اللهجات المحلية في الخليج
(اللهجة في القطيف مثالاً) (6)
السيد شبر علوي القصاب * - 11 / 3 / 2011م - 9:34 ص - العدد (27)

القـلب المكاني

 هو تقديم وتأخير في بعض حروف اللفظة الواحدة فتنطق على صورتين بمعنى واحد، كقولهم: جذب، وجبذ، وما أطيبه، وما أيطبه، وأهل اللغة يقولون: إن كل ما جاء من هذا القبيل فهو مقلوب، وبذلك لا يعتبر إلا لغة واحدة من وضع واحد، وكأن هذا التقديم والتأخير إنما هو عارض في المنطق لسبب من الأسباب اللسانية كالخفة والثقل؛ وتابعهم على ذلك النحويون من الكوفيين؛ أما البصريون فلا يعتبرون القلب إلا متى رأوا أنه لا يمكن أن يكون اللفظان جميعاً أصلين في المعنى اللغوي بحيث يقصر أحدهما عن تصرف صاحبه ولا يساويه فيه، كقولهم: فلان شاكي السلاح، وشائك السلاح، وجرف هارٍ، وهاير، وحينئذٍ يعتبرون أوسع اللفظين في التصرف أصلاً للثاني ويعدون اللفظ الثاني مقلوباً عنه.[1] 

والقلب من سنن العرب، وهو كثير، قد صنفه علماء اللغة،[2]  وقد نسب إلى تميم عدة ألفاظ خالفت فيها غيرها من اللغات في ترتيب أصوات الكلمة مع احتفاظ الكلمة بدلالة واحدة، وهذه الألفاظ هي: جبذ، ورعملي، وصاقعة، وطُووي، وأُطسمَّة، وعثى، وقرع، ومعيق، وهلع، وذلك في مقابل: جذب، ولعمري، وصاعقة، وطوئي، وأُسطمة، وعاث، ورقع، وعميق، وعله،[3]  وعد الدكتور إبراهيم أنيس: زعل وبحلق العاميتين من هذا الباب، جاءتا من: علز، وحملق، بإبدال باء الثانية ميماً.[4] 

ويرجع الدكتور ضاحي عبد الباقي وجود هذه الظاهرة إلى صعوبة التتابع الصوتي لمجموعة من المقاطع، وذلك لعدة أسباب منها:

(1) عدم سماع الكلمة بوضوح، لذا نرى أنه يكثر في البيئة الصحراوية حيث تضطر ظروف حياة ساكنيها إلى المخاطبة من مسافة بعيدة أحياناً.[5] 

(2) أخطاء الأطفال، فالطفل ينطق بتقديم وتأخير، ثم لا يجد من يصوب له، فينشأ على النطق الجديد، وقد يقيم هذا الطفل بعيداً عن عشيرته فينشأ أبناؤه على خطأ أبيهم، ثم تصبح هذه خاصية لهم فينطقون الكلمة بترتيب يختلف عن ترتيب غيرهم، والطفل يخطئ في الترتيب لعدم سماعه الكلمة بوضوح، ولأن ذاكرته الضعيفة يصعب عليها تذكر سلاسل الأصوات مرتبة.[6] 

وخير شاهد على هذا الأخير ما نراه من تطور في صور بعض الألفاظ القديمة إلى صور أخرى جديدة، مثل: (عطزباز)،[7]  التي كنا ومن سبقنا نتداولها بهذه الصورة وتحولت في لهجة الجيل الجديد إلى:(طبعباز)، وربما سمعها أول واحد منهم، ولم يجد من يصححها له فنقلها لجيله هكذا، وسرت لدرجة تكاد تكون هي الشائعة حتى بين كثير من جيل الكبار، ولدرجة أنك لو رويتها بصورتها الأولى لضحكوا منك وحاولوا ردك إلى صورتها التي يتداولونها ويظنون أنها الأصل بقولهم: ويش هو عطزباز؟، إسمه: طبعباز، (يطلع من بطنك ويعلمك الطيران؟!)، مع أن الأولى في الأصل كلمة فارسية معناها: مولد النار، من: آتش: نار، وباز: صانع أو مولد، أبدلت الألف عيناً بالعنعنة (إبدال الهمزة عيناً)، والشين زاياً، ومنهم من ينطقها بصورة: عططباز بإبدال الزاي أو الشين طاء،.. وفوانيل جمع فانيلة المألوفة قديماً، وشاهدها قول الشاعر الملا يعقوب الهاجري من سنابس تاروت: (سرعك علينا بالعجل جيب الفوانيل)؛ صرنا الآن نسمعها: فنايل، بالمناسبة أذكر أن أحدهم سمعني ذات مرة أقول: فوانيل، فلم ترق له فهز رأسه يميناً وشمالاً، والتفت إلي بتهكم: ﮔول زنجفرة أحسن لك!، وزنجفرة هو الإسم القديم للفانيلة الشتوية، يريد بذلك أنك تريد أن ترجعنا للوراء !.

والقلب في مجمله لا يؤثر في معاني الكلمات، فسواء جاءت الكلمة بصورتها المقلوبة أم بقيت على حالها، فإن معناها لا يتغير إلا في ألفاظ قليلة معروفة مثل: انـﭽفس المقلوبة التي تعني: اعوجَّ أو التوى أو انثنى، أما: انكسف الأصلية فلا تستخدم في اللهجة إلا لكسوف الشمس، أما: انـﭽـعس فتعني: تردى أو ساءت حالته المادية أو الصحية، بينما: انعكس فاستخدامها بمعنى: انقلب طارئ لم تعرفه اللهجة سابقاً، واستخدموا المجردة: عكس بمعنى: صور، والعـﭽيسة (العكيسة): الغصن المحني من الشجرة في الأرض لتكوين شجرة جديدة من فصيلتها، وانخفس بمنزلة: (انفشخ) بمعنى: اعوجَّ وانبعج نتيجة ضغط عليه، لكن: انخسف الأصلية فتعني: خسوف القمر، والخسيف: العين التي حار ماؤها وتوقف عن الجريان، والخسف: المسخ والقلب والتبديل، كما في قولهم: (لا تخسف بنا)، وفي بعض نواحي الخليج مثل: الأحساء وقطر لا يستخدمون إلا الصورة المقلوبة للمعاني كلها وحسب.

ومن شواهد هذه الظاهرة في القراءات القرآنية ما نسب إلى الحسن البصري أحد القراء الأربعة بعد العشرة قراءة: الصواقع بدلاً من الصواعق في قوله تعالى: ﴿ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق ﴾؛[8]  وقد وردت هذه في قول الصلتان العبدي في حكومته بين الفرزدق وجرير:

يناشدني النصرَ الفرزدقُ بعـدما

ألحت عليه من جرير صواقع[9] 

ومن شواهدها في الشعر العامي قول الشاعر البحراني أحمد البصري؟:

ودويـﭽـي الحَمر ما أدري وش عل

علـمي بيـه يومٍ جاني وفرفر[10] 

يريد: رفرف أي: حرك جناحيه.

وقول الشاعر علي بن حسن الدرازي من سنابس تاروت:

أدكر أيام السعادة والفراهة والهنا

أدكر أيام اللي ما شفنا أبد فيها عنا

يريد: الرفاهة أي: الرفاهية، وهي أيضاً: الفراهية بزيادة الياء مثل: كراهة، وكراهية.

