الآثار السلوكية لمرضى فقر الدم المنجلي
منير بن حسن البقشي * - 12 / 10 / 2007م - 2:50 م - العدد (45)
مقدمة
من آيات الله في الكون، وحكمته في الخلق التي حبانا بها لكي نتفكر في أنفسنا، وجود
الأكسجين الذي هو إكسير الحياة المادية والذي من دونه لا تعيش الكائنات. وفي بدء النشأة، وتكون الجنين في طوره الأول يطرح هذا السؤال: كيف يتنفس المخلوق؟
إن هذا الإنسان الجديد ليس له اتصال بالعالم الخارجي، ورئتيه مليئتان بالسوائل، ولذلك فقد جعل الله المشيمة مصدراََ لتزويده بالغذاء والأكسجين حيث الأم هي مصدر الحياة. فالإنسان الذي تحمله أمه ثقلا يمتص غذاءها حتى لو كانت جائعة أو مصابة بالمرض. أما عن كيفية حصول الجنين على الأكسجين فهو أن خضاب الدم (الهيموجلوبين) هو المركب الذي يقوم بحمل الأكسجين من الأم إلى الجنين، وإلى جميع أعضائه عن طريق المشيمة وهي تتكون من جزئين متقابلين كالحدود بين البلدين، ويفصل بينهما غشاء رقيق جدًّا بحيث يتم تبادل الأكسجين في اتجاه واحد من الأم الى الجنين، وطرد الفضلات إلى دم الأم دون خلط بينهما ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ.
وهنا يأتي سؤال آخر؛ ما هو سبب انتقال الأكسجين من الأم إلى الجنين وليس العكس؟
باختصار تتجلى عظمة الخالق بأن جعل لكل طور من أطوار الحياة من يقوم بوظيفة تلك الفترة، وكما سبق أن ذكرنا إنّ خضاب الدم هو الذي ينقل الأكسجين فجعل له أنواعًا:
خضاب جنيني مبكر مؤقت
خضاب جنيني Hb F
خضاب كهلي أساسيHb A خضاب كهلي ثانوي Hb A2
فقر الدم المنجلي
يعتبر فقر الدم المنجلي من الأمراض الوراثية المزمنة المنتشرة في مجتمعنا الخليجي، وقد حظي بهذا الاسم بسبب شكل الخلية الحمراء المريضة التي تكون على شكل منجل أو محش. وينتشر هذا المرض في الواحات الزراعية التي كان ينتشر فيها مرض الملاريا الخبيثة مثل الأحساء، القطيف، البحرين، جيزان، واحات الجزائر وتونس، وسط غرب أفريقيا.
أسباب المرض:
تغير في الحمض الأميني السادس (من الجلوتامات إلى الفالين) في سلسلة بيتا من الخضاب الكهلي A1 Hb فتحدث على أثرها سلسلة من الأعراض والمضاعفات التي ستستمر مع المريض مدى الحياة.
المريض والآثار الاجتماعية والسلوكية:
كل مريض مصاب بمرض مزمن تظهر عليه آثار كثيرة يتكبدها المريض والأسرة والمجتمع، وما يتميز به مرض فقر الدم المنجلي كثرة التردد على المصحات بسبب المضاعفات الناجمة عن المرض او للعلاج الوقائي، فالمصاب بفقر الدم المنجلي يعاني من تكرار نوبات الألم الشديدة مما ينعكس سلبيا عليه، وقد يجعله يعيش حياة قاسية، وسوف استعرض جانبا من المشاكل النفسية والاجتماعية لهذا المرض دون التطرق للعلاج.
متى يجب الاهتمام بالمريض:
يجب الاهتمام بالمريض قبل ولادة الطفل المتوقع إصابته. أي كل أم حملت حملا خطرا يجب العناية به بعد الولادة مباشرة:
1. عمل فحص مخبري معين.
2. متابعته في المستقبل من قبل الأطباء بعد التأكد من التشخيص، حتى لا تكون أول زيارة فقط لعلاج المضاعفات.
3. تحوير التطعيمات الأساسية بما يكفل إعطاءه الغطاء الأكبر من الحماية.
4. شرح طبيعة المرض لأهل المريض وإعطائهم النشرات المناسبة، وكذلك شرح المتوقع من نمو الطفل السليم، والتغذية السليمة من قبل الفريق الصحي المناسب.
5. الاتصال بمجموعة أصدقاء المرضى التي تعنى بالأحوال النفسية والاجتماعية للمريض وليس فقط المادية.
