نشوء أماكن العبادة في الجزيرة العربية
خالد بن أحمد الفريدة * - 16 / 3 / 2011م - 2:08 ص - العدد (30)

تعتبر المساجد من أقدم أماكن العبادة في الجزيرة العربية، وذلك لأن العقائد الدينية قد انتشرت فيها كغيرها من الأماكن في العالم القديم، وكان لابد من إنشاء أماكن خاصة بها لممارسة مظاهرها المعبرة عنها فاختار الإنسان لهذا الغرض وبشكل دائم أو عابر أماكن أحاطها بعاطفة خاصة نابعة من طبيعة العقيدة الدينية نفسها ثم تطورت هذه العاطفة مع الزمن لتصبح في النهاية نوعاً من الإحلال والاحترام إلى أن أصبح هذا الإجلال والاحترام ضرباً من التقديس.

بعدها أصبح الإنسان يلوذ بهذه الأماكن بين الحين والآخر كلما أحس في نفسه ضعفاً أو خوفاً لأجل الاستعانة بالقوة القادرة غير المنظورة عند الآلهة لكي تمنحه الخير وتحميه من الشر وتعطيه الشعور الغامر بالاستقرار والطمأنينة والراحة النفسية.

لذلك كانت أماكن العبادة والدين شيئين متلازمين أحدهما مادي والآخر معنوي وهذا جعل بدايتهما بداية مشتركة في لحظة واحدة.

ومن أقدم أماكن العبادة في الجزيرة العربية البيت الحرام الذي بمكة حيث الكعبة المشرفة التي يتجه المسلمون إليها من جهاتها الأربع في صلاتهم في اليوم والليلة خمس مرات.

أقدم أسماء الآلهة وأماكن العبادة في البحرين

كان اسم البحرين قديماً يشمل الأحساء والقطيف، ويعد الإله كشرى وهو من أصنام قبيلتي طسم وجديس من أقدم الآلهة التي عبدت فيها حيث تعد طسم من أولى القبائل العربية البائدة التي استوطنت منطقة الخليج، وذكر ياقوت الحموي أن قلعة المشقر في البحرين من آثار طسم[1] .

- المحرق:

وانتشرت عبادته في بلاد بكر بن وائل في الساحل الشرقي من الجزيرة العربية، وكان عبارة عن صنم، وبعدها نزحت هذه القبائل من الساحل الشرقي للجزيرة العربية واستقرت بجزيرة البحرين الحالية، وأقامت معبداً في جزيرة المحرق قبل أن تعرف بهذا الاسم، ومنه انطلق الاسم على كافة الجزيرة المعروفة الآن.

- أوال:

وهو صنم انتشرت عبادته في بلاد بكر وتغلب على الساحل الشرقي للجزيرة العربية ومنها إلى بلاد الشام[2] . وذكر أن بكر بن وائل وتغلب اتخذت لنفسها صنماً آخر يسمى (أوال) أكبر جزر البحرين سميت باسمه حيث يبدو أن عبدة الأنصام أو الأوثان في الجزيرة العربية لم تتخذ صورة واحدة فلم تتحد كافة القبائل العربية على عبادة صنم واحد، وهذا أمر منطقي نستنتجه مع حالة العرب في الجزيرة العربية قبل الإسلام حيث لم تجمعهم وحدة واحدة أو دولة ولا صنم واحد[3] .

- ذي اللباء (اللبا) (ذو اللبا):

وانتشرت عبادة هذا الصنم في بلاد بني عبدشمس في الجزيرة العربية ومنها انتقل إلى عبدالقيس بجواثا بهجر البحرين، وكانت تعد هذا الصنم بالمشقر وكان سدنة هذا الصنم هم بنو عامر.

أسماء أماكن العبادة عند المسلمين

1 - المصلى:

وهو اسم المفعول لموضع الصلاة، وقيل: أصلها في اللغة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى أي دعاء يسمو على الصلاة المكتوبة لاشتمالها على الدعاء، وربما تكاد تكون خاصة بالمكان الذي تُصلى فيه صلاة جامعة لمناسبة معينة مثل صلاة العيدين وصلاة الجنازة وصلاة الاستسقاء والشكر.

وهو أرض لا حدود لها وليس لها سقف يغطيها ولا منبر. وأول مصلى في الإسلام كان المصلى الذي صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وموقعه في العقيق بالمدينة المنورة.

