دولة ديلمون (الكبيرة)
جمعة حريز الطلبي * - 11 / 3 / 2011م - 1:24 م - العدد (28)

تعد دراسة تاريخ منطقة الخليج العربي وحضارته في العصور القديمة من الدراسات حديثة المنشأ، في مجمل دراسات الشرق الأدنى القديم.

إلا أن المنطقة وبما قدمته من اكتشافات أثرية تعبر عن ماض وتاريخ أثري عريق، وعن حضارة متقدمة، تمتد جذورها إلى عصور ما قبل التاريخ. الأمر الذي يزيل كل الأفكار التي تشكك في عدم أهمية المنطقة من الناحية التاريخية والحضارية.

ومع زيادة الوعي الأثاري العربي، أصدرت الحكومات المحلية في دول الخليج العربي قوانين الآثار، وأنشأت المتاحف من أجل حماية آثارها الوطنية، ثم أنها شكلت بعثات تنقيب محلية وأخرى عربية، كذلك أسهمت بعثات أجنبية في الكشف عن جوانب حضارة هذه المنطقة، من خلال أعمال التنقيب التي قامت بها، ونشير بشكل خاص للجهود المتميزة للبعثة الدنماركية في المنطقة والتي بدأت أعمالها مع بداية العقد السادس من القرن العشرين، وتحديداً في عام 1953 في دولة البحرين ثم انتقلت بعد ذلك إلى جزيرة فيلكا في دولة الكويت والمناطق الأخرى من الخليج العربي[1] .

فهذه المنطقة والتي تقع في منتصف العالم القديم لعبت دوراً مهماً في العصور القديمة، ونتيجة لموقع الخليج الاستراتيجي، باعتباره الوسيط في شبكة التجارة العالمية القديمة وقربه من المراكز الكبيرة في بلاد وادي الرافدين وبلاد وادي السند وبلاد عيلام.

نرى أن سكان الخليج العربي قد استفادوا كثيراً من موقعهم الاستراتيجي، واتصلوا من خلاله الحضارات المجاورة، وتفاعلوا معها، واقتبسوا منها الكثير، وطوروا لأنفسهم علاقات مع أماكن أخرى بعيدة[2] .

فهم إضافة إلى اتصالهم بالمراكز المجاورة، اتصلوا عن طريقها، كما حصل عن طريق بلاد وادي الرافدين، عندما اتصلوا ببلاد سوريات القديمة وبلاد الأناضول، وهذا ما تأكده الأدلة الأكثرية والكتابية[3] .

حضارة ديلمون

كانت ديلمون أول جزيرة يرد لها ذكر في السجلات التاريخية القديمة، وقد حظيت بمكانة دينية مقدسة بين تلك البلدان التي يرد ذكرها في النصوص المسمارية في بلاد وادي الرافدين، كما أنها كانت ذات قيمة كمركز تجاري، وميناء، ومن خلالها لم تصل البضائع التجارية فحسب، وإنما عبرت الأفكار أيضاً[4] .

ويتفق الآثاريون جميعاً على أن جزيرة البحرين هي (ديلمون) التي أشارت إليها النصوص المسمارية الرافدينية[5] . إذ وردت بصيغة [Ni - Tukki)(6]  وهي (ديلمون) (Dilmum) أو (تلمون) (Tilmun) وهي (Dihmun) في الأصل[7] .

إن موقع البحرين الجغرافي يحقق مثل هذه الإمكانية، فهي تقع في منتصف الطريق أسفل الخليج العربي، ثم أنها ميناء مميز تتوافر فيها المياه العذبة التي يمكن أن تزودها الآبار والينابيع المتوفرة فيها ولا سيما في الجزء الشمالي الغربي من الجزيرة[8] .

