الرسومات الصخرية في المنطقة الشرقية (وادي المياه)
نبيل يوسف الشيخ يعقوب * - 5 / 3 / 2011م - 6:04 ص - العدد (25)

تعتبر الرسومات على صفحات الصخر شاهدا على ما وصل إليه الفنان العربي القديم بنقل هدفه التعبيري إلى صور ولوحات فنية نقشت على الصخر في مرحلة شبه مجهولة من تاريخ البداوة القديمة في المنطقة الشرقية التي لا يعرف عنها سوى ما وصل إلينا عن طريق الشعر الجاهلي أو المصادر الكلاسيكية التي تحدثت عن المنطقة.

وتعتبر هذه الرسومات الصخرية نادرة جدا بالمنطقة الشرقية بالنسبة لما عثر عليه من عدد هائل في المناطق الأخرى من المملكة العربية السعودية (جبه، كلوه[1] ،وادي ضم ووادي بجدة في منطقة تبوك، العلا، منطقة تيماء، سكاكا في دومة الجندل، بئر حما في منطقة نجران) وذلك لطبيعة الصخر ونوعيته الهشة التي لا تساعد على النقش.

موقع وتاريخ وادي المياه

يقع وادي المياه جغرافيا بين السهل الساحلي على الخليج العربي وهضبة الصمان غربا ومن شمال بلدة النعيرية وقرية الكهفة في أقصى الشمال الغربي من الوادي إلى قرية أم العراد في الجنوب الشرقي[2]  من الوادي حتى محاذاة مدينة بقيق في الجنوب، ومن مدنها وقراها النعيرية، مليجة، نطاع، الصرار، الزغين،الونان، العوينة، حنيذ، شفية، متالع، عريعرة وجودة، ومن أشهر القرى المنتشرة في الودي والى جواره ثاج، الكهفة، الصحاف، القليب، مغطي، بخا وسديرة[3] .كما أن من مدن الوادي التاريخية والأثرية ثاج، الحناءة ونطاع، وأيضا آبار الماء والمناهل في الوادي معروفة منذ القدم منها سديرة، ابوحصاة، الضبيانية، عين الحسي، الجلادي، مريغة، رضا، الحناءة، الحليسية وعرج.

وكانت المنطقة تعرف قديما بالستار، ويثنى أحيانا فيسمى الستارين وهي ذات قرى تزيد على مائة قرية لبني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم. ويوم الستار من أيام العرب المعروفة حدثت فيه موقعة بين تميم وبكر بن وائل، وفيه قتل قيس بن عاصم قتادة بن سلمة الحنفي فارس بكر، قال الشاعر:

قتلنا قتادة يوم الستار

وزيدا اسرنا لدى معنق[4] 

كما قامت تميم في قرية نطاع بالإغارة على قافلة كان عامل الساسانيين في اليمن

قد وجهها إلى كسرى فانتهبتها وكانت تلك القافلة تسير بخفارة هوذة ابن على الحنفي رئيس اليمامة مما حمل الفرس على الانتقام من تميم في اليوم المعروف بيوم الصفقة[5] .

ومن بيوت العبادة في الجاهلية رضاء وهو بيت لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. هدمه المستوغر كعب بن ربيعة، أو عمرو بن ربيعة وهو ينشد:

ولقد شددت على رضاء شدة

فتركتها تلا تنازع أسحما

ودعوت عبدا لله في مكروهها

ولمثل عبد الله يغشى المحرما[6] 

هذا البيت في قرية رضا [7]  في وادي المياه[8] .

كما أن الطرق البرية تمر بهذه الوادي منها درب الكنهري، درب العرعري، درب الجودي، وان القوافل القادمة من الموانئ والمدن الساحلية على الخليج العربي وأيضا القوافل القادمة من جنوب الجزيرة العربية مرورا باليمامة و الأحساء عبر الطرق التجارية الداخلية والمتجهة شمالا تتوقف في هذه الواحات في طريقها إلى بلاد الرافدين والتي كانت أغلب سلعها الطيب والتوابل والأعشاب الطبية والمعادن والأحجار الكريمة والحرير التي كانت الأمم القديمة تتنافس على اقتنائها.