آثار المرض على الوالدين:
يعتمد تأثر الوالدين بوجود المرض على درجة ثقافتهما، ومدى معرفتهما بتوريث المرض، وتتلخص فيما يلي:
1. عقدة الشعور بالذنب بسبب ولادة الطفل المصاب لما سوف ينال هذا الطفل من معاناة في حياته المستقبلية.
2. عقدة الخوف على الطفل، وماذا سيحدث له في المستقبل، وقيام بعض الآباء بحماية الطفل بصورة مرضية ايضا، فيُحجَز عن المشاركة مع أقرانه في اللعب، وما ينتج عن ذلك من صعوبة الاندماج في المجتمع.
3. إنكار وجود المرض لدى الطفل خصوصا في بداية التشخيص بسبب صدمة الوهلة الأولى.
4. الشعور بوصمة اجتماعية بسبب وجود مريض مزمن في العائلة.
5. مشاكل بين الأبوين؛ كل طرف يلوم الآخر لسوء الطالع مع الزوج والزوجة.
6. ايجاد مخارج عن طريق الذهاب إلى أناس أقل فقاهة في الطب لعل الأبوين يسمعان كلاما آخر مثل إنَّ التشخيص السابق خطأ، وقد تحدث مشاكل أسرية من جراء ذلك؛ مثل ادعاء أن الطفل ليس طفلهم.
7. التغيب عن العمل من قبل الوالد أو الوالدين بسبب الأعباء الملقاة على كاهلهما من كثرة النوبات المرَضية مما قد يسبب اهماله لمصدر رزقه، خصوصا إذا كان المعيل يعمل بيده أو حتى لو كان موظفا.
8. الانشقاق العائلي بسبب حنو وعطف الوالدين على الطفل المريض، وشعور الاطفال الآخرين بنقص في الحنان بسبب تغيب الأب أو الأم المتكررين.
9. ضعف الرقابة من قبل أحد الوالدين على الأسرة أثناء فترة تنويم المريض، وتتفاقم هذه المسألة إذا وجد أكثر من مريض في الأسرة الواحدة.
الآثار المترتبة على المريض
الطفل في السنة الأولى:
الحرج الذي يصيب العائلة نتيجة المرض هو عدم قدرتهم على الاتصال بالطفل حين شعوره بالألم حيث إنهم قد يحسبون كل صياح هو بسبب الألم، كذلك التأثير الذي قد يسببه الألم لنمو الطفل، وهو غير معروف بالدقة. الخلاصة إن الأبوين هما اللذان يكونان بحاجة للدعم النفسي في هذه المرحلة.
الطفل قبل المدرسة:
يكون الطفل، في العادة، نشيطا وحركيًّا، لكن - وبسبب نوبات الألم أو انفصاله عن الآخرين ولاسيما أقاربه ومن هم في عمره - يبدأ بالتأثر، وقد يفسر الطفل فصله عن الآخرين بأنه نوع من العقاب من قبل الأبوين له. وهنا قد يقوم الطفل بنشاط محدود حتى لا يشعر الوالدين بأنه مريض فيستمر في اللعب والنشاط حتى آخر طاقة له، ويحاول أن يجلب عطف إخوته للقيام ببعض المجهودات.
الطفل في المدرسة:
في هذه المرحلة يتعرف الطفل على المحيط الخارجي له؛ فيتعرف على المدرس والأطفال الآخرين، ومع الوقت يتعرف على الإختلاف بينه وبين أقرانه ويبدأ بطرح أسئلة تخص حالته ومنها:
لماذا لوني شاحب؟ لماذا عيني مصفرة؟ لماذا أتألم والباقون يلعبون ويضحكون؟ ولماذا يستطيعون اللعب وأنا لا أستطيع مجاراتهم؟
هذه النظرة التي تقارن النفس مع الآخرين يمكن أن تنعكس، سلبا، على تربية الشخص وعدم احترامه لنفسه، خصوصا إذا كان الكبار يعطفون عليه بصفته أصغر من أقرانه.
تزداد حالة الطفل سوءا مع تكرار دخوله الى المستشفى بسبب نوبات المرض، مما يعني تغيبه عن دروسه، وتخلفه عن النجاح سنة بعد أخرى. وتتراكم المشاكل، أيضا، مع جهل كثير من المدرسين بطبيعة المرض، وقد يتهمون الطفل بادعاء النوبات، وبأنه طالب سيء بسبب تكرار طلبه الذهاب الى دورة المياه مثلا لجهلهم بأن ذلك أن ذلك من أعراض المرض.
