كتب التراجم لرجال القطيف والأحساء
محاولات فردية محدودة.. بقي معظمها في الظل
حسن الشيخ * - 15 / 3 / 2011م - 6:37 م - العدد (29)

المتصدي لدراسة العلوم الإنسانية أو المتتبع لسير الرجال لا بد له من الرجوع في كثير من الأحيان إلى الوراء قليلاً للإلمام بأحوال هؤلاء الرجال وتتبع عطائهم الفكري بل وأحداث حياتهم في العديد من المصادر حديثها وقديمها ذلك لأن كتابة (تاريخ الرجال) ليست هي أصعب أنواع الكتابة فحسب بل هي من أكثرها دقة ومسؤولية.

وإذا كانت الحضارات القديمة منها والمعاصرة تفتخر برجالاتها فإن منطقتنا الشرقية (الخليج) مليئة بالرجال العظام أيضاً على مختلف العصور الأمر الذي برر القيام بهذا النوع من التوثيق الفكري تحت عنوان التراجم إلا أنه وفي ظل غياب العمل المؤسسي برزت المحاولات الفردية التي لم يكتب لمعظمها النجاح وباستثناء محدود من كتب التراجم ذات الجهد الفردي فقد بقي أغلبها في الظل.

ولعل أبرز هذه المحاولات التي تمت في المنطقة وجاءت تحت مسميات متشابهة إلى حد كبير مثل (أعلام الخليج) و(أعلام الشرقية) أو أعلام مدينة من مدنها مثل (أعلام العوامية) (أعلام هجر) تلك المحاولة الفردية الجادة لأبي بكر عبد الله الشمري بجزأيها (الفهرست المفيد في تراجم أعلام الخليج) و(الملحق المفيد في تراجم أعلام الخليج) وهو من الكتب القليلة التي حاولت وبشكل فردي استقصاء رجال هذه المنطقة في جميع عصورها لذلك فقد جاء جهد الشمري به الكثير من المعلومات والملاحظات وكذلك (أعلام هجر) لهاشم محمد الشخص والذي يعتبر من أدق المحاولات الفردية وأكثرها تركيزاً وأخيراً الجزءان الأول والثاني من (مطلع البدرين) لجواد الرمضان والذي نتوقع أن يكون من أكثر المحاولات الفردية غزارة في المعلومة الأكثر شمولاً هذا بالإضافة إلى العديد من الكتب الأخرى مثل (أعلام العوامية) للأستاذ سعيد أبو المكارم وهو من التراجم الرائدة إلا أن معظم هذه التراجم لم تستطع الإفلات من الأطر التقليدية للترجمة سواء في الحصول على المعلومة أو تناولها فمنذ كتاب (أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين) للشيخ علي البلادي البحراني المتوفى عام 1340هـ وأصحاب التراجم يقومون بنفس الدور في الترجمة مع تفاوت بسيط في التناول والدقة والعرض.

إلا أن السؤال الأهم هنا ماذا قدمت تلك الكتب للمكتبة العربية؟ بمعنى كيف استفاد باحثونا من هذا العمل الفردي المطبوع الآن؟

بل كيف تتعامل مكتباتنا الوطنية والجامعية مع هذه الكتب التي أبعدتها من أرففها المرجعية؟ ولماذا ظلت تلك الكتب بعيدة عن الاستخدامات العلمية؟ وهل راجع ذلك إلى تواضعها من الناحية الفنية! أم لأخطائها العلمية الفادحة في النقل والتكشيف والعرض!

لا نرغب هنا في إطلاق الأحكام إلا أننا سوف نشير إلى السمات العامة التي تجمع كتب التراجم الفردية تلك ولعل أول تلك الملامح أن كتب الأعلام التي اعتمدت على الجهود الفردية والمبادرات الخاصة قد خلطت بين الغث والسمين دون مراجعة أو تمحيص كما للعلة ذاتها فقد ارتبطت بالعنصر الذاتي لذلك فإن الترجمة تتحول إلى حكم على المترجم له.

خاصة إذا كان المترجم له من الأقارب أو المعارف أو حتى من الأعداء لذلك فإن كتب التراجم هذه قدمت بشكل احتفائي.. فكالت المديح لبعض المترجم لهم بغض النظر عن قيمة عطائهم العلمي.