ومن أهم المدن التي ازدهرت ونشطت تجارتها في فترة الممالك العربية المتأخرة خلال عصور ما قبل الإسلام مدينة ثاج الحصينة حيث تعد من المحطات الرئيسية المهمة على طرف هذا الوادي. كما وجدت مدافن تلالية ركامية بأنماط مختلفة في منطقة ثاج والحناة والضبطية وحنيذ وأماكن مختلفة من هذا الوادي على شكل ساحات تلال مدافن.

تعرف المنطقة الآن بوادي المياه وذلك لكثرة مصادر المياه والمناهل، والوادي يشكل مجموعة من السباخ الداخلية الضخمة منها (مملحة الفوار، سبخة الصرار، سبخة ثاج، سبخة الخويصرة، سبخة فليفلة، سبخة الضبطية، سبخة أبواب) التي يتبخر مائها في فترة الصيف مخلفة طبقة ملحية مترسبة على السطح وبعد هطول المطر يبقى الماء فوق السطح لتشبع السبخة.

كما أن هذا الوادي والمناطق القريبة منه احتوت على مواقع جيولوجية مهمة تعود الى حين الميوسين (14-17 مليون سنة) بها أحافير بحرية لافقرية كالمرجان والحيوانات الرخوية ذات المصرعين ناتجة عن الترسبات البحرية القديمة لبحر تيثيس وأيضا الترسبات القارية حوت على أحافير لحيوانات فقرية مثل التماسيح والسلاحف وعلى الثدييات مثل وحيد القرن وحيوان المستدون المنقرض الشبيه بحيوان الفيل،كما عثر في هذه المنطقة على نوع من القردة القديمة ذات الصبغة الأفريقية، هذه المخلوقات وجدت فيما يعتقد جيولوجيا إنها بيئة ساحلية شبه استوائية حول بحيرات ذات مياه عذبة تحيط بها أشجار النخيل[9] .

الموقع رقم 1

خط العرض 13.9 29 26 شمالا

خط الطول 27.9 37 048 شرقا

هناك أكثر من 24 موقع لرسومات ومخربشات صخرية في وادي المياه من بينها الموقع رقم 1 وهو من أوال المواقع التي رأيتها في وادي المياه وذلك في عام 1987م ويقع هذا الموقع من الجهة الشرقية لسفح أحد الجبال في منطقة قلبان الشريعة بالقرب من سبخة الضبطية وعلى بعد حوالي 10 كم جنوب مدينة حنيذ، وهو عبارة عن شريط جداري في الجزء الشمالي للجبل يحتوي على مجموعة من الرسومات الصخرية لأشكال بشرية وحيوانية ووسوم ومخربشات تعود لعدة فترات زمنية حسب شدة غطاء العتق (DESERT VARNISH) ويبدو أن الفنانين قاموا بتنفيذ رسوماتهم على هذه الصخرة لإظهار الفروسية وبراعة القتال والصيد.

ويمكننا أن نميز بصفة إجمالية أسلوبين اتبعها الفنان في النقش وهما:

أولا - أسلوب الرسوم التخطيطية (SCHEMATISED FIGURES) حيث برع الفنان بإبراز الحركة والواقعية معطيا مظهر الحياة في الشكل.

ثانيا - أسلوب آخر بسيط عودي (STICK STYLE) حيث صور الفنان الشكل الآدمي والحيواني بأقل وقت وجهد على شكل خطوط متقاطعة دون النظر إلى التفاصيل.

كما أن طريقة النقش والتقنيات التي اتبعت هي الخدش بأداة حادة (INCISION) و النقر (PECKING) على الواجهة الصخرية من الحجر الجيري الذي يعود إلى العصر الجيولوجي الميوسين.

