حول الآثار التاريخية في جزيرة تاروت
صدقي هلال آل حبيل - 15 / 10 / 2007م - 4:37 ص - العدد (3)


 

تفتحت الحضارة الإنسانية على أرض تاروت منذ أزمان سحيقة، وتعاقبت عليها أقوام وحضارات سادت ثم بادت مخلفة وراءها آثاراً دالّة على العيش في هذه الأرض، وقد لعبت الصدفة في إبراز الكثير من تاريخ هذه الجزيرة.

وقد عثر على الكثير من الآثار الفينيقية والساسانية والإسلامية. فحينما بدأ أهل قرية الربيعية ـ إحدى بلدات جزيرة تاروت ـ ببناء بيوتهم من الحصا والجص، بدلاً من العشش عام 1382هـ، لجأ بعض العاملين بالمقلاع الى المرتفعات القريبة (جنوب الربيعية)، من اجل اقتلاع الحجارة، فعثر بعضهم على جرار ووجدوا قبوراً عديدة أوحت للباحثين بأنها تشبه قبور اليهود، وعثروا ايضاً على أوان فخارية لها فتحات من أعلى تشبه الطشت المغطى الذي يطلق عليه أهل تاروت (متكات) وفي منطقة الخارجية بشمال تاروت عثر على بعض التماثيل الطينية الصغيرة(1).

ويرى كثير من الباحثين ممن حاولوا دراسة هذه المنطقة أنها كانت على الأرجح مهد السلالات البشرية بعد ارتقائها سلم الحضارة، وبناء على منشورات الآثار السعودية، فإنه أمكن معرفة الكثير من تاريخ الإستيطان البشري في المنطقة الشرقية، والتي تعتبر تاروت جزءً منها، وقد كتب الباحث الأثري ت. بيبي كتاباً بعد أن أجرى تنقيباً أثرياً في تاروت وذلك في عام 1971. قال فيه: (وقد عثرت في ثاج وتاروت على عدد من النقوش التي يعود بعضها الى ما قبل القرن الخامس قبل الميلاد، أسلوبها لا يختلف عن الأسلوب الكتابي الجنوبي إلا بمقدار ما تختلف السبئية عن المعينية، وينحصر الإختلاف في عكس بعض الحروف كاللام والجيم والذال والنون، ولهذا أطلق عليها البروفيسور ألبرت جام اسم: السبأحسائية)(2).

وقد دفعت هذه الآثار كثيراً من العلماء والمؤرخين الى زيارة جزيرة تاروت وجمع الظاهر من آثارها، وتمكنت البعثات التنقيبية من جمع المئات من قطع الفخار، والكتابات القديمة مما دفع إحدى بعثات التنقيب الى التأكيد بقدم الجزيرة، وإتصالها بالحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين.

وفي عام 1968 تلقى الباحث الأثري ت. بيبي تصريحاً للتنقيب والكشف، وقد كشفت استطلاعاته عن وجود استيطان ومقابر في منطقة (الرفيعة) بجزيرة تاروت وتوصل من خلال بحثه الى التمييز بين مرحلتين. الأولى ذات علاقة بالفترة الخاصة بحضارة بلاد ما بين النهرين، وهي فجر السلالات الثاني والثالث. والثانية تعود الى ما بعد الأولى بكثير، وتتصل بالعصر الهلينيستي.

وفي فريق (حي) الأطرش الواقع في الطرف الشمالي من منطقة الرفيعة، عثر في قناة الري على قطع من الحجر الصابوني، وقد أثببت البعثة الدانمركية من خلال ما عثرت عليه من آثار أن منطقة الرفيعة كانت مصدراً للأواني غير المنقوشة والمزخرفة، والتي يعود تاريخها الى أواسط الألف الثالث قبل الميلاد(3).

