الغذامي.. هبوب لا يقيده تيار
جاسم الصحيح * - 5 / 3 / 2011م - 7:05 ص - العدد (25)

الناقد الدكتور عبد الله الغذامي..

هذا الفاتح الإنساني المظفر الذي امتدت فتوحاته على مدى مساحات شاسعة في أغوار النفس البشرية منذ أن امتشق حسام الضوء.. هذا الحسام القاطع والجميل في آن واحد.. وابتدأ يخوض معاركه الشريفة وما زال في حالة مواجهة مع المجهول، يقظاً حدّ المشي على حدود الأظافر في ترصده الفكري للغد الثقافي، غارقاً في علاقته الجدلية مع الأشياء من حوله عبر تفاعله المثمر مع الواقع العالمي للثقافة محاولاً تجذير القوى الإيجابية في تربتها، واستئصال القوى السلبية منها.

قالت له الناقة ذات حنين:

بإمكان أعناقنا أن تمتد إلى ما وراء هذه الصحراء العربية.

وقالت له الخيمة ذات ضحى:

بإمكاننا أن نحيل من الصبح عموداً، ومن الشمس نسيجاً، وان نقيم سرادقاً باتساع الأفق.

وقالت له الريح ذات هبوب:

بإمكاننا أن نكون أشد عصفاً من أن يقيدنا تيار.

حمل وصايا الناقة والخيمة والريح وانطلق..

أطل على الحركة الأدبية في (الجزيرة) وهي ما تزال على سرير نومها تدعك عن عينيها أول أضواء الشمس، طرق عليها الغرفة ففزعت على بدوي مشتمل بعباءته، لم يزعم أنه قادم من السماء يحمل ألواح الوحي على كتفيه، إنما جاء يحمل حقيبته المملوءة بالرغبة الملحة في طلب العلم، فافترش التراب أمام معلمه الأكبر: التاريخ الإنساني بكل حضاراته وثقافاته التي كانت ومازالت محطات يعبئ منها هذا البدوي الجميل وقود أفكاره، وحين تمتلئ شاحنته من ذلك الوقود، ينطلق عليها في رحلة استكشاف المجاهيل الذاتية.

ولأنه يحمل هوية ذات ثوابت غير قابلة للذوبان، لم يرض أن يقتعد جلسة المريد أمام القطب في الحلقة الحضارية خوفاً من الذوبان في الآخر والتلاشي داخله، لكنه اقتعد جلسة التلميذ اللماح الذي يستجوب المعلومة الوافدة إليه ويعرضها على صحيفة سوابق في تاريخه قبل أن يسمح لها بالدخول إلى قاعة اعتقاده.

يتأمل في الحياة فيتألَّم حين يرى عربة الحضارة الأممية تشق مسارها وسط طريق المعرفة حيث تنتصب المغامرة، بينما يرانا نحن العرب هائمين على أرصفة التاريخ حيث يتسكع الضعف ويتصعلك التخلف، لا نملك إلا أن نشتري بضائع الوهم من تلك العربة الحضارية ثم نسير على غير هدى أذلاء على هيئة آمنين.

الدكتور الغذامي لم يتمرد على النواميس الطبيعية في صعود مدارج الإبداع، فحينما لاحت عليه علامات البلوغ النقدي وضع المنجزات الثقافية على محك المساءلة في محاولة جادة لمشاركة المثقفين من إخوانه في إضاءة طريق الإنسان نحو الحرية. وكلما أطلق كتاباً في الوسط الثقافي، أحس المجتمع بان زلزالاً ذكياً يتمشى في أرضية الواقع قادماً من شقوق الذاكرة. زلازلُهُ تعرف أسماء المدن، وتحسن قراءة خرائطها، لذلك فهي حينما تنطلق في أعماق مدينة ما تقترح تضاريس أجمل لتلك المدينة، فتصبح الشقوق أشبه بنهيرات صغيرة عذبة، وتصير الأنقاض عبارة عن أشجار ملتفة على بعضها البعض في عناق ناضج.

حيث يوجد الغذامي يوجد القلق والهم الإبداعيين، فلا مكان للاسترخاء والثبات حيث إنه لا يؤمن بجدوى النهر راكداً إذ لم يستطيع أن يوصل رسالة الماء إلى الحقول وهو في حالة الركود تلك. لكن على النهر أن يتقمص حالة الفيضان الأبدي كي يتشبه بالغذامي، وعلى النخلة أن تشهق إلى ما فوق أحلامها كي تتشبه بقامته الفكرية.

لم يسبق لي أن التقيت الغذامي وجهاً لوجه قبل تاريخ 14/10/1998م، لكنني قبل هذا اليوم كنت قد تشكلت نفسياً في صياغة جديدة من تأثير زلازله (الخطيئة والتكفير، القصيدة والنص المضاد، المرأة واللغة).

في ذلك اليوم، وبعد أن تمت مراسيم افتتاح مهرجان (البابطين) الشعري في قاعة (اليونيسكو) ببيروت، لمحته يذرع المكان في نخبة من الأدباء وأحسست به يتمشى داخلي، فشعرت أن رخام القاعة مصنوع من أضلاعي. كنت خائفاً من المسافة التي تفصلنا.. مسافة حضوره الثقافي العربي الكبير مقارنة بغيابي الأكبر.. وأنا احترم مثل هذه المسافات، وبينما أنا واقف في مهب الحيرة، إذا به يفاجئني بالعناق الذي وضع تلك المسافة تحت ممحاته.. فلم يقفز من ذاكرتي في تلك اللحظة سوى بيت أبي الطيب المتنبي:

فلم أر قبلي من مشى البحر دونه

ولا رجلاً قامت تعانقه الأسد

في اليوم التالي من مهرجان البابطين، كان موعدنا معه لإلقاء محاضرته عن شعر التفعيلة.. مد حبال صوته على شكل علامات استفهام ثم علقنا من أذهاننا وقلوبنا في سقف الدهشة.. كان صوته مسنوناً مثل سيف فارس عريق، مطرزاً بوشوم الثقة على كل نبرة لامعة.. وكانت أصداؤه خيولاً تمتطيها الأزمنة وترحل في تواصل مدهش.. حينما فازت به جائزة (سلطان العويس) رحمه الله تعالى، هنأنا الجائزة بهذا الفوز العظيم لان سجلاتها سوف تحمل اسمه وساماً على صدرها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

شاعر
302167