وهكذا نرى أن (ديلمون) ونتيجة لموقعها الجغرافي في وسط المراكز الحضارية القديمة حظيت بمكانة بارزة في حضارة منطقة الخليج العربي، وحضارات الشرق الأدنى القديمة، لكونها إحدى المراكز الحضارية الهامة، فهي مركز حضاري لعب دوراً متميزاً وخطيراً بين تلك المراكز في التجارة البحرية الدولية وفي الثقافة الإنسانية وذلك في الألفين الثالث والثاني ق.م[9] .

وقد كانت حلقة وصل مهمة بين الكثير من الشعوب القديمة، ولهذا فلا بد أن يكون لها الفضل في قيامها بدور ليس بالقليل في نشر الحضارة في منطقة الشرق الأدنى القديم.

حدود دولة ديلمون (الكبيرة)

لقد كانت دولة ديلمون ومنذ أيامها الأولى مجتمع منظماً متطوراً وصل إلى مراحل متقدمة في سلم الحضارة الإنسانية ولعب دوراً ثقافياً واقتصادياً وحضارياً مؤثراً في المنطقة[10] .

وهو أمر يستطيع الباحث أن يستنتجه من خلال ما تزخر به المتاحف الوطنية في منطقة الخليج العربي من مواد أثرية كثيرة جداً يمكن أن نستقرئ منها جوانب عديدة من حياة المجتمع الديلموني أفراداً وجماعات، كما لا يسعنا أن نغفل أيضاً العديد من المواقع الأثرية التي ترفدنا بالمزيد من اللقى الأثرية والتي تكشف جوانب أخرى من حياة المجتمع الديلموني[11] .

وهذا ما يحاول الباحثون الاستفادة منه لسد النقص في الأدلة الكتابية، إذ أن ما اكتشف في المنطقة حتى الآن ما يزال ضئيلاً جداً، بالقياس إلى الكم الهائل من الكتابات التي عثر عليها في حضارة وادي الرافدين، والتي كان لها الفضل في كشف جوانب كثيرة من حضارة منطقة الخليج العربي، إذ أنها تشكل أقرب المصادر زمناً للدراسة تاريخ وحضارة هذه المنطقة، وهي تغطي مدة طويلة من التعاتب الزمني في منطقة الخليج العربي تبدأ من عصر الوركاء وتستمر حتى فترات متأخرة[12] .

وهكذا يمكن القول أن الشعب الديلموني كانت له صلاته وتعاملاته مع الشعوب الأخرى كدول وكأمم وكأفراد، وقد تم رصد ذلك في عدد من الرسائل الرسمية والتجارية بين حكام ديلمون وبعض حكام بلاد وادي الرافدين وسوريا القديمة، وكذلك في المراسلات بين تجار من ديلمون وتجار من بلاد وادي الرافدين[13] .

ونستطيع القول أن تعريف ثقافة ديلمون ليشمل المسعى مناطق واسعة من منطقة الخليج العربي تتصل به حضارياً، يضعنا مع ما يراه بعض الباحثين بخصوص حدود دولة ديلمون (الكبيرة)، فهناك من الباحثين من يرى أن هذه الدولة تضم الجزء الشمالي الغربي من منطقة الخليج العربي، وتمتد من قم شط العرب في شمال دولة الكويت وجزيرة فيلكا، وباتجاه جزيرة البحرين جنوباً، مع الجزء الوسطي من منطقة الإحساء في شرق المملكة العربية السعودية هناك من يرغب في أن يكون امتداد دولة ديلمون الشمالي إلى أهوار العراق الجنوبية[14] . إلا أنه وطبقاً للمعلومات الأثرية المتوافرة، فإن الحدود الشمالية يمكن أن تكون حدود دولة الكويت، ليس فقط جزيرة فيلكا ولكن البر الرئيسي وجزيرة أم النمل(15).

