آليات تطوير المناطق القديمة - مدينة الهفوف
م. سعيد عبدالله الخرس * - 16 / 3 / 2011م - 3:30 ص - العدد (30)

تتميز المدينة العربية القديمة بخصائص عمرانية ومعمارية فريدة يجعلها ذات شخصية أقل ما يقال عنها: إنها تختلف عن غيرها من المدن التي تنسب جغرافياً وثقافياً لمجتمعات آخرى. ولقد كان المعماريون العرب يتعاهدون نقل تلك الخصائص العمرانية والسمات المعمارية والفنون الزخرفية منذ أكثر من ألف عام، ويعملون على تطويرها وفقاً لمتغيرات الزمن وتطورات التقنية وظروف المناخ المكانية ومعطياته البيئية، ولكن هذا الحال توقف مع بدايات الثورة الصناعية التي شهدها العالم الغربي، حيث استطاعت الثقافة الغربية بكل تقنياتها وعلومها أن تغزو العالم وتفرض على المجتمعات الخرى قيمها الجديدة، وكان العالم العربي من ضمن المجتمعات التي صارعت الغزو الغربي حتى أذعنت في نهاية المطاف أمام الفارق الكبير في العلم والتقنية، وكانت العمارة العربية -كغيرها من العلوم والفنون- قد أعلنت استسلامها لمعطيات العمارة الغربية وتقنياتها ونظرياتها، حيث لم تعد العمارة تملك مقومات الاستمرار، وهو ما أوجد حالة من التحول والتنكر للذات لدى الشخصية العربية وخاصة في جانبها العمراني، فنجد هناك الحنين للماضي العريق والتفاخر بمنجزاته والاعتداد بتقنياته، ولكن لا تجد أحداً يملك كممارسة عملية أكثرمن توجيه الدعوات وإعلان صرخات الاستغاثة للمحافظة على ما تبقى من المدينة العربية كتراث وتاريخ عَلَّنا نصونها من الزوال والتحول كأطلال نتباكى عندها ونتذكر ماضينا التليد ومجدنا المنهدم.

إن وسط مدينة الهفوف يمثل بأحيائه القديمة نموذج المدينة العربية التي تقاوم وتصارع من أجل البقاء، بل هي في الواقع تعاني من ضغوط الفناء والزوال أكثر مما يتوفر لها من فرص ومقومات البقاء، وهنا نجد أن التدخل من قبل جهاز البلدية وغيره من القطاعات المعنية بالثقافة والتراث والسياحة أصبح ضرورة لا تقبل التأجيل أو التراخي، ولكن السؤال الذي مازال يؤرق الجميع هو كيف يتم هذا التدخل؟ وما هو المستهدف من هذا التدخل؟ وأي القطاعات الجغرافية من المدينة يستحق العناء؟ وما تكلفته وما العائد منه؟ أسئلة كثيرة ولكن ما سنحاول تسليط الضوء عليه في هذه الورقة قد لا يتجاوز بحث كيف يتم التدخل وبمعنى آخر ما هي آليات وسياسات التدخل التي يمكن ممارستها للمحافظة على المدينة القديمة في وسط الهفوف وبتكاليف ممكنة لا ترهق الخزينة العامة وفي الوقت ذاته لا تمنع الملاك من التصرف ولو جزئياً بممتلكاتهم.


الهفوف القديمة

تتكون مدينة الهفوف القديمة من ثلاثة أحياء قديمة هي: حي الكوت حيث مقر الحاكم الإداري وما يتبعه من ثكنات عسكرية ومرافق مساندة، وهناك حي الرفعة حيث يقطنه أصحاب الحرف والمهنيين وفيه يقع سوق القيصرية المعروف، وأخيراً حي النعاثل الذي تقطنه غالباً الطبقة الاجتماعية ذات الدخل الميسور، وبمزيد من التحليل لخصائص هذه المنطقة يتبين لنا ما يلي:

الخصائص العمرانية لمدينة الهفوف القديمة عام 1996م:


