الأثر الإجتماعي للموسيقي زرياب في الأندلس
ماجد علوي الشريف * - 15 / 10 / 2007م - 4:58 ص - العدد (3)

 

زرياب، هو أبو الحسن علي بن نافع، ولقب بزرياب لسواد لونه وفصاحة لسانه، تشبيهاً له بطائر أسود.

أول ما عرف عنه أنه كان أحد موالي الخليفة العباسي المهدي، ولكن المهدي توفي وزرياب في التاسعة من عمره. فنشأته كانت في قصور الخلفاء، حيث الترف وحياة الدعة. وكان لزرياب اتصالٌ بالموسيقي المشهور ابراهيم الموصلي الذي كان أحد ندماء الخليفة الهادي، وكذلك الخليفة هارون الرشيد، حيث استفاد زرياب من الموصلي ومن الجو الغنائي الذي كان يقام في منتديات الخلفاء.

وتدور الأيام، ويتفوّق التلميد على أستاذه، ويدخل الحسد قلب الموصلي فيهدد تلميذه طالباً منه الخروج من بغداد، فخرج زرياب هو وأسرته سراً متوجهاً الى المغرب مروراً بالشام ومصر، حتى وصل الى القيروان في أيام زيادة الله بن ابراهيم الأغالب. ويقال أن القيروان كانت معروفة بتدينها، فانقسمت حين حل زرياب فيها الى قسمين، الأمر الذي جعل زيادة الله يطارده.

ولكن بعدها ذاع صيته، حيث جاء مبعوث أمير الأندلس الحكم بن هشام، وهو مغني يهودي وكان يدعى منصور المغني، وأخذه الى قصور الأندلس، وفتحت له الدنيا أبوابها خصوصاً في عهد عبد الرحمن بن الحكم، وقد عاش زرياب في قصر الحكم معززاً مكرماً برغم معارضة علماء الدين لمرافقته الأمير الأموي. ومع ذلك أصرّ عبد الرحمن على بقائه في قصره حتى وفاة زرياب سنة 238هـ، وهي نفس السنة التي توفي فيها الأمير عبد الرحمن.

وعموماً فقد ترك هذا المغني ثروة غنائية ضخمة، وتراثاً اجتماعياً، منه نظام للطعام، ونظام لتسريحة الشعر، ونظام للباس، وهذه مقالة مختصرة عن أثره الإجتماعي الذي خلفه.

ان التراث أو المجهود الذي أحدثه وخلفه زرياب في مجتمعه كان له الأثر البارز على الأندلس وشمال أفريقيا، لدرجة أن بعض المأكولات لاتزال حتى هذا اليوم تسمّى بإسمه.

فقد أحدث دخول زرياب الأندلس في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط ثورة شاملة على المجتمع القرطبي عامة، وعلى فنون الغناء والموسيقى والفنون الصناعية بوجه خاص.

وأصبح زرياب بما أحدثه من تجديد في هذه الفنون الأندلسية صاحب مدرسة تسامي مدرسة اسحق الموصلي في بغداد. وأصبحت له طرائق أخذت عنه وأصوات استفيدت منه، وأُلّفت حولها الكتب، فعلا هنالك على الملوك بصناعته وإحسانه فيها علواً مفرطاً، وشهر شهرة ضرب بها المثل في ذلك، وقد صنّف أسلم بن أحمد بن سعيد بن القاضي أسلم بن عبد العزيز، كتاباً في أغانيه وفي طرائف غنائه وأخباره(1).

وكما كانت هذه منزلته عند الملوك، كذلك كان موضع اعجاب الكثير من الناس، فصاروا يتحدثون عنه في مجالسهم واجتماعاتهم. وأول ما يتبادر الى الذهن، ويسترعي الإنتباه هو تقدير الأندلسيين لزرياب، ذلك التقدير الذي وصلوا به الى حد التقديس. نعم إن ذلك الإحتفاء النادر الذي لقيه ذلك الموسيقي الفنان، وذلك التقدير الذي غالوا فيه، ليكشف شيئاً غير قليل عن طبيعة المجتمع المخملي الأندلسي، وشغفه بفن الغناء، وعنايتهم بأمره(2) عناية ربما فاقت عناية الغربيين بهذا الفن اليوم.

كان ولوع الإندلسي بالغناء أمراً طبيعياً، وزادهم فيه شخصية مغنٍ لقي إقبالاً من الملوك والأمراء، والناس على دين ملوكهم، كما يقال.

وإذا ما ذكرنا ما لقيه زرياب من ضروب التقدير والتشجيع اللذين لم يكن يحلم بهما من قبل ومن الهيمنة التامة على الأذواق وتحريك النفوس كما يشاء، وأضفنا اليه نبوغه وأبسطنا بجانب ذلك ما في طبيعة الأندلسيين من حب الغناء بسبب موقع اقليمهم الجغرافي، لم نستغرب قط ما وصل اليه تأثيره الضارب في النفوس، ولم يدهشنا قراءة الكثير عن مجالس الغناء في بلاد الأندلس، بكل صقع من أصقاعها، حتى أصبح الفلاح وهو وراء محراثه لا يقل ولعه عن ولع الأمراء فيه(3).

