العلامة حمد الجاسر وشيء من المسكوت عنه([*])
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 6 / 3 / 2011م - 9:09 ص - العدد (26)

استهل حمد الجاسر الحلقة الأولى من "ذكريات ورحلات" التي بدأ ينشرها مسلسلة في "المجلة العربية" التي تصدر بالرياض بدءاً من العدد 101 لشهر جمادى الثانية 1406هـ مارس 1986م ولأكثر من 120 عدداً قائلاً: "كانت أولى رحلاتي إلى مدينة الرياض سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة وألف، وقد تجاوز عمري إذ ذاك العاشرة بسنوات، وهي فترة من حياتي عشتها عيشة بؤس وشقاء، وضعف في صحتي مما انتابني من أمراض". ويقول: "أخبرتني أختي بأنني حفر لي أربعة قبور، أي أن اليأس من حياتي اعترى أهلي أربع مرات بحيث كانوا يحفرون القبر لي، ولكن يدفن فيه غيري". ويقول في موضع آخر: ".. لا أزال أذكر ما يردده أبي عليَّ -حين يشاهد ما أنا عليه من ضعف فيما معناه: هذا الشيخ عبدالرحمن بن عودان -وكان قاضي الجهة التي تقع فيها قريتنا- كان أبوه يقول: أنا ما أخاف على عيالي فهم أقوياء ويستطيعون أن يعيشوا كغيرهم من الناس، ولكن هذا "الأعيمي" المسكين بفضل العلم يعيش أخوته بكنفه!!.." وكأن والده بهذه القصة يشجعه على الاهتمام بالعلم فقد يصبح رغم اعتلال صحته مثل صاحبنا "الأعيمي" والذي يعيش إخوته بكنفه بفضل العلم.

وفي معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية نجد الدكتور علي جواد الطاهر يقول: "ولد حمد بن محمد الجاسر عام 1327هـ (1907م) تقريباً في أسرة فقيرة تشتغل بالزراعة في قرية البرود من إقليم السر الواقع جنوب القصيم من نجد.

حفظ القرآن، وتعلم الكتابة، ثم انتقل إلى الرياض سنة 1341هـ (1921) وهو في الرابعة عشرة من عمره ولكن إقامته لم تطل، وعاد لها مرة أخرى عام 1346هـ ليغادرها عام 1349هـ للالتحاق بالمعهد السعودي في مكة - قسم التخصص الديني، وأكمل الدراسة فيها سنة 1354هـ وقد أبدى في المعهد من الدلائل الأدبية ما لفت أنظار أساتذته إليه، وقد رأينا ثناء السيد حسن محمد كتبي عليه، وحاول نظم الشعر، ومما كان له ما نشره في جريدة "صوت الحجاز" السنة الثانية 1351/ 1933 (العدد الثاني) بعنوان خدمة الوطن:

إيه بني العرب جمعاً نخدم الوطنا

ونرخص الروح في مرضاته ثمنا

وقد كانت بتوقيع بدوي نجد الجاسر.. وكان يهتم مبكراً بمواقع جزيرة العرب وأنساب سكانها.

وفي سنة 1354هـ عين مدرساً في ينبع، وبعد سنتين عين مديراً للمدرسة التي كان يعمل بها، ثم عين قاضياً لبلدة ظبا وضواحيها في شمال الحجاز، ثم معاوناً لمعتمد المعارف في جدة، أما حسن محمد محمود الشنقيطي فيقول في كتابه "النهضة الأدبية بنجد" الصادر من مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي وأولاده بمصر ط 1، 1370هـ/ 1951م فيقول: "… وبعد إتمام دراسته في المعهد عين مديراً لمدرسة ينبع، ثم عينته رئاسة القضاء قاضياً في محكمة ظبا ومكث فيها مدة، واستقال من وظيفة القضاء والتحق بالبعثات السعودية، وسافر إلى مصر في البعثة الثانية حيث التحق بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول - القاهرة، مع زملائه عبدالله عريف وعبدالله الخيال، ولما نشبت الحرب العالمية الثانية رجع إلى مكة ثم سافر إلى الرياض ومنها إلى مدينة الأحساء واشتغل معاوناً لمدير المدرسة السعودية بالهفوف، وبعد ذلك اختاره وزير المالية عبدالله السليمان أستاذاً خاصاً لتربية أبنائه مدة إقامته في الخرج، وبعد ثلاث سنوات عينته الحكومة رئيساً لمراقبة التعليم بمدارس الظهران عام 1369هـ (1949) ثم اختاره صاحب السمو الملكي ولي العهد معتمداً لمدارس نجد.

والأستاذ حمد الجاسر يعد من أبرز رجال الأدب والكتابة وهو غني عن التعريف.. وهو مولع بمطالعة الكتب واقتنائها، ولديه مكتبة جيدة لا مثيل لها في مدينة الرياض، وقد بلغني أنه اشترى في إحدى سفراته كتباً نفيسة بمبلغ 450 جنيهاً مصرياً، وفي السفرة الثانية ما يقارب ذلك.

وقد انتخبه المجمع العلمي بدمشق عضواً، كما رشحه المجمع العلمي العراقي لذلك، وقد نالت منه بلاد نجد العناية، والإخلاص، وكان سبباً في تقدم المدارس في المدن والقرى…".

وأثناء عمله مديراً للتعليم في نجد أنشأ مكتبة لبيع الكتب هي (مكتبة العرب) وكان موقعها بجوار المسجد الجامع في مدينة الرياض من الناحية الشرقية، كانت أول مكتبة عنيت بعرض المؤلفات الحديثة، ثم وكيلاً لمدير المعاهد والكليات العلمية (الدينية) ثم عيِّن مديراً لكليتي الشريعة واللغة العربية في الرياض، بعد ذلك اشتغل بالعمل الصحفي.

اشتغاله بالصحافة

يقول يحيى محمود بن جنيد: "وأخيراً أدرك أن العمل الوظيفي لا يتناسب وطموحاته العلمية الكبيرة، فاختار طريق الصحافة حيث زاولها مهنة وعملاً، فاصدر عام 1372هـ صحيفة "اليمامة"، وفي عام 1385هـ رأس تحرير صحيفة "الرياض"، عند تأسيسها.

وأدرك حمد الجاسر غايته ومناه في عام 1386هـ عندما أصدر مجلة "العرب" لتكون مجلة علمية متخصصة في تاريخ الجزيرة العربية وآدابها. ونالت هذه الدورية المتخصصة شهرة على مستوى العالم العربي، ولدى كل المهتمين بدراسات تاريخ الجزيرة العربية في كل مكان، ولم يقف آخر قبول هذه الدورية والاهتمام بمتابعتها على المتخصصين وحدهم، بل تعداهم إلى غيرهم من غير المتخصصين. ولنا هنا أن نشير إلى سلسلة معجم المطبوعات في المملكة العربية السعودية التي نشرها في أكثر من ثمانين حلقة الدكتور علي جواد الطاهر كأنموذج جيد لما قدمته هذه المجلة للباحثين في مجال العمل الببليوجرافي فوفرت بذلك معلومات نادرة عن حركة التأليف والنشر في المملكة، منذ بدايات تاريخ الطباعة في المناطق التي تتكون منها المملكة وحتى الفترة الراهنة…".

وقد بدأ الجاسر في الكتابة عندما كان طالباً بالمعهد السعودي في مكة عام 1349هـ بمقال له (بصوت الحجاز) ثم بعض القصائد والمقالات النقدية التي يرد فيها على بعض الكتاب ومنهم الشاعر أحمد الغزاوي ومحمد حسن عواد وغيرهم وقال: ".. وكنت أضحك عندما أطالع هذا الكلام المنظوم الذي كان أخوتي وغيرهم من أساتذتي في المعهد وغيره يثنون عليه، وأنا لا أتهم ثناءهم، ولكن أقرر حقيقة حينما أتمنى أن ذلك لا ينسب إليَّ".

أما في مجال الكتب والتأليف فيعد (سوق عكاظ) الذي صدر ملحقاً بكتاب "موقع عكاظ" لعبدالوهاب عزام عام 1950م أول مؤلفاته، ثم نشر بقية مؤلفاته وتحقيقاته ضمن سلسلة نصوص وأبحاث جغرافية وتاريخية عن جزيرة العرب التي تصدر عن الدار التي أسسها "دار اليمامة". ولهذا نجد الدكتور يحيى محمود بن جنيد يقول عن منهج الجاسر في التأليف: "… ومنهج الجاسر في التأليف يتمثل في الحرص على إيصال المعلومات بكل أمانة مستنداً إلى الدلائل التاريخية والشواهد القائمة مع التحليل والتعليل في سبيل تقديم رأي يعتقد صوابه، وهو هنا لا يعنى بانتقاء كلمات أو محاولة استعراض بلاغي بقدر ما يعنى بعملية الإيصال ذاتها سليمة خالية من الغموض أو اللبس قادرة على التوضيح، فعند حديثه عن مسالة تاريخية أو موقع جغرافي يبدؤه بتحديد للموقع، ثم يعطي خلفية تبرز جهود سابقيه ممن اهتموا بهذه المسألة، وبعدها يعرض دوره وما قام به فيقارن بين النصوص ويعود إلى ما وقف عليه بنفسه فيحلل ويستنتج من القديم، أو يصحح ويعدل.

وكثيراً ما تختلط الركيزة العلمية الثرة التي يختزنها الجاسر بالمشاهد الفعلية التي عاش أحداثها عندما يتناول موضوعاً من الموضوعات، فيعرض ما اختزنه على ما سمعه وشهده ليخلص بتصحيح أو تأكيد…" ويستطرد إلى ميدان التحقيق الذي لا يقل عن ميدان التأليف، فقد حقق أو شارك في تحقيق نصوص تراثية عديدة "وهو يعتمد في تحقيقاته على ضبط النص اعتماداً على ما هو موجود من نسخ مخطوطة له، إضافة إلى التحقق من أسماء الأعلام والمواضع والتعريف بما يحتاج إلى تعريف منها، ويذهب الجاسر إلى أن التحقيق يعاني حالياً من مشكلات كبيرة نتيجة عدم إلمام بعض الذين يقومون به بقراءة المخطوطات، وينتج عن ذلك تحريف وتصحيح شيء وفي ذلك إضرار بالتراث، لأنه ليس ملكاً لقطر من الأقطار.. وانكباب الجاسر على التأليف والتحقيق والمتابعة لكل ما يتعلق بالجزيرة العربية أعطاه ميزة فاق بها أقرانه، وحصل بها على شهرة على مستوى العالم، وأصبح مرجعاً لمعرفته الدقيقة بتاريخ وجغرافية ومعالم الجزيرة العربية، ولم تأته هذه الشهرة اعتباطاً؛ بل جاءت نتيجة تفرد حقيقي، فهي مدار كتاباته منذ بدأ حتى اليوم، أخلص في تناولها، وركز جهده عليها، فاعترف له بهذا التخصص ميزة لا يشاركه أحد فيها".

وبعد أن استعرض الكثير من اهتمامات الجاسر تطرق إلى المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية والذي يزيد على عشرين مجلداً محاولاً أن يغطي جميع أنحاء المملكة، ويختتم الأستاذ الجنيد مقاله الافتتاحي للكتاب (حمد الجاسر دراسة لحياته مع ببليوجرافية شاملة لأعماله المنشورة) الذي أصدرته مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض 1415هـ/ 1995م؛ قائلاً: "… ويحظى حمد الجاسر بشهرة ومكانة علمية على مستوى العالم العربي وفي أوساط المستشرقين، وقد نوه بمكانته العلمية ودوره في تأصيل الدراسات الخاصة بتاريخ وجغرافية الجزيرة مجموعة من الباحثين العرب، فقال عنه بكري شيخ أمين: "وليس من المستغرب أن نقول: إن دراساته صححت كثيراً من المعلومات السائدة المغلوطة عن الجزيرة العربية،ودفعت أعضاء المجامع العلمية العربية أن يرفعوا من شأنها".

