أم الحمام بين الأمس واليوم
كاظم الشبيب * - 11 / 3 / 2011م - 1:55 م - العدد (28)

جاء هذا العنوان لكتاب صدر في الشهور الأخيرة من سنة 2002م الموافق 1423 هـ كطبعة أولى لمؤلفه الأستاذ محمد الشيخ منصور المرهون، وهو من منشورات مؤسسة الهداية في بيروت.

لقد ذكرت أم الحمام في بطون بعض الكتب التي تحدثت عن المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية مثل تاريخ هجر لعبد الرحمن بن عثمان الملا، وساحل الذهب الأسود لمحمد سعيد المسلم... وغيرها، لكنها المرة الأولى التي يخرج للنور فيها كتاب منفصل ومستقل يُعنى بأم الحمام وسكانها وتاريخها وطبيعتها الاجتماعية والثقافية والتراثية...الخ وسيسجل التاريخ هذا السبق للكاتب.

هذا الإصدار ذو المائتين وخمسة وأربعين عنواناً في فهرسته وثلاثمائة صفحة من الحجم الكبير، يُعبر عن جهد غير قليل قد بذله المؤلف خلال فترة كتابته وإعداده وطباعته.

وقد أخبرنا من خلال هذا الكتاب عن وجود كتاب مخطوط عن هذه القرية وأهلها وتاريخها ومجتمعها باسم (تاريخ أم الحمام) للخطيب عبد العظيم الشيخ منصور المرهون، رحمه الله تعالى، المتوفى في 1424هـ، وهو أخو المؤلف، وقد كتب في تقريض الكتاب قصيدة عن المؤلف وأم الحمام.

ترحيب غير كامل بالكتاب

بقدر ما لقيه الكتاب من الترحيب بسب ما احتواه من غنىً وثراء بالمعلومات في الكثير من جوانب الحياة اليومية لهذه البلدة، والتي ستساهم، بلا ريب، في المحافظة على أجزاء من التراث الثقافي والاجتماعي والتاريخي؛ كالمهن والألعاب الشعبية والألبسة والصناعة والأفراح والأحزان والأدباء ورجال الدين. إلا أن هذا لا يمنع من إبداء الملاحظات على ما تضمن من أخطاء وفوائت لم يشفع للكاتب معها التماسه، في المقدمة ص: 15، التغاضي عن تلك الأخطاء والفوائت. فقوله: "وإني حين أقدم هذا الجهد لا أزعم أنّ ما قدمته من عمل يتصف بالكمال، لأن الكمال لله وحده. فهناك الكثير مما فاتني، ولا شك أن للقارئ الكريم أثراً في دعم هذا الجهد بالرأي السديد والنقد الهادف، الذي يأخذ بيدي إلى ما هو أفضل". لا يصلح مبررًا لما في الكتاب من أخطاء لأنها ليست من قبيل السهو العفوي الذي غالبًا ما يقع فيه الكتاب، بل هي أخطاء منهجية في الكتابة.

ولكي تكون الصورة متكاملة لدى قارئ هذا الكتاب، ومن أجل المحافظة على الأمانة التاريخية، وتكوين صورة أقرب إلى التكامل عن هذه القرية وأهلها، وجب على كل مهتم بهذا الشأن من البحث والكتابة السعي للتنبيه لتلك الأخطاء التي احتواها الكتاب، وسد نواقصه.

وحسب القراءة الأولية للكتاب فإن الأخطاء الواردة فيه على نوعين: (1- منهجية، 2- تحقيقية)، وسنتطرق في هذه الصفحات إلى النوع الأول منها فقط، وهي أخطاء منهجية خمس.

