رد وتصحيح لذاكرة نصر الله
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 4 / 3 / 2011م - 2:56 م - العدد (24)

طلعت علينا مجلة الواحة بعددها 21 لعام 2001 م. هذه المجلة التي تحمل بين دفتيها ما تسطره أقلام الأدباء والمثقفين بشؤون تراث بلدنا الحبيب وإبرازه حقيقة حية عبر الأجيال خدمة لهذا الوطن. كما أن هذه المجلة تعنى بإبراز مواهب أدباء هذه المنطقة الكبيرة بعلمائها وكتابها وشعرائها. لذا فإني حريص على اقتناء أعدادها للمثابرة على قراءة مواضيعها، وذلك بفضل الأستاذ السيد علي السيد باقر العوامي بقلمه السيّال وعطائه الثر، بالإضافة لمواقفه الوطنية، ودماثة أخلاقه، وطهارة نفسه. وهو المشجع لي على مواصلة قراءتها، حيث كان يواصلني بها بالتوالي. وعلى كل لا غرابة إن كنت معجباً بها حيث القائمون عليها وعلى إدارتها نخبة من الأدباء والكتاب أبناء هذا البلد الحبيب. ولاشك أن هذا العدد الذي بين يدي هو من ضمن الأعداد التي اقتنيتها، وواصلت قراءتها وشدني أليها أكثر ما تقوم به أسرة التحرير بين الحين والآخر من الزيارات الميدانية لغرض التواصل مع الأدباء والكتاب والناس، وربطهم بهذه المجلة القيّمة. ومن تلك الزيارات ما قام به الأستاذ محمد باقر النمر من الزيارة واللقاء الذي أجراه مع الأخ منصور حسن نصر الله، وما كان في هذه المقابلة من الحديث المتنوع والذي تركز في آخره على موضوع القضاء الجعفري بالقطيف في الفترة ما بين 1323هـ إلى 1421هـ التي انتهت بها الفترة الزمنية التي شغلها المرحوم فضيلة الشيخ عبد الحميد الخطي. فحبذا هذا الحديث الطيب الذي يروي للأجيال جانباً من تاريخ منطقتنا إلاّ أنه استوقفتني بعض الملاحظات جاءت على لسان الأخ منصور، وإن هذه الملاحظات مهمة للأسباب التي سأذكرها لاحقاً، وعلى ما أظن أنها لم تكن منه بسوء قصد وحاشا، وإنما هو البعد الزمني. إذ أنها تتعلق بأحداث مضى عليها قرابة النصف قرن. وأهم سبب حمّلني على كتابة هذه السطور هو ألا تبقى هذه الملاحظات على خطئها عبر الأجيال، فهي رغبة مني لإيضاح واقع، وإبراز حقيقة كما هي خدمة للتاريخ لا أكثر، ولقربي واطلاعي على هذه الأحداث.

والملاحظات تتلخص فيما يلي:

أولاً: ما ذُكر في فترة الشيخ محمد علي الخنيزي وبالتحديد قوله: إن آخرين يديرون أموره وهو صهره علي حسن ابو السعود المتوفّى سنة 1374هـ وابنه المعاصر محمد سعيد، وهذا القول خطأٌ فادح لا مبرر له، ولا أساس له من الصحة إطلاقاً. إنّ من المعروف عن الشيخ محمد علي الخنيزي الزهد والتقوى والورع، وهذا أمر مشهور عند من اتصل بالشيخ وعرفه، ومن ضمنهم المرحوم الملا علي آل رمضان الذي كان له صلة وثيقة بالشيخ حيث قال من قصيدته التي في ديوانه:

والفاضلين العالمين ابن المبارك

والخنيزي التقي الأورع

فكيف جاز له أن يصم الشيخ بهذه الوصمة والعياذ بالله، لأنها تنافي ما عرف عن الشيخ وهي تخالف معنى التقوى التي هي مخافة الله سبحانه في كل شيء، وتخالف أيضاً معنى الورع وهو الوازع الديني أي الحرجة الدينية. فإذا أدخل الشيخ محمد علي أحداً في شريعة الله وأحكامه كما ذكر الأخ يكون بذلك منسلخاً من الأمانة والورع ومخافة الله سبحانه.