كذلك قامت في عام 1972 بعثة بالتنقيب عن آثار (تاروت)، وكان يرأسها الدكتور عبد الله المصري، وكانت حصيلة التنقيب: تلك الأحجار الثمينة والجرار التي استخدمت كقبور للموتى. وأكدت البحوث بأن ارض تاروت مليئة بتراث الحضارات القديمة التي عاشت في منطقة الخليج، كما تم العثور على سيوف ذهبية، وبعض التماثيل الصغيرة، وعملات قديمة، وأوان فخارية، وفضية، وأحجار كريمة(4). الأمر الذي دفع الدكتور عبد الله المصري الى تسجيل ذلك في كتاب: (مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية) حيث قال: (وقد اكتشفت في الجزيرة آثاراً هامة، يرجع بعضها الى فترة عهد السلالات الأولى لبلاد ما بين النهرين أي قبل مدة تتراوح بين 4000 ـ 5000 عام، وبعضها يعود الى فترات زمنية مختلفة معاصرة للحضارة العيلامية الفارسية وحضارة "الموهنجودارو" على نهر السند، وحضارة النار التي قامت بالمنطقة الجنوبية من الخليج العربي)(5).

ويوجد في الجزيرة الكثير من التلال الجنائزية، وهي قبور مغطاة بالطين تشبه القمع، ويضم كل تل حجرة الدفن التي يتألف سقفها من كتل صغيرة من الحجر الجيري، وتقع هذه التلال في جنوب شرق الجزيرة. كما عثر على مقابر يحيط بها أو بأضرحتها ملاط الجبس، وتتناثر حولها وعلى الأرض الكثير من الكسرات الحجرية أو الألباستر أو الحجر الصابوني(6).

وجاء في كتاب "تاريخ هجر" أنه والى جانب معابد جزيرة البحرين وفيلكا، فإن هناك معبد لمعبودة الفينيقيين (عشتروت) موجود في جزيرة تاروت، والذي استمدت الجزيرة اسمها منه، حيث دلّت التماثيل التي تمّ اكتشافها في الجزيرة على وجود المعبد والذي لازال في انتظار البحث والتنقيب لإزاحة الستار عمّا به من المدخرات الأثرية(7).

وتطرّق المرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم، الى جوانب من الإكتشافات في جزيرة تاروت، وأشار الى أنه عثر منذ سنوات في أحد بساتينها على تمثال من الذهب الخالص للبعلة عشتاروت(8).

وبما أن العيلاميين قد سيطروا على هذه الجزيرة ضمن سيطرتهم على القطيف حتى عام 2100 ق.م بعد أن منوا بهزيمة نكراء على يد حمورابي.. لذا لا يستغرب ما اكتشف في باطن أرضها من أحجار كريمة ثمينة تحمل شعاراتهم. كما أن سيطرة الفرس على منطقة الخليج في عهد سابور، خلّفت في الجزيرة بعض ما يدلّ على وجودهم من أوان فخارية ونقود أظهرتها الحفريات التي قامت بها إحدى الشركات العاملة شرق وجنوب قلعة محمد بن عبد الوهاب الفيحاني. وقد نشر الخبر في الصحافة المحلية على النحو التالي:

في فجر يوم 17/9/1401هـ قامت إحدى الشركات العاملة بدراين بحفريات من أجل تمديد أنابيب المياه فوجدت في تلك الحفريات بيوتاً خربة محترقة، وأوان فخارية محترقة قرب قلعة محمد بن عبد الوهاب، وقد عثر العمال في ذلك اليوم على جرتين إحداهما سليمة، والأخرى مكسورة، على عمق ستة أمتار، ووجد في الجرّة السليمة دراهم فضيّة بتأثيرات ساسانية وهي عبارة عن قطع مستديرة على أحد وجهيها نقشٌ يمثّل الجزء العلوي من صورة كسرى في وضع جانبي، وعلى رأسه التاج الساساني المجنّح، وتأخذ اللحية مكاناً في وجهه، وعلى الوجه الآخر للدراهم حارسان مدججان بالسلاح، وفي بعض الدراهم بدون سلاح، وأحياناً يظهر فيها، صورة كاهنين بينهما معبد النار يسهران على خدمته. وعلى النقود كتابات تشمل: اسم الملك، في الهامش الخارجي للوجهين، توجد ثلاثة أهلّة في كل هلال نجمة، إشارة الى كوكب الزهرة عند تقابله مع القمر، وهو رمز للرخاء عند الشرقيين(9).