الخطأ الأول المكان بين التخصيص والتعميم

نلاحظ في كتب التاريخ والجغرافية الحديثة، أن الكاتب يعمل على توضيح الحدود المكانية للمنطقة أو البقعة التي يؤرخ لها، فتتركز جهوده ومعلوماته في البحث والكتابة والتجميع والعرض عنها وحدها، والواضح أن الأستاذ المرهون قد اجتهد لتحقيق هذا الهدف، ولكن يبدو أنه لم يوفق لبلوغه، لذا تبرز في ذهن القارئ علامة استفهام مباشرة تحمل على التساؤل عما إذا كان يقرأ كتابًا عن أم الحمام، أم عن القطيف بصورة عامة، أم عن المنطقة الشرقية كاملةً؟ بسبب اختلاط المعلومات بين التخصيص المعني به الكتاب، وهو أم الحمام، والتعميم الذي ينبغي الالتفات إليه لا حذفه وهو القطيف والمنطقة الشرقية. ويرد ذلك في مواضيع العناوين التالية: " أسماؤها" ص32 وتحدث فيها عن القطيف والقرامطة والأحساء وسيهات أكثر مما عن أم الحمام، وفي ص 51 عنوان "جغرافيتها" تحدث عن عنك وكأنها المعنية بهذا العنوان، أما موضوع الزراعة ص180 فأغلبه عن القطيف كقوله:

"كانت الزراعة أهم شيء ثابت تعتمد عليه منطقة القطيف في حياتها الاقتصادية.... فكانت تنتج الحبوب كالأرز الأحمر ويسمى الهندية، والفواكه على اختلاف أنواعها.... أما الزراعة الأساسية للسكان فهي: زراعة النخيل التي يعتمد عليها الملاك والفلاح على السواء في حياتهم الاقتصادية..."، وكذلك الوضع الزراعي ص 184 فجلّه عن القطيف وليس أم الحمام، وذات الأمر ينطبق على مواضيع مثل صناعة التسجين ص 208، وموضوع مهنة الغوص ص 209 كقوله:

"تعتبر مهنة الغوص من الأعمال الرئيسية التي يمارسها أبناء الخليج، سواء كانوا حضراً أو بدواً بالإضافة إلى أعمالهم الزراعية، وهي قديمة جداً.... يمارسون هذه المهنة من حين عرف الإنسان اللؤلؤ منذ أقدم العصور، وعملوا على استخراجه، واشتهروا بها حتى كانوا إلى عهد متأخر ينتجون ما يكفيهم سنوياً بالنسبة لذلك الوقت)، وموضوع الثروة السمكية ص212 وغيرها. بل نجد عنوانًا لموضوع لا يتحدث أحياناً عن أم الحمام البتة كما جاء في الحديث عن أهميتها - أم الحمام - الاقتصادية ص 178 فيقول:

"الموقع الجغرافي لواحة القطيف بوأها مركزاً استراتيجياً في الأيام الغابرة، وجعل لها أهمية اقتصادية كبرى منذ أقدم العصور.... كما تستقر على ساحل الخليج مباشرة، حيث تفد إليها السفن التجارية عبر موانيها من جميع أنحاء العالم محملة بمختلف البضائع. فكانت بمثابة همزة وصل بين تجارة الشرق والغرب.... ومصادر ثروتها البحرية لا تقل سابقاً عن إنتاجها الزراعي ونشاطها التجاري...".

وخصوصية المكان هذه لا تلغي التداخل، ومن ثم التشابه بين الأمكنة المتجاورة، بل المتلاصقة أحياناً، كالتشابه في شكل الألبسة ونوع الطعام والألعاب والأمثال الشعبية والعادات والتقاليد، بل قد تتطابق هذه الأمور إذا ما توحدت اللغة والدين والمذهب في رقعة جغرافية واحدة كما هو في محافظة القطيف من المنطقة الشرقية.