2 - المدرسة المسجدية:

وكان أول من أنشأها السلجوقيون واتخذوها مكاناً للصلاة، وفي نفس الوقت منشأةً علمية وجعلوها قاصرة على تعليم المذهب السني لنشره بين الناس وإعداد طبقة من الموظفين يرتبطون بهذا المذهب ويطبقونه بشكل صارم وحازم.

وأنشئت أول مدرسة من هذا النوع في الحجاز بمكة المكرمة سنة 579هـ وهي (مدرسة الزنجبيلي) التي كانت لتدريس الفقه الإسلامي على المذهب الحنفي.

3 - التكية:

وهي مأخوذة من الفعل اتَّكأ أي استند، ذلك أن المتربعين فيها يستندون في أمر إقامتهم ومعاشهم على ما ينفق عليهم من الأوقاف وما يقدمه أهل البر والإحسان وقد انتشرت هذه الأماكن بشكل كبير في عهد الدولة العثمانية.

4 - الخانقاء أو الخانكاه:

وظهرت في الإسلام في القرن الرابع الهجري ومعناها بالفارسية البيت، وكان أتباع الصوفية هم الذين يترددون عليها حيث يتضرعون فيها للعبادة وليس لهم تجارة أو غلاّت فبنى لهم داراً يسكنون فيها ويجعل لهم من يقوم بمصالحهم من مطعم وملبس ومشرب وغيره.

5 - الزاوية:

والأصل في الزاوية أنها ناحية في المسجد يجلس عندها أحد العلماء عند إلقاء درسه على الناس، ومن أشهرها زاوية الإمام الشافعي التي كان يدرس فيها الفقه، وزاوية الصوفية، وزاوية ابن بطوطة (الرحالة العربي).

6 - الرباط:

ومعناه الرباط الخمسة من الخيل فما فوقها، ومنه الرباط والمرابطة بملازمة ثغر العدو وأصله أن يربط كل واحد من الفريقين خيله ثم صار لزوم الثغر رباطاً قال تعالى: ﴿وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ.

وقيل معناها واظبوا على مواقيت الصلاة. وهو مكان يأتي إليه طلبة العلم للإقامة والتفرغ للعبادة وذكر الله وتعليم الدعوة الإسلامية.

وقد تحول الرباط إلى مأوى للمتصوفين وهو يشابه في هدفه التكية والخانكاه.

وظهرت أماكن أخرى للعبادة مثل المزار والمقام والمشهد والعتبة المقدسة والمشاعر المقدسة والحسينية والضريح، وجميعها تخص مذاهب معينة في الإسلام.

تاريخ المساجد عند المسلمين

تعتبر المساجد بيوت العبادة في الإسلام ومكانها، بل إن كافة العبادات القديمة بمختلف أنواعها كانت تزاول في معابد وكنائس قبل الإسلام، ولأجل هذا الاعتبار فقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم نصب عينه منذ اللحظة الأولى لإعلان دعوته للناس إلى الإسلام جهراً اتخاذ البيت الحرام أساساً لعبادته الإعلامية، كما أنه عليه الصلاة والسلام حالما وطئت قدماه أديم الثرى في دار هجرته بالمدينة المنورة طلب إلى الذين هاجروا معه من صحابته والذين استقبلوه من أنصاره أن يضعوا القواعد لأول مسجد في الإسلام وقد شاركهم شخصياً في التصميم والبناء.

ولقد كان للسنة الشريفة دور كبير في شحذ همم المسلمين لبناء المساجد في كل زمان ومكان طلباً للأجر وطمعاً بالتوبة فقد قال صلى الله عليه وسلم: "من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له مثله في الجنة"[4] .

وقد بنى الرسول صلى الله عليه وسلم أول مسجد له على أرض بني النجار بالمدينة المنورة بشكل بسيط لأجل المسارعة في إنجازه باللبن. وجعل سقفه بالجريد وأعمدته من خشب النخل بطول 70 ذراعاً وبعرض أقل من ذلك، وكان يخلو من أي مظهر من مظاهر الزخرفة أو الزينة وغير ذلك من الإضافات التي تتميز بها المساجد فيما بعد.

أقدم المساجد في الإسلام

قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ.

