(الانتظار) والرمز الإسلامي/ العربي في شعر الحسنين خليفة
(تحته كنز لهما)
أ. يوسف نبها * - 5 / 3 / 2011م - 7:07 ص - العدد (25)

طالعت أكثر ما كتبه الأخوان التوأم خليفة (حسن وحسين) من شعر فاضت به قريحتهما المتجذرة في الأصالة والمشبعة من الحداثة في آن، والتي جعلت منهما ظاهرة بارزة في الشعر الحديث فيما حفل به ديوانهما من نتاج شعري غني قلما نقف على أمثاله سيما في زمن كثرت فيه النتاجات الشعرية الرخيصة والمبتذلة والتي بات الغموض والرمزية فيها تشكل متراساً ودرعاً واقياً تستتر خلفه باسم الحداثة والتجديد.

أما الحسنان فهما ظاهرة جديدة تستحق أن تدرس وتعطي حقها سيما وأن الإعلام والنوادي الأدبية والمحافل الشعرية والنقدية لا تفتح أبوابها وأبواقها لأمثال هذه الثلة المتقدمة بالإبداع والالتزام والعنفوان والتي خطت لنفسها طريقاً ينسجم مع المبادئ العليا والمثل الكريمة من تواضع وسماحة وعفة وخلق كريم، وكأننا بتنافي زمن يرفع من شأن الشعر المتقوم بـ (البذاءة والخمر والاسفاف) وليرفع بالتالي من نجم صاحبه ويقلده وسام الشاعرية المطلقة مع ما يرافق من تصفيق حاد وإبداءٍ لنظرات الإعجاب والتقدير..

لقد تصفحت ما كتبه بعض النقاد والمؤرخين والشعراء الكبار في حق هذين الشاعرين (حسن وحسين خليفة) من أمثال الدكتور عبد الله الغذامي والمؤرخ السيد حسن الأمين والشاعر محمد علي شمس الدين ووجدت أن التقريض والتقديم من قبلهم لديوانهما يكفي لأن نعتبر شعرهما ظاهرة فيها من الحداثة والتجديد والابتكار ما تستحق الوقوف بجد عليها.

يقول الشاعر محمد علي شمسي الدين عن ديوان الحسنين خليفة (الشعرية في هذا العمل المشترك حاضرة بامتيازاتها، اللعب اللغوي العالي على النقائض/ شعر تأملي/ وجودي، يسكب فيه المعنى سكباً متقناً في آنية اللغة/ صياغات متماسكة لا يعرفها الكثيرون من شعراء الحداثة، وان عرفوها فهم لم يألفوها).

وبكبر السيد حسن الأمين عمل الشاعرين (خليفة) بقوله (نحن على يقين بأن مؤرخ الشعر العربي في هذا العصر، سيفرد في يوم من الأيام صفحة ناصعة لظاهرة هذا القرن المتمثلة بالحسنين التوأمين).

لن أطيل اكثر من ذلك في ذكر الشهادات بشاعرية هذين التوأمين لأنني أحيل القارئ إلى مطالعة ديوانهما ليحكم بنفسه على جودة شعرهما ومتانته.. بيد أني أسجل في هذا الصدد بعض الملاحظات يمكن أن نعدهما ظاهرة في عملهما الشعري وهي: ظاهرة الانتظار وتوظيف الرمز الإسلامي/العربي في شعرهما.

ظاهرة الانتظار

في نظرة سريعة للديوان يمكنك أن تلاحظ هذا الكمّ الوفير من استخدام لفظة (الانتظار) وهي تعادل أو تحتل ثلث الديوان من حيث عدد القصائد 24/72 وهي موزعة على الألواح الأربعة منه، وكذلك لم ترد لفظة (الانتظار) إلا مضافة لما قبلها من كلمات أغدقت عليها معنى تحميلياً رمزياً يمكن استلهامه من التأمل الفلسفي أو الوجودي فيما تختزنه من دلالة، وقد جاءت على الترتيب التالي (قطار الانتظار، مغتسل الانتظار، وحي الانتظار، لعب الانتظار، نقلة الانتظار، وطن الانتظار، سكوت الانتظار..) فما هي مدلولات الانتظار في شعر الحسنين؟