ويعده علي جواد الطاهر عنصراً مهماً في المجامع العلمية العربية فيقول:

الجاسر إلى ذلك -ومع ذلك- عنصر مهم في المجامع العلمية العربية، فقد انتخبه المجمع العلمي بدمشق (مجمع اللغة العربية بدمشق فيما بعد) في جلسته المنعقدة في جمادى الآخرة 1370هـ (10 آذار 1951م) عضواً مراسلاً. وصدر بذلك مرسوم جمهوري بتاريخ 24/ 6/ 1370هـ - نيسان 1951 رقم 543.

وانتخبه المجمع العلمي العراقي بجلسته السابعة عشرة المنعقدة في 6/ 2/ 1954 عضواً مراسلاً.

وانتخبه مجمع اللغة العربية في القاهرة عضواً عاملاً بتاريخ 29/ 4/ 1958م وصدر مرسوم جمهوري بذلك في 28 ديسمبر 1958م - 27 جمادى الأولى 1378هـ، وهو كذلك ذو مكانة في الأردن والمغرب…".

هذا وقد اشتمل كتاب "حمد الجاسر.. دراسة لحياته مع ببليوجرافية شاملة لأعماله المنشورة" على 1118 ألف ومائة وثمانية عشر مسرداً للموضوعات الخاصة بأعماله. والذي يشتمل على "قائمة أعمال حمد الجاسر" المنشورة من كتب ومعاجم ومقالات منشورة في مجلة العرب، ومجلة الرسالة، ومجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، والمجلة العربية، ومجلة الحرس الوطني، وتمتد فترة التغطية الزمنية لأعمال حمد الجاسر في هذا الكتاب بين سنتي (1351هـ/ 1933م - 1415هـ/ 1994م)، وقد بلغت (1118) عملاً.

وأخيراً فهذا حمد الجاسر نفسه يستجيب لدعوة صديقه ورفيق دربه الأستاذ (سعد بن عبدالله بن جنيدل) بالكتابة تعريفاً للقارئ الكريم بجانب من نشاطه الثقافي وينشرها في آخر كتاب أصدره بعنوان (البرود) قائلاً:

* ولد في آخر عشر الثلاثين من القرن الماضي تقريباً سنة 1328هـ في بلدة (البرود) ومسيرة حياته موضحة في سلسلة مقالات نشرت في "المجلة العربية" بعنوان (من سوانح الذكريات).

* أنشأ سنة 1372هـ صحيفة "اليمامة" أول صحيفة صدرت في مدينة (الرياض) كما أنشأ أول مطبعة فيها باسم (شركة الطباعة والنشر الوطنية) في عهد الملك سعود -رحمه الله- ثم حدث في رمضان سنة 1381هـ ما اضطره للإقامة في (لبنان) بعد مصادرة صحيفة "اليمامة" والبقاء هناك حيث أنشأ (دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر) نشر فيها بعض مؤلفاته وما حققه من مخطوطات، ثم في عهد الملك فيصل -رحمه الله- عاد إلى الرياض، ومنح -مع إخوة آخرين سماهم- امتياز إنشاء (مؤسسة اليمامة الصحفية) التي يصدر عنها جريدة "الرياض" اليومية، ومجلة "اليمامة" الأسبوعية، و "رياض ديلي" باللغة الإنجليزية، و "كتاب الرياض"، ثم لظروف خاصة تخلى عن العمل في المؤسسة، وأصدر مجلة "العرب" الشهرية في رجب سنة 1386هـ إلى هذا العام 1420هـ 2000م، حيث أصدرت أربعة وثلاثين مجلداً، ودخلت عامها الخامس والثلاثين، ولا تزال مستمرة في الصدور.

له من المؤلفات:

(1) كتب في الرحلات: "رحلات حمد الجاسر للبحث عن التراث"، "في الوطن العربي"، "إطلالة على العالم الفسيح"، "في سراة غامد وزهران"، "في شمال غرب الجزيرة".

(2) كتب في النسب: "معجم قبائل المملكة العربية السعودية" جزءان، "جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد" جزءان، "باهلة القبيلة المفترى عليها".

(3) كتب في تحديد المواضع: من أقسام "المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية" (مقدمة المعجم) جزءان، (قسم شمال المملكة) ثلاثة أجزاء، (قسم المنطقة الشرقية) أربعة أجزاء، (المعجم المختصر) ثلاثة أجزاء.

(4) كتب في تاريخ البلدان: "بلاد ينبع"، "مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ".

(5) كتب عن الخيل: "معجم أسماء خيل العرب وفرسانها"، "أصول الخيل العربية الحديثة".

(6) كتب في التراجم: "مع الشعراء": تراجم لبعض شعراء مجهولين، نشره (نادي القصيم الأدبي)، "ابن عربي موطد الحكم الأموي في نجد، ترجمة إبراهيم بن إسحاق الحربي في مقدمة كتاب "المناسك" الطبعة الأولى، "معجم المطبوعات العربية" إشراف، "رحالة غربيون في بلادنا".

(7) كتب في المباحث اللغوية: "نظرات في كتاب تاج العروس"، "ملاحظات على المعجم الكبير" بالاشتراك.

(8) وحقق من الكتب: "رسائل في تاريخ المدينة"، "الأماكن" للحازمي جزءان، "الأمكنة والمياه والجبال" لنصر الأسكندري ثلاثة أجزاء تحت الطبع، "المناسك"أو "الطريق" - الطبعة الثانية، "المغانم المطابة في معالم طابة" قسم الجغرافية، "البرق اليماني في الفتح العثماني" لقطب الدين النهروالي، "التعليقات والنوادر"، للهجري أربعة أجزاء في الشعر واللغة والمواضع والأنساب -دراسة وتحقيق-، "الجوهرتين" للحسن بن أحمد الهمداني مع بحث في المعادن والتعدين، "الإيناس في علم الأنساب" للوزير المغربي، "أدب الخواص" للوزير المغربي، "المحمدون من الشعراء" للقفطي - إشراف، "شعر الشنفرى الأزدي" إشراف، "معجم الشيوخ" لابن فهد بالاشتراك، "الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة، للجزيري في ثلاثة أجزاء، "جمهرة نسب قريش" للزبير بن بكار - إشراف، جزءان.

* منح جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1404هـ، لإسهامه وعطائه الزاخر في إثراء ميادين الفكر والأدب.

* ومنح وسام التكريم من مجلس التعاون الخليجي عام 1410هـ بمسقط عن عقد مؤتمر القمة الخليجي، كما منحته (جامعة الملك سعود) (الدكتوراه) الفخرية لما قدمه للساحة الثقافية السعودية من عطاء وافر متواصل، وما قدمه للمكتبة العربية والإسلامية من إثراء تاريخي وجغرافي وأدبي ولغوي عام 1416هـ (196م)، ونال جائزة (الملك فيصل العالمية) للأدب العربي وموضوعها: (أدب الرحلات في التراث العربي تحقيقاً ودراسة) عام 1416هـ (1996م)، وجائزة (سلطان العويس الأدبية في الإمارات العربية المتحدة) في مجال الإنجاز الثقافي والعلمي عام 1416هـ (1996م) وجائزة (الكويت للتقدم العلمي) عن كتاب "أصول الخيل العربية الحديثة" عام 1996م.

* عضو عامل في المجامع اللغوية كمجمع اللغة العربية، في القاهرة، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن.

* عضو مراسل في (المجمع العلمي العراقي) و (مجمع اللغة العربية بدمشق) و (مجمع اللغة العربية في الأردن) و (المجمع العلمي الهندي).

وفاته:

وكان آخر ما سطره قلمه كلمة (فإذا عزمت فتوكل على الله، توكلت على الله)، وقد نشرت هذه العبارة بمجلة (العرب) ج1، 2 س 36 رجب، شعبان سنة 1421هـ (أيلول، سبتمبر سنة 2000م) وقد نشر الخبر التالي:

كان الشيخ حمد -رحمه الله- يعاني من فترة طويلة ضيقاً في فقرات العنق من جراء جلوسه لفترة طويلة منكباً على قراءة المخطوطات والمؤلفات والكتابة مما تسبب في الضغط على الحبل الشوكي (مصدر الإحساس).