وتذكر الروايات أن تأسيس البيت الحرام كان في أيام العرب الأولى على عهد جرهم وإلى هذا العهد أيضاً نسب حفر بئر زمزم، وقد ذكر القرآن الكريم أن إبراهيم الخليل عليه السلام وابنه إسماعيل هما اللذان قاما ببناء هذا المعبد في الزمن الموغل في القدم، وذلك بأمر من الله عز وجل ليكون ﴿ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً، وأن الله طلب إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.

وذكر المسعودي في (مروج الذهب ومعادن الجوهر) أن البيت الحرام في الأساس هو الهيكل الذي أقامه الأقدمون لعبادة زحل الكوكب المعروف[5] .

أهمية المساجد في الإسلام

لقد كان المسجد عند المسلمين عندما كان الدين الإسلامي دستوراً علمياً للحاكمين والمحكومين على حد سواء قبل أن يتحول إلى ما هو عليه اليوم إذ أصبح مع الأسف مجرد مكان لأداء المناسك الروحية والطقوس الشكلية وهوية طائفية.

فكان في الماضي إلى جانب وظيفته كمكان للعبادة والصلاة يؤدي في نفس الوقت رسالته الحضارية في مختلف وجوه النشاطات الإنسانية التي يعيشها البشر بشكل عام والمسلمون بشكل خاص فكانوا يتخذون من المسجد محلاً للاجتماع والعبادة والتعليم والسكن عند الحاجة وملجأ للقرباء ومرجعاً للمرضى وكان يتبع المساجد الحمامات والفنادق والمدارس.

أهم أهداف المساجد

1 - مركز للإسلام ونادي للمسلمين:

حيث إن الرسول كان يستقبل في مسجده بالمدينة المنورة الوفود العربية بين يديه أشعارها وتدلي إليه بمطالبها ورغباتها حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستمع لها ويشاهد ما تقوم به الوفود من ألعابها وتقاليدها حيث استقبل وفد نجران من نصارى الجزيرة العربية وترك لأفراده حرية التعبير عن تقاليدهم بالرقص وضرب الدفوف والنقر على المزاهر. كما استقبل وفد الحبشة وتركهم يلعبون فيه بالرماح وكان ذلك في يوم عيد ويوم منى.

2 - بيت للمال:

لقد كان المسجد في السابق مكاناً لحفظ الخزينة حيث ذكر أنه كانت توجد بالمساجد قبة بيت المال وقد حفظ الخلفاء الراشدون الأموال العامة في تلك الأماكن وهي أموال محصلة من الزكاة والفيء.

3 - ضرب العمل:

لقد كانت مصانع العملات ملحقة بالمالية التي سبق الكلام عنها والتي كان مكانها المسجد لذلك فقد تم إنشاء أماكن للضرب ملاصقة لها بالمساجد فقد ذكر أن أبا عمرو الحارث لما تولى القضاء بمصر من قبل المتوكل على الله سنة 237هـ أمر ببناء الرحبة الملاصقة لدار الضرب في جامع عمرو ليتسع فيها الناس ثم زاد أبو بكر محمد بن عبدالله الخازن (خازن بيت المال) رواقاً واحداً من دار الضرب وهو الرواق ذو المحراب والشباكين المتصلة برحبة الحارث.

4 - سجن:

استخدم المسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم سجناً يحبس فيه المجرمون لقضاء مدة العقوبة التي عليهم جزاء ما اقترفوه فقد ذكر البخاري في صحيحه أن مشركاً دخل المسجد فربطوه بسارية من سواريه واستمر ذلك في زمن أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم حيث لم تكن توجد سجون في وقتهم بل كان يُسجن المجرمون في المساجد ودهاليزها، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول من أحدث السجن وسماه نافع، ولم يكن محصناً، لذا فرَّ منه الناس، فبنى سجناً آخر فسماه مخيس.

5 - الحصن والقلعة:

لقد بنى المسلمون المساجد على شكل قلاع ضخمة وأحاطوها بالخنادق وجعلوا فيها المزاغل لرمي العدو منها بالسهام والنيران مثل جامع السلطان حسن بالقاهرة.

6 - قصر العدل:

كان أمير المؤمنين يجلس أياماً معينة في الأسبوع للفصل بين الناس في المسجد، وقد شهدت المساجد قصصاً عظيمة على عدل الإسلام والمساواة ومن أشهرها لطم الأمير القساني المدثر لجبلة بن الأيهم لأنه داس على طرف عباءته وحكم فيها سيدنا عمر بن الخطاب لصالح هذا الأعرابي المستضعف على ذلك الوجيه الكبير.وكذلك الدعوة إلتي أقامتها إحدى النساء على عيسى بن علي أكبر أمراء العباسيين الذي كان والياً على العراق وذلك للقاضي شريك في المسجد الجامع ببغداد.