لعل الانتظار في مفهومه المنصرف إليه عند السماع هو هذه الحالة من الأهبة والجهوزية التي يكون عليها صاحبها في استقبال أمر ما، وهي تشمل عدة معان تختلف باختلاف مصاديقها الحسية الخارجية (فقد تنتظر قدوم صديق إلى غداء، وقد تنظر انطلاق القطار أو الطائرة في الساعة المحددة، وقد تنتظر انتهاء الشتاء لحصاد الموسم، وقد وقد..) ولكن اكمل الانتظار والذي يبلغ معناه الأسمى هو ذاك الانتظار الذي ينطلق من مفهوم إسلامي محض لتلك الغيبة المهدوية حيث يكون فيها المسلم على أتم الاستعداد للقاء مخلّص البشرية (المهدي)، ولعلي لا أجانب الحقيقة عندما ادعي أن (الحسنين) لهما تعلّق غريب يبلغ من العمق والقوة أقصى الحدود بالمهدي المنتظر حتى أن لهما ارتباطاً به من نوع آخر يجعلهما يتسنمان القمة من بين الشعراء الذين تناولوا المهدي في شعرهم حتى انهما يعتبران ظاهرة في هذا المجال:

في انتظار الإمام

اكثر من طريقة

طريقتي الوحيدة

في انتظار الإمام.. (الديوان ص100)

فـ (الانتظار) للمهدي لدى (الحسنين) رمز وظفوه كغيره من الرموز الإسلامية النيرة التي استمدوها من تاريخ الأمة وأمجادها.

* توظيف الرمز الإسلامي /العربي الملتزم:

لقد اختار الحسنان رموزهم من خلال التزامهم بأيدولوجية إسلامية اختطوها لأنفسهم وما برحوها إلى رموز أجنبية أو غربية لا تمثل ذواتهم وأمتهم وعروبتهم كما فعل غيرهم من الشعراء حتى الكبار منهم.

فلماذا يتخلى الحسنان عن (الانتظار) أو (المهدي) فيما يمثله من عدل وقوة وأمان إلى رمز أجنبي آخر هجين لا يعرفان أباه وأمه؟

وقد سدا هذا المعنى في مهاجمة الرمز الغريب عن طباعهما وطباع أمتهم وإسلامهم في قصيدتهما (ثقافة).

(جدتي تعرف خنساءها) وتعرف بنت الحسين / وتعرف فدعة/وأنا أعرف خنساءنا/ وأعرف بنت الحسين/ وأعرف فدعة/ جدتي لا تعرف عشتار/ ولا تعرف إيكار/ ولا تعرف من سرق النار/ وتعرف أن ابن فرناس طار/ وأنا لا أعرف عشتار/ وأعرف أن ابن فرناس طار/ ولا أعرف إيكار/ لا أعرف قافية (الايس) /لكني أتعوذ من إبليس/ جدتي تتعوذ منه، تعرفه/ وأنا لا أعرف من سرق النار) الديوان ص88.

إنهما يركزان على الرمز الإسلامي / العربي في هذه القصيدة ويؤكدان عليه من خلال إيرادهما للفظة (جدتي) وكأن تاريخنا متصل يأخذه (الولد عن أبيه عن جده) فلماذا نستبدل تاريخنا وتراثنا مشوه وتراث غريب لا نفقه منه شيئاً ولا يمثل أحاسيسنا ومشاعرنا. وعلى هذا الأساس استخدما رموزاً إسلامية/ عربية (الخنساء، الحسين، بنت الحسين، ابن فرناس، إبليس) وعمدا إلى إقصاء الرموز الغربية الدخيلة على ثقافتنا وتراثنا (عشتار، ايكار، من سرق النار (أي بروميثيوس)، قافية الإيس (أي الإلهية التي تنتهي أسماؤها بالسيف) ].

وهكذا فقد امتلأ ديوان الشاعرين بالرموز الإسلامية/ العربية العريقة التي تمثل شخصيتنا الثقافية والأدبية والدينية الملتزمة دون أن يغفلا عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا من قبيل (الغترة، العقال، العمة، المداس، المسبحة، المحْماس، الدّلال، الكبسة، الإدام، التمر، اللبن البضّ) فها هي قصيدة (حضارة) تعبر عن ذلك:

(لسن اخجل/من غترتي/ والعقال../ومن عمتي/ والمداس/ لست منسحقاً../ حدَّ أبدلُ عفواً/ بسوري sorry /ومسبحتي/ سلسلة../ أو اعين على نفسي الطقس/ بالربطة الخانقة../ لست منسحقاً/كي أغيّر عادات أهلي/ هل اعلق محماس قهوتنا والدّلال/فلكلور من اجل أمّ ديانا/ ومن قال: sorry/ وبايْ Bye/!!)

هذا ما حاولنا مقاربته مقاربة سريعة من ديوان الحسنين خليفة (تحته كنز لهما) على مستوى المضمون وسيكون لنا مقاربة أخرى على مستوى لغة الشاعرين في ديوانهما، فإن الشاعرين يمتلكان من حيوية لغوية وحركية في تناول المفردات واختيار الألفاظ ما يضفي على القصيدة جواً من السحر والامتياز يقتران فيه الجدُّ بالدعابة والقديم بالجديد (كما نلاحظ في القصيدة المتقدمة)

ماجستير أدب عربي - الجامعة اللبنانية.
323552