في معنى الوحدة الوطنية
التحرير - 16 / 3 / 2011م - 1:55 ص - العدد (30)

في ظل التطورات الخطيرة والمتسارعة التي تمر بها المنطقة، تتأكد أهمية تمتين الجبهة الداخلية ورصّ الصفوف وتقوية أسباب الوحدة الوطنية. إذ إن من الخيارات الحيوية التي نستطيع من خلالها مجابهة التحديات والاستجابة الواعية لها، هو خيار تأكيد وتعميق الوحدة الوطنية.


وإن الخطوة الأولى الضرورية في هذا السياق، هي أن نتخلى عن لغة الشعارات الفضفاضة التي لا مضمون لها، وأن نتجاوز كل الخطابات الإطلاقية أو الكلانية، التي ترى الوحدة بمنظور شوفيني، ينزع إلى إلغاء التنوعات وإقصاء كل حالات التعدد والاختلاف، ويعتبرهما جميعاًمن عوائق الوحدة ومضادات التوافق الداخلي. لهذا فإن مفهوم الوحدة بحاجة أن ينفتح ويتواصل مع كل التجارب الوحدوية والتوافقية، التي استطاعت أن تؤسس لذات وطنية قوية، قوامها المزيد من الاحترام الوجودي والمؤسسي لكل التعبيرات السياسية والثقافية ومكونات المجتمع.

والقواسم المشتركة المجردة بوحدها لا تصنع وحدة، وإنما هي بحاجة دائماً إلى تفعيل وتنمية، وحقائق وحدوية، ومصالح متداخلة، حتى تمارس هذه القواسم دورها ووظيفتها في إرساء دعائم الوحدة وتوطيد أركان التوافق.

فالوحدة الحقيقية والصلبة، لا يمكن أن تعيش إلا في ظل الاختلاف المشروع؛ لأنه يغني مفهوم الوحدة ويمده بأسباب الحيوية والفعالية، ويؤسس لوقائع وحقائق جديدة تحول دون تقهقر المفهوم الوحدوي على مستوى الواقع. ومن الأهمية بمكان أن ندرك، أن وحدة مصادر العقيدة والأحكام، لم يلغ الاختلافات بين المسلمين، وذلك لاختلافهم في مناهج النظر والاستنباط. وفي هذا التعدد والتنوع في مناهج النظر إثراء للمسلمين في مختلف الجوانب، ولا ضرر نوعي لهذا التنوع على المستوى النظري أو العملي. ولكن الضير كل الضير، حينما يفضي الاختلاف خلافاً وقطيعة وخروج عن كل مقتضيات الأخوة الدينية والوطنية،وسيادة هوس التعصب الأعمى. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال الآية 46).

والإنسان الذي يعيش الوحدة هو الذي يحترم خصوصية صاحبه كما يريد من صاحبه أن يحترم خصوصيته. عندما تكون وحدوياً، فإن عليك أن تفتح المجال لتحمي حرية صاحبك بأن يقول ما يشاء، تحميه من كل عواطفك وانفعالاتك، تحميه من كل ذلك وتقاتل في سبيل حريته.

لذلك فإن الوحدة الوطنية الصلبة، هي التي تبدأمن الاعتراف بالآخر وجوداً وفكراً، لا للانحباس المتبادل، وإنما لانطلاق فعل تواصلي - حواري، ينمي المشتركات، ويسعىنحو مراكمة مستوى الفهم والاعتراف.

فالمطلوب دائماً أن ننفتح على مساحات الاختلاف ونتواصل مع المختلفين، من أجل استنبات مفاهيم وقيم جديدة، تحملناعلى نسج علاقة جديدةمع مفهوم الوحدة والتوافق الداخلي.

ومن الضروري أن يتحول التطلع إلى المزيد من رصّ الصفوف وتجذير أسباب الوحدة الوطنية، إلى فعالية مجتمعية لطرد المعوقات، وإزالة الرواسب، وخلق الوقائق واجتراح السبل، وإنجاح الظروف الذاتية والموضوعية للإنجاز الوطني المستديم.

وإن المنطقة تمر هذه الأيام بظروف دقيقة وحساسة وتطورات خطيرة على مختلف المستويات، وإننا بحاجة في هذه الحقبة الراهنة الحساسة، أن نؤكد على قيمة الوحدة الوطنية. إذ إن جميع الاعتبارات تدفعنا إلى تجاوز كل ما يحول دون عملية تجذير هذه الحقيقة الوحدوية في واقعنا المجتمعي، وأن نخلق المبادرات الوطنية النوعية التي تزيد وتعمق وتطور مستوى الانفتاح والتلاحم بين القيادة والشعب.

وإننا في هذه اللحظة التاريخية،نهيب بجميع مكونات المجتمع الوطني، إلى ضرورة الانفتاح والتواصل مع بعضهم، وذلك من أجل تمتين الجبهة الداخلية وتعميق خيار التوافق وتجذير اسباب الوئام والالتحام الوطني..

فلتتحول كل الجهود والطاقات والكفاءات صوب فريضة الوحدة الوطنية، وذلك من أجل حمياتها وتطويرها.

وستبقى الوحدة الوطنية المستندة إلى قيم العدالة والتسامح، هي الأرض الصلبة التي تتكسر على مشارفها كل مؤامرات الأجنبي ومخططات أعداء الأمة التاريخيين. ولعل من الأهمية بمكان في إطار التأكيد على فريضة الوحدة الوطنية في هذه الفترة الحساسة أن نؤكد على الأمور التالية:

1 - إن تمتين الوحدة الوطنية، تحتاج إلى جهود وطاقات كل مواطن. حيث إن كل مواطن في هذا الوطن العزيز يتحمل مسؤوليته من موقعه الوظيفي أو العملي أو الاجتماعي في تعزيز أواصر الوحدة الوطنية.

2 - إن التطورات التي تعيشها المنطقة، تلزمنا جميعاً القيام بمبادرات وطنية وتستهدف هذه المبادرات تأكيد ثوابت الوطن والمجتمع وتأكيدها في مختلف مجالات الحياة الوطنية.

3 - إن أرقى علاقة تربط مواطن بوطنه هي علاقة الإضافة إلى مكاسب ومنجزات الوطن مكاسبَ ومنجزاتٍ جديدةً. لذلك فإن التشبث بمفهوم الوحدة الوطنية يتجلى في ضرورة إسهام كل مواطن في مضمار البناء والتقديم. وذلك من أجل تمتين الوحدة الوطنية بالمزيد من المكاسب والمنجزات على مختلف مستويات الحياة.

200399