الحرف الشعبية في الأحساء
عبداللطيف صالح اوحيمد * - 11 / 3 / 2011م - 8:28 ص - العدد (27)

عُرفت الأحساء منذ القدم بتعدد الحرف اليدوية وتنوع الصناعات التقليدية لكثرة النخيل فيها التي كانت ولا تزال مصدر الخير سواءً في الغذاء أو توفير المادة الخام للكثير من الصناعات المحلية التي تستمد منها أدواتها ومكوناتها المختلفة. وقد حافظ البعض على استمرارها من الانقراض وإن كانت هناك بوادر مؤسفة لاندثارها وذلك لعدم رغبة أبناء الحرفيين في تعلم حرف آبائهم وأجدادهم للعمل على إحيائها واستمرارها. وقد شكلت الحرف أماناً وغنى للوطن والمواطن ووفرت له متطلباته من الأدوات المختلفة التي يحتاجها في حياته اليومية والمعيشية.

والحرف الشعبية في المملكة عموماً كما يقول الأستاذ محمد بن إبراهيم الميمان نبعت من البيئة وتم استخراج موادها وأدواتها منها ولم يتم استيراد المواد والأدوات إلا عندما شحت البيئة وتطورت الحرف إلى صناعة.

والحرفي الشعبي يستخرج مواد حرفته من البيئة الزراعية أو الصحراوية أو الساحلية ولقد عاش أفراد المجتمع آنذاك مكتفين اكتفاءً ذاتياً بمنتجات البيئة ووظفوا كل ما يقع في أيديهم لمطالب حياتهم اليومية. وقد ازدهرت الحرف الشعبية في تلك الحقبة من الزمن لحاجة المجتمع إليها ولوجود التعاون فيما بين أصحاب الحرف ومواد الحرفة في جميع شؤون حياتهم كما يتم عرض منتجات الحرفة في سوقٍ شعبيةٍ يرتادها أهل الأحياء والقرى والبادية للشراء والبيع. ولقد كان للمهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) ولازال فضل كبير في إحياء التراث الشعبي التليد والعناية به وتدوينه وعرضه للناس ودعم الحرف الشعبية وتشجيع ممارسيها لتكون قريبة من الناس وبالتالي لا يشعر أحد في يومٍ ما بأنها غريبة عليه.

وقد اشتهرت الأحساء بصناعاتٍ تقليديةٍ كثيرة منها:

فتل الحبال:

حيث يتطلب أمر الملاحة البحرية الاعتماد على الحبال في ربط السفن وفي أعمال البناء لربط جذوع النخيل كما في الحياة الزراعية العامة. وأهم المواد التي يصنع منها الحبل (ليف النخيل) والمتوفر في الأحساء بكثرة بدلاً من استخدام الألياف الصناعية، وهناك صناع مهرة برزوا في هذه الحرفة من أسرٍ معروفة تختص بهذه الصناعة ولها طرق وأصول معينة وتعتبر هذه المهنة شبه مندثرة حالياً.

الخوص:

لأن النخلة تشكل عصب الحياة في الأحساء فقد دخلت موادها الأولية في صناعات عديدة كان أهما (الخوص) حيث يقص سعف النخيل أخصرَ في موسم ما بعد الصرام ويقص السعف بمهارةٍ فنيةٍ ويعمل منه مساحات وأشكال مختلفة كالحصير للجلوس وسفر الطعام وقفاف التمر والزبلان والمراوح اليدوية (المهاف) والتي تدخل فيها أشكال الزينة والمناسف والمخارف وكذلك الغرف الخوصية.