ومن هذه الرسومات في موقع رقم 1 فارس بشعر طويل حاملا بيده رمحا طويلا وباليد الأخرى لجام الفرس وهما بحركة هجومية اندفاعية (أسلوب تخطيطي تجريدي) ويلاحظ أسلوب الفنان لرسم ذيل الفرس مقوسا للأعلى وبه خيوط الشعر الريشية، بجانب هذا الفارس وسم ( ) قد يكون وسم قبيلة الفنان أو الفارس.

فارس آخر ملامحه ليست واضحة وهو ممسكا بسعفة نخلة؟ أو انه سيف مقوس حور فيما بعد إلى ما يشبه السعفة؟، جسم الفرس بحركة انسيابية رشيقة برأس ليس واضح والذيل مقوس للأعلى (أسلوب تخطيطي تجريدي).

رسمة أخرى لفارس ممسكا بسيف مقوس بيد ولجام الفرس بيده الأخرى والساقين متدليين للأسفل وذيل الفرس مقوس للأعلى (أسلوب تخطيطي تجريدي).

ورسمة أخرى لجمل عليه هودج (أسلوب تخطيطي تجريدي) ويلاحظ رجلين لشخص متدليتين من على الجمل.

كما يوجد في الموقع فارس وطائر النعام، الفارس حاملا رمحا بيده وبالأخرى الفرس (أسلوب عودي)، الفرس بذيل مقوس للأعلى به خيوط الشعر، الفارس وفرسه بحركة مختلفة كما لو أراد بها الفنان أن يبرز وقوف الفرس على الرجلين الخلفيتين قبل أن يقنص الفارس طائر النعام، هذه النعامة تعتبر وحيدة في هذا الموقع وأيضا في المواقع الأخرى من وادي المياه ربما لندرتها في الوادي[10]  ولقد رسمت هنا بأسلوب تخطيطي تجريدي وبذيل على شكل الريش (المعروف أن النعام العربي Struthio camelus syriacus في منطقة الجزيرة العربية اصبح نادرا رؤيته في الثلاثينات من هذا القرن وكان آخر تقرير عن وجوده واصطياده في دولة البحرين سنة 1941 م[11] ).

ومن اللوحات الفنية في هذا الموقع صيد الجمل، فارس ممسك برمح وممسكا بالفرس من شعر الرقبة (أسلوب عودي)، الساقين متدليين للأسفل وهو متوجه للجمل، الفرس بأربعة أرجل والرقبة بشعر والذيل مقوس للأعلى به خيوط الشعر أيضا،أما الجمل فهو بسنام كبير وذيل للأعلى أضيف عليه التقويس وشعر الذيل لاحقا (أسلوب عودي) وبجانب الجمل وسم ( ) وتشارك امرأة بلا سلاح في عملية الصيد هذه وهى في حالة الوقوف على أرجلها وبذراعين مفتوحين على جانبيها للأعلى ووضوح أصابع الكفين والشعر الطويل على الرأس وبرقبة طويلة (أسلوب عودي) ووضوح عضو التأنيث بين الرجلين وبجانبها وسم (  ).

و يوجد في هذا الموقع الكثير من الوسوم، والوسوم جمع وسم وتعرف بأنها العلامة التي تميز القبائل والعشائر بعضها عن بعض موسومة على جدران المباني أو على الصخر وأيضا على حيواناتهم المستأنسة لتميزها عن بقية حيوانات الغير، ومن وسوم هذا الموقع

  ، ، ، ، ،  .

التسلسل الزمني النسبي للرسومات الصخرية في موقع رقم 1

يصعب وضع تاريخ مطلق لهذه الرسومات الصخرية في هذا الموقع لعدم الحصول على الأدلة الأثرية اللازمة للمقارنة كالأدوات الحجرية أو الفخارية أو حتى الرماد ليتم تحليله بواسطة كربون 14،كما أن غشاء العتق (DESERT VARNISH) ليس بقاعدة قوية لتتبع اقدم الرسومات إذ أن الأمر مرهون بطبيعة الصخور وبوجودها بالشمس أو في الظل أو في الهواء الطلق أو معرضة للرياح الخ...