على أن هذه الوصمة لا تخص الشيخ فحسب بل تنسحب حتى على من أقامه في هذا المقام وخوّله هذا المنصب ألا وهو العلامة السيد ماجد العوامي، كما تنسحب كذلك على شخصيات البلاد وأعيانها آنذاك بمحاولاتهم إقناع الشيخ بقبول القضاء ومن ضمنهم عم الأخ منصور الحاج عبد الله نصر الله الذي لم يألُ جهداً على إقناع الشيخ بالقبول. اللهم إلا أن يكون السيد ماجد وبقية الجماعة لا يبالون بورع وتقى القاضي أم أنهم يجهلون حال الشيخ وما يتمتع به من التقى والورع. فالرد على ذلك متروك للأخ أبي محمد.

ثانياً: القول بأن توكيل السيد ماجد للشيخ محمد علي في القضاء إنما كان لفترة زمنية محدودة وذلك حتى عودة الشيخ علي الجشي رحمه الله وهذا القول غير صحيح ولم يحصل من هذا القبيل شيءٌ على الإطلاق، فوكالة السيد للشيخ في القضاء لم تكن محدودة بزمن معين ولم تكن تلك الوكالة من السيد هي الوحيدة، بل كانت لدى الشيخ وكالات عامة مطلقة من أغلب المراجع آنذاك ومن ضمنهم وكالتان من سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء إحداهما عامة والثانية خاصة في القضاء وهي موجودة بقلمه الشريف وتوقيعه رحمه الله وغير محددة بزمن.

ثالثاً: القول بأن الشيخ محمد علي الخنيزي قبل القضاء على مضض وهذا قول صحيح، لأن منصب القضاء صعب ودقيق وفيه حرج ديني كبير لاسيما إذا لم يكن القاضي جامعاً لشرائط الفتوى من الاجتهاد والعدالة والتقوى، ومع فقدان الاجتهاد لابد وأن يتسلّح القاضي بسلاح الورع والتقوى، وإلا فتكون الحرمة على القاضي والمرشح الساعي لترشيحه، لذا فإن من الملفت للنظر قول الأخ منصور أن الشيخ بقي في القضاء حتى عزل في عام 1367ه. فإذا كان قبوله على مضض، وعدم رضى بهذا المنصب، إذاً فلماذا يبقى قاضياً إلى أن يعزله الناس ؟. فبقاؤه قاضياً حتى عزل يتنافى مع رفضه وعدم قبوله، كما أنه يتنافى مع الورع والتحرج الديني، فلعل الأخ منصور لم يلتفت إلى هذه الناحية الشرعية. فليس الأمر كما ذُكر، وإن الشيخ محمد علي الخنيزي لم يعزله أحد من الناس، والصحيح هو أن الشيخ عندما سمع بأن الشيخ علي الجشي وصل البحرين في طريقه إلى القطيف كتب الشيخ محمد علي الخنيزي كتاب الاستقالة وأرسله لسمو أمير المنطقة الشرقية آنذاك سعود بن جلوي. وللتدليل على ذلك هو أن بعض الشخصيات والوجهاء بالقطيف، وفي مقدمتهم الحاج عبد الله نصر الله عم الأخ منصور –كما أسلفنا- وحسن علي المرزوق، وإبراهيم البحارنة، وعلي حسن أبو السعود، والحاج حسن الشيخ علي أبو حسن الخنيزي، والحاج احمد حسن سنبل، والحاج مهدي الجشي، لما سمعوا بالاستقالة جاءوا للشيخ محمد علي الخنيزي وطلبوا منه ألا يرسل الاستقالة، ويبقى في القضاء كما كان في حياة السيد ماجد العوامي لأن الشيخ محمد علي أعرف بالناس من غيره إلا أنه أصر على الاستقالة، ورفض البقاء في القضاء رفضاً باتاً، وأفادهم بأنه أرسل فعلاً الاستقالة، ولن يتراجع عن قراره، وإن بقاءه في القضاء طيلة الفترة التي قضاها -أربع سنوات- كانت على كره و مضض، فلم يستطيعوا إقناعه ببقائه قاضياً. هذا كل ما في الأمر، وليس ثمة شيء خلاف ذلك.

رابعاً: "قصة الصناديق" على حد تعبيره، وقوله بأنه سلم بيت الشيخ محمد علي الخنيزي إمارة المنطقة الشرقية صندوقين مملوءين بالوثائق الخاصة بالشيخ علي أبو عبد الكريم حين آلت للشيخ محمد علي أثناء توليه القضاء، وبقيت لديه ومعظمها متعلقة بالقضاء حتى استقرت الأمور… إلى آخر قوله. والرد على ذلك يتلخص فيما يلي:

1- لم أفهم قوله: "سلم بيت الشيخ محمد علي الخنيزي إمارة المنطقة الشرقية صندوقين مملوءين بالوثائق" فالجملة مبهمة وغير مفهومة ولا واضحة.