والصورة المقلوبة للكلمة هي المتداولة غالباً، لكن قد تسمع بعض الكلمات بأكثر من صورة مثل: سكسبال،[11]  وكسكبال، وكسببال، وجعونية، وجعنوية، وﮔلفع، وفلـﮕـع، ويتنـﮕـرش، ويترنـﮕـش (يتحرش)، وخرخشانة، وشرشخانة، وشبرك، وشربك، وعـﭽنة، وﭼـعنة (شحنة)، ومثل ذلك وارد في الفصحى، يقال: عيش أرغل وأغرل، أي: تام لم ينقص منه شيء،[12]  والأشواب، والأوشاب، والأوباش: الأخلاط من الناس.[13] 

وتتفاوت درجة تغلغل هذه الظاهرة في المشتقات من مفردة لأخرى من كون المادة

مهما تأملت أياً من تفريعاتها فلا تجده إلا بالصورة المقلوبة مثل: صاقعة التي تتردد كثيراً في كلامهم في مقام الدعاء وغيره، وبالذات عند النساء لتسمع إضافة إلى ذلك: صاﮔـعة تصـﮕـعك صـﮕاع، صاﮔـعة تْهلب عليه، فلان المصـﮕوع، والأم عندما تستاء من تصرف ولدها تمسخ اسمه عند ندائه بدعوة تصوغها على وزن الاسم لتقول له: (صـﮕـعـوه حَمْدوه) إذا كان اسمه أحمد (مثلاً)، بينما لا تمتد في البعض إلا لتفريعات محدودة بالسماع كما في: فلسفة لتسمع: فلفسة، ويتفلفس، وليس غرضي إتخام البحث بكثرة الأمثلة، في حين أن قليلها يكفي، وإنما أردت أن أدلل على ضيق مساحة هذه الظاهرة التي لا تتعدى الأمثلة المثبتة في القائمة التالية، وما سبقها إلا قليلاً: 

الكلمـة المقلوبة

أصـــلها

الكلمـة المقلوبة

أصـــلها

شَـمَخْ، مَشْمُوخْ

بغروف

هَمَضْ، هَامُضْ

تْشَنـﮓ مشَّنـﮓ شَنُوﮔـه

أَغْـلَفْ

شْـنَادَرْ

ﮔزَازْ، كَزَازْ

فـگـزْ، فاﮔز، مُفْـﮕـازْ

رايدو

حـﮕـروص

مزراب

اﮔـرينزي اﮔـلينزي

اتفتف، تفتاف

اتحتح، تحتاح، حتحات

رغرغه

مرﮔدوش

خمش، مخموش

برغوث[14] 

هضم، هاضم.

تَنَشَّق متنشق نشوقة

ألثغ

نشادر

زجاج

قفز، قافز، مقفاز

راديو

حرقوص

مرزاب

إنـﮕليزي

تفتت، فتات

تحات، حتات

قَرقرة

مردقوش

هَـﮕـهـﮓ، هَـﮕـهَـﮕـه

مْجَـازْ

فَسْفَسْ، فِسْفَاسْ

طَلْمَسْ، طِلَمَاسْ

فَسَـدْ

جَضَـرْ

عسوامي

رُنْـﮕـسْ

جَـنزبيل

نَعَلْـهْ الله نَعْلَـه

مزرعد

يوالم

أليم

لَبـﮓ، نبـﮓ

يناوس

خيزران

قهقـه، قهقهـة

مَـزاج

سفسف، سفساف

طلسم، طلسام

سـفد[15] 

ضـجر

عسماوي[16] 

نرجس

زنجبـيل

لعنه الله لعنة

مزدرع

يلائم

لئيم

لقب

يؤا نس

خيرزان

وقد استقصيت ألفاظاً غير التي سلفت فوجدت صور بعضها تطابق الفصحى أو تقاربها، وبعضها لم أجد لها صورة فيها، وقليل منها تغايرها، فمن ذلك ـ وهذا محتمل جداً ـ أن تكون: الزاجرة البحرانية،[17]  وراكوب العراقية والنجدية، ويِستعبط المصرية (يتصنع البلاهة) هي الصورة الأصلية، و: الجازرة، وكاروب، و: يِطَّعبز في اللهجة، أو: (يتبعطز الحساوية) هي الصورة المغايرة، ولعل القائمة التالية تعطينا فكرة عما سبق بيانه عند المقارنة مع لهجة بلد مقارب وهو الأحساء على سبيل المثال:  

صورتها في اللهجة

 صورتها في الفصحى

صورتها في اللهجة المقارنة

تنحنح

زَعـﮓ، زَعيـﮓ

ﮔْبيط

مَرصُوع، مْرصَّع

يتجشا

نضج، ناضج

يتزحزح

عَرﮔوب

انفغص

مْفوشح

مْعصْوي (مْعصِّي)

مْعضرط

أم الزيغه

أبو غْليصم

غلفط

تنحنح

زَعق، زُعاق

قُبيط

مَرصوع، مُرصَّع

يتجشأ

نضج، ناضج

يتزحزح

عُرقوب

انفغص

مُفاشِح

ــــ

ــــ

ــــ

ــــ

ــــ

تِحنحن

زْﮔـع، زْﮔـاع

بْـﮔيط

مَرعوص، مْرعص

يتشدا

نجض، ناجض

يتحزحز

كُرعوب

انغفص

مْوحـﭻ

مْصعوي

مْضعرط

أم (أبو) زليغة

أبو لغيصم

لغفط

كما وجدت مثلها في لهجات بلدان أخرى مجاورة وغير مجاورة، ومن ذلك: دنـﭽل، وتنعز، وشنبيغة البحرانية، ومخش النجدية، وباﮔدير (برج الهواء) الإماراتية، ويتشلبى الكويتية، وياهو العراقية التي تقابل في اللهجة على التوالي: ﭼندل، تعنز، وشنغوب (شظية)، وشمخ، وبادﮔير، ويتشبلى (يتعلق)، وأي هو، إلى غير ذلك.

النـحـت

النحت في اللغة: النشر والقشر،[18]  وفي الاصطلاح كما يعرفه ابن فارس: أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة آخذة منهما جميعاً بخط.[19] 

وذكر ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة الظهير النعماني اللغوي (ت 598هـ):[20]  أن عثمان بن عيسى النحوي شيخ الديار المصرية كان يسأله سؤال مستفيد عن حرف من حوشي اللغة، فسأله يوماً عما وقع في كلام العرب على مثال: شقحطب، فقال: هذا يسمى المنحوت، ومعناه: أن الكلمة منحوتة من كلمتين كما ينحت النجار خشبتين، ويجعلهما واحدة، فشق حطب منحوت من: شَقّ حطب.[21] 

 ومن معاني النحت ما يمكن أن نعتبره مظهراً من مظاهر التنقص وفيه معالجة وجهد،[22]  ففي مقاييس اللغة: النحت كلمة تدل على نجر شيء وتسويته بحديدة.[23] 

وليس النحت في اللغة تنقصاً واختزالاً فحسب وإنما هو تسوية وهو تنسيق وبناء، تستبعه عملية التنقص والاختزال.[24] 

وقد ظن بعض المتأخرين من علماء اللغة أن النحت يقع في الثلاثي أيضاً، ومثل له بقوله: نبض الماء إذا سال، قال: يصح أن يكون من: نض، وبض، وكلاهما بمعنى: نبض، والعلماء كلهم مجمعون أن النحت لا يعرف في الثلاثي.[25] 

ويعد ابن فارس إمام القائلين بالنحت بين اللغويين العرب المتقدمين فلم يكتف بالاستشهاد على هذا الظاهرة اللغوية بالأمثلة القليلة الشائعة التي ربما لا تتجاوز الستين عدداً، بل ابتدع لنفسه مذهباً في القياس والاشتقاق، حين رأى أن الأشياء الزائدة على ثلاثة أحرف فأكثرها منحوت، مثل قول العرب للرجل الشديد: (ضبطر) من: (ضبر)، وفي قولهم: (الصلدم) من (الصلد)، و: (الصدم)، وقد بنى معجمه (المقاييس) على هذا المذهب في كل مادة رباعية، أو خماسية أمكنه أن يرى فيها شيئاً من النحت حتى كثرت المواد المنحوتة على مذهبه،.. وأراد أن يرسم للقاريء منهجه في النحت فقال: (اعلم أن للرباعي والخماسي مذهباً في القياس يستنبطه النظر الدقيق، وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت.[26] 

ويبدو أن النحت عند القدماء كان يتحدد في بناء كلمة واحدة من كلمتين...، وكأننا بابن فارس وهو يضع خطته النظرية في النحت كان يقيم تعريفه على الكثرة الغالبة من المواد المنحوتة في رأيه، ويغفل أمثلة أخرى قمينة بأن تعدل تعريفه. ولكن المحدثين وهم يعرفون النحت التفتوا التفاتة أوسع، فصار في اصطلاح الباحثين منهم أن تعمد إلى كلمتين، أو جملة فتنزع من مجموع حروف كلماتها كلمة فذة تدل على ما كانت تدل عليه الجملة نفسها، وأخذ بعضهم ينص على أخذ الكلمة من كلمتين أو أكثر مستوفياً بذلك المنحوت من كلمتين أو ثلاث أو جملة.[27] 

ولعل أقدم شواهده ما ورد في قصيدة عبد يغوث الحارثي من قوله:

وتضحك مني شيخة عبشمية

كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانيا[28] 