وقد حاول الباحث د. بوتس[16]  أن يضع فرضية عن مركز ديلمون، فهو يرى أن منطقة ديلمون في عصر السلالات المبكرة أو حتى ما قبلها خلال فترة الوركاء المتأخرة كانت تطلق على البر الرئيسي لشرق الجزية العربية في المنطقة الممتدة من أبقيق وإلى جزيرة تاروت[17]  ولكن هذا الوضع لم يستمر على هذا المنوال، فمع نهاية عصر فجر السلالات المبكرة والدخول في العصر الأكدي وحتى بداية العصر البابلي القديم، أخذت جزيرة البحرين تصبح المركز التجاري الرئيس لدولة ديلمون (الكبيرة) والتي كانت تضم أيضاً منطقة الإحساء وجزء من شرق الجزيرة العربية. وفي نهاية فترة أور الثالثة امتدت شمالاً حتى جزيرة فيلكا التي أصبحت في الفترة الكشية مركز ديلمون الجديد[18] .

وهناك من الباحثين من يرى أن دولة ديلمون قد مرت بعدة مراحل، وأن هذا التقسيم إلى مراحل يستند إلى التأثيرات الحضارية الوافدة من الحضارات المجاورة فالعصر الذهبي لدولة ديلمون يمتد من حوالي (2200 إلى 1600ق.م).

ويقسمون هذه الفترة إلى مراحل ثلاث:

1- المرحلة الأولى: وتمتد هذه المرحلة من حوالي (2200 - 200 ق.م) وقد كانت التأثيرات الوافدة من بلاد وادي السند واضحة وكثيرة.

2- المرحلة الثانية: وتمتد من (2000 إلى 1800ق.م) وتظهر في هذه المرحلة التأثيرات الرافدينية[20] . حيث يرى بعض الباحثين أن التأثير الآموري الذي سيطر على القوى السياسية في ديلمون، كان واضحاً، كما حدث في مدن جنوب بلاد وادي الرافدين[21] .

كانت جزيرة البحرين في هاتين المرحلتين هي المركز الرئيس في دولة ديلمون[22] .

3- المرحلة الثالثة: وتمتد من حوالي (1800  -  1600ق.م) وهي الفترة التي بدأت فيها جزيرة فيلكا الواقعة في دولة الكويت، باحتلال مواقع متقدمة في حضارة ديلمون ودولتها[23] .

ويبدو أن هذه المكانة التي حظيت بها هذه الجزيرة دينياً وتجارية جاءت نتيجة القرب من بلاد وادي الرافدين وباعتبارها أقرب المحطات التجارية إليها.

وبالرغم من الأفول الذي حصل لهذه الحضارة في النصف الثاني من الألف الثاني ق.م إلا أنه يمكن القول أن المراكز الحضارية في هذه المنطقة استمرت في العطاء والتفاعل حتى فترات متأخرة جداً ومن ضمنها العصور الإسلامية[24] .

الخلاصة

وهكذا نرى أن منطقة الخليج العربي لعيت دوراً مهماً في الألف الثالث والثاني ق.م وهي الفترة التي شهدت نمواً وازدهاراً حضارياً عظيماً في كل من بلاد وادي الرافدين ووادي السند ونشأت في منطقة الخليج العربي في هذا الوقت حضارة محلية عفت بالحضارة (الديلمونية) استطاعت هذه الحضارة أن تساير التطورات الحضارية في المنطقة. وأن تنشأ لها كيان سياسي وديني وثقافي وإن كان متأثراً بالحضارات المجاورة، أي أنها استوحت بعض السمات الحضارية من الحضارات الأقوى والأكثر انتشاراً مثل حضارة وادي الرافدين ووادي السند، إلا أن أهل هذه المنطقة مع ذلك طوروا لأنفسهم حضارة محلية ذات خصوصية، مع إدراك من شعوب هذه المنطقة لضرورة الاختلاط مع الشعوب المجاورة، فقد عرفوا بالفطرة أن هذا الاختلاط والالتقاء مع الحضارات المجاورة لا يحط من قدرهم وقدرتهم على استيعاب المؤثرات الحضارية والتعامل منعها ومحاولة الاستفادة منها، واضفاء طابع المحلية عليها.