2- قوله: "صندوقين مملوءين بالوثائق الخاصة بالشيخ علي أبو عبد الكريم" فقوله هذا فيه تناقض واضح ومجازفة بالحقيقة، حيث كيف أنها تخص الشيخ علي ثم يعقب بأنها آلت للشيخ محمد علي فإذا كانت تخص سماحة آية الله الشيخ علي فلماذا تؤول للشيخ محمد علي دون ورثته، ثم لماذا يسلمها ورثة الشيخ علي للشيخ محمد علي مع أنه غير وارث وأن وصي الشيخ علي ابنه وهو الشيخ عبد الكريم كان موجوداً، هذا إذا كانت على حد قول الأخ منصور أنها تخص الشيخ علي ثم يعقب أن معظمها متعلقة بالقضاء حسب قوله فلماذا لم يوضح ما هي هذه الوثائق التي تتعلق بالقضاء. فهل هي شروحات فقهية أو إرشادات قضائية أو تعليقات على الأحكام الشرعية أم ماذا. فيا ليته شرح لنا ما هذه الوثائق. فمادام أنه لم يوضحها فإني سأشرح معنى كلمة الوثائق، وما علاقة الشيخ علي ابو عبد الكريم بها بعد الانتهاء من المادة الثالثة الآتية.

3- إذا كان معظم هذه الوثائق متعلقة بالقضاء، وأنها آلت للشيخ محمد علي أثناء توليه القضاء فمعنى ذلك أنها لا تخص الشيخ علي ابو عبد الكريم، وإنما تخص القاضي. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا تسلم للشيخ محمد علي، ولم تسلم للمرجع الديني و موئل القطيف آية الله الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي بصفته مرجعاً مجتهداً والقاضي الوحيد في وقته قبل أن يتولى الشيخ محمد علي الخنيزي القضاء وذلك في بداية عام 1364هـ وذلك بعد وفاة عمه الشيخ علي ابو الحسن في 21 ذي القعدة عام 1363هـ. ثم ما الذي يدعو الشيخ محمد علي لأن يسلم الصندوقين لإمارة المنطقة الشرقية إذا كانت لديه أثناء توليه القضاء.

4- سأشرح معنى كلمة الوثائق كما وعدت آنفاً لئلا يتوهم من يتوهم بأن معناها خلاف مدلولها، أو أنها غير مفهومها المتعارف عند الناس. فالوثائق إنما هي أوراق محرر فيها إما وصايا أو مبايعات أو هبات أو وقفيات لنخيل أو بيوت أو عمارات، وسميت وثائق لأنها موثقة بالشهود الموقعين فهذا هو مفهوم الوثائق، اللهم إلا أن يكون لها مفهوم آخر وذلك ما لا نعلمه.

5- بعد هذا الاستعراض أود أن أوضح قصة صندوقي الوثائق السالف ذكرهما تفصيلاً لإخواني القراء بصفتي ملم بالموضوع ومعاصر لهذا الحدث. وإليك أيها القارئ قصة الصندوقين:

فالصندوقان يحتويان على الوثائق التي أسلفنا شرح مضمونها، أودعها بعض الناس لدى المرجع الديني آية الله الشيخ علي أبو عبد الكريم بصفته قاضياً، ومحل ثقة عند الناس، وبعد وفاته رحمه الله في 3 صفر 1361هـ حضر تركته عمه المرجع الديني آية الله الشيخ علي أبو الحسن الخنيزي، وعندما شارفت التركة على الانتهاء كلف الشيخ أبو الحسن المرحوم الشيخ عبدالكريم، وابن عمه حسن الحاج عبد علي الخنيزي بفرز الوثائق وعزل الوثائق، التي تخص الشيخ علي أبو عبد الكريم على حده وبقية الوثائق التي لعامة الناس لوحدها. وفعلا قاما بهذا الأمر وبعد الانتهاء من ذلك جعلا وثائق الناس في صندوقين من (تنك) بقيا لدى الشيخ عبد الكريم حتى توفى في 27 رجب سنة 1369هـ أي بعد وفاة عمه المقدس آية الله الشيخ علي أبو الحسن في 21 ذي القعدة 1363هـ كما ذكرنا آنفاً، كما كانت وفاة الشيخ عبد الكريم بعد الفترة الزمنية التي كان فيها الشيخ محمد علي قاضياً والتي انتهت باستقالته في جمادى الثانية 1367هـ حيث كان الشيخ عبد الكريم آنذاك موجوداً وصندوقا الوثائق لديه وبحوزته حتى وفاته، وبقيت من ضمن متروكاته. وبعد وفاة الشيخ عبد الكريم وقع النزاع فيما بين المرحومين الشيخ محمد علي، والشيخ محمد صالح المبارك، وصارت المنازعة في الأوقاف التي كانت تحت يد الشيخ عبد الكريم، ومن قبله بيد والده وأجداده من آل الخنيزي. واستمر النزاع مدة سنتين وميراث الشيخ عبد الكريم متعطل طيلة فترة المنازعة مما أضطر بعض الوارثين بالكتابة لسمو أمير المنطقة الشرقية آنذاك سعود بن جلوي طالبين تقسيم الميراث. حينها أمر أمير المنطقة بوضع التركة وتوزيعها بحضور الشيخ علي الجشي بصفته القاضي، وطبعاً صندوقا الوثائق كانا في بيت الشيخ عبد الكريم، وفي الأثناء حدث ما يستلزم على الشيخ علي الجشي من نقل الصندوقين إلى بيته وليس في نقلهما أمر من الإمارة، ولا أية جهة رسمية، ومن يزعم خلاف ذلك فلا صحة له أصلاً. وبقي الصندوقان في بيت المرحوم الشيخ علي الجشي حتى انتهت المنازعة التي بين الشيخ محمد علي وبين الشيخ محمد صالح، بعدها طلب بعض الورثة وبعض الناس البحث في الصندوقين فيما إذا كانت لهم وثائق تخصهم. ولما لم يجدوا السرعة لإجابة طلبهم و التباطؤ في ذلك، كتبوا لأمير المنطقة لنقل الصندوقين لجهة أخرى رغبة في سرعة البحث فيهما بحيث أمر أمير المنطقة سعود بن جلوي بنقل الصندوقين لإمارة القطيف وفعلا تم نقلهما ثم شكلت لجنة في ذلك مكونة من المرحوم فضيلة الشيخ رضي الصفار والد الملا موسى والشيخ علي الشيخ منصور المرهون أطال الله بقاؤه للبحث في هذه الوثائق وإعطاء كل وثيقة لأهلها، وكان جلوسهما في عام 1371هـ حيث تم نقل الصندوقين إلى بيت الشيخ رضي الصفار وباشرا العمل فترة قليلة ثم استقالا من هذه المهمة، وأعيد الصندوقان لإمارة القطيف ولم ينقلا إلى محل آخر بل بقيا هناك ولا يزالان إلى الآن. وعندما تشكل لجنة للبحث فيهما، على اللجنة أن تذهب إلى الإمارة ويكون البحث هناك، وهذه هي الحقيقة التي لا غبار عليها والله من وراء القصد.

وقبل أن أختم هذا الرد المتضمن لتصحيح بعض الملاحظات التي وردت في أقوال الأخ منصور في اللقاء الميداني، أحب أن اختمه ببعض الأبيات لفضيلة العلامة المرحوم الشيخ فرج العمران وهي من ضمن القصيدة التأبينية التي ألقاها في فاتحة المرحوم الشيخ محمد علي الخنيزي والمذكورة في الأزهار الأرجية الجزء التاسع. وإليك الأبيات:

أيها الشعلة المشعة في الشعب

فما ضوء أنجم أو بدور

ما ضيا الشمس ليس للشمس إلا

قبسة من ضيائك المستطير

أنت تهدي القلوب أنت تغذي

العقل أنت المنير للمستنير

أيها العالم الصبور لدى الأرزاء

شروى أيوب ذاك الصبور

ثم أخذ الشيخ فرج يصف ما لاقاه الشيخ محمد علي، وما تجرعه من المحن والبلاء بقوله:

كم تجرعت في زمانك هذا

من أمور تشيب رأس الصغير

ثم قال رحمه الله تعالى:

لا تبالي ولو تدكدكت الشم

وصارت مثل الهبا المنثور

إنما أنت صخرة البحر لا

تهتز حتى أوان نفخ الصور

أين أهرام مصر منك فقد تهدم

أهرام مصر مر الدهور

شاعر وأديب
323502