ومن الأعراض الأخرى للمرض فرط الحركة وقلة التركيز، وهو ما يحصل بسبب وجود نوبات انسداد في الأوعية الدموية الصغيرة المغذية للمخ، قد يكون الطفل مفرطا في الحركة في المنزل والمدرسة، وبدون تركيز في أداء المهام الموكلة له، فقد يعاقب بسبب كونه تلميذا مشاغبا وذلك بسبب جهل المجتمع بطبيعة المرض، وقد يصاب المريض بحالة الإكتئاب من جراء تكرار الغياب عن المدرسة، وعدم التركيز، وعدم القدرة على مجاراة الأقران فيكون محبطا ومكتئبا.
مرحلة البلوغ:
في هذه المرحلة العاصفة يقاسي المريض جملة من الإختبارات وهو يعاني من تفاعلات جسدية ونفسية كبرى لكي يتأهل للدخول الى عالم الكبار، فماذا يحدث لمن هو مصاب بمرض مزمن قد ترك آثاره على جسمه كله؟ لنستعرض بعض المشاكل الصحية
1. تأخر مرحلة البلوغ بالنسبة للجنسين؛ مما يشعر الشاب بأنه ناقص في الرجولة والبنت بنقص في أنوثتها.
2. تخلف النمو وتشوه الجسد المصاحب للمرض يؤدي في حد ذاته الى مصاعب في السلوك والعلاقات الاجتماعية.
3. بعض المضاعفات الجسدية قد تؤدي الى عدم قدرة المرء على الحركة بحرية مثل الآخرين مثل تحلل رأس عظمة الفخذ (النخر العقيم).
4. التبول اللا إرادي قد يستمر إلى مرحلة البلوغ، وقد يكون علاجها صعبا.
5. عرض الصور التي تستجدي العطف بدون إذن المريض أو أهله قد يكون المرء فيها عرضة لسخرية أقرانه، مما ينعكس سلبا على المريض.
6. عدم دمج المريض في المجتمع من قبل المؤسسات العامة؛ كعدم قبوله في الكليات والجامعات بسبب وجود التكسر الدموي المزمن يساعد على زيادة فائض الوقت والبطالة، مما يؤدي إلى المشاكل الخاصة بها.
7. الاعتماد الكلي أو الجزئي على الوالدين.
8. الإدمان بسبب الأدوية المخدرة المضادة للألم، وهذه المشكلة قد يصعب علاجها بسبب تداخل نوبات الألم، وتصنع الألم.
9. المشاكل الاقتصادية؛ كالفقر والتأثير السلبي على الناتج الإقتصادي للوطن.
10. الخوف من المستقبل المجهول، خصوصا إذا عرف أن أعمار المصابين بهذا المرض عادة ما تكون أقل من الآخرين.
11.  الإحباط من المجتمع ومن الذات.
12. عدم الانتظام في العلاج أو رفضه بتاتا.
13. مشاكل عدم المقدرة على انتصاب العضو الذكري لبعض المرضى (العُنَّة).
المشاكل المذكورة سابقا لا تعني أنَّ كل المرضى سوف يمرون بها، فبحسب الخبرة وطبيعة المرض الموجود في المنطقة، فإن هناك من تواجههم مشاكل أقل من غيرهم، ولاسيما في مجتمعنا المترابط، ولكن المطلوب هو المزيد من البرامج التي تبنى على أساس علمي سليم، وبعيدا عن أجواء الإثارة واستدرار عطف الآخرين على حساب مشاعر المرضى.
كيفية حل المشكلة
1- العناية بالمرضى عن طريق توفير كادر من المتخصصين في هذا المجال لعلاج المرض ومتابعتهم، ويجب أن يشمل فريق العلاج متخصصين نفسيين وسلوكيين، وباحثين اجتماعيين، وطاقم تمريض، بالإضافة للأطباء المتخصصين.
2-  مكافحة انتشار هذه النوعية من الأمراض عن طريق
1- التوعية الصحية في المجتمع بهذا المرض خصوصا استغلال الاجتماعات العامة مثل المنتديات والمساجد لهذا الغرض.
2- إدراج التوعية الصحية في المناهج الدراسية في المدارس والجامعات.
3- تقبل المجتمع لفكرة الفحص قبل الزواج.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
» التعليقات «1»
أحمد
[1]
[ الأحساء ]: 15 / 10 / 2007م - 10:04 ص
موضوع جميل
استشاري أمراض أطفال ودم وأورام
371307