لذلك لا غرابة في وجود ذات التفاصيل في الكتب المعنية بمدن وقرى هذه المنطقة. بينما الأجدر والأصلح لتاريخ هذه البلاد أن يتناول الباحثون تلك التفاصيل من زوايا أخرى كالأصول التي تنتمي إليها العوائل أو الألعاب والأمثلة الشعبية، أو انعكاس تلك الأمور على شخصية وهوية أبناء هذه المنطقة، وبذلك تُكمل هذه الكتابات الصادرة بين فترة وأخرى بعضها البعض.

الخطأ الثاني الزمان بين التخصيص والتعميم

ولعدم وضوح منهج الكتابة نجد الكتاب غير مختص بفترة زمنية (قرن أو أقل أو أكثر) للكتابة عنها، فهو تارة يغوص في قديم العصور، وأخرى وهي الأغلب، يطفو إلى التاريخ الحديث. وبسبب تداخل الفترات الزمنية التي يتحدث عنها الكاتب، وعدم وضوح التواريخ المعنية بالمعلومة، كما في صفحات 20 - 21، مما يجعل المعلومة قد ترتبط بالتاريخ البعيد أو القريب أو الزمن الحاضر، لذا يجد القارئ نفسه في حقب متداخلة، ليس من تقسيم يفصل بينها، فلا يعلم عن أي تاريخ يقرأ. وإذا كان المراد من الكتاب الفترة الزمنية (القريبة: مائة سنة مثلاً) فإننا نجد أن الكاتب غاب عنه بأن لكل فترة زمنية صبغة عامة تتسم بها، وتصبح من أهم سماتها، فلا يذكر تاريخها إلا بها، وذلك لما لها من تأثير على حياة الناس وسلوكهم وثقافتهم وطبيعتهم وقد تتموج آثار هذه السمة إلى سنين طويلة، كما هو أثر القنبلة الذرية التي سقطت على هيروشيما ولاتزال تموجات تأثيراتها على الجيل الياباني حتى اليوم.

أم الحمام مرت خلال المائة سنة الماضية بأحداث كانت لها تأثيرات لاتزال تتفاعل إلى يومنا هذا، في الحياة المدنية بعد الحياة الريفية، والثقافة والدين...الخ، ومن أهم تلك الأحداث

أولاً: توحد المملكة العربة السعودية وتكون الدولة السعودية وتطور هذه التجربة إلى ما وصلت إليه اليوم.

وثانياً: النفط ووجود شركة أرامكو في المنطقة الشرقية.

وثالثاً: قرب هذه المنطقة وتداخلها مع الشعوب الخليجية وبالخصوص البحرين والأحساء والعراق وإيران والأحداث الواقعة فيها.

فقد أثّرت هذه الجوانب على المنطقة الشرقية من المملكة وعلى السواد الأعظم من أهلها، ومن بينهم أم الحمام، فهم ريفيو المزاج والطبع في الأصل، ومحافظون في سلوكهم، فأسهم نشاط شركة أرامكو - مثلاً - في أن يكونوا منفتحين ثقافياً.

الخطأ الثالث تاريخ بلدة أم تاريخ أسرة

عندما يكتب المؤرخ عن منطقة ما لابد أن يكون الإنسان (كفرد وأسرة ومجتمع وشعب) عنصرًا أساسيًّا من عناصر الكتابة بينما يختلف عنه من يكتب عن تاريخ عائلة أو قبيلة ما، فالأساس في الثاني هو القبيلة وعناصرها... وحيث أن الأستاذ محمد المرهون يعرف ذلك وقد أشار إليه في المقدمة ص 14 عندما قال: "الفائدة التي توخيتها من وضع (الكتاب)، هي التعريف بالمسيرة التاريخية لهذه البلدة" فمن الطبيعي أن يتوقع المتلقي عند مطالعة الكتاب هذا المطلب الذي توخاه الكاتب. بيد أن المؤلف خلط بين ما توخاه من كتابه وبين ما احتواه الكتاب من خطأ منهجي آخر عندما أعطى المساحة الأكثر من كتابه لعائلة واحدة هي عائلته التي ينتمي إليها، وهنا توجد ملاحظات مهمة وهي:

أ - عائلة المرهون:

تعتبر عائلة المرهون الأكبر عدداً من عوائل أم الحمام، وهي عائلة محترمة، ذات مكانة مرموقة في البلدة. ولا يختلف اثنان من أهالي القرية على أن لهذه العائلة تأثيراً في تاريخ القرية القريب وأهلها، ولذلك قلما تجد عائلة من عوائل أم الحمام لا ترتبط بعلاقة قرابة أو نسب بهذه العائلة، لكن هذا لا يبيح للكاتب أن يغمط الأسر الأخرى حقها وهو يتناول في كتابه بلدة لا أسرة بذاتها.

ب- العوائل الأخرى:

هنا نجد الكاتب، رغم أنه يذكر بأن عدد العوائل في بلدة أم الحمام 115 عائلة، ويذكر أسماءها في ثمان صفحات من ص 239 إلى ص 246، إلا أنه لم يفرد لأي عائلة منها صفحة واحدة، مقارنة بثلاثين صفحة وثلاثين عنوانًا من الفهرس لعائلة واحدة هي عائلة المرهون، وهذا لا يعيب الكتاب لو كان مكتوباً ليؤرخ لعائلة، ولكنه يصبح خللاً منهجيًا كبيرًا يضر بالكتاب خصوصًا وهو يؤرخ لبلدة كاملة.

حسب المادة التي في الكتاب، فإن تاريخ أم الحمام يعود إلى زمن القرامطة، وقبل ذلك أيضاً، بينما تاريخ آل مرهون يدخل في حدود التاريخ الحديث، لذا من الصعب التسليم والقبول والقول بأن تاريخ آل مرهون هو تاريخ أم الحمام.

لقد كان من الممكن تطوير المادة المكتوبة عن آل مرهون (والتي أظهرتهم كأصحاب فضل على بلدة أم الحمام وأهلها والتغييرات التي حدثت لها خلال السبعين سنة الماضية)، وذلك بوضع عنوان جديد تحت اسم (العوائل المؤثرة في تاريخ أم الحمام)، وتُعطى المساحة لكل عائلة بحسب تاريخها الحقيقي والواقع الفعلي لوجودها. وبذلك يستطيع الكاتب تجاوز النقص الذي حدث وهو إعطاء التمجيد والإكبار لعائلة واحدة، بينما لن يقل قدر وعطاء بعض العوائل الأخرى عن عائلة المرهون.

ج / ترجيح يقود إلى تجريح:

هكذا ترجيح لعائلة واحدة من مائة وخمسة عشر عائلة عدّدها المؤلف، قد يدفع بعض هذه العوائل - تحت عناوين ومطالب مختلفة - إلى التجريح في آل مرهون، والتجريح عندما يقوم به البعض سيؤدى إلى تجريح آخر ضده، وتدخل بذلك العوائل في دوامة من التجريح والتجريح المضاد له مما لا حاجة للبلاد له. وقد نلاحظ ذلك بصورة جلية في أمرين:

الأمر الأول: عندما يضع المؤلف تراجم لبعض المثقفين والأدباء في هذه البلدة ويكتب عن (6) ستة منهم فقط وجميعهم من عائلة المرهون، بل هم إخوان من أب وآحد (من بينهم الكاتب)، ولا توجد تراجم لغيرهم، فهذا خطأ من الكاتب ونقص كبير في الكتاب عندما يغفل عن وضع تراجم لأسماء لامعة في تاريخ هذه البلدة أمثال: الخطيب الشاعر الملا حسين الشبيب، والخطيب الشاعر الملا علي أحمد المحسن، والخطيب الحاج الملا سعود عبد العزيز الشملاوي، والخطيب الملا علي سلمان الشبيب، والخطيب الشاعر الملا راضي علي راضي الطلالوة، والملا حسن بن يحي بن ناصر آل محمد علي، والملا علي العباس، والملا محمد صالح المدن، والملا احمد بن صالح بن عبدالعال، وغيرهم...

