التجار الأحسائيون وإسهامهم في نشر الإسلام
محمد علي الحرز * - 16 / 3 / 2011م - 2:10 ص - العدد (30)

عندما انطلقت شمس الإسلام ساطعة في أرض المعمورة من أقصاها إلى أقصاها، كان ذلك على أيدي المسلمين الذين كان للدين الإسلامي أثر عميق في نفوسهم دفعهم إلى حمل ثقيل على عاتقهم مسؤولية نشره وتحمل المشاق في إعلاء كلمته فضحوا في سبيل هدفهم بالأموال والأنفس وتحملوا المشاق والصعوبات والبعد عن الأوطان والأهل، ولم يكن ذلك حكراً على جهة دون جهة أو طبقة دون طبقة بل جميع المسلمين.

ولتحقيق هذا الهدف السامي اتبع المسلمون كافة السبل لترسيخ قدم الإسلام فكان من أبرزها:

- الفتوحات الإسلامية.

- إرسال المكاتيب.

- بعث المبلغين.

- الهجرات الجماعية.

- الرحلات التجارية.

ومنطقة البحرين بمعناها العام (آوال، هجر، الخط) كانت مما حظيت بالولوج في بوتقة الإسلام عن طريق إرسال المكاتيب عندما وجه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في السنة السادسة للهجرة العلاء بن الحضرمي بكتاب إلى المنذر بن ساوى العبدي والي البحرين في هجر فكان لذلك الكتاب أثر بالغ في نفسه دفعه إلى اعتناق الإسلام عن قناعة وإخلاص فآمن معه معظم من كان تحت أمرته من الهجريين خصوصاً بني عبد القيس القبيلة التي سطرت صفحات رائعة في التاريخ الإسلامي، فأحسنوا إسلامهم وهاجر قسم منهم إلى مركز القيادة الإسلامية بالمدينة وهناك اسهموا إسهاماً بالغاً في الفتوحات الإسلامية في أرض الشام وشبه القارة الهندية وغيرهم ذكره أرباب التاريخ في كتبهم[1] .

إلا أن هذا الدور أعني الفتوحات أخذ في الانكماش والضمور مع تداعي الخلافة الإسلامية وتحلحلها إلى دويلات متناحرة، مفككة ضعفت لديهم رغبة الإسلام، وقويت العصبية في نفوسهم، لينطلق فن آخر من أساليب الدعوة ألا وهو الرحلات التجارية التي كان لها بصمة واضحة في نشر الدعوة الإسلامية على مر العصور.

وكان للأحساء في هذا الحقل إسهام اتضحت معالمه جلية أبان العهد (العصفوري) و(الجرواني) في المنطقة فترة الازدهار الاقتصادي وانتعاش الحركة التجارية فيها عندما كانت السفن تصل إلى أفريقيا والهند بحثاً عن الربح الوفير، ومن هنا برزت الأحساء كواحدة من المناطق التي حملت راية نشر الدعوة الإسلامية وبثها في النفوس المفتقرة إليها فكان من إسهاماتهم ما يلي:

- الصومال:

الصومال كلمة مشتقة من كلمتين هما (so mal) أي اذهب واشرب اللبن وهي رمز الكرم الذي تميز به أهل البلد من تقديم اللبن للضيوف لأن معظم سكانها يعملون بالرعي واللبن ومشتقاته أهم مصادر الصومال الاقتصادية[2] .

والصومال من المناطق التي دخلها الإسلام متأخراً بعض الشيء فطول ستة قرون ونيف من مجيء الإسلام وأهلها يعتنقون الوثنية المتفشية في القارة الأفريقية يليها الديانة المسيحية.

وكان دخول الإسلام عن طريق التجار الأحسائيين فترة حكم الدولة العصفورية في المنطقة حيث كان الازدهار الاقتصادي في عهدهم في أوجه إذ بلغ خلالها المنسوب الزراعي في الأحساء وحدها يضفي على جميع احتياجات المنطقة والزائد كان يصدر إلى السواحل المطلة على البحار العربية ومدن المحيط الهندي وشرق أفريقيا[3]  وغيرها، مما أوجد أواصر المحبة والتواد بينها وتلك الدول البعيدة التي لم تعرف الإسلام بعد.

وللغرض نفسه - العلاقات التجارية ـ قام الأحسائيون بإنشاء مدينة على السواحل الشرقية لقارة أفريقيا المتاخمة لدولة الصومال سميت بـ(مقديشو) لتكون محطة لخدمة التجارة في تلك المنطقة والمحيط الهندي[4] ، وقد عملوا على تشييدها بمعونة أصدقائهم الأفارقة ولعل هذا العمل هو أبرز المشاريع التي قام به الأحسائيون في ذلك الطرف من العالم.

وكان إعمارها سنة 650هـ[5]  كما يذهب لذلك الأستاذ أنور الجندي، إلا أن الأرجح سابق عن ذلك التاريخ بأكثر من عقد من الزمن فقد تم إنشاؤها قبل عام 637 هـ، بدليل أن الجامع الكبير الواثب في وسطها وهو مؤسس من قبل الأحسائيين به علامة تشير إلى بنائه كان سنة 637هـ[6] ، فلابد أن يكون إعمار المدينة متقدماً على هذا التاريخ ببضعة شهور على أقل التقادير.

