الراديو في بداياته الخليجية
سعود الزيتون الخالدي * - 5 / 3 / 2011م - 6:37 ص - العدد (25)

ما أكثر ما ارتفعت قديماً في منطقة الخليج العربي هذه العبارة: "يا سلام سلِّم الحديد يتكلم" وذلك بعد أن توصل (ماركوني) في عام 1895م إلى اختراع الراديو. واصبح هذا الخبر في منطقة الخليج يطلق كنكتة، ولم يتعرف أهل الخليج عليه إلا عندما استطاع أحد تجار البحرين من اقتناء جهاز الراديو أوائل الثلاثينات، وكذلك عندما أهدى السيد حامد بيك النقيب الشيخ أحمد آل جابر الصباح عام 1933م جهازي راديو، أحدهما يشتغل بواسطة البطارية والآخر بالكهرباء، وأهداه أيضاً إلى الشيخ أحمد آل جابر الصباح. وعندما رأى الناس وجود الراديو عام 1936م عند بعض رجال الخليج انبهروا وزاد تعجبهم وحيرتهم، وقد قيل قديماً: "إن الناس أعداء ما جهلوا"، فأصبح الحديث عن هذا الجهاز الحديدي الشغل الشاغل للناس بالمنطقة، وقالوا: "يا سلام سلم الحديد يتكلم" وتكلم عنه الصغير والكبير وأصبح حديث المجالس والأسواق وعامة الناس مما جعل البيوت القليلة التي انحصر وجود الراديو عندها تخاف إفشاء سر وجوده عندها حتى لا تتهم بالكفر والشعوذة.

وقد لاقت البيوتات الأولى التي انحصر فيها وجود جهاز الراديو بمنطقة الخليج بعض الحرج مما دفعها عند سماع آيات القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت وأغاني أم كلثوم من إذاعة القاهرة، الجلوس في غرفة محكمة الإغلاق حتى لا يكشف بعض الناس السذج وجوده داخل بيوتهم، وأمثال هؤلاء الرجال من الناس روي عنهم أنهم اتهموا جهاز الراديو بالسحر.

ورغم أن الناس في منطقة الخليج تعاملوا مع الراديو بحذر شديد في بداية دخوله المنطقة إلا أن الحرب العالمية الثانية حسمت الموضوع عندما احتاج الناس في الخليج لسماع أخبار العالم يومياً، وانتهت معركة الراديو بسرعة كبيرة في منطقة الخليج بحيث إنه عندما انتهت الحرب العالمية الثانية وانقطع صوت المذيع المشهور (يونس بحري) من إذاعة ألمانيا. ألف كثير من الناس الراديو وعرفوه، إلا أن سعره الغالي في ذلك الوقت جعل اقتناءه بمنطقة الخليج مقتصراً على الأغنياء.

وقد استغل أصحاب المقاهي الشعبية الميسوري الحال في ذلك الوقت فرصة تذمر أهالي البيوت التي توجد بها أجهزة الراديو مما تعانيه من إزعاج سببه تردد مجاميع الناس على منازلهم ليلاً لسماع صوت الراديو الموجود لديهم، بالإضافة إلى غلاء ثمنه والذي قدر في ذلك الوقت الذي يؤرخ له بزمن سنوات العقد الأولى من الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية بملغ (120) روبية عندما كانت الروبية هي العملة السائدة في بعض مناطق الخليج، وقد عمل بعض أصحاب المقاهي آنذاك على كسب الزبائن بوجود الراديو في مقاهيهم، بحيث كان صاحب المقهى يضع الراديو بالمقهى فوق رف خاص مزين بالدناديش ولا يدير مؤشر موجاته إلا هو أو من يوكله من صبيانه الذين يعلمون معه، بحيث أن جشع بعض أصحاب المقاهي في المنقطة آنذاك دفع به إلى أن فرض شراء مشروب (النمليت) على كل من أراد أن يتمتع بسماع الراديو.

ومن أشهر المقاهي في منطقة الخليج في ذلك والتي اشتهرت بوجود جهاز الراديو فيها مقهى (الفرضة)، مع مقهى (العراقي) في البحرين، ومقهى (الغراب) في القطيف، ومقهى (اليوسف) في هجر، ومقهى (الهوري) في الكويت، مع مقهى (الصفاة)، كما ذكر أيضاً في قطر بعض المقاهي وفي دولة الإمارات كانت دبي تعج بكثير من المقاهي كما كانت مسقط.

وبدا الراديو يزعج الناس ويقلقهم في نومهم وكثرت الشكاوي من ارتفاع صوته في بعض الأماكن مما حدا ببعض بلديات المنطقة بإصدار تعميم في عام (1954م) يمنع فتح الراديو بعد الساعة الحادية عشر ليلاً منعاً لإزعاج الآخرين.

وتنتهي حكاية الراديو بمنطقة الخليج مع بدايات الستينات وقد سيقت حول بدايات ظهوره بالمنطقة الخليجية بعض القصص والخزعبلات، فمن طرائق ما جاء حوله، قالوا:

إن أربعة من أبناء البادية لهم بستان من مزارع القطيف وفي يوم من أيام بدايات دخوله الراديو لمنطقة القطيف زار هؤلاء الرجال وكيل بستانهم الحضري في القطيف وسألوه عن حال المحصول في يومهم وأخبرهم وأكرمهم كالعادة وما أن أخذت الشمس في المغيب حتى تحول الجميع عن البستان وخرجوا مع شريكهم للمدينة لكونهم ضيوف عليه وما أن وصلوا حتى أدخلهم في مجلس منزله بالمدينة ومن ثم رحب بهم وقدم لهم واجب الضيف وبعدما تعشوا وارتاحوا بوجود صاحبهم الحضري وبمنزله، خرج هو الآخر عنهم ودخل منزله ومن ثم عاد إليهم وفي يده صندوق وضعه جانباً وجلس مع أصحابه البدو في مجلسه وأدار مفتاح ذلك الصندوق فاشتغل الراديو وأخذ تارة يغني وتارة يخبر وتارة يقرأ، فما أن حدث ذلك حتى انبهر ضيوفه البدو من هذا الصندوق العجيب وقال أحدهم: (يا مهدي) (ومهدي هذا هو صاحبهم الحضري) ما هذا اللي يتكلم وحنا ما نشوفه عسى ما بيتك (مسكون)؟ (يعني فيه جن). فرد مهدي مخاطباً صاحبه البدوي وقال: (يا سلطان) هذا رادو جابوه لنا من القريز علشان نعرف أخبار الناس والحرب، فلم يمهله سلطان البدوي ورد عليه وقال: "بسم الله الرحم الرحيم" هذا جن، وشلون حديد يتكلم يا مهدي، أنت تقمر علينا، فضحك مهدي ضحكة مدوية ومد يده لصندوقه وأخذه وخرج عن المجلس وأصحابه لداخل منزله، فما أن تأكد سلطان دخوله حتى قال لرفاقه: يا عيال أبوي (الذيب بالقليب) فأنا أشوف أن شريكنا مهدي أما ساحر وإلا بيته كله جنون بس أن أمسينا عنده الليلة أما كلتنا الجن وإلا أصبحنا كلنا مجانين! فما أن أكمل سلطان كلماته حتى هرب رفاقه وهو أولهم تاركين من ورائهم بيت مهدي وزوداتهم وحذيانهم وكأن جن الدنيا اجتمعت لهم بطريق هربهم لتأخذ بأعناقهم.

كما ذكر من طرائف بدايات الراديو: أنه كان في البحرين أحد النواخذة وكان يزعجه دائماً (عبد) أسود ويخافه لقوته ولم يستطع أحد أن يمنعه منه وكان يصرف له يومياً (روبية) دون مقابل وحتى لا يعتدي على شخصه أو يهينه أمام أتباعه، فما أن جاء الراديو وعلم به هذا النوخذة حتى اشترى واحداً منه، وأخفاه في منزله ثم أحضر واحداً من أتباعه وقال له: إنني أريدك تحضر لي بكره بعد صلاة العصر في منزلي (العبد سعيد) وتقول له: إن النوخذة بحاجة لك، فما أن دخل عصر ذلك اليوم حتى نفذ ذلك العامل طلب النوخذة وأحضر العبد وما أن وصل إلى بيت النوخذة حتى أذن له بالدخول وقال: اجلس يا سعيد فما أن جلس حتى أحضر له بعضاً من القهوة وتحدث إليه وقال: يا سعيد أنا البارحة جاني (منابي) من السماء وخاطبني وقال لي: إنك يا نوخذة سوف تخلي الحديد يتكلم، قال العبد: الله يا نوخذة ما لقي المنابي إلا أنت؟ قال: نعم، تبي تشوف؟ قال: أرني، فما أن أكمل العبد رده حتى أدار النوخذة مشغل الراديو، وإذا أم كلثوم تغني فانبهر العبد وتسمر في مكانه لبرهة ثم قام وتدارك الباب وهرب باتجاه الشارع وهو يصيح: يا سلام سلم الحديد يتكلم، وقد فقد صوابه وانجن. وبهذا الأمر الذي رتبه له النوخذة خلص من شره للأبد بعد أن انجن.

والقصص حول بدايات الراديو مع السذج كثيرة إلا أننا نكتفي بما ذكرناه اختصاراً.

المراجع:

1- عبدالله الحاتم، من هنا بدأت الكويت.

2- بانوراما الخليج، تلك الأيام.

3- إبراهيم الخزيم، من أقوال العامة.

4- جريدة عكاظ، بعض الأعداد مها.

5- قافلة الزيت، أعداد منها.

6- جريدة اليوم، أعداد منها.

عضو هيئة التحرير
375203