كما يمكن ملاحظة أن كتب التراجم تلك اهتمت بالأموات دون الأحياء بحجة الموضوعية وبذلك فإن تصحيح الأخطاء في الترجمات للأحياء لو وجدت غير واردة فاضحت هناك ندرة في المعلومات عن الأحياء يقابلها تراكم معلومات غير دقيقة ومنظمة عن الأموات وظلت الترجمات المتأخرة تراوح مكانها فلس لها طابع الجرأة. كالترجمات الأكاديمية (المؤسساتية) بل اعتمدت بشكل كلي على رصد المعلومات التي يوفرها المترجم له شخصياً إذا كان حياً أو أقرباءه وأصدقاءه إن كان من الأموات.

ولا بد أن نشير إلى أن معظم كتب التراجم التي تناولت أعلام المنطقة الشرقية والخليج تجدها لا تتناول سوى رجال الأدب والدين فقط مبتعدة عن الرجال في المجالات الأخرى كالسياسة والحرب والدبلوماسية وغيرها.

هذا فيما يخص الكتب التي أعدت أصلاً تحت عنوان (التراجم) إلا أن هناك كتباً أخرى أشارت إلى تراجم لبعض رجالات الفكر بشكل عرضي مثل كتاب (أدباء من الخليج) وكتاب (آفاق خليجية) لعبد الله شباط أو كتاب (الأدب في الخليج العربي) لعبد الرحمن العبيد حيث لم يستطيعا أن يقدما عملاً متكاملاً للترجمة الجماعية لأنهما لم يعدا أصلاً لهذه المهمة وتندرج في نفس السياق كتب أخرى عديدة ومشابهة قديمة وحديثة من أمثال (تحفة المستفيد) للأنصاري وكتابي (ساحل الذهب الأسود) و(واحة على ضفاف الخليج) لمحمد سعيد المسلم فجميع هذه الكتب لا يمكن اعتبارها كتب ترجمة.

والإضافة إلى تلك المحاولات الجانبية التي لم تستهدف الترجمة في المقام الأول إنما جاءت ترجماتها عرضية، قصيرة، ومحدودة وغير منظمة جاءت محاولات فردية أخرى استهدفت لترجمة متخصصة ولعل كتاب (الحركة التشكيلية في المنطقة الشرقية) لعبد العظيم الضامن وكذلك كتاب (شعراء الموال) لعلي الدرورة هي نوع من كتب التراجم المتخصصة التي كان لها نصيب من النجاح رغم طابعها الفردي كما يؤكد ذلك علي السليمان الصوينع في كتابه (مصادر التراجم السعودية) أن معظم كتب الأعلام - التراجم - ارتبطت إما بالزمان أو المكان فقط ولم تستطع الخروج من هاتين الدائرتين فيأتي المؤلف عادة تحت اسم (أعلام القرن الرابع عشر) أو (أعلام هجر) ورغم هذين العنوانين العريضين فإن المترجمين لهم لا يكونون في الأمم الأغلب بالفعل محصورين تحت هذا العنوان بمعنى أن كتب التراجم قد تفضل أسماء هامة لها عطاؤها الفكري أو العلمي على الساحة يوماً ما وتحشر بعض أسماء المغمورين وهذا بالطبع من جراء غياب الموازين العلمية لفن الترجمة.

وبسبب غياب الموازين العلمية لفن الترجمة فإن هذه الكتب قد خلطت بين مفاهيم عدة مثل الأديب والمؤلف أو لم تستطع التفريق بين الكاتب والباحث ومعظمها أهمل عن قصد الترجمة النسائية فلم نحظ حتى الآن بكتاب للأعلام في شهرة (الإعلام) للزركلي مثلاً ولا حتى في طريقة عرضه وتناوله المميز أما الكتب الأخرى والتي خرجت عن عنوان (التراجم الجماعية) كما يسميها الصوينع في كتابه الآنف الذكر مثل كتب التراجم الفردية والسيرة الذاتية فلنا معها وقفة أخرى.

كاتب - السعودية.
304978