وتعني المنسوب إلى عبد شمس، ومثلها عبقسي التي تعني: المنسوب إلى عبد القيس، ومن الألفاظ المنحوتة ذات الصبغة الإسلامية التي شاعت في اللهجة: هلل: إذا قال لا إله إلا الله أو حكاية عنها،[29]  والبسملة قول: بسم الله أو: بسم الله الرحمن الرحيم، والفعل منها: بسمل، كما تسمع قول: سم بالرحمن أي: قل: بسم الله، وفي البيت المنسوب لعمر بن أبي ربيعة:

لقد بسملت ليلى غذاة لقيتها

فيا حبذا ذاك الحديث المبسمل[30] 

ومما يتصل بالنحت من روايات الحمقى بمعنى وثيق ما رواه ابن الجوزي في أخبار الحمقى والمغفلين تلك الحكاية عن ابن أحمق لبعض الأدباء كان كثير الكلام، فقال له أبوه ذات يوم: يا بني لو اختصرت كلامك، ويأتي هذا الولد لأبيه يوماً يقول: يا أبتِ اقطع لي جبَّاعة، قال: وما جباعة في الثياب؟ قال: ألست قلت لي: اختصر كلامك؟، يعني: جبة ودراعة.[31] 

ومنه ما وقع للسيد سعيد الشريف عند ما ترجم للخطيب عبد الله بن علي المادح ولقبه بالحلمحيشي،[32]  على طريقة النحت النسبي، يعني به المنسوب إلى حلة محيش، والمشهور في النسبة إلى هذه البلدة عند الناس: محيشي بالنسبة إلى المضاف إليه، لأنها كما يقولون سكنها رجل اسمه محيش فنسبت إليه.

وأكثر الكلمات تعرضاً للحذف والاختصار هي الكلمات التي يحتاج إليها المرء في حياته اليومية بشكل دائم، وتتردد على لسانه كل حين، ولهذا دعت الحاجة إلى اختصارها ونحتها بحذف الحروف المستثقلة منها لتنسجم مع الكلمة التي بعدها والتي قبلها.

ولعل أيش السائدة في لهجات عربية عديدة بصور مختلفة تطول وتقصر حتى تقف على الشين من أقدم الأمثلة التي حدث لها مثل ذلك، فقد روى الخفاجي في شفاء الغليل ص 38: (أيش) بمعنى: أي شيء خفف منه نص عليه ابن السيد في شرح أدب الكتاب، وصرحوا بأنه سمع من العرب، وقال بعض الأئمة: جنوبنا أيش فذهب إلى أنها مولدة، وقول الشريف في حواشي الرضي إنها كلمة مستعملة بمعنى أي شيء وليس مخففة منها ليس بشيء، ووقع في شعر قديم أنشدوه في السير: (من آل قحطان وآل أيش)، ومعناه مدح يقولون: فلان أيش ابن أيش ومعناه شيء عظيم، وأيش في معنى أي شيء كما يقال ويلمه في معنى: ويل لأمه على الحذف لكثرة الاستعمال،[33]  بينما ذكر الدكتور إبراهيم السامرائي أن: أيش سامية وأن: شيء مقلوبة عنها.[34] 

ومنه ما ذكر عن ابن جني في الخصائص: أنه قال: سألت الشجري ـ وهو إعرابي من بني عُقيل كانوا يرجعون إليه في اللغة ـ كيف تجمع دكاناً؟، فقال: دكاكين، قلت فسرحاناً قال: سراحين، قلت: فعثمان قال: عثمانون، فقلت له: هلا قلت عثامين؟، قال: أيش عثامت؟، أرأيت إنساناً يتكلم بما ليس في لغته؛[35]  والشاهد في هذا الخبر: أيش عثامت؟.

ومثله الحرف الناسخ كأن الذي حذفت من الألف تخفيفاً مطلقاً في لهجة ذوي الأصول القبلية، وانحصر هذا الحذف في حال اقترانه بالضمائر المتصلة في لهجة الغالبية فصارت كن أو: ﭼـن، أو: تسن؛ وﭼـني، وﭼنا، وﭼنك إلخ...

وقد وردت أخبار تدل على قدمها في الاستعمال، بهذه الصورة، ومنه ما ذكره الشيخ محمد ناصر العبودي: حيث قال: كنه بمعنى: كأنه بكسر الكاف وتشديد النون تحريف لكلمة كأنه، وقد وردت في شعر للمعتمد العباسي،[36]  ومن ذلك ما روي أن: إبراهيم بن سفيان الزيادي النحوي المتوفى سنة (349) سمع مغنياُ يغني أبياتاً فقال له: لمن هذا الشعر أصلحك الله؟، قال المغني: لي ياسيدي، وأنا جوان بن دست الباهلي سيدي، فقلت له: ليس جوان ودست عافاك الله من أسماء العرب، قلت: فردد الصوت، قال: تريد تقشمه كنك عقاب أوكني ما أعرفك، ماتركت على كبد ابن عمي الأصمعي الماء وقد جيت إلي، طارت أفراخ برجك طارت!،[37]  وواضح أنه يرديد: كأني، وكأنك.

ومما جاء من هذا الباب الكلمات الواقعة في أساليب الاستفهام، والعدد وتمييزه، واسم الإشارة، والدعاء، والتعجب، ولا أريد أن أتوسع في سردها، وأرجئ عرض صور هذه المجموعات بصورة مفصلة كل في بابه على حدة منعاً للتكرار، وأكتفي بالإشارة إليها وعرض نماذج منها، فمما وقع في أساليب الاستفهام: بأيشٍ تلك: ْشرنـﮕـك، و: شْلونك، والأصل: أي شيء رنـﮕك بمعنى: من أي جنس أنت، وأي شي لونك، بمعنى: كيف حالك.

ومثله ما وقع للعدد المركب من جزأين: من 11 إلى 19، وقد تعددت الصور المنحوتة لهذه المجموعة تطول الصور فيها وتقصر منها: إحدعش، أي: أحد عشر، و: إحدى عشرة، وافنعـش: أي: إثنا عشر، وإثنتا عشـرة.

كما وقع في العدد 3 وبعض تمييزه مما بدء بهمزة أو تاء مثل: فلة آلاف (فلتالاف)، فلـة أيام (فلتيام), فلة أرباع (فلتارباع، فلة انعام (فلتانعام)، فلـة تحيا (فلتَّحيا)، والأصل على التوالي: ثلاثة آلاف، ثلاثة أيام، ثلاثة أرباع، ثلاثة أنعام، ثلاث تحيا (تحايا)، وقد جاءت الأخيرة منهما بصورتها المختصرة في قول الشاعر البحراني الملا عطية بن علي الجمري: (تحيتهم هلو والهرج فلتحيا)،[38]  وفي العراق يخففون العدد ثلاثة إلى ثلث، ومنه ما ورد في شعر الشاعر عباس الناصري: (ثلث ويبات حسرة الحرمة شبعتها)،[39]  أي: ثلاث وجبات.

ووقع لضميري الغيبة: هو، وهي المسبوقين بما النافية فصارا: مهو، ومهي، أو: مو، ومي في الأعم الأغلب، واستخدموها في محل: ليس، وليست، وأليس، وأليست، ولن، وألن، وغير.

ومنه ما وقع للضمير: هو المشار إليه باسم الإشارة: ذلك، وهاء التنبيه، فتحول إلى: داكو، وداكوه، وهدكو، وهدكوه، وهكوه، وكاهو، على اختلاف اللهجات.

ولاسمي المكان هنا وهناك المسبوقين بمن الجارة للابتداء فصارا: مني، ومنيه في لهجة قوم ومنا في لهجة قوم آخرين ومْنيَّه في لهجة ذوي الإنتماء القبلي، ومِنّاك للثاني في لهجة الجميع.

ولإسم الكناية كذا المسبوق بهاء التنبيه، فصار: هـﭼدي، هـﭼديه، وهلكدي، وهلكديه على اختلاف اللهجات.

ومن المحتمل جداً أن تكون: أفا المستخدمة في العتاب، والتوبيخ، والتهكم، منحوتة من: واأسفا.

