الرواية بين مصطلحين
د. سلطان سعد القحطاني * - 11 / 3 / 2011م - 2:05 م - العدد (28)

عُرف القصُّ منذ أن عرف الإنسان الحياة، كفن من فنون القول، المتمثل في النثر والنظم، وهو فن التعبير، قبل الشعر، فالقص أقرب مصطلح للتعبير الشعبي، فهو لغة العامة وعنوان التخاطب اليومي بين أفراد المجتمع، إضافة إلى المواعظ المقتبسة من سير الأمم السابقة، سواء في المواعظ الدينية أو الاجتماعية. ولم يذكر في سطور التاريخ أمة من الأمم ليس لها فن القص، خاصة الأمم ذات الطابع الديني الأسطوري الذي يسرد خوارق العادة بأساطير الآلهة، مثلما هو عند اليونان، والرومان، والفرس، والهنود، وقدماء المصريين.

ويعتبر المشرق مهد القص الأسطوري الفلسفي التأملي، حتى أن حضارة أوروبا قامت على التنوير الأسطوري القصصي، الموروث من حضارة اليونان، إضافةً إلى النثر القصصي المنقول من التراث العربي المهجَّن من حضارات الهنود والفرس، بعد أن صاغه المترجمون العرب (ونعني بالعرب هنا - اللغة، وليس العرق). فقد اهتمت الحضارة العربية الإسلامية بالقصَّة الهادفة، التي ذكرت في القرآن الكريم، كموعظة مباشرة، ومن أحوال الأمم التي طغت على أمر ربها، وأحدثت في شأنها شططاً على أنبيائها ومصلحيها، واتضح فيها الرمز الأسطوري والتاريخي على لسان الطير والحيوان، بصياغة اللسان الإنساني، واشتراك الكائن الحي في الكثير من الصفات السلوكية، ما عدا النطق، وقد استعاض القاص عن النطق بالحركة والفعل السلوكي، القابل للتأويل، على النمط الأسطوري المعوض به عن فعل الآلهة الأسطورية، فالحب في تلك القصص لم يعد بفعل الآلهة، بل أصبح بفعل السلوك الفطري، والشجاعة بفعل القوة الجسمية، والمكر والدهاء بفعل الذكاء السلوكي الوراثي...

وسمي الحاكي راوياً، أي ناقل، حسب المصطلح العربي المنحدر من أصل الفعل الثلاثي، وهو فعل القياس العربي الأول (روى، يروي، راوٍ، مروي...) وهذا الفعل يعني النقل وبالتحديد نقل الماء من مكان إلى آخر، وسقي الإنسان، والحيوان، والأرض، ومنه اشتق الاسم (راوية) إناء كبير من جلد الجمل يروي كثيراً من الناس، ولنا حديث في العدد القادم بإذن الله عن هذا الموضوع.

عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود - السعودية.
371309