الأمر الثاني: ويظهر الأمر ذاته عندما يضع الكاتب ست عشر ترجمة مختصرة لبعض أدباء أم الحمام، منهم سبعة من آل المرهون، والبقية لا يذكرهم إلا كنتاج وتلاميذ للحوزة المرهونية (وهي منهج التعليم الديني)، ويغفل عن وضع تراجم لأدباء آخرين يصعب على منصف أن ينساهم. والمكان المقصود هنا - الحوزة المرهونية - لم يأخذ هذه التسمية في حينه أو بعد ذلك، بل سماها الحاج عبد العال بن أحمد بن عبد العال باسم (المدرسة)، وهو من أوقف هذا المكان لهذا الشأن حسب ما جاء في وصيته المؤرخة بعام 1337هجري.

الخطأ الرابع بين المنهج والانطباعات

عندما يؤرخ الكاتب لبلدة ما، ويغيب عنه المنهج المطلوب اعتماده واتباعه لهذا النوع من الكتابة كاعتماد المصادر الأساسية للتاريخ مثل (الوثائق بأنواعها - المسكوكات - الآثار - الأختام والصنج - المخطوطات من الكتب) أو اتخاذ منهج واضح لتفسير التاريخ (اجتماعياً أو نفسياً أو اقتصادياً أو دينياً أو فلسفياً)؛ عندها قد تأخذ الكتابة طابع المذكرات الشخصية أكثر منها تاريخية، وقد تغلب عليها الانطباعات الشخصية المبنية على الانطباعات الذاتية. وعلى ضوء ذلك قد يتوصل الكاتب إلى استنتاجات قد تصيب وقد تخطئ.

ويبدو أن الكاتب، هنا، قد وقع في شيء من ذلك، ونلحظ الأمر جلياً عندما يتناول موضوع الأسرة وهي اللبنة الأساسية للمجتمع والوطن، وبتحديد أكثر عندما يتناول موضوع المرأة. وقد تناول الأستاذ محمد المرهون الموضوعين بنظرة سلبية مما شوه صورتهما، وليت شعري أيكتب المؤلف عن جميع الأسر في أم الحمام، أم يعبر عن الموضوع وفي ذهنه أسرة محددة ارتسمت معالمها في نفسه وعاشت آثارها في وجدانه... لا أعلم؟!

فقد صور كبير العائلة أو عميد كل أسرة في ص 24 بقوله: "هو الحاكم بأمره في الأسرة، والملك غير المتوج الذي يحكم رعاياه ضمن مملكته الصغيرة. فكلهم ينتظمون في خدمته، ويدورون في فلكه، ويقدمون له الطاعة والولاء، لذلك فهم لا يملكون التصرف في أمر من شؤونهم الخاصة".

ويصور سلبية تعامل المجتمع مع الفتاة بحيث تزوج بلا مشاورتها ويضيف ص 25 "وإن شكت لا تسمع لها شكوى، لأن الرجل يعتبر رب البيت، والمرأة تبع، فهي تباع وتشترى في سوق المزايدة"، ولا يذكر النساء الحاليات ككفاءات فعلية موجودة في البلاد، فيذكر العلماء والأطباء والمدرسين والتجار من الرجال، ولا يقوم بنفس الأسلوب بذكر الطرف الآخر وهن النسوة، ويزيد على ذلك بما يخالف واقع التاريخ عندما يقول في صفحة 25: "والحقيقة إن وضع المرأة في الماضي كان أشبه بوضع الدواجن في البيت، لا وظيفة لها إلا التفريخ".