7 - الصيدلية والمستوصف:

عندما بنى أحمد بن طلون جامعه في القاهرة أراد أن يحتاط عند حدوث طوارئ صحية عند اجتماع الناس فيه لصلاة الجمعة. فيبقى المصاب دون معالجة سريعة فأمر بعمل خزانات للشراب فيها جميع أنواع الشراب والأدوية وعليها خدم وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لمعالجة الناس بالإضافة إلى ما يقوم به الشيوخ من رُقَىً وقراءات بالقرآن والسنة على المرضى استمرت تقاليدها إلى يومنا الحاضر، ومن خلالها يقدمون الأدوية للمرضى وطرق استخدامها معتمدين في ذلك على الأعشاب الطبيعية.

8 - مجلس النواب:

اتخذ الخلفاء الراشدون والملوك من بعدهم المساجد مكاناً لاتخاذ القرارات المتعلقة بسياسة الدولة ونظامها ودعوا الناس إلى الحضور في المسجد الجامع والتداول مع أفراد الشعب مباشرة أو مع أهل الحل والعقد في اتخاذ ما يناسب من التدابير والإجراءات.

من ذلك ما فعله معاوية بن أبي سفيان مؤسسة الدولة الأموية فعندما ثقلت عليه وطأة السن وأيقن بأن حياته قاربت على النهاية خاف أن يحرم الحكم من الأموين فارسل وراء الناس ليجتمعوا به في المسجد الجامع بدمشق وحمل أعيان المسلمين وأمراءهم وسائر عامتهم على انتخاب ابنه يزيد خليفة له من بعده وأخذ بيعتهم ومواثيقهم على هذا الانتخاب.

9 - إذاعة وإعلام:

لقد كان المسجد يقوم بدور الصحافة والراديو والتلفاز في السابق وكانت المنشورات الحكومية والبلاغات والإعلانات والقرارات والمراسيم تلقى على الناس من فوق منابر المساجد الجوامع أو من مآذنها. أو كانت بيانات الحكومة تعلق على أبوابٍ المساجد لاسيما الجوامع الكبيرة بل أن بعض الأمراء المسلمين كانوا ينقشون الأوامر على جوانب أبواب المساجد أو على أعمدتها الداخلية كي تبقى ثابتة ودائمة.

10 - الجامعة والمكتبة ودار الكتب:

لقد كانت الحلقات العلمية تقام في أروقة المساجد ومنها خرج علماء المسلمين فكانت مشعلاً للثقافة الإسلامية مثل الجامع الأزهر بمصر وجامع القروين بتونس وكانت تدرس في هذه الحلقات كافة علوم الدين من قرآن وحديث وسير وغيرها وتوجد عدة مساجد في بعض الدول الإسلامية تعد مقصداً لطلاب العلم في كافة الأقطار الإسلامية ويتزاحم طلاب العلم عليها.

وكان يطلق على موضع العالم بالمسجد اسم السجادة، كانت تلحق بالمساجد مكتبات تضم كافة المخطوطات للعلوم والمعرفة من أعظم هذه المكتبات مكتبة جامع القروين التي تحوي مخطوطات ابن رشد في 638 صفحة من جلد الغزال.

ومؤلف السلطان أحمد المنصور الذهبي وكان طول صفحته نصف متر وتحوي 11 سطراً لكبر الخط وإظهار جُمَله.

والمكتبة الأزهرية التي كانت تحوي حوالي 50 ألف مجلد وقد أمر الحاكم بأمر الله بنقل نصف الكتب التي كانت بدار الحكم إلى الجامع الأزهر والباقي إلى مسجده المقدس ونهب معظمها الفرنسيون في حملة نابليون على مصر هذا بالإضافة إلى ما قام به المسلمون والعلماء والأمراء من وقف الكتب المخطوطة للمساجد وكان يجتمع عليها العلماء ورجال الأدب ورموز الثقافة والفقه والتشريع والحديث بالقراءة وإلقاء علومهم على طلابهم منها.