وعمبال المنحوتة من: عما في بال، أو على ما في بال، ومثلها: حسبال، من: حسب الذي في بال، أو حسب ما في بال، أو حسب بال، المستخدمتان في مقام: ظننت، أو كنت أتوقع، أو غلب على ظني، وهما لا تردان إلا مقترنتين بضمير متصل، ومنه قول الشاعر البحراني عطية بن علي الجمري:

مِتونِّس مْكيِّف ما عَلَيَّه ﮔصور

خرخِش لي بْطرف حسبالك دياية[40] 

ووقع لأسلوب اللعن المقترن بـ (أبو) المضافة إلى أحد الضمائر المتصلة أو اسم ظاهر، كقولهم: لابوه لابو آبوه أي: لعن الله أباه، وأبا أبيه، ولم تسمع في غيره فلا يقال: لامُِّه، ولا الولد بدون (أبو)، وذوو الانتماء القبلي يخففونها فيقولون: نبومُّه، ونبوداره، وعنبوداره، أي: لعن الله أبا أمه، ولعن أبا داره.

ووقع لشيء المسبوقة بمن الجارة، والمسبوقة بما النافية ومن الجارة، فصارتا: ميش، ما ميش بمعنى: يوجد، وهل يوجد؟ للأولى، ولا يوجد، وألا يوجد؟ للثانية، أو موجود وغير موجود والياء فيهما من إطالة كسرة ميم من القصيرة، فتحولت الكسرة طويلة (ياء)، ومثلهما: أكو، وماكو المتسربتان من اللهجة العراقية، في المعنى والمرمى والأصل ربما من: إكون أي: يكون، وما إكون، أي: ما يكون، والألف فيهما نتجت عن بدء ياء المضارعة بالساكن وأصلهما يْكون، وما يْكون، وأدخلوا عليهما أل التعريف بعد نقلهما للإسمية: فصارتا الأكو والماكو، كما في قولهم: راح الأكو والماكو أي: الموجود وغير الموجود، أورده الأستاذ عبود الشالجي في الكنايات العامية البغدادية، وقال في أصلها: أكون حذف منه النون.[41] 

ومنه: لاش، أي: رديء، أو سيئ، أو خبيث، كما في قولهم: (ولد اللاش لا عاش)، والأصل: لاشيء؛ و: بلاش الآتية من: بـ لا شيء، بمعنى: بدون مقابل، أو مجاناً، التي تختلف صورتها المعرفة بأل كما في قولهم: البلاش ربحه بين، عن صورتها النكرة فتصير: ببلاش، أو إمبلاش، أو: إبلاش، أي تضاف إليها باء ثانية، لأن الأولى دخلت في بنية الكلمة تبعاً للظاهرة الآتية، كما في قولهم: مسكين ياللي هواه ببلاش ضيع زمانه على الخالي.

إذاً فالنحت بناء على هذا نحتان، نحت للاختصار وحسب، لذا تجد المنحوتات في هذا الباب في الغالب لا تخرج عن إطارها العام الذي نحتت منه، فليس هناك فرق بين: ويش المنحوتة وأي شيء المنحوتة عنها في المعنى والأداء، غاية ما في الأمر أن الأولى جاء مختصرة والثانية جاءت بصورتها الكاملة بدون نحت أو اختصار.

وهو الغالب على هذه الألفاظ إلا في ألفاظ قليلة خرجت عن هذا النطاق مثل: نابلة، وتايحة، ونايبة، ونايحة التي قرنوها بأول الفعل اتصيبك (إصيبك)، أو اتصكك (أصكك) فصارت[42] : نابلص، وتايحص، ونايبص، ونايحص، وخصصوها بعد التخفيف للإندهاش والإستغراب، بعد أن كانت وهي مخففة تعني الدعاء على الشخص، وصورتها المختزلة تساوي صورتها التي حذف منها الفعل الذي هو خبرها كلياً، ونحت تتولد منه مفردات قد تختلف اختلافاً بيناً عن الأصل الذي نحتت منه بشكل منفرد، وهي غالباً ما تختلف.

وإذا كانت الأمثلة التي سبق عرضها نستطيع القول بأنها منحوتة أو مختزلة، فهناك كلمات كثيرة في اللهجة يتردد الباحث بالقول بالأصل الذي تولدت منه، فلا يستطيع أن يردها إلى النحت على سبيل الجزم، فلربما تكون قد تولدت من إقحام بعض الحروف على كلمات أصلية الحروف، كما لا يمكنه أن يقول بالأصل الذي نحتت منه إلا على سبيل الافتراض والتخمين، وفي ما يلي طائفة من الأمثلة وبعض الافتراضات المطروحة لأصلها الذي جاءت منه:

بعطر (الثوب): شقه شقاً منكراً وفرق بين أجزائه، من: بعط، وطر، وكلاهما بمعنى: شق، هذا إذا لم تكن تولدت من تذييل هذه الكلمة بالراء.

تعنـﮕل (به للبيت) أي: حمله مضطراً، أو كارهاً بغير رغبة منه، قد تكون من: عقل بمعنى: جمع، و: نقل بمعنى: حمل من مكان إلى مكان آخر، هذا إذا لم تكن من: تَعقَّل بمعنى: احتمل، فك التضعيف بإدخال النون عليها فصارت: تعنـﮕل.

تغلفج (في الكلام): تلجلج فيه، وغم عليه، من: غلج بمعنى: انخطف، وانسحب لسانه إلى الوراء، أو انطوى، و: فلج بمعنى: تحير، وخرست حجته.

خربش (الورقة): ملأها بالخرابيش، وهي الخطوط المتداخلة من: خرب بمعنى: أفسد، و: ربش، والربشة: الحركة غير المتزنة أو المضطربة، أو من: خرب، وخرش، وهو التحريك المصحوب بصوت، هذا إذا لم تكن الشين فيها زائدة.

خربط (فلان خربط الدعوى) أي: أفسد المسألة، أو غير مجراها وبدد كيانها، والكلام المخربط: الكلام غير الموزون، كما في قولهم: ﭼـدب مضبط ولا صدگ مخربط، من: خرب، و: لبط، واللبط التردد في الحركة والاضطراب، أو من: خرط، والخرط الكلام الفاسد المكذوب، ولبط المتقدمة، أو من: خرط، وخبط.

خرمط (اللوز): قطعه قطعاً منكراً، وجناه بطريقة خاطفة بقصد السرقة، من: خرط، ومرط، وكلاهما تعنيان الجذب للأمام والأسفل، (فلان طحنا عليه يخرمط لوز) أو من: خرط، ومط.

دغبش (الورقة): ضيع معالم الكتابة وأفسدها، من: دغش، وغبش، وكلاهما قريبان في المعنى، والغبش: الظلمة والعتامة وعدم الوضوح، وتعنيان الكدر وعدم الصفاء.

دعفر (الولد): رفسه بقوة، وجعله يتقلب على الأرض، ومنه ما يرد في قولهم في مقام الدعاء على شخص: (نايبة إدعفرك)، من: دعم، ودفر، وكلاهما تعنيان الدفع الخشن، أو من: دعم، وعفر التي تعني: التمريغ في التراب، هذا إذا لم تكن الدال قد ألحقت صدراً بالكلمة.

شبرك الخيط: أدخل بعضه في بعض، وشبركنا: أدخلنا في محنة وبلية، وتتداول أيضاً بصورة: شربك، من: شبك، وربك، أو من: شرك، وربك.

صلبخ الثوب: اغبر لونه وذهبت نضارته، كأنما لحقته غبرة الملح، من: صلب بمعنى: اشتد وصبخ أي: سبخ، والسبخ: الملح، أو من: صلب، ولبخ، هذا إذا لم تكن اللام زائدة.

سلقعت (الدجاجة): صوتت حين وضعها للبيضة من: صقع بمعنى صوت، و: لقع بمعنى: رمى نحو قولهم: فلان الملقوع أي: الملقى، هذا إذا لم يكن أصلها: سقعت، واللام فيها زائدة أدخلت حشواً.

طربگ (بالنعال): مشى به مشياً خشناً غير متأنٍ فأحدث صوتاً، من: طرق بمعنى: دق، وطبق بمعنى: غطى، وعم، أو من: طرخ بمعنى: رمى، وطرح فأحدث صوتاً محسوساً، فهو مأخوذ من حكاية الصوت (طراخ)، ومن: طبق.

أما الطربـﮕة بمعنى: الإفك والأحاديث المكذوبة الملفقة، فلعلها مستعارة من: طربـﮕاه العربية المفرسة أي: محل الطرب، لبعد مثل هذه الأماكن عن مواطن الجد واتصافها باللغط وكثرة الهزل، فلا غرو إذا استعيرت هذه من تلك.