الحدادة:

إن وضع المنطقة وطبيعة الاتجاه للعمل في الزراعة يتطلب نوعيات معينة من الأدوات المصنوعة من الحديد مما وجَّه البعض للعمل في هذه الصناعة حيث امتهنت بعض الأسر هذه المهنة وأصبح لها أصول معروفة بين أصحابها حتى أن أحد شوارع الهفوف يسمى بشارع (الحدادين) لوجود عدد كبير من ممتهني هذه المهنة ممن يصنعون أدوات الفلاحة مثل (المحش) والعَتَلة (الهيب) والمنجل والمسحاة وبعض مستلزمات البدو والبحارة. ويقوم الحداد بتشكيل مادة النحاس فيصنع القدور بأحجامها المختلفة. ويستخدم من أدوات المهنة المطرقة والمقص والمبرد والمرزبَّة، ويقوم بصقل القدور وترقيع ثقوبها وطلائها بالاعتماد على الكير والدافور اليدوي الذي يستخدم في عملية اللحام، كما يعمل الحداد الأدوات الخاصة بالقهوة مثل الملقاط المحماس والمراكي الحديدية والسطول النحاسية.

الصفَّارة:

والصفارة هي جزء من مهنة الحدادة إلا أنها تختص بصناعة الصفر أي الحديد الأصفر، وهو النحاس، وتنحصر هذه المهنة في تبييض الأواني وصقلها وترقيعها.

النجارة:

وهذه الحرفة تستخرج موادها من خشب الإثل وجذوع النخيل وبعض الأخشاب المستوردة. والأدوات التي يستخدمها النجار هي المطرقة والقدّوم والمنشار. ويقوم النجار بصناعة العديد من الأشكال الخشبية حيث يتفنن في إتقانها وإبداعها، ويقوم بواسطة هذه المواد وتلك الأدوات بصناعة الأبواب الخشبية والنوافذ للبيوت الشعبية والمزاليج والأسقف والكراسي والأسرة وبعض لعب الأطفال وغيرها.

الفخار:

طبيعة الحياة استلزمت قيام هذه الصناعة بالاعتماد على الطين المحلي بعد المرور بمراحل تصنيع عديدة تحول خلالها الطين إلى أدوات منزلية كالبرادات والمباخر والكؤوس والأوعية والتنور والجرار بأنواعها المختلفة وغيرها. وقد انفرد بخبرة هذه الصناعة بعض سكان مدينة الهفوف وبلدة القارة إذ يعالجون الطين بعد بلِّه بالماء وتخميره لمدة معينة ثم يوضع على جهاز يدار يدوياً لتصنيع هذه المواد التي توضع في فرن لحرقها لإعطائها صلابة أكثر ضد الكسر والتأثر بالمياه. وتتم زخرفتها وتجميلها بواسطة يد الحرفي قبل جفافها. ويشكل الحرفي الواني بواسطة دولاب يدار بقدميه وبيده مشط خشبي يساعده في عملية الزخرفة.

صناعة المداد:

وهي الحصير التي تفرش بها المنازل والمساجد خلافها وتصنع من نبات يسمى محلياً (العسق) يجمع من مواقع تجمعات المياه كبحيرة (الأصفر) ولها أساليب فنية في تصنيعها الذي اشتهر به أبناء قرية القرين وتصنع الآن حسب الطلب ولها أساليب فنية في تصنيعها الذي اشتهر به أبناء قرية (القرين) وتصنع الآن حسب الطلب وللعرض فقط.

الخرازة:

في جانب من سوق (القيصرية) بمدينة الهفوف يشاهد ثلة من صناع الأحذية الأحسائية التقليدية المصنوعة من الجلود المحلية، ولها ميزة المتانة والألوان المتعددة. كذلك كان هؤلاء الصناع يصنعون (الزرابيل) وهي أحذية جلدية تغطي نصف الساق إذ يصنع جزؤها العلوي من ليف النخيل وجزؤها السفلي من الحبال، وتصنع حالياً حسب الطلب. وهذه الحرفة مادتها الأساسية جلود الإبل والضأن والماعز والبقر. والأدوات التي يستخدمها (الخراز) هي المخراز والمقص والمطبع لتلوين السيور الجلدية والسكين. وقبل أن يقوم بصناعة حرفته لابد من القيام بدباغة الجلود لإزالة الوبر والصوف وما يعلق على الجلد من شحم أو لحم أو رائحة، وتكون هذه الجلود طريقةً وجاهزةً للصناعة.