[1]  ينظر بهذا الشأن:

جيفري بيبي، البحث عن دلمون، ترجمة أحمد عبيدلي، قبرص، 1985 والكتاب هو تسجيل لرحلة العمل التي قامت بها البعثة الدنماركية في منطقة الخليج العربي.

[2]  بهذا الشأن ينظر:

D. POTTS THEDILMUN FURTHER RELATION , THE SYRO- ANATOLIAN EVIDE FROM 3RD AND 2 ND MILLENNIA B.C.

وهو مقال منشور في كتاب مختصره (BTAA)

BAHRAIN THROUGH THE AGES , THE ARCHAELGY (ED)

[3]  ينظر:

P. Kjearum (The Dilmun Seals as evidence of long distance relation in early and millennium B.C).

وهو مقال موجود في الكتاب المشار إليه في الهامش السابق BTAA)).

[4]  بيتر كورنوول. دلمون تاريخ البحرين في العصور القديمة. ترجمة د. محمد علي الخزاعي، البحرين 1999، ص177.

[5]  Cornwall, p,B (on location of dilmun) BASOR, vol. 103 p.3 - 11.

[6]  Labat, R (Manual Depigrahie Akkadien) paris, 1976. p. 127.

[7]  G.w Bower sock (tylos and Tyre: Bahrain in the Graece - Roman world) BTAA. p. 339.

[8]  E. C. L, During caspers (Animals designs and Gulf chronology) BTAA, p. 288.

[9]  عبد الرحمن مسامح، مقدمة في تاريخ البحرين القديم، البحرين، 1997، ص26.

[10]  هيا علي جاسم الثاني، الخليج العربي في عصور ما قبل التاريخ، مصر، 1997، ص23 وما بعدها.

[11]  عبد الرحمن مسامح، المصدر السابق الذكر، ص100.

[12]  H. J. nissen (occurrence of Dilmunin the oldest text mesopotamian) BTAA, p.335 - 339.

[13]  بشأن هذه الصلات ينظر:

Leemans, w, f (Foreign Trade in old in old baby lonian period) Leiden, 1960, p. 24FF.

[14]  H. carter, (the tangible for the earlist Dilmun) jcs, vol, 33, 1981, p. 210 - 223.

[15]  Y. calvet (Failaka and Northern part of Dilmun) PSAS, vol, 19, 1989. p.5.

[16]  دانيال بوتس، باحث آثاري من أستراليا، يعد من أشهر الباحثين في مجال آثار الخليج العربي.

[17]  Patts. D (Dilmun: Where and When) Dilmun, No, 11, 1983, p. 16.

[18]  Potts, D. (Re thinking some aspect in the Arabian Gulf) world Archaeo logy, vol, 24, 1994, p. 424.

[19]  Rao, S, R. (Trade culture contacts Between Bahrain and India in the third and second mill. B. C) BTTA. 1986. p. 377.

[20]  بشأن التأثيرات الرافدينية. ينظر:

خالد محمد السندي، الأختام العلمونية بمتحف البحرين الوطني. ج1. البحرين، 1994 وكذلك:

بول كيروم. فيلكا من مستوطنات الألف الثاني قبل الميلاد، المجلد الأول، الجزء الأول، الأختام والأختام الأسطوانية، ترجمة د. خير نمر ياسين، الكويت (بلا).

[21]  هيا علي جاسم الثاني، المصدر السابق الذكر، ص19.

[22]  During caspers, (Triangular Stamp seals from Arabian Gulf once Agen) PsAs, vol, 23,1993, p.99.

[23]  بشأن هذه التقسيمات، ينظر:

Hojland, F. (The formation of Dilmun state and Anorite tribes) PsAs, vol, 19, 1989. p.53 - 54.

[24]  كيرفران مونيك وآخرون. حفريات قلعة البحرين، الجزء الأول، 1977 - 1979، دولة البحرين، 1985.
كاتب - العراق. ماجستير في آثار الخليج العربي.
304981