العناصر المعمارية بالمساجد

لقد كانت للمساجد الإسلامية سمات معمارية فريدة تميزها عن غيرها من دور العبادة وقد بدأت هذه السمات تظهر في عهد الخلفاء الراشدين وما بعدهم ولكنها كانت تنطوي تحت ما سمحت به الشريعة السمحة من غير مبالغة ولا زيادة في العناصر التي تخدم أغراض العبادة التي لم تكن تملك من الزخرفة ما يلهي المصلي من الاتصال بخالقه أثناء الصلاة ولا تشغله عن الخشوع والإصغاء للإمام وقد أصبحت هذه العناصر مما يميز المسجد الإسلامي وصارت أحد أهم ميزاته وهي كالتالي:

1 - المنبر:

يقال: نبر فلان نبرةً نطق نطقه بصوت رفيع ورجل نبار بالكلام، ومن النبر، ومنبر الخطيب، وقيل: إن المنبر كلمة حبشية الأصل وهي بمعنى كرسي وكان أصلها (ونبر) فحورها العرب إلى منبر.

وعند اللغويين العرب في لسان ابن منظور: كل شيء رفع شيئاً فقد نبره والنبر مصدر. والمنبر: مرقاة الخاطب، وسمي منبراً لارتفاعه وعلوه، وتنبر الأمير: ارتفع فوق المنبر.

وقد استحدثت المنابر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة للهجرة وصنع من طرفاء الغابة. وقيل: الأثل، وهو الأرجح، وكان ارتفاعه بمقدار ذراعين وثلاثة أصابع وعرضه ذراعاً وعلى جانبه ومن خلفه خمسة أعواد وفي أعلاه رمانتان من نقش الخشب يطلق عليها (الصلعاء) أي التي ليس فيها زخرفة أو نقوش.

وفي ليلة الجمعة من رمضان سنة 654هـ حدث حريق أكل سائر المسجد النبوي الشريف واحترق فيه أول منبر في الإسلام.

2 - المحراب:

وظهرت لها عدة معاني لدى علماء السنة منها الغرفة العالية والمجلس والقصر أو التجويف أما في المعابد أو القصور وفي لسان العرب المحراب مأوى الأسد يقال دخل فلان على الأسد في محرابه وغيله وعرينه.

والمحراب: مجلس الناس ومجتمعهم وجاء في القرآن لفظ محراب ليدل على:

1 - صدر البناء أو المجلس، أو أوجه مكان فيه.

2 - الغرفة التي في مقدم المعبد، بالنسبة لأصل الكتاب من يهود ونصارى.

3 - القصر أو البناء الملكي، حيث يقيم الملك.

4 - المكان الذي يخصص للملك دون سائر الناس ليمتاز به.

والمحراب هو الحنية المجوفة التي تكون في حائط المسجد بالجهة المقابلة للقبلة وهي مخصصة لإمام الجماعة في أثناء الصلاة والقبلة هي الجهة الموجهة نحو الكعبة المشرفة بمكة، والمسلمون في كل أنحاء المعمورة يتوجهون في صلاتهم للقبلة حيث عرفوا (بأهل القبلة) وقد كانت القبلة بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم صوب بيت المقدس حيث الصخرة التي كان النبي إبراهيم عليه السلام يقدم ذبائحه قرباناً إلى الله تعالى فيها وقد استمر ذلك حوالي سنة ونصف السنة ثم بعد ذلك دعا الله جل وعلا الرسول صلى الله عليه وسلم أن تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المعظمة.

واختلفت الآراء حول أول محراب جعل بالمسجد في الإسلام وذكر أن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه هو الذي صنع له محراباً عندما أصبح خليفة على المسلمين وذكر أيضاً أن الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز أول من أدخل المحراب وكان الهدف من إنشاء المحاريب هو مساعدة المصلين على معرفة جهة القبلة وكانت بدايتها عبارة عن إشارة ملونة في جدار القبلة.

وفي صدر الإسلام وقبل أن تنتشر المذاهب الإسلامية المتعددة كان المسجد لا يحتوي إلاّ على محراب واحد إلاّ أن الوضع اختلف بعد ظهور المذاهب الأربعة المعروفة الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي فمنذ أن أصبح لكل من هذه المذاهب أتباع، أخذت المحاريب تتعدد في المسجد الواحد تبعاً لتعدد المذاهب في البلد الذي يقام فيه المسجد كما حدث في الجامع الأموي بدمشق حيث كان يحتوي على محراب للحنفية ومحراب للحنابلة بل ذكر أن به ثلاثة محاريب.