وأول من أستقر بها من الأحسائيين أخوة سبعة[7]  وجدوا في أرض مقديشو أرضية خصبة لنشر الإسلام لما وجدوه في شعبها من تقبل و مرونة نفسية في الانتقال من الوثنية إلى الإسلام، وقد ساعد لدخولهم الفطرة التي عرف بها الشعب الأفريقي وسرعة تقبله لكل ما فيه إسعاده وملء فراغه الروحي، وخلال فترة وجيزة أصبح معظم السكان يدينون بالإسلام ويتعبدون به.

وكان من أهم ما أنجزه الأحسائيون في مقديشو أنه في خمسين سنة من التأسيس شيدوا تنظيماً إسلامياً جمع الكثير من المساجد وطلبة العلوم الدينية والفقهاء[8] ، ومع كل ذلك لم تفقد مقديشوا بريقها كمركز تجاري ينضح بالحيوية والحركة ورسو السفن على شواطئها من كل مكان كاليمن وحضرموت وبلاد فارس للأغراض التجارية[9] .

- كينيا:

وهي الدولة التي عرفت قديماً باسم "بر الزنج" ولم تعرف بكينيا إلا بعد الاستقلال الوطني سنة 1940م، وكان قد دخلها الإسلام عن طريق التجار العرب بحكم العلاقة الوثيقة بينهما، والتي راحت تتخذ منحى آخر غير التجاري وهو الاتجاه العقائدي الذي أولاه المسلمون اهتماماً بالغاً في صداقتهم بالآخرين.

مما نتج عنه الهجرات الجماعية من أسر التجار ممن وجد مع أهل كينيا ألفة وصحبة تتجاوز حدود العلاقة التجارية المجردة خصوصاً وأن التجارة كانت تستغرق شهوراً وغربة عن الأوطان فكان لعملية الاستقرار قبول لدى النفوس العربية المسلمة، فنزح في القرن السابع الهجري على فترات مختلفة جماعات من العرب من عمان، والبحرين، وحضرموت، واليمن، والأحساء[10] .

وعلى يد هؤلاء رست قواعد الإسلام في كينيا لتمتد إلى باقي المدن الكينية مثل "فلود، وممبه، وسوفالا، ومالندر وغيرها".

- جزر القمر:

وهي من الجزر الأفريقية المتكونة من أرخبيل من الجزر،تقع في الطرف الشمالي من قناة موزمبيق بين قارة أفريقيا ومدغشقر وعلى بعد متساوي من كلا الجانبين يقرب من 275كم، وكان أول من سكن جزر القمر شعوب من العنصر الماليزي، ثم وصل إليها الآدميون وهم من الساميين، وذلك أيام سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام، ثم بعض الزنوج قدموا من زنجبار في القرن الخامس الهجري.

وقد كان للتجار المسلمين الدور الفعال في ضمها تحت لواء الإسلام عبر الهجرات الجماعية التي تتالت من الجزيرة العربية وبلاد فارس إليها، وكانت تربطهم بجزر القمر صلات تجارية وطيدة استطاعت أن تستقطبهم إلى أراضيها، وكما قلنا إن بداية هذه الهجرات من الساحل الشرقي ثم توغلت إلى أعماق القارة الأفريقية للعمليات التجارية التي سهلت سبل الاتصال بالسكان والدعوة للإسلام.

وجزر القمر كان الهجرات إليها من أقطار مختلفة من أبرزها شيراز من بلاد فارس، ومجموعة من عمان، والأحساء، واليمن[11] .

والمتوقع أن ذلك كان خلال القرنين السادس والسابع حيث الانتعاش الاقتصادي في الأحساء على أشده والعلاقات التجارية قد شملت إطاراً واسعاً من القارة الأفريقية.

[1]  راجع البداية والنهاية ج7 ص103 ، وفتوح البلدان ص421 .

[2]  أفريقيا في التاريخ المعاصر للدكتور رأفت غنمي الشيخ ص174 .

[3]  الخليج العربي والمغرب العربي ، د . عبد الملك خلف التميمي ص15 .

[4]  جغرافيا أفريقيا الإقليمية . للأستاذ جودة حسنين جودة ص299 .

[5]  العالم الإسلامي والاستعمار السياسي والاجتماعي والثقافي . للأستاذ أنور الجندي .

[6]  وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن أفريقيا الشرقية . المسيوجيان . ترجمة يوسف كمال ص186 .

[7]  الجمهورية الصومالية ([الإقليم الجنوبي أو صوماليا) . للأستاذ عبد المنعم عبد الحليم ص199 .

[8]  حاضر الدولة الإسلامية في القارة الأفريقية . إسماعيل العربي ص342 .

[9]  هكذا دخل الإسلام 36 دولة . للأستاذ أحمد حامد ص35 .

[10]  المصدر السابق ص36 .

[11]  راجع الموسوعة العربية العالمية ج8 ص377.
عضو هيئة التحرير
304701