الأحساء في حرم الجذور
جاسم الصحيح * - 11 / 3 / 2011م - 9:42 ص - العدد (27)

منذ البدايات وهي ما تزال واقفة تصهر سبائك الرمال الذهبية في شمس الخلود وتصنع السوار الساحلي الذي يطرز ذراع (الخليج).

باختصار خجول، هذه هي الإحساء التي اصطفاها الزمان لتكون شاهدة على أن الحضارات الخالدة هي تلك الحضارات التي تبوح بالعطر وتهمس بالنغم لا تلك التي تلوح بالبارود وتتعلك بالرصاص.

وبتفصيل جريء، أعرفها فأقول: إن الأحساء نطف من الهواجس القلقة مكتنزة بالترقب الغائر في جوف اللهفة إلى المجهول، لا تدري ما الذي يترجرج به ماء الخلق في رحم الغيب.. هل يعود بنو (عبد قيس) إلى ينابيعهم التي لفظت أنفاسها.. هل ينبعث فرسان (بكر) الذين أنجبتهم حرب البسوس صناديد هيجاء.. هل يعلن الشعر انتماءه إلى (طرفة) أم إلى خاله (المتلمس).. والقرامطة هل بوسعهم أن يتمردوا على التراب وأن ينسلوا من الأكفان.. وهل...؟!

في طفولتها المبكرة، التقت الأحساء بالحق ومضيا يتجولان في الأزقة وينثران في الدروب خطاهما الأنيقة حتى امتزجت رائحة المكان بما يشبه الأحلام الطفولية البسيطة.

ذات ربيع قديم، تزوجها الحقل زواجاً كان الأزل أحد شاهديه، وتآلفاً حد الإنجاب المبكر الذي تمخضت عنه شيخة الفصول الأربعة التي قفزت من جذورها في باطن الأرض وألقت بجدائلها على الآفاق فابتلعت الأزمنة والأمكنة.. تلك هي شاعرة الرمل والماء.. شاعرة الحر والقر.. السيدة النخلة. منذ ذلك الحين، بقيت الأحساء تستيقظ على وقع أقدام الفجر فترى الطبيعة بانتظارها في كل مكان.. تسمع نداء الليمون وصراخ عرائش الكروم وصيحات أزهار الرمان.. تسمعها جميعاً تتضرع حالمة بالرضاع، فتدير على صدرها ساقيتين من خصب وحب حتى تتدفق المواسم بأنها الألق وترفرف من عباءة الورد حمائم العبق فإذا بالمدى واحة من واحات السكينة تمحو من النفوس الضغائن وتملأ القلوب بالجنائن.

بعد كل هذه الصبابة الولود، بدأ السأم يتسلل إلى عروق الحبيبين حاملاً معه وثيقة الطلاق، وثمة راية من الأسئلة تنتصب في وجه الأولاد المأخوذين بالحيرة: لماذا انطفأت فتيلة الخصب.. لماذا غصت الينابيع بالسراب.. لماذا خلت مقاعد الغصون من تلاميذ الورد وكتب الثمرات.. لماذا...؟؟؟.

فجأة.. يرتسم على لوحة المشهد ذلك التنين الحضاري الأسود المسمى مجازاً بالنفط.. المدجج بأذرعة خرافية أخذت تزرع الأشجار بالمقلوب حتى اختنقت همسات الأفنان في حضن المروج وفرت العصافير من مواطنها حين داهمتها المداخن بسحابات من الأوهام العصرية.. آه.. كم كبير هو الفرق بين زغردة العصفور في منفاه على سلك كهربائي وبين زغردته وهو جالس على عرشه/ الغصن أو سدة حكمه/ السعفة.

والإسفلت.. هل الإسفلت إلا كتيبة من عقارب تزحف على أيام طفولتنا الأولى غارسة أنياب الظلام الخشن في جسد الخطوات الطفولية الناعمة؟!!!.

ولكن يبقى للأحساء سرها الذي لا يتجلى إلا في مرآة إنسانها الرومانسي المتمسك بالأرض تمسكاً وجودياً مشدوداً من شرايينه إلى كل حبة رمل، يراهن أكثر ما يراهن على بقاء الذاكرة الهجرية قوية حيث أن أخطر موت هو موت الذاكرة الوطنية عند الشعوب.

إذن.. الذاكرة هي المطلق في حالة الوجد الأحسائي الذي هو بالتالي وجد إنساني، لكن تجليه هنا يأخذ بعداً أكثر توهجاً من تجليه في أماكن أخرى وهذا عائد إلى طبيعة النفس الأحسائية الممزوجة فطرياً برائحة العتق والقدم منذ الفجر الأول. لذلك، دائماً ما تبدو الأحساء في حالة من الخشوع واقفة في حرم الجذور تمارس طقوس الحلم بالعودة إلى الحقل.

شاعر
381662