الندافة:

ويقوم القطان أي صاحب هذه الحرفة بصنع الفرش والوسائد والأرائك من القطن. وأدوات هذه الحرفة هي المغزل والمخيط والإبرة. وقد تسمت باسم هذه الحرفة إحدى الأسر الأحسائية التي اشتهرت بها وهي أسرة القطان ومثلها الحداد.

المشالح:

اشتهرت الأحساء ببروز مجموعة من الأسر تمتهن صناعة الأقمشة من خيوط الغزل المحلي المستمد من صوف الغنم أو وبر الإبل. وقد تنامت هذه الصناعة مع مرور الزمن حتى أصبحت تجارةً ضخمة بحجم 100 مليون ريال سنوياً كما يقدرها المشتغلون في هذه الحرفة التي تعتمد على مهاراتٍ يدويةٍ عالية في حياكة النقوش المذهَّبة في المشالح. وقد أسهم بعض المشتغلين بها في نشرها داخل وخارج المملكة وتصدير منتجاتهم إلى مختلف البقاع لتظل الأحساء قاعدة هذه الصناعة العريقة، كما يوجد هناك توجه من بعض المستثمرين لتطوير هذه الصناعة وذلك بتوفير صناعات مساندة أو أساسية لها إذ يوجد حالياً مصنع لنسيج أقمشة المشالح ينتج العديد من أنواع الأقمشة الفاخرة.

الصياغة:

وهي من أشهر الحرف في الأحساء ولها سوق كبيرة، فهذه الحرفة يدرك الصائغ أهميتها، فالصائغ يصوغ من سبائك الذهب والفضة العديد من الأشكال الهندسية ويزينها بالأحجار والجواهر الكريمة ويستخرج من هذه السبائك ما تلبسه المرأة وتتجمل به في أيام حياتها المعتادة وفي المناسبات كالزواج والأعياد ومن أهم ما يصنعه الصائغ الهامة والحجول والخواتم والأساور والقلائد والمحارم.

وبعد فإن هذه الحرف التي أجملناها بشرحٍ يسيرٍ كانت في الماضي مصدر الرزق للحرفيين وذويهم وقد كان ما ينتجه الحرفي من صناعةٍ كافياً للمجتمع الذي يعيش فيه أما اليوم فقد ازدهرت الكثير من الصناعات الشعبية وأصبحت صناعات حديثةً تسير مع التطور الحضاري والصناعي لهذا البلد المتطور، ومن تلك الصناعات التي تطورات ولم تندثر مع بقاء معالم هذه الحرفة القديمة الصناعات الخشبية حيث تطورت إلى صناعات الأثاث المنزلي والمكتبي، وأصبح هناك متاجر حديثة تنتج وتصنع العديد من التشكيلات الخشبية.

كما أن صناعة المنسوجات تطورت وازدهرت وأصبحت حديثة إلى جانب الصناعات القطنية والجلدية والحريرية والنحاسية والفخارية.

أما حرفة الصياغة فقد انتشرت وازدهرت فقامت مصانع للذهب والجواهر تنتج وتصنع الأشكال العديدة في صور بديعة مطعمة بالجواهر والأحجار الكريمة والماس واللؤلؤ والزمرد والياقوت والمرجان، وقد تم إنشاء المصانع الحديثة والمؤسسات التجارية من أجل تلك الحرف التي واكبت الحضارة وأصبحت صناعات يتم الإشراف عليها من قبل وزارة الصناعة والكهرباء والغرفة التجارية الصناعية.

ونحمد الله أن أغلب الحرف الشعبية القديمة في جميع مناطق المملكة أصبحت صناعات حديثة لا تخلو مدينة من مدن بلادنا الغالية من مصنع أو مؤسسة تجارية وصناعية حتى وصلت المصانع إلى المئات وتنتج صناعات سعودية، الفائض منها يصدر إلى دول الخليج والدول العربية.

كاتب - السعودية.
304695