عبلك الخيط: أدخله في بعضه البعض، من: عبل بمعنى: فتل، أو خلط، أو خبص، ولبك بمعنى: أسرع وقارب بين الأجزاء، كما في قولهم: (خفف والبـﭻ)، أما: علبـﭻ فقد تكون مقلوبة عنها، أو من: علـﭻ، ولبـﭻ.

عنفص (ت الدابة): رمحت برجليها من: عفص بمعنى: حرن، ونفص بمعنى: نشز، هذا، إذا لم يكن أصلها: عفَّص، وزيدت النون لفك الإدغام.

فلـﮕـع من: فلق، وقلع، أو من: فلع، وقلع، بمعنى: نسف كما في: فلـﮕـع الحجرة أي: كسرها وبدد أجزاءها، هذا إذا لم يكن أصلها: فرقع، وهو وارد بإبدال الراء لاماً، وتأتي بصورة: ﮔلفـع (بالقلب)، ولا تخرج في تكوبنها من هذه المواد عن أختها.

ﮔحلف، أو جحلف، أو يحلف (الشيء) ذهب بريقه ونضارته، وبانت عليه أثار الغبرة والشوائب من: قحف، والقحف: القشر الصلب كقشرة الراس ونحوها، ولحف، أو من: جلف بمعنى: صلب وخشن، ولحف بمعنى عم وغطى.

ﮔربع (الدلة) أي: شرب ما فيها عن آخره، من: قرع (كرع)، والكرع الشرب المتصل، و:شبع، أو من: قرع، ومن: قبع بمعنى: أزال وقلع.

ﮔرفع الرجال ولده بالعصا: ضربه ضرباً خاطفاً، وفلان (ﮔرفعه الكهرب): صعقه ونفضه، من: قرع بمعنى: ضرب، و:فرع بمعنى: شق وفصل، والأقرب أنها من: قرع، ورفع، لأن المقروع بالعصا ونحوها يرفع عضوه المقروع ليتلمسه وينظر في أمره.

كربس أي: كبا وسقط لوجهه على هيئة قريبة من السجود، من: كرب، والكرب: الشدة، والبرم، والضغط بقوة لازمة وعنف، و:كبس، ومعناه قريب من سابقه، هذا إذا لم تكن في الأصل: كبس وزيدت فيها الراء حشواً، أو: كبَّس المضعفة، وأدخلت فيها الراء لفك التضعيف، لأنها من حروفه.

كرفس: من كرب بمعنى: ضغط أو شد شداً وثيقاً، و: خفس، أو: كفس، والفرق بين الكفس والكرفسة، أن الأول يعني: الثني برفق وتأن، والكرفسة الثني بقوة وبدون ترتيب.

ومنهم من يستعيرها للـﮕدو من: ﭼرك حكاية الصوت، وربك العمل بغير ترتيب، وتأن، أو من: ﭼـكـﭼـك حكاية الصوت، وربك.

ﭼـعمز (الشيء): أدخله في بعضه بالضرب وقزمه، من: ﭼـعم بمعنى: سد بقوة وبدفع، و: غمز بمعنى: ندس، وطعن، أو من: همز، أو: لمز، ومعناهما قريب من غمز؛ هذا إذا لم تكن في الأصل: ﭼـعم، وألحقت بها الزاي كسعاً.

ملغص (الشيء) أي وسخه بشيء فيه لزوجة، من: ملغ، وملص، والملغ والملص: هو الذي يتزلق وينسلت للزوجة اعترته، أو كانت طبيعية فيه وتلازمه، وقد تكون من: ملغ، ونغص، بمعنى: كدر.

متـﮕـلهز (متـﮕـهلز في لهجة بعض النواحي) التي تعني الشيء غير المتقن، أو الثابت، أو المبني على أساس غير سليم, قد تكون منحوتة من: متقلقل، ومتهزهز الآتيتين من: قلقل وهزهز، وكلاهما بمعنى واحد.

ومن الكلمات التي ربما تكون قد تولدت من تكرار أحد حروفها وليست من هذا الباب مثل: حرحش، وحلحص، وهو هنا حرف الحاء.

وربما تداخلت حدود أمثلة هذه الظاهرة مع الظاهرة الآتية، فتعد من هذا الباب حيناً، ومن ذلك الباب حيناً آخر، فلا يبعد أن تعد تلك الظاهرة فرعاً من هذه، كما في: ما ورد المخففة من: ماء ورد؛ وموملح والأصل: ماء وملح، وتعني الرز الأبيض الخالي من أية إضافة أو إدام؛ وعلشان المخففة من: على شأن المستعملة في مقام: حتى، ومن أجل أن، ولأجل، ولكي، ولأن، وظرف الزمان: الحين بمعنى: الآن المشار إليه بذلك أو ذاك المجرور بمن للابتداء، فصار: من تكحين، ومن تكلحين، ومن كلحين، ونكرته المضاف إلى كل المكرر للتوكيد كل حين كل حين فصار: كحين كحين؛ والإسم الموصول: اللا المشار إليه بهذا أو ذا المحذوف منه صلته لأنها معروفة متعلقة بذهن السامع والمتحدث حسب مقتضى الحال، الذي خصص للتعجب، والاستغراب، والاستنكار، والسؤال، فصار: هدللا، ودللا، وهدله، ودله، فمن استخدامها في مقام السؤال: هدله ما اجي؟، أي: ما الذي حدث، مالك لا تأتي، وفي أسلوب الإستنكار هدله نايبه؟ ولا بْليس؛ وكذا: جعلك التي تقال في مقام الدعاء على الشخص، وبقية الدعاء محذوف متعلق بذهن السامع والمتحدث، فإذا قيل جعلك لوحدها فإنها تعني تستاهل ما وقع لك من جزاء أو هذا جزاؤك وتستحقه، فإذا ذكر بقية الدعاء وحذف لفظ الجلالة وحسب كما في قولهم: جعلك العمى، فانهم يريدون: جعل الله لك العمى، أي: وهبه لك، أو أعمى عيناك.

الخلط بين حدود الكلمات

لم أجد لهذه الظاهرة ذكراً في ما لدي من كتب الدراسات اللغوية بشكل مفصل ومنفرد، وما وجدت إلا نُتيفات في تضاعيف مواد أخر، وما وجدت من علماء اللغة من تعرض لذكرها إلا الدكتور إبراهيم أنيس، والدكتور فالح شبيب العجمي، كما أن الدكتور أنيس لم يسمها صراحة، ولكنك تلمس ضمناً أنه يريد أن يسميها: (الخطأ أو الخلط في تقسيم العبارة)، حسبما تشير إليه عبارته التالية:

وكذلك قد يخطئ الطفل في تقسيم العبارات إلى أجزائها الصحيحة، ويحدث هذا عادة في العبارات الكثيرة الشيوع،.. ويمكن أن نعزو لهذا الخلط في تقسيم العبارة، ما جاءتنا به لهجة كلامنا في أمثال الفعل: (جاب) الذي لا نشك في أنه انحدر عن الاستعمال الصحيح (جاء بكذا)، فخيل للطفل أن الباء جزء من الفعل (جاء)، ولاسيما أنه ينطق في لهجة الكلام بغير همزة، ومثل: (عقبال) التي لا نشك أنها من الاستعمال: (عقبى لكم) فالتبس الأمر على السامع وجعل اللام جزءاً تنتهي به الكلمة (عقبى)، وبهذا أخرج لنا (عقبال).[43] 

بينما الدكتور العجمي اصطفى لها: مصطلح الإلصاق التوهمي بالاعتماد على مجمع اللغة العربية؛[44]  كما أشار إلى كيفية بدئها: بقوله: بدأت ظاهرة الإلصاق التوهمي بالخلط بين حدود الكلمات القصيرة ذات الاستخدام المتكرر، مثل: ليش من: لأي، وشيء،[45]  ثم اتسعت لتشمل إلصاق الحروف التي تتعدى بها الأفعال إليها لكثرة ورودها معها مما يجعل المتكلم يظن أنها وحدة واحدة، خاصة إذا كانت من الأفعال التي لا يفصلها فاصل، مثل: فجابه من: فجاء به،[46]  أو الباء التي يتعدى بها الفعل إلى المفعول في مثل: جاء ب إلى جاب، بل وتصرف (جابوا) بدلا من: جاءوا ب.[47] 

ولعل: جاب المتقدمة من أقدم أمثلة هذه الظاهرة، ووجودها في كثير من اللهجات العربية بهذه الصورة ربما يكون دليلاً على قدمها وانحدارها من عاميات عربية قديمة، كما أن من الأخبار ما يؤيد ذلك، فمنها ما روي: أن أبا حفص بن المتوكل كتب إلى أبي أحمد بن الموفق: أطال الله بقاءك يا عمي وأدام عزك وأبقاه، أنا وحق النبي (صلى الله عليه عليه وآله وسلم) أحبك أشد من المتوكل ومن والدتي ولا أحتشمك، وقد جابوا لك مطبوخ من عكبرا وأحب أن تبعث إلي خمس دنان وإلا ثلاث خماسيات؛[48]  والشاهد في هذا الخبر: وقد جابوا لك مطبوخ، أي: قد جاءوا لك بمطبوخ.