وفي شهر المحرم 1421هـ سقط على ظهره مما أدى إلى مضاعفة ما كان يعانيه من آلام، امتدت إلى ضعف في استخدامه يديه وعدم القدرة على المشي. ولقد أفاد الأطباء أن هذه الآلام ستزيد، وهذا الضعف سيزداد. وقد يصل الأمر إلى التأثير على أعضاء أخرى في جسمه، وأن العلاج لذلك هو التدخل الجراحي لتخفيف الضغط على فقرات العنق.

وعندما عُرض رأي الأطباء على الشيخ حمد، كانت بجواره في المستشفى (خارج البلاد) ابنته الدكتورة (مي)، فطلب منها ورقة وقلماً وكتب عليها (فإذا عزمت فتوكل على الله - توكلت على الله). وورد نعيه في نفس العدد من مجلة (العرب) "تنعى إدارة مجلة (العرب) إلى قرائها وكتابها صاحبها ورئيس تحريرها علامة الجزيرة الشيخ حمد بن محمد الجاسر الذي وافته المنية يوم الخميس السادس عشر من شهر جمادى الآخرة الموافق الرابع عشر من شهر أيلول (سبتمبر) سنة 2000م حيث توفي بالولايات المتحدة الأمريكية، ودفن بالرياض يوم السبت 17/ 6/ 1421هـ - 16/ 9/ 2000م رحمه الله.

العلامة حمد الجاسر وشيء من المسكوت عنه

بعد رحيله إلى العالم الآخر -رحمه الله- والوقوف للتأمل بعد أن انزاحت هموم وفاجعة الموت، فإن الذاكرة تحفظ بعض الذكريات البسيطة التي سبق أن سمعتها منه مشافهة في لقاءاتي المتعددة برفقة بعض الشخصيات الأدبية مثل عبدالله الجشي والسيد علي العوامي أو أبو بكر باقادر وحسين بافقيه وزياراتي المتعددة له مع أمين مكتبة الملك فهد الوطنية الأستاذ علي بن سليمان الصوينع أو حضور لقاءاته الأسبوعية صباح الخميس مرافقاً للأستاذ عبدالكريم الجهيمان.

إذا كان عدد الحضور قليلاً يتباسط معهم في الحديث ويمازحهم بالكلام اللين المرح بما لا يجرح أو يهين، فهذه عادته عفا الله عنه. ومن ضمن أحاديثه المرحة أن سألني عن تاريخ وفاة والدي -عبدالرزاق- وقال: إنه يتذكره بمسجد الشيخ محمد بن إبراهيم بدخنة قبل سفره إلى مكة للالتحاق بالمعهد السعودي. وبعد أن ترحم عليه ودعا له قال كم عد نسائه وقت وفاته فأجبته بأنهن اثنتان إحداهن والدتي ابنت عمه، فتبسم مواصلاً حديثه بأن السفر من الزلفي للرياض يستغرق وقتاً طويلاً ومرهق ومخيف حيث قطاع الطرق وعدم استتباب الأمن، فمن النادر أن يحضر أحد طلبة العلم أهله معه لقلة ذات اليد؛ فنجد الغالبية منهم عزَّاباً يسكنون بيوت الإخوان على شكل (خان) كل مجموعة في غرفة من هذا البيت وينام أغلبهم في المساجد لضيق المكان. وهذا الذي دفع والدك للزواج من أكثر من ثماني زوجات، وعدد لي أسماء من صاهرهم مثل الشيخ الصحابي والشيخ ابن بكر وشقيقة رجل الأعمال ثنيان بن فهد الثنيان وغيرهم. وأنه يهتم بمظهره وملبسه ورائحة الطيب لا تفارقه؛ بل إننا نشمها ونحن في الطريق قبل أن نراه.

مازحه بعد ذلك أبو سهيل وقال له: هل تتذكر عندما كنا أثناء الحرب العالمية الثانية نجلس بالحرم بمكة ونتدارس، وفي إحدى المرات كان معك الطيب الساسي رئيس تحرير جريدة أم القرى، وقد وجه لك سؤالاً هو ما رايك بجريدته؟ وكانت وقتها تصدر بأربع صفحات لشح الورق أثناء الحرب، فأجبته هل تريد جوابي نثراً أم شعراً فقال لك؛ بل أريد شعراً فقلت له:

جريدة صغيرة تحكي جناح اللقلق

كم قد حوت من صور وخبر ملفَّق

فأجابك الساسي بوجه متجهم قائلاً: تسب جريدة الحكومة والله لولا أنني رئيس تحريرها لقلت: صدقت وبالحق نطقت. وضحك الجميع.