لكن على مقربة من هذا الموقع حقل من تلال المدافن القريبة من سبخة الضبطية التي

قد تؤرخ مبدئيا الى الألف الثاني او الأول قبل الميلاد، هذه المدافن قد تعود الى أصحاب هذه الرسومات الصخرية لكن مالم يتم أعمال تنقيب اثري بالموقع فإننا نجد صعوبة في تحديد فترة معينة لهذه الرسومات.

إن هذه الدراسة المبدئية للرسومات الصخرية في وادي المياه لم تدرس وتحلل من قبل وان هذا الموقع من احد المجموعات القليلة من مواقع الرسومات الصخرية في وادي المياه لذا فهناك نقص في البحث الميداني والمكتبي لوضع تاريخ لهذه الرسومات ولبناء الوضع الحياتي والاجتماعي لسكان البادية القديم الذي تميزت حضارته بالبساطة، وإن مواصلة مسح مواقع الرسومات الصخرية ودراستها في منطقة وادي المياه للخروج بنتائج ومعطيات أفضل سوف تساهم بعض الشيء في الكشف عن غموض ثقافة البادية العربية التي كانت سائدة في تلك الفترة من الزمان إلى أن اندثرت وبقي ذكرياتها على صفحات الصخر.

[1]  يعتبر موقع كلوه في شمال المملكة العربية السعودية من أقدم مواقع الرسوم الصخرية في الجزيرة العربية التي يمكن إرجاعها إلى العصر الحجري القديم الأعلى (UPPER / EPI - PALAEOLITHIC ) 9000 - 7000 ق.م

[2]  الشمري، عبدالله محمد ابراهيم، وادي المياه (الستار قديما)، 1413هـ، ص 5

[3]  هذه المدن والقرى تراها مفصلة في الموسوعة الجغرافية لشرقي البلاد العربية السعودية تأليف عبد الرحمن بن عبد الكريم العبيد 1413هـ 1993م

[4]  المصدر السابق، ص 338-339

[5]  آل ملا،عبد الرحمن بن عثمان، تاريخ هجر،دراسة شاملة في أحوال الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية، الجزء الأول: الأحساء –البحرين. الكويت وقطر،الطبعة الثانية 1411هـ/ 1991م، ص 304

[6]  شامي،الدكتور يحي،الشرك الجاهلي وآلهة العرب المعبودة قبل الإسلام،1986،ص 187

[7]  العبيد،الموسوعة الجغرافية،الجزء الأول،الطبعة الأولى 1413هـ / 1993م ،ص99

[8]  سجل هذا الموقع من قبل إدارة الآثار برقم 212/208 على انه محطة قوافل

[9]  ولمزيد من المعلومات الجيولوجية عن بعض المواقع في وادي المياه انظر حولية الآثار العربية السعودية، أطلال العدد الخامس، تقرير مبدئي لدراسة الكائنات القديمة في منطقة الصرار، هيربرت توماس وآخرون، ترجمة وتلخيص عبد العزيز عبد الرحمن رهباني أخصائي الآثار الحيوانية،1401هـ / 1981م، ص 101 – 106. وأيضا:سبخة الضبطية جيولوجيا وآثار، سعيد الهاجري وآخرون 1998. وأيضا انظر المصدر الأجنبي:

Bulletin of the British Museum (Natural History)

Miocene geology and palaeontology of Ad Dabtiyah, Saudi Arabia

Compiled by P.J.Whybrow

Geology Vol. 41 No 29 October 1987

[10]  وجد بيض النعام في مواقع في الربع الخالي وأيضا في منطقة جواثى في واحة الأحساء ومدافن جنوب الظهران وموقع ثاج الأثرى .

[11]  THE ENCCYCLOPEDIA OF VANISHED SPECIES 1981, p 24-25
باحث آثار
304694