3 - المئذنة:

قال ابن أثير أن الأذان هو الإعلام بالشيء يقال فيه: آذن يؤذن تأذيناً وأذّن يؤذن تأذيناً، والمشدد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة.

وقد ورد عن المسلمين عدة كلمات تقصد المئذنة مثل الميذنة والمنار والمنارة والصومعة. وهي تقصد البناء المرتفع الذي يرتقي إليه المؤذن ليعلن حلول أوقات الصلاة الخمس عند المسلمين ويدعوهم إلى أداء هذه الصلوات مستعملاً عبارات معينة تشكل مجموعها ما اصطلح عليه بـ(الأذان).

ولم يكن الأذان للصلاة في بداية الدعوة الإسلامية معروفاً كما هو عليه الحال وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حان وقت الصلاة يطلب إلى واحد من أصحابه رضي الله عنهم أن ينادي في الناس (الصلاة جامعة) ويجتمع المسلمون في المسجد ويؤدون صلاتهم المفروضة واستمر الأمر كذلك إلى السنة السابعة للهجرة حين تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة وبعدها أصبحت الدعوة للصلاة تتم عن طريق الأذان الذي ما يزال على ما هو عليه حتى اليوم.

وأجمع المؤرخون على أن بلال بن رباح الحبشي رضي الله عنه أول من رفع الأذان في الإسلام.

وقد تفنن المسلمون في أشكال المآذن وزخرفتها حتى أن بعضها زين بسبائك الذهب والفضة. وقد تعددت المآذن في المسجد الواحد.

4 - القبة:

وهي بناء ينشأ عادة فوق المسجد على شكل محدودب له شكل كره مشطورة عند وسطها، كما قد تكون القبة في شكل بيضاوي مشطور عند وسطه أو شكل مخروطي ذي رأس حاد أو حلزوني أو مضلع أو مقرنص.

والقبة من الملامح المعمارية التي تميز أغلب المباني الدينية عند المسلمين وغيرهم وربما جاء شكلها لتماثل قبة الفضاء الرحب بما فيها من روعة وجمال في كافة الأديان خاصة الأديان السماوية منها، وقد يكون لشكلها دور في تجميع الصوت للمصلين في أثناء الصلاة وتلاوة القرآن لما تحدثه من صدى يدخل الخشوع والانفعال الوجداني في نفوس المصلين.

ويذهب بعض المؤرخين أن أول قبة بنيت في الإسلام هي قبة مسجد الصخرة المشرفة في بيت المقدس التي شيدها عبدالملك بن مروان سنة 72هـ تأثراً بالكنائس النصرانية التي كانت في بيت المقدس وغيره من مدن بلاد الشام. وأضاف عليها المسلمون الهلال لتميزها عن غيرها من دور العبادات الأخرى وليؤكد أنها محاكاة للقبة السماوية ولشعار الدولة الإسلامية في البداية حيث جعل الرسول صلى الله عليه وسلم راية سوداء على قومه وفيها هلال أبيض انتقل هذا التقليد في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى العملات حيث سكت العملات الإسلامية على وجهها الأول محمد رسول الله ورسم سيف وعلى الوجه الآخر إيلياء فلسطين وحرم (م) وهلال.

حتى أن الدولة التركية جعلت الهلال شعاراً لها (علم أحمر يتوسطه الهلال والنجمة).

5 - صحن المسجد:

والصحن في اللغة هو: ساحة الدار ووسطه ومستواه وسعته، ويقال: سرنا في صحن الفلاة وصحون الفلاة.

وهي بالنسبة للمسجد رحبته. والرحبة صحن الجامع ويطلق عليه أهل الشام الصيفي.

ويرجع إنشاء الصحن إلى سنة سبع عشرة للهجرة عند إنشاء مسجد الكوفة، وكان الهدف من إنشائه إدخال النور والهواء إلى المسجد، وذكر أنه كان في صحن المسجد النبوي الشريف خمسة عشر نخله. وقد تطور بناء الصحن وغطى بالقباب.

6 - الرواق:

معناه الرواق من القوم: سيدهم وقعدوا في روق بيته ورواق بيته، وهو مقدمة. وضرب فلان روقه ورواقه إذا نزل[6] .