ومن هذا نستنتج أن لزرياب الأثر البالغ على العالم الأندلسي ليس بموسيقاه فقط، بل بالذوق والأدب الأجتماعي واللباقة التي تعلّى بها في كل مظهر فن وعلم، لذلك كان كل ما يقوم به أو يقوله يعتبر نظاماً وقانونا، وبالتعبير الحالي (موضة)(4). فقد اتخذه أهل الأندلس وخواصهم قدوه فيما سنّه لهم من آدابه ولطف معاشرته، وحوى من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة المملوكية ما لم يجده أحد من أهل صناعته، حتى ما استحسنه من طعام صار الى آخر أيام أهل الأندلس منسوباً اليه معلوماً به. وقد تفنن زرياب في أنواع الأطعمة وطريقة إعدادها مما هو موجود في المصادر، ولقبه الأندلسيون بمعلم الناس، نظير ما علمهم من اللطف والرقة وأمان الذوق(5).

ومن أثره أيضاً أنه دخل الأندلس وجميع من فيها من رجل وامرأة يرسلون شعرهم مفروقاً وسط الجبين عاماً للصدغين والحاجبين، فلما عاين ذوو التحصيل تحذيقه هو وولده ونساؤه لشعورهم وتقصيرها دون جباههم وتسويتها مع حواجبهم، وتدويرها الى آذانهم، وإسدالها الى أصداغهم، هوت اليه أفئدتهم واستحسنوا ذلك منه.

وكانت ملوك الأندلس تستعمل قبله زهور الورد وزهور الربعان، فكانت ثيابهم لا تسلم من زفر، فدلهم على تصعيدها بالملح وتبييض لونها، فلما جربوها أحمدوه جداً. وزرياب هو أول من اجتنى بفله الهيلون المسماة بلسانهم الأسفراج، ولم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله(6).

ومما اخترعه من الطبيخ، أنه علّم الأندلسيين طريقة الطهي العراقية، وضرورة الترتيب في تقديم الأطعمة بدلاً من وضعها دفعة واحدة(7). وابتدع تنسيق الموائد وتنظيمها من حيث ترتيب الصحون واتخاذ السكاكين والشوك والملاعق، وحسن ترتيب الطعام على المائدة وأولوية الحلة(8)، فيبدأ الآكل بالحساء أو المقبلات ثم بالخضروات واللحوم ثم الحلوى والفاكهة(9).

ومما اخترعه من الطبيخ اللون المسمّى عندهم بالتفايا(10) وهو مصطنع بماء الكزبرة الرطبة والكباب.

ومما أخذ عنه الناس تفضيله آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضة، وإيثاره فرض نطاع الأديم اللينة الناعمة على ملاحف الكتان، واختيار سفر الأديم للتقديم فيها على الموائد الخشبية.

وفي اللباس، لبس زرياب كل صنف منه في زمانه الذي يليق به، فإنه رأى أن يكون ابتداء الناس بلبس الأبيض، والملون يوم مهرجان أهل البلد المسمّى عندهم بالعنصرة الواقع في ست بقين من شهر يونيه، فيلبسونه الى أول شهر اكتوبر، ويلبسون بقية السنة الثياب الملونة.

ورأى زرياب أن يلبس الأندلسيون في الفصل الذي بين الحر والبرد (الربيع) من مصبغهم جباب الخز الملحم، والحرر والدراريع التي لا بطائن لها لقربها من لطف ثياب البياض، ثم ينتقلوا الى ذوات الحشو والبطائن الكثيفة، وذلك عند قرس البرد، فإذا ما قوي البرد فينتقلوا الى أثخن منها من الملونات ويستظهرون من تحتها إذا احتاجوا الى صوف الفراء(11).

وقد أشاع زرياب في الأندلس موجة من الرقة والحبور حتى كان الغناء منتشراً في كل منطقة وصوب، وكان الشعر الرقيق المناسب هو المطلوب، مما أدى الى تطوير شعر الأندلس الى رقته وظرفه ولينه المعروف، فكان السبب في نشوء الموشحات الأندلسية وانتشار الزجل.

لقد ألّف زرياب ما ينوف على الألف من الألحان، وقد قيل أنها عشرة آلاف لحن وأغنية، بعضها كان أساساً لكثير من الأغاني التي استمرت قروناً عدّة، ومنها أساس الكثير من الأغاني الأجنبية المعروفة في القرون الوسطى وفجر النهضة الأوروبية ايضاً (12).