نظام الأسرة:

مما يؤسف له وقوع الكاتب نفسه في تناقض واضح في عرضه لنظام الأسرة؛ فبينما يقول في صفحة 21: "وحتى العوائل نفسها كانت تسودها شريعة الغاب، حيث كانت مسرحاً للتشاجر والتناحر فيما بينها". إذا به ينقض قوله هذا، وفيه ما يكفينا عناء الرد، ففي صفحة 105 / 106 من الكتاب تحت عنوان السلوك الاجتماعي، يقول: "من أبرز مظاهر الحياة الاجتماعية: التعاطف، والكرم، والنجدة، كصلة الأرحام، والعطف على الفقراء والمساكين، ومد يد المساعدة للمحتاج، وإذا أصيب أحدهم بكارثة أو خسارة مالية، أو وفاة قريب هبوا لمساعدته مادياً ومعنوياً، فإذا حل شهر رمضان أو أيام الأعياد؛ وزعوا الصلات والصدقات، وكان لكل فرد ميسور الحال مجلس لاستقبال الضيوف وتلاوة القرآن الكريم في كل ليلة، وإلقاء محاضرة دينية. كما كانت للضيف حفاوة بالغة عندهم.. وإذا حدث حريق تضافروا للنجدة... وامتازوا في الإسراع في تشييع وتجهيز الميت بما يلزم بدون مقابل". فهل يمكن أن يتصف مجتمع تسوده شريعة الغاب بهكذا سمات وصفات وعادات خيّره؟!

المــــــــــــــــــــرأة:

والمرأة التي لا وظيفة لها إلا التفريخ في رأي الكاتب قد بخسها حقها، فتاريخ أم الحمام فيه المعلمات للقرآن والقراءة والكتابة والشاعرات والملاّيات والخطيبات... الخ، ونكتفي بما ذكره الكاتب نفسه في مواقع أخرى حيث وجد لها بعض الوظائف منها ص 55 بقوله: "واشتغلت النساء بالغزل والنسيج؛ كالبسط والأخراج"، وفي صفحة 176 عند حديثة عن الزينة عند المرأة وفي إصلاح الشعر والعناية به يقول: "كانت تلك العملية تقوم بها امرأة متخصصة، أو امرأة متفرغة"، ويتحدث عن دور النساء في صناعة الخبز في ص 224 بعد ذكر أسماء الخبازين من الرجال بقوله: "بالإضافة إلى ما تقوم به النساء من الخبز ويعرف بخبز(أرقاق)" وعندما يتحدث عن التعليم قديماً ويذكر المعلمين يقوم بذكر معلمة واحدة وهي (زهراء بنت محمد ملا أحمد الرضوان) في ص 226.

أما عندما أراد الكلام عن صناعة الخوص في ص 227 قال: "تختص صناعة الخوص بالنساء، فتنُسج من الخوص كثير من الأدوات، كالحصر، وسفر الطعام والقفف، والزنابيل، والمراحل، والمساقط"... الخ. وفي مهنة الخياطة ص 228 يقول: "كانت الكثير من الملابس النسائية سابقاً تقوم بخياطتها النساء أنفسهن. وكانت المرأة تتفنن بخياطة بعض الملابس كالدراعة....،....، وتتفنن المرأة في تطريز حواشيها - الملابس -".

الخطأ الخامس نقص التوثيق وتوثيق النص

أ - نقص التوثيق:

من أهم التقنيات في صياغة الكتابة التاريخية هي عملية التوثيق عبر وضع الحواشي المحددة للمراجع والمصادر التي اعتمدها الكاتب في مؤلفه، وهذا يساعد ليس في تحديد الموضع الذي استقى الكاتب معلوماته منه فقط، بل يؤكد الفرق بين مشاهدات الكاتب وتجاربه ومعارفه واستنتاجاته وبين ما يرويه عن المؤرخين أو ينقله عن رجال الآثار وأراشيفهم وكتبهم.