ومن المفردات التي حصل لها مثل ذلك: عام المعرَّفة بأل التعريف حيث حذفت الألف منها، وأدخلت لامها في بنية الكلمة فصارت: لعام، لذا تضاف إليها أل تعريف جديدة لمعاملتها معاملة النكرة فتصير: اللعَام،[49]  ومثلها: إيوان، وإجانة، وآجام، التي تحولت إلى: ليوان، ولجانة، ولاجام (لايام)، وصارت صورها عند إضافة أل التعريف للأوليين منها: الليوان، واللجانة، وأما سبب اختفاء هذه الأداة من الأخيرة منها فذلك راجع إلى أنها معرفة لأنها اسم بلد، واسم البلد معرفة لا يحتاج إلى تعريف، ولكنها تظهر حين النسبة إليها فيقال: اللاجامي (اللايامي)، والشيء الثاني أنهم اعتادوها بهذه الصورة.

ومن طرائف التصحيف مما يتصل بهذه الظاهرة: قراءة أحدهم حينما رأى في أحد الأدعية عبارة: اللهم أخرجني من الدنيا سالماً، فظنها وقرأها هكذا: اللهم آخرْ جِنِّي من الدنيا سالماً.

ومثله ما روي عن أحدهم كان يقرأ لجمع في كتاب، فكان كلما انتهى من قراءة فقرة صاح: آه، فسمعه أحد أدباء الواحة ـ كان حاضراً ـ فقال له: خيراً! كَلْ حين تْـﮕولْ آه، ويش فيك؟ فقال له: ما فيي شي، هي مكتوبة هْني ﭼِـدي، فقال له: أشوف، فنظر في الكتاب فإذا هي أ. هـ، المختصرة عن كلمة انتهى، فقال له: هذه تعني انتهى، مو آه! فصادف ذات مرة أن مر هذا الشخص ببعض فقرات أحد الأدعية بعبارة: آه من نار حرُّها لظى. فاختلط عليه الأمر فقال: (انتهى من نار حرها لظى)، ظنًّا منه بأنها تعني ما تعنيه تلك.[50] 

ومما ذكروه من طرائف النحويين الذين يتمسكون بالنحو ويتشدقون به في وسط عامي، أن أحدهم اشترى أغراضاً كثيرة، فجاء إلى باب بيتهم ليفتحه فما وجد وسيلة لفتحه إلا أن يدفعه بجبهته لاشتغال يديه بالأغراض التي يحملها، وربما رأى أن لا ضرورة لطرح الأغراض، وكان بالباب مسمار معقوف فنشب في أنفه، فوقع في ورطة، فصار ينادي أهل بيته: مَنْخَري بالباب، فظنت امرأته أنه يسأل عمن خَرب الباب، فقالت له: ماحد خَربُه، فأعاد العبارة: أقول لك مَنْخَري بالباب، فقالت: ماحد خْري في الباب.

ومثله: عندما سألني زميل لي من الآجام عن شخص: فقال لي: هو أسمه راني؟ وفتح ألف اسمه على عادتهم في فتح ألفها، فظننت أنه يقول: أسمراني، أي: أسمر، ولم أتبين ما يقول لو لم يكرر: هو أسمه، أسمه. فعرفت بعدها أنه يريد أن الشخص المسئول عنه: اسمه راني.

وقد أتاحت هذا الظاهرة لممارسي المداعبة بالتلاعب بالألفاظ، وتقليبها توليد ألفاظ تخفي تحتها معنى آخر غير الظاهر على سبيل التورية، وهم أهل فن وبراعة فيها يعرفون بسيماهم.

ومن أهم آثار هذه الظاهرة في الكلمات متصلة ومنفصلة توليد كلمات جديدة ذات صور ومعان متغايرة ومغايرة للصورة الأصلية.

والحقيقة إن هذه الظاهرة قد تتحول في بعض الأحيان إلى ظاهرتين في ظاهرة، أو ظاهرتين في آن واحد، فغالباً ما تقع كثير من الكلمات بين تجاذب، فيحدث لها إلصاق من جهة وتقطيع من جهة أخرى، فالكلمة التي تسمعها أنت كلمة واحدة قد يسمعها غيرك على أنها أكثر من كلمة والعكس، فيصير لها شكلان ومعنيان متغايران في آن واحد، وكثير منها ما يستخدم لاختبار البديهة.

والسبب أن المتكلم قصد منها المعنى وهي على النحو المتصل للكلمتين أو العكس، بينما السامع أو الموجهة إليه فهمها على الشكل المنفصل، أو العكس، ومن ذلك على سبيل المثال: عندما يتوجه أحدهم لصاحبه فيسأله بقصد اختبار سرعة بديهته سؤالاً تقريرياً فيقول له: فلان، أمك منـ سترة. ويه؟ أي: أليس كذلك؟ فيتبادر إلى ذهن المسئول: أنه يقول له: أمك من جزيرة سترة في البحرين، فينفي أن تكون منها، فيقول: أمي مي من سترة، أمي من البلد الفلاني، فيصر السائل أنها منـ سترة، فلربما استشاط المسئول غضباً: وانت تعلمني بمِّي؟، ثم يكتشف بعد ذلك أن صاحبه يريد: أنها: منسترة أي: مستورة. بمعنى محتشمة.

وﭼـى (ﭼـه) (أداة الاستفهام الفارسية) المستخدمة في اللهجة بمعنى: هل، أو الهمزة المقترن بها اسم الاستفهام وين كما في قولهم: ﭼـوينَ أخوك، فربما سمعها الملتفت إليها: ﭼوينا أخوك، أي: كويناه بالنار، وذا اسم الإشارة، واحنا (نحن) للمتكلمين، إذا جمعا صارا: دحنه هْني، أي: مرغه بالتراب هنا.

ومن ذلك: بالنعيم التي تقال للمنتهي من الحلاقة أو السباحة، فإذا أراد صاحبها لي عنقها ضم حرف الجر منها فتخرج: بُن نعيم، أي: بُنٌ ناعم.

ومن طريف ما يروي في بابه: أن جمعاً من الأدباء والمتأدبين ضمهم ندى، منهم البارزون ومنهم واحد كان قابعاً في قمقمه، فنقرشوه، وأخرجوه من هذا القمقم، وطلبوا منه عرض شيء من نتاجه، فأجابهم إلى ما طلبوا وعرض مقاطع منه، فلما استمعوا له أعجبهم, وأشادوا به قائلين له: شعرك رائع فلمَ لا تبادر بجمعه، فقال لهم: أنا ما أجمِّع، أكتب وَرمِّي، يريد: أنا لا أحتفظ بشيء منه، وإنما أكتب وأرمي به باستمرار، فانبرى أحد البارزين، ومن المبرزين في هذا الفن أيضاً فلوى كلمته وصورها في نفسه: أكتب ورامِّي، أي: وراء أمي، فقال له: أفا عليك، حـﮕـيـﮕة ما عندك سالفة، مالـﮕيت لُك ورگ تكتب عليه، حتى تكتب ورا مُّك؟! أي: وراء أمِّك. بمعنى تكتب على ظهر أمك.