تجدر الإشارة الى أن بعضاً من هذه النقود يوجد في متحف الدمام.

إن التماثيل في أرض تاروت كثيرة، وقد روت بعض النسوة أنهن كنّ يرتدن قبل نحو ستة عقود (عين العودة) وهي خاصة بالنساء في تاروت، وكانت هناك صخرة سقطت في الماء فحاولن أن يرفعنها فوجدن في الجانب الآخر منها رسماً لتمثال بنهدين بارزين فرمينها وهربن الى بيوتهن خائفات.

وأثناء الحفر الأساسي لبناء جمعية تاروت الخيرية، وجد بعض الأهالي تمثالين، ومن المعتقد أنه مازالت تربض تحت القلعة الكثير من الآثار والنقوش كتلك التي وجدت من قبل على هيئة أسد منقوشة على قطعة من الحجر الصابوني تعود الى 4500 سنة ماضية(10)، وهناك العديد من أمثالها في غاية الإبداع والإتقان.

كما لايزال يعثر بين الحين والآخر على قطع فخارية ونقود وحلي وأساور وأقراط مصنوعة من أحجار نفيسة، وخناجر، وغير ذلك من أدوات منزلية وتماثيل تشير الى أن منطقة تاروت ضاربة في أعماق التاريخ القديم، الأمر الذي جعل آثارها تتبوّأ مكانة مهمة في متاحف المملكة.

في متحف الرياض، توجد غرفة خصصت لعصر العبيد الذي امتد من خمسة الاف سنة قبل الميلاد الى 3800 سنة قبل الميلاد، وفي تلك الغرفة تستقر العديد من القطع الفخارية التي تحمل بطاقات تعرف بإسمها وزمنها والمكان الذي عثرت عليه وتاريخها، وكلها كتب عليها (عثر عليه في تاروت). ويوجد في المتحف تمثال صغير من اللاذورد سومري الطراز مكتوب على بطاقته (عثر عليه في تاروت). كما يوجد في المتحف قطع أثرية حجرية وفخارية وبرونزية تم العثور عليها في كل من تاروت والهفوف والجبيل، وفي مكان آخر من المتحف تجد تحفة نادرة لآنية مرمرية من الطراز الإغريقي مسجل عليها (عثر عليها في تاروت).

وأخيراً ، يجدر بالذكر أن معالم مدينة تاروت القديمة (الديرة) لاتزال بحاجة الى كشف عن كنوزها التراثية وإلقاء المزيد من الضوء على تاريخها.


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) من تراث جزيرة تاروت، عبد الله آل عبد المحسن، ص 35، 36.

(2)  المنطقة الشرقية، حضارة وتاريخ، محمد علي الشرفاء، ص 86، 87.

(3) مصدر سابق، ص 91-92. وانظر أيضاً: أطلال، حولية حول آثار المملكة، 2، ص 75-76، عن إدارة الآثار والمتاحف في المملكة.

(4) عبد الله آل عبد المحسن، مصدر سابق، ص 40

(5) مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية، الدكتور عبد الله المصري، ص 37.

(6) من تاريخ جزيرة تاروت، علي ابراهيم الدرورة، ص 33.

(7) تاريخ هجر، عبد الرحمن آل الملا، ص 79

(8) ساحل الذهب الأسود، محمد سعيد المسلم، ص 53

(9) انظر مجلة الشرق العدد 226، ومجلة الدارة العدد الثاني للسنة الثامنة 1403هـ، والمجلة العربية عدد شعبان 1405. أيضاً انظر: من تراث جزيرة تاروت، ص 40، 41

(10) جريدة اليوم، 11/10/1415هـ

 

305113