وعلى الرغم من عدم تسجيل تلك الألحان والموسيقى التي أرسى زرياب قواعدها، فقد توارثها الناس حتى العصر الحاضر، رغم فقدان الكثير منها. نجدها اليوم بكثرة في الشمال الأفريقي، كما نجد آثارها في الموسيقى الأسبانية مما يجعلها أقرب الى اذواقنا من أنواع الموسيقى الغربية الأخرى، نلمس ذلك واضحاً في القطعة الموسيقية المسماة (بلنسية) التي كان لها ولأمثالها كبير الأثر حتى على علماء هذا الفن في أوروبا (13). لقد استمر أن كل من افتتح الغناء بالأندلس يبدأ بالنشيد أول شدوه بأي نقر كان، ويأتي أثره بالبسيط، ويختم بالمحركات والأمزاج تبعاً لمراسم زرياب(14).

وكان أهل الأندلس ينسبون الى زرياب كل جديد يظهر في قرطبة متصلاً بالظرف وبالجمال. من ذلك إنشاء (حمام زرياب) الذي يعتبر اعجوبة قرطبة من حيث البناء الفخم وما يضمه من معمار عجيب.

وأشاع زرياب في الأندلس كلها روح الظرف وألوان شتى من الترف والتجديد في كل فن، ومن ظريف ما صنعه من ذلك تعليم الجواري كتابة الشعر على أثوابهن وعلى الآلات الموسيقية، مما لم يكن لهن به عهد، وبقيت تلك العادة حتى وفاته، واستمرت فيما بعد في بيوت المترفين من الحكام والأمراء(15).

ومن إضافاته في الموسيقى: تشبيع الموسيقى الأندلسية بمقامات وسلالم عديدة كانت مجهولة. وكذلك تأليف مجموعات من الموشحات الأندلسية.

ومن العناصر الجوهرية التي نقلها زرياب الى الموسيقى الأندلسية، طريقة تطبيق الإيقاع الغنائي على الإيقاع الشعري، وإقامة الغناء على أصول واسلوب النوبة الأندلسية.

وبعد سقوط الأندلس، وكان أحد أسباب سقوطها: حياة الترف التي عرفت به في عهد زرياب، نقل المهاجرون الموسيقى العربية فازدهر فنّ زرياب في تونس ومراكش والجزائر(16).

جاء زرياب الى مجتمع قرطبة الغني، فعمل على إمتاعه، وعلّم الأندلسيين كيف يمتّعوا أنفسهم بطريقة مختلفة، وبما يتوفر لديهم من ثراء!

على أن زرياب لقي معارضة قوية، لأحد أمرين: الأول لسبب ديني قاده علماء الدين في قرطبة، ومن مغنين منافسين من رجال البلاط مثل تمام بن علقمة والشاعر يحي الغزال. أما الفقهاء فاعتبروا الإشتغال بالموسيقى أمراً مخلاً بالشرف، ومحطاً من قدر المرء، لا يليق الإشتغال به إلا للموالي وذوي السمعة السيئة، ولذا لم يكونوا ليقبلوا شهادة المغني أوالمغنية أو النادبة، ولم يسمحوا بأن تباع كتب الموسيقى والأناشيد علناً، بل كان بعض القضاة يأمرون بكسر آلات الموسيقى التي توجد مع المغنين في الطرقات(17).


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

1 ـ قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس، الدكتور السيد عبد العزيز سالم، الجزء الثاني، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1972، ص 87.

2 ـ الطرب عند العرب، عبد الكريم العلاف، ص 66

3 ـ المصدر السابق، ص 67

4 ـ مائة أوائل من تراثنا، سهيل زكار، دمشق 1400هـ، ص 522

5 ـ تاريخ الموسيقى الأندلسية، الدكتور عبد الرحمن الحجي، بيروت 1969، ص 34 ـ 35.

6 ـ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني، تحقيق الدكتور احسان عباس، الجزء الثالث، بيروت 1968، ص 127.

7 ـ سهيل زكار، مصدر سابق ، ص 523

8 ـ في تاريخ المغرب والأندلس، أحمد مختار العبادي 142

9 ـ المصدر السابق، ص 141

10 ـ التفايا: عدد صاحب كتاب الطبيخ من بسائط الأطعمة ومنها التفايا البيضاء، وتحضر من الضأن الفتي السمين في قطع صغيرة، ويضاف اليها الملح والفلفل والكزبرة اليابسة، ويضاف اليها البصل المدقوق والزيت. وبعد ان تطبخ على نار هادئة يضاف اليها البندق واللوز المقشر. وهناك عدة أنواع من التفايا.

11 ـ المقري التلمساني، مصدر سابق، ص 128

12 ـ سهيل زكار، مصدر سابق، ص 523

13 ـ الحجي، مصدر سابق، ص 35

14 ـ المقري التلمساني، مصدر سابق، ص 128

15 ـ سلسلة أعلام العرب: زرياب، الدكتور محمود أحمد الحفني، ص 118ـ119.

16 ـ تاريخ الموسيقى والغناء العربي، محمد محمود سامي حافظ، ص 108ــ 109.

17 ـ حسين مؤنس، تاريخ الفكر الأندلسي، القاهرة 1955، ص 55.

كاتب
218065