دور هذه الظاهرة في إثراء شعر البدية والموال بالمفردات

وبما أن قوافي شعر البدية والموال تعتمد على كلمات تتجانس لفظاً وتختلف معنى، ولا يشترط فيها أن تكون الكلمة التي تجانس الأخرى كتلة واحدة، بل يحصل أن ترد كثير من الكلمات المجانسة لأخواتها جزء منها في كلمة، وجزؤها الثاني في كلمة أخرى، لذا تلعب هذه الظاهرة دورها في توسيع دائرة المفردات المستخدمة في هذا المجال، فمن ذلك قول الشاعر:

حنا عشاﮔـة وطراﮔـة هوى بالسنة

نفعـك لغيري وهمـك شايله بس انا

فبضم: بس إلى الضمير انا، تخرج كلمة تجانس التي في الشطر السابق، وبفصل المقطع: بَِسَّـ عن المقطع: نه، في ذهن القارئ تخرج كلمة عند قراءتها تجانس: التي في الشطر اللاحق، وعلى ذلك فقس قـول الآخـر:

وعُـﮕِل شدوا بْدرعانك وْناخوك

متنخـاني ياخـو ﮔلـبي وَناخوك[51] 

فالأولى تعني: وأناخوك أي: وأجلسوك على الأرض، والثانية تعني: وأنا أخوك، وبفصل المقطع في الكلمة الأولى: وانا عن بقية الكلمة: خوك تجانس ما بعدها، وبالعكس فإنه بضم ضمير المتكلم في الثانية إلى الفعل تخرج الكلمة مجانسة لما قبلها، ومثله:

جديل أسـود عـلى متني يلوتي

وانت اشـعرفـك بـي يالوتي[52] 

وفي الحاشية: يلوتي يميل يمنة ويسرى، والثانية تعني: يا مكًَّار، يا مخادع؛ وبتقصير حرف النداء بحذف الألف منها تخرج الكلمة مجانسة لما قبلها، والعكس صحيح؛ وما ورد في الفصحى من هذا القبيل لا يحصى عدداً لكثرته، فمنه قول الحريري:

لا تعرضـن على الرواة قصيدة

مـا لم تكن بالغـت في تهذيبها

فإذا عرضت الشعر غـير مهذب

عـدوه منك وساوساً تهذي بها[53] 

وقـوله أيضـاً:

فلم تضـع الأعـادي قـدر شاني

ولا قـالوا فـلان قد رشـاني[54] 

وغير خافٍ على ذي لب الجناس بين: تهذيبها، وتهذي بها، وبين: قدر شاني، وقد رشاني، وإن اختلفت الكلمتان وصلاً وقطعاً.

الإتباع والمزاوجة

الإتباع: عبارة عن تأكيد الكلمة بضم أخرى إليها لا معنى لها في ذاتها، غير أنها تساويها في الصيغة والقافية بغرض الزينة اللفظية وتأكيد المعنى، والكلمة الثانية تسمى كلمة الإتباع.[55] 

 وهو على ضربين، فضرب: يكون فيه الثاني بمعنى الأول فيؤتي به تأكيداً، لأن لفظه مخالف للفظ الأول، وضرب: فيه معنى الثاني غير معنى الأول، فمن الإتباع قولهم: أسوان أتوان، فأسوان تعني: حزين، وأتوان حزين متردد يذهب ويجيء من شدة الحزن،[56] وهذر مذر، والهذر: الكثير الكلام، والمذر الفاسد،[57]  وشكس لكس، والشكس: السيء الخلق، واللكس: العسير.[58] 

ولمصطلح الإتباع في العربية دلالتان إحداهما تنحصر في المجال الصوتي، وتعد جزءاً من الانسجام الصوتي (التوافق الحركي)، وهذه الدلالة مجال الاهتمام بها في تغير النظام الصوتي بعد تحول اللغة إلى التدوين، والأخرى تتبع تراكيب العبارات من ألفاظ لها الجرس ذاته، مما يحدث أثراً سمعياً مشابهاً لما يرغب فيه من أساليب الألفاظ المتجانسة، لكنها تختلف عنها بكونها ليست ذات جذر واحد، ولا تعني المعنى نفسه.[59] 

أما مصطلح المزاوجة فمرادف للإتباع في أغلب الأحيان، وإن كان لا يأتي إلا بمفهوم الدلالة الثانية، ويظهر من كتاب الإتباع والمزاوجة لابن فارس فروقاً طفيفة بين المصطلحين تتعلق بالوظيفة التركيبية لألفاظ العبارة.[60] 

وكما يبدو أن مصطلح الإتباع يقصد به الصيغ الوصفية التي تتبع الكلمة بلا رابط، على حين أن الصيغ الفعلية التي ترتبط بالكلمة الأولى، أو تكون وحدها جملاً مستقلة تسمى المزاوجة، ويقسم اللغويون العرب كلمة الإتباع بحسب معناها إلى ثلاثة أقسام:

1- كلمة الإتباع لها معنى واضح يدرك بسهولة، مثل قولهم: هنيئاً مريئاً.

2- كلمة الأتباع لا معنى لها على الإطلاق، ولا تستخدم وحدها، مثل: شيطان ليطان، وحسنٌ بسنٌ.

3- كلمة الإتباع لها معنى متكلف مستخرج من الأولى، مثل: خبيث نبيث.[61] 

وقد ألف أبو الطيب اللغوي كتاباً في هذا الشأن سماه: (كتاب الإتباع)، وقد ألف مثله أبو الحسن أحمد بن فارس اللغوي (المتوفى سنة 395 هـ) كتاب: (الإتباع والمزاوجة)[62] .

ويرى برونو ناشر كتاب الإتباع هذا: (أنه يظهر من أمثلة ابن فارس بوضوح أن كلاً من الإتباع والمزاوجة يفترقان عن التعبيرات المماثلة كالسجع مثلاً، في حين أن الكلمة الثانية في الإتباع والمزاوجة لا ترد فيما عدا ذلك من التراكيب، أو على الأقل بهذا المعنى[63] .

وكتاب الإتباع لابن فارس مرتب ترتيباً هجائياً على حسب الأصل الأخير من الكلمة، ومن كلمات الأتباع فيه: (إنه لعفريت نفريت)، و(خراب يباب)، ومن المزاوج قولهم في جواب من قال: هاتِ: (لا أهاتيك، ولا أواتيك)، والمعنى مفهوم في الكلمتين، وقولهم: (ما عنده غيض ولا فيض)، أي: (لا قليل ولا كثير).[64] 

ومما ورد في اللغة الفصحى من أساليب الإتباع علاوة على ما تقدم قولهم: لقيته (صحرة بحرة)، و(وقع في (حيص بيص)، و(تفرقوا (شغر بغر) و(شذر مدر) و(خذع مدع)، و(تركوا البلاد حيث بيث)، و(حاث باث)، ومنه: (الخاز باز)؛[65]  ومنه ما جاء في قول الشاعر:

سليخ مليخ كلحم الحوار

فلا أنت حلو ولا أنت مر[66] 

وأكثر نماذج هذه الظاهرة شيوعاً في اللهجة هو ما افترقت منه كلمة الإتباع عن سابقتها المتبوعة بحرف واحد، ويغلب أن يكون الحرف المفترق به هو الأول، لكن لا يعدم أن تجد نماذج غير التي تقدمت مما افترق فيها لفظ الأولى عن الثانية جملة، واتفقتا معنى، لكني لم أستقصها، ومما يحضرني قولهم: (طفس نجس)، و(طويل هبيل)، وفي ما يلي طائفة مما تيسر لي جمعه من لهجة هذه الواحة مكتفياً بعرض هذه النماذج دون شرح لها، على أمل العودة إليه في مكان لاحق من هذا البحث:

(أﭼـلح أملح).

(جهار نهار).

(حاصل فاصل)، (حاور زاور)، و(حاكر ماكر)، و(حامضه لامضه)، و(حندس مندس).

(خالص مالص)، و(خربان تربان)، و(خربط مربط) (خرابيط مرابيط)، و(خرمس مرمس)، و(خريط مريط)، و(خلط ملط)، و(خيط بيط).

(سبر عبر)، و(سلط ملط)، و(سندر مندر)، و(سيده ﮔيده).

شاغله ماغله)، و(شرﮒ ورﮒ)، و(شوربا موربا)، و(شيله بيله).

(صمّاحي رمّاحي).

(عاطل باطل)، و (عايد لايد) (عايدين لايدين)، و(عجله مجله) (عيله ميله)، و(عـﮔل مـﮔل)، و(عيان بيان)، و(عيزه ميزه).

(قارش وارش).

(كافٍّ عافّ)، و(كـﭼره مـﭼره)، و(كيني ميني).

 (مـادٍ راد). ووجد مثله في قولهم: (ما يعرف كاري ماري)، أو (كيري ميري).