وعرف الرواق في أول الأمر باسم المجنبات. ولقد كان لمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ظلتان: ظلة القبلة، وظلة الشام عليهما رحبة المسجد.

ويمكن أن توصل الطلتان بمجنتين حيث إن المحنة هي ظلة ضيقة وقد ظهر الرواق تقليداً لمباني العبادة الأخرى وإن كان المسلمون قد أضافوا عليه لمسة إسلامية أضفت عليه هيبةً وجمالاً حيث كان يجتمع بالروقة طلبة العلم وعليه فقد عرف الرواق: البناء الذي يسكنه جماعة من الطلبة متحدوي الجنس والمذهب كرواق الأتراك والمغاربة والحنفية وقد زودوا هذه الأروقة بالأموال من أهل البر من المسلمين تيسيراً للراغبين من طلاب العلم الشريف.

7 - الميضأة:

وهي المرافق الصحية للمسجد وبها المراحيض وهي مخصصة لعملية الوضوء وأصلها من فعل (وضوء) الوجه والوضوء الماء يتوضأ به.

وليس معروفاً بالتحديد الوقت الذي ابتكرت فيه الميضأة وأن كان ظهورها متزامناً مع ظهور المساجد لخلو المعابد في السابق منها وذلك لأن النظافة من أهم مقومات الدين الإسلامي، ويحدد مكان الميضأة عادة في أحد جوانب الصحن بعيداً عن بيت الصلاة وربما تشيد خارج المسجد في مكان مخصص لها حفاظاً على نظافة المسجد وعدم إيذاء المصلين بروائحها.

وقد كانت قديماً عبارة عن حوض كبير يبنى وسط صحن المسجد وتجلب إليه المياه من مصدرها ويملأ باستمرار وفي أوقات الصلاة يتجه المصلون إليه ويقوم كل واحد بشد أحد الأوتاد المثبتة في الحوض فيتدفق الماء إليه من فتحة صغيرة بالحوض. وقد أنشئت الميضأة في السابق بجوار مصادر المياه (الآبار).

وقد تنشأ الأحواض تحت القباب التي تقوم على أعمدة تحجرها عن باقي المسجد.

8 - المقصورة:

ومعناها: الحجرة من حجر دار كبيرة.

واختلف المؤرخون على أول من اتخذ المقصورة فذكروا أن أول من اتخذها عثمان بن عفان رضي الله عنه، خوفاً من أن يصيبه ما أصاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت فيها كوى ينظر الناس منها إلى الإمام، وقد عملها الخليفة عمر بن العزيز بالساج، وذكر أن معاوية بن أبي سفيان هو أول من عمل المقصورة في الجامع من الخلفاء ليصلي فيها يوم الجمعة وأسباب إنشاء هذه المقصورات ظهر حديثاً بفعل الأحداث التي عصفت بالخلافة الإسلامية مثل قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد عين على حراستها أحد الثقاة لأهميتها.

وفي سنة 43هـ أحدث مروان في المسجد النبوي الكريم مقصورة له عندما كان والياً على المدينة من قبل معاوية وكان أول من أحدث المنابر من الولاة الأموين.

9 - السدة:

وهي الفناء لبيت الشعر أو الباب.

وهي في الاصطلاح السقيفة التي تبنى في حائط المسجد مقابل المحراب والمنبر وتكون عادةً من الخشب وهي ترتفع فوق أرض المسجد على أعمدة عالية وتبقى ثابتة في مكانها. والغرض من إنشائها تمكين المؤذن من ملاحظة ما يقوم به الإمام ويبلغ عن إمام الجمعة ويجب على المؤذن أن يكون مطلعاً على تحركات هذا الإمام فيرفع صوته بالتكبير والتحميد من بعده ليضبط الناس صلاتهم مع صلاة إمامهم فلا يتقدمون عليه ولا تيأخرون عنه.

ولا يعرف تاريخ بناء السدة وإن كان قد ذكر أن المنتصر العبيدي هو أول من اتخذ السدة في المساجد سنة 427هـ وذلك في جامع عمرو بن العاص القاهرة.

[1]  الخليج العربي.

[2]  نفس المرجع.

[3]  العقيلي د. محمد رشيد، الخليج العربي في العصور الإسلامية.

[4]  المساجد في الإسلام، الولي، الشيخ طه.

[5]  المصدر السابق.

[6]  أساس البلاغة، الزمخشري، محمود جار الله.
باحث آثار
305235