سأله أحدهم عن فارق السن بينه والجهيمان، فقال: إنني قد غادرت الرياض عام 1347هـ لألتحق بالمعهد السعودي وكنت حافي القدمين وعاري الرأس (مصلع) بينما أبو سهيل يلبس البشت ويعمل في الشرطة (الهجانة) فهذا أكبر دليل على أنه أكبر مني.

فتدخل أحدهم مستفسراً عن قصة (التيس) أو قال له يا أبا تيس، فضحك من لم يعرف القصة. فسأله أحدهم عنها فقال الشيخ حمد أنه عندما كان طالباً بالمعهد السعودي بمكة المكرمة وترك بقريته (البرود) زوجته حاملاً فوصله خبر مع الحجاج أنه قد رزق ولداً، ففرح وأرسل برقية طالباً بها تسميته (قيس) فما كان من موظف البرقية إلا أن كتب قيس -تيس- فرفض جده هذا الطلب، وقال نسميه باسم أبيه (محمد) وإذا عاد يختار الاسم الذي يرغبه، ولم تكن العودة قبل سنة، ولدى عودته قابله ابنه ماشياً وأمه تناديه بمحمد فامتعض وقال ألم أطلب منكم تسميته قيساً فقالوا: بل الاسم المطلوب هو (تيس) وانتهى الموضوع بضحكة الجميع.

وقد ذكره أبو سهيل (الجهيمان) بقصة زواج والده بأخرى، فقال: نعم كان والدي جمالاً فحصل أن جمع حمولة بعيره من الحطب وذهب ليبيعها ببريدة وبدل أن يحضر بقيمتها أرزاقاً تزوجاً بها وأحضرها للقرية يحملها فوق بعيره. وكانت والدتي وهي ترقصني وتلاعبني وتغني:

مرحباً بك يوم جيتي

والجمل بك يوم سار

نختشر بما عطا الله

والشقا على الحمار

كان يرحمه الله معتداً بنفسه ولا يتنازل عن رأيه في بعض الأحيان إذ زرته بمنزله بالملز مع أمين عام جائزة الدولة التقديرية للأدب مهنئينه بفوزه بالجائزة وراغبين أخذ نسختين من جميع مؤلفاته لعرضها أثناء إقامة الاحتفال الرسمي بالجائزة، فرفض إعطاءنا شيئاً منها وقال: أنتم أقوى مني إذا أردتم شيئاً منها تجدونه بالمكتبات، ولا أنسى حضوره للمناسبات الثقافية بالنادي الأدبي بالرياض حيث كنت أعمل وقتها قبل سنوات، فهو يحضر بمفرده متسللاً بعد بداية المناسبة - محاضرة أو ندوة أو أمسية شعرية وعندها يختار الجانب الشمالي من القاعة ويرفض أن يجلس في المقدمة؛ بل يجلس في طرف الوسط. وينسحب قبيل نهايتها دون أن يحس به أحد.

أذكر قبل عامين وأثناء مناقشته لكتاب الأستاذ عبدالكريم الجهيمان -رسائل لها تاريخ- في جريدة الرياض - وبعد أن نشر الجهيمان الحلقة الأولى من رده عليه وكانت قاسية العبارة أن زاره كالمعتاد صباح الخميس وبعد أن سلم الجهيمان على الحضور تنبه الأستاذ الجاسر له فطلب منه أن يأتي للجلوس بجواره وكان خائفاً من تأثير ما كتب بالأمس، وكانت العصا بجواره كالمعتاد ليتوكأ عليها - فقال إذا أنت ملزم أبعدوا عنه العصا.

* نشر بعض هذا المقال في مجلة اليمامة يوم السبت 22/ 6/ 1423هـ، ولأهميته رأينا نشره كاملاً.
* باحث
302167