(هدره مدره).

وقد تقدم مثلها مما يرد في اللهجة من هذه الأساليب التي لها أصل في العربية مثل:

(هينئاً مريئاً)، و(شدر مدر)، و(الخاز باز).

ومما ورد من أساليب المزاوجة فيها في أقوالهم السائرة: (احرﮒ شعره في بعره)، و(بين حانا ومانا ضاعت لحانا)، و(خْرطي فِ مْرطي)، و(راح تعبنا على (خري في مري) (قد يكون أصله: (خري فمري)، و(عرسوا كاكو بفاكو أصبحت فاكو عروس)، و(عوير وزوير والمنكسر واللي ما فيه خير)، و(فوﮔـه واكسر خوﮔـه)، و(لا صوت ولا صلة)، و(لا هجا ولا مديحة)، و(لا هزة ولا لزة)، و(لا يآسي ولا يواسى)، و(هرج ومرج)، (يا عساﮔل يا مساﮔل)، وهي من الكثرة بمكان، ولا يتسع المجال لذكرها.

ومن النمادج ما يحسبها المرء لأول وهلة أنها من باب الإتباع، ولعل ما يدعوه إلى ذلك تشابه أو تقارب الألفاظ، مما قد يوقعه في الوهم، لكنه حينما يدقق فيها سيجدها خلاف ما تصوره، ومن ذلك: (عـﮕر بـﮕـر)، و(خربش مربش)، أو (خرابش مرابيش)، فإنها من باب الإضافة، فالأولى من: العقر اسم مرض يصيب البقر في رجلها فيعيقها عن الحركة لذا يضاف إليها، أي أن أصلها: عُقرُ بقرٍ، وأما الثانية فربما يكون أصلها: خربش إنسان مربش، وكذا الثالثة فقد يكون أصلها: خرابيش أناس مرابيش، والمرابيش جمع لمربش أي: المربوش وهو الأهوج الذي يتخبط على غير هدى وبصيرة، والخرابيش واحدها: الخربش، وهي الخطوط المتداخلة، ولكن يمنع أن تكون الأخيرتين في باب الإتباع أيضاً، أما مثل: (خاش باش)، فهي كلمة فارسية مؤلفة من كلمتين، من: خاش، وتعني: نشارة خشب، وباش، وتعني: مبعثر،[67]  فيكون معناها: نشارة خشب مبعثرة، وعلى هذا الأساس فالكلمة الثانية صفة للتي قبلها، وليس كلمة إتباع.

أما مثل: (حوافيري زوافيري) فهو جزء من قول سائر يجرونه على لسان الحمار: وكانه يقول: هذه حوافيري، وهذه زوافيري، لذا فإنها من أساليب المزاوجة، وكذا: (عاكرتك ماكرتك)، (تحـﮔرص تمـﮔرص)، فهي فالأصل من ألفاظ القرعة في ألعاب الصبية في المنطقة، ويتداولونها بحذف واو العطف للدلالة على الترتيب والتوالي.

 * * * *

[1]  تاريخ آداب العرب ج 1 ص186.

[2]  نفسه.

[3]  لغة تميم (مرجع سابق) 333.

[4]  في اللهجات العربية (مرجع سابق) ص 330.

[5]  نفسه.

[6]  نفسه.

[7]  من ألعاب الأطفال النارية.

[8]  لغة تميم ص337.

[9]  نفسه.

[10]  من شريط مسجل من إداعة البحرين، وعلامة الإستفهام إشارة إلى أن صاحبه غير معروف لدي بشكل قاطع.

[11]  هو ما يعرف في بعض البلاد العربية بالفول السوداني، وأصل الكلمة: زگ سبال أي: نجو القرد، سمي بذلك لمشابهته له.

[12]  ذيل الأمالي والنوادر لأبي علي اسماعيل بن القاسم القالي البغدادي ص 79 دار الكتب العلمية بيروت رقم ط بدون، س 1398هـ.

[13] في اللهجات العربية (مرجع سابق) ص254 عن لسان العرب.

[14]  البرغوث حشرة معروفة، وفي تاروت يسمون اللوز الاستوائي مادام فجاً بغروف، والحاضرة ومشابهها يسمونه: خضّيم.

[15]  السفاد للحيوانات بمثابة الجماع للإنسان، وقد تستعار للإنسان.

[16]  هو من يستخدم يده اليسرى في قضاء شئونه الخاصة من عمل وكتابة ونحوه.

[17]  الجازرة أوالزاجرة: سقاية الزرع بالثور، ولعلها آتية من الزجر أي:حث الثور على العمل.

[18]  النحت في اللغة العربية ص61 د. / نهاد الموسى أستاذ العربية في كلية الآداب من الجامعة الأردنية دار العلوم للطباعة والنشر ط1 س 1405هـ.

[19]  نفسه ص 65.

[20]  دراسات في فقه اللغة (مرجع سابق) ص265 (الحاشية).

[21]  النحت (السابق) ص وتاريخ آداب العرب ص 188.

[22]  النحت (السابق) ص63.

[23]  نفسه.

[24]  نفسه.

[25]  تاريخ آداب العرب ص 188.

[26]  دراسات في فقه اللغة ص 244.

[27]  النحت ص66 و67.

[28]  نفسه 135.

[29]  نفسه ص 140.

[30]  نفسه ص 140.

[31]  نفسه ص 89.

[32]  مقال (من أعلام القطيف عبر العصور) السيد سعيد الشريف مجلة الموسم ع 9 و10 مج 3 س 1411هـ ص 277.

[33]  مباحث لغوية ص 46.

[34]  فقه اللغة المقارن ص 69.

[35]  تاريخ آداب العرب(السابق) ج 1 ص249.

[36]  معجم الأمثال العامية في نجد ج3 ص 107

[37]  فقه اللغة المقارن ص 235. وراجع أيضًا معجم الأدباء لياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 2. بدون تاريخ. ج 1 ص 159.

[38]  تنفيه الخاطر ح ا ص 15 الملا محمد علي الناصري ط 3 س 1399هـ دار الإرشاد العامة المنامة البحرين.

[39]  نفسه ص 99.

[40]  نفسه ص40.

[41]  الكنايات العامية البغدادية عبود الشالجي ص176 رقم الطبعة والمطبعة غير مذكورين في النسخة التي لدي، س 1399هـ.

[42]  في اللهجات العربية ص 84.

[43]  في اللهجات العربية 231، ولا يبعد أن تكون: كرمال السائدة في اللهجة اللبنانية كما في قولهم: (كرمالك)، و(كرمال عيونك)، أن تكون من هذا الباب، وأن أصلها: (كرماً لك)، و(كرماً لعيونك) بمعنى: إكراما لك، وإكراماً لعينيك.

[44]  أبعاد العربية (مرجع سابق) الحاشية ص 147.

[45]  نفسه (الحاشية) ص 203.

[46]  نفسه ص 183و 203.

[47]  نفسه ص 125.

[48]  البصاير والذخائر ج 3 ص 29.

[49]  العام أو اللعام،حذفت منها الصفة لكونها معروفة، وانصرفت في اللهجة للدلالة على: العام الفائت أو الماضي.

[51]  مورايل من الخليج (مرجع سابق) ج 1 ص 265.

[52]  نفسه 267.

[53]  جواهر البلاغة في المعاني والبديع والبيان ص324 السيد أحمد الهاشمي دار الكتب العلمية بيروت بدون رقم طبع ولا تاريخ.

[54]  نفسه.

[55]  فصول في فقه العربية ص246.

[56] الأمالي في لغة العرب لأبي علي إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي مج 2 ص 211 دار الكتب العلمية بيروت لبنان بدون رقم ط س 1398هـ.

[57]  نفسه ص215.

[58]  نفسه ص216.

[59]  فصول في فقه العربية (مرجع سابق) 247.

[60]  نفسه.

[61]  نفسه ص 246.

[62]  نفسه ص 247.

[63]  نفسه.

[64]  نفسه.

[65]  فقه اللغة المقارن ص 72.

[66]  الأمالي في لغة العرب مج2 ص214، ويروى بلفظ: مسيخ مليخ كطعم الحوار.

[67]  المعجم الفارسي الكبير مج 1 ص 475، و995 إبراهيم الدسوقي شتا مكتبة مدبولي القاهرة س 1412هـ. بدون رقم ط.
باحث
307104