وفي كتابنا المعني (أم الحمام بين الأمس واليوم) معلومات كثيرة ترك الكاتب فيها مسألة الفصل بين ما يورده المؤلف عن نفسه وبين ما يورده عن آخرين على عاتق القارئ ومدى وعيه وثقافته. بينما هي عملية أساسية من مهمات الكاتب. منها ص21 معلومات عن سور أم الحمام القديم، ودخول القرية في الإسلام ص 29، وعن مدينة الخط (القطيف) سنة226م ص32- إلى- ص36، وتاريخ القرامطة في البلدة ص 37- إلى- ص 40 ونهاية القرامطة ص44 - 45، ومقر الأتراك في مركز الظبطية ص 52، وعندما يذكر قول بعض الأثريين في صفحة 237 نجده لا يذكر اسمه أو مصدر المعلومة. وهذه المعلومات لا يمكن القول بأنها من مشاهدات الكاتب.

ب- توثيق النص:

أورد المؤلف أربعة أبيات من الشعر في ص 51 كمقدمة لموضوع جغرافيتها - أم الحمام -.

وهي:

سلام على بلد (أم الحمام)

وهضباتها وعلى المنحنى

على النخل ذي السعفات الطوال

على سيد الشجر المجتنى

على الرطب الغض إذ يجتلى

كوشي العروس وإذ يجتنى

سلام على بلد صنتُه

وإياي من جفوة أو قلى

وحيث إنه لا توجد إشارة أو حاشية عن صاحب هذه الأبيات أو متى قيلت وأين؟! لذا قد يتبادر إلى ذهن المتلقي بأن المؤلف هو قائلها.

بيد أننا عندما نراجع قصيدة (المقصورة) وهي من القصائد المشهورة للشاعر محمد مهدي الجواهري على صفحات 243 إلى 253 - كتاب: الجواهري في العيون من الشعر - نجد في صفحة 250:

سلام على هضبات العراق

وشطيه والجُرف والمنحنى

على النخل ذي السعفات الطوال

على سيد الشجر المقتنى

على الرطب الغض إذ يجتلى

كوشي العروس وإذ يجتنى

وفي صفحة 252 البيت التالي:

سلام على بلد صنتُه

وإياي من جفوة أو قلى

لذلك نتوقع أن يشير الكاتب في الطبعة الثانية إلى عملية نقله لهذه الأبيات والتصرف فيها أيضاً، وهذا مما يجعل نصوص الكتاب موثقة.

كتاب مهم

من المعلومات المهمة التي ذكرها الكاتب وقد أثلجت الصدور، في ص271 وجود رابطة أدبية تربط ما بين الشباب المثقف فكانت "ندواتهم تعقد ليلاً في مجالسهم بصفة دورية ويواظب كل منهم بإنتاجه الجديد. وقد أنتجت هذه الحركة أدباً جديداً خلال الستينات، ما لبث أن دوّى صداها في أرجاء الوطن". ونتمنى على الكاتب أن يفصح عن هذه الرابطة والمنتمين إليها وأهم رموزها وإنتاجها الأدبي وكم استمرت... الخ.

ورغم جميع الملاحظات السابقة، التي نأمل من الأستاذ محمد المرهون أن يعالجها في الطبعة القادمة، وأوردناها هنا من أجل أن تساعده في ما ابتغاه عبر إصدار هذا الكتاب، وذلك بتصحيح ما أخطأ فيه من معلومات أو سد نواقص لم ترد فيه.

إلا أن من الإيجابيات المتوقع حدوثها على ضوء صدور هذا الكتاب هو أن يدفع هذا الإصدار بعض الأخوة والأساتذة من الباحثين نحو البحث والكتابة لتصحيح الأخطاء التي جاءت فيه، ومما لا شك فيه أن الكتاب سيساعد أي باحث أو دارس عن تاريخ هذه البلاد ومجتمعها أو عن القبائل التي عاشت في المنطقة. ونرجو أيضاً أن يشجع هذا الإصدار الآخرين لإظهار إنتاجهم المعني بهذه القرية.

كاتب - السعودية.
305235