المساحة                                        413.75 هكتاراً
 
الكثافة السكانية                               137.5 نسمة/ هكتار

عدد السكان                                     57.000 نسمة
 
نسبة السكان السعوديين                     73.1 %
 
نسبة الكتلة العمرانية                         6.25 %
 
نسبة الفراغات                                 39.75 %
 
عدد المباني                                     7981
 
نسبة المباني الرديئة (المتهدمة)           26.31 %


لقد بدأت مدينة الهفوف القديمة تعاني من التدهور منذ منتصف السبعينات حيث أن آثار الطفرة الاقتصادية على المجتمع بدأت تلقي بظلالها والمتمثلة في ظهور أحياء صممت وأنشئت على الطراز الغربي الحديث مع تعديل طفيف لتتلاءم مع خصوصية الثقافة المحلية، وقد عانت وسط الهفوف في البداية من هجرة سكانية حادة وتفريغ كبير من سكانها واستبدالهم بالعمالة الأجنبية التي وجدت في هذه الأحياء السكن الرخيص من جهة وقربه من وسط الهفوف التجاري من جهة أخرى، ولكن مع تراجع الموارد الاقتصادية واتساع الطبقة الفقيرة في المجتمع الأحسائي، بدأت المدينة القديمة تستقطب هذه الشريحة بصورة تدريجية حتى بلغت نسبة السكان المحليين القاطنين فيها أكثر من 73% حسب ما أشارت إليه دراسات عام 1996م، ولكن هذه التحولات قد انعكست على الحالة العمرانية للمدينة القديمة من خلال عدة أمور:

1 - إن انبهار السكان بالنموذج العمراني الجديد والذي يشاهدونه في الأحياء الجديدة قد دفع بالكثير منهم لتطوير مساكن المدينة القديمة بنفس المواد وعلى نمط الخطوط التصميمية، ونظراً لغياب التوجه التخطيطي لدى البلدية للحفاظ على هذه المناطق صدرت تراخيص الترميم دون ضوابط تذكر، فحدثت تشوهات كبيرة لمباني الهفوف القديمة حتى أصبح معظمها يمثل خليطاً غير متجانس من الأفكار التصميمية والطرز المعمارية والمواد الإنشائية.

2 - إن كون هذه المباني تمثل سكن الأجيال السابقة لعوائل الهفوف والتي بدورها تكاثرت جيلاً بعد جيل، فقد ظهرت معضلة تشتت الملكيات وعدم الجدوى الاقتصادية من الاهتمام بها، فنلاحظ أن كل مبنى من هذه المباني ووفقاً لنظام الإرث الإسلامي يمتلكه العشرات من الأفراد وحصة كل فرد قد لا تتجاوز المتر الواحد في المبنى الذي يمتلكونه، ونظراً للأنظمة الحكومية التي تستوجب تسجيل العقارات القديمة وفقاً لإجراءات قضائية محددة، فقد واجه الملاك الجدد صعوبة كبيرة في تفهم هذه الإجراءات من جهة وعدم اهتمام بتسجيل عقاراتهم من جهة أخرى، فبقيت مباني مهملة تعاني من عوامل القدم والتهدم حيث يلاحظ ارتفاع المباني المتهدمة لتبلغ أكثر من 26%، وفضلاً عن ذلك هناك بالطبع الأوقاف التي تعاني من نفس المصير.

3 - عدم وجود أي سياسة تنموية تعتني بهذه الأحياء القديمة جعلها مع الوقت تفقد التوازن في قيمتها الاقتصادية، ففي الوقت الذي تبلغ فيه قيمة متر الأرض المطلة على الشوارع التجارية أكثر من 25.000 ريال نجد أن المباني الواقعة في داخل الأحياء لا تتجاوز 250 ريالاً، أي أن الفارق قد يتجاوز المائة ضعف، وهو أوجد خللاً تنموياً صارخاً حيث تمت تنمية المباني المطلة على الشوارع الرئيسة للأغراض التجارية مخفية وراءها خرائب وأطلالاً مزرية تصارع البقاء.

إن هذا الواقع يجري -وللأسف الشديد- في غياب أي دور ذي أهمية تذكر للجهات المعنية بإدارة المدينة، باستثناء استمرارية مسؤوليتها في إزالة المباني المتهدمة التي قد تهدد المارة والجيران، ويتم ذلك بالطبع دون النظر لأي قيمة لهذه المباني التي تتم إزالتها وما يمكن أن تمثله من إرث ثقافي وعمراني قد يكون سبباً لإنعاش اقتصاد المدينة مستقبلاً في أبسط الحالات.

التوجه التنموي لمحافظة الأحساء:

لقد تم إعداد دراسات عمرانية لمحافظة الأحساء في العام 1996م تستهدف وضع استراتيجيات تنموية وما ينبثق منها للعشرين سنة القادمة، وقد خلصت هذه الدراسات أن الزراعة التي كانت تمثل قاعدة الأحساء الاقتصادية عبر التاريخ بدأت تتراجع بشكل حاد في ظل تنامي دور النفط في حياة السكان من جهة وتراجع موارد المياه بشكل حاد من جهة أخرى، فكان البديل الواعد هو الساحة التي يجب العمل على تطويرها من خلال استغلال الموارد السياحية المتاحة في المحافظة.

وحينما تم تأسيس الهيئة العليا للسياحة قامت بدورها بإعداد دراسات أولية لتقويم الإمكانات السياحية في محافظات ومدن المملكة، فتوصلت بدورها إلى أن محافظة الأحساء تمثل قطاعاً سياحياً واعداً يجب أن يحظى بالرعاية والاