف ولاحظوا تعابير وجهه حينها قد يحصل الآتي:

- يدخلْ يلقي بالتحية والسلام وقد يكون مبتسماً أو غير مبتسم..

- قد يرد عليه شخص من زاوية ما من المكان بصوت بخيل.. هامس قد لا يخرج من خياشيم انفه.

- تبدأ عيون الجالسين في التبحلق فيه.. ورسمه شكلاً وجسداً من رأسه إلى أخمص قدمه، ويمتزج ذلك بمجموعة من التساؤلات الهامة..  

- من يكون هذا؟ من الذي يعرفه هنا؟ كيف جاء ولماذا؟ أين يعمل، من أين هو؟؟!. وكل ذلك يأتي بدلاً من الترحيب به والابتسامة في وجهه والتكرم عليه بحيز بخس لكي يرمي جسده فيه!.

هذا.. قد يحدث.. وأقول.. قد.. ولا  أؤكد ذلك.. يحدث في داخل مكان مخصص لإقامة الشعائر الإسلامية، وذات الشيء يكون خارج المكان.. في جزء من الطريق.. ولأن هذا الشيء قد تغلغل في دمائنا بصورة عجيبة ومفجعة، فقد نمارس الابتسامة ولو كذباً، لمرة أو مرتين أو عشراً.. ثم نردُ لما اعتدنا عليه، وأول من يفعل ذلك بصورة إرادية أولا إرادية.. هو أنا!

ولكن قبل أن اختم موضوعي هذا ارغب في ذكر نقطه.. صحيح أن هناك من لا يرغب في ان تبتسم له.. ولا يجيد هو فن الابتسامه.. أو لا يقدر الابتسامة.. او يفسر ابتسامتك بصورة سوداء ليست موجودة سوى في رأسه المريض.. أو يكون عاملاً مساعداً في عدم ابتسامتك.. لعدم ارتياحك منه من أول نظرة أو وهلة.. أو انك تعرف  له تاريخاً مظلماً لا يشجعك على التكرم عليه بابتسامتك.. أو.. أو.. أو...

كل هذه الأصناف وغيرها من الناس موجوده وتعيش بيننا.. ولكنها لحسن الحظ كلها مجتمعة.. تمثل القلة.. والأمور لا تبنى على القلة.. انما تبنى على الأعم الأغلب، والسواد الأعظم، وبالتالي فهي لا تشكل إحباطاً يتراجع به المرء عن ممارسة الابتسامة.

وأصل الى محطة الختام، فأرشّ عليكم بابتسامة صادقة هذه السطور المتواضعة التي قلتها في الإبتسامة.

الحزن.. سافر عن دروب الحزن

غير إسمه، وشرب من نهر الفرح

والوجوه العابسه.. تشرب فرح..

تصرخ بوسط الضجيج..

روح.. يالفح الفقر..

ياسحابة سوده شحت بالمطر..

ياشجر أسود حزين..

ياثمر طعمه كآبه من سنين

ابتسم.. لليوم.. وباكر..

ابتسم وارحل.. وسافر..

في قلوب الناس.. في سحر المحاجر..

في محبه.. ساكنه بحضن المشاعر..

ابتسم واعلنها.. للغايب.. وحاضر

ابتسم.. وارحل.. وسافر..

لا جواز.. ولا تذاكر(16).
 

 


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) - كتاب تحف العقول لابن شعبة الحراني طبعة / 5 - بيروت ص 38. 11394 هـ - 1974 م.

(2) - المصدر السابق.

(3) - كتاب: كيف تكسب الاصدقاء من وجهة نظر اسلامية. لمحمدد الحيدري طباعة بيروت سنة 1406 - 1986 فصل طلاقة الوجه والتبسم: ص 47 وما بعدها.

(4) - نفس المصدر السابق. 

(5) - نفس المصدر السابق.

(6) - كتاب تحف العقول: ص156.

(7) - كتاب كيف تكسب الأصدقاء من وجهة نظر اسلامية.. ص47 وما بعدها.

(8) - نفس المصدر.

(9) - نفس المصدر.

(10) - كتاب تحف العقول: ص 217.

(11) - المصدر السابق: ص231

(12) - كتاب: كيف تكسب الأصدقاء ومن وجهة نظر إسلامية.

(13) - كتاب: كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس " لدايل كارنيجي ص28، ص 30 / بتصرف قليل.

(14) ديوان: الخمائل للشاعر إيليا ابو ماضي، الطبعة العاشرة، بيروت 1974، ص 58. والأبيات ليست متتالية بالضبط.. وإنما هي أبيات مختارة من نفس القصيدة (ابتسم).

(15) من قصيدة قديمة من الشعر الشعبي بقلم/ محمد الجلواح ــ الأحساء. عنوانها: مدري ليش. كتبها عام 1975.

(16) مقطع من قصيدة من الشعر الشعبي، بقلم محمد الجلواح، عنوانها: خربشات على هامش السفر، كتبها عام 1988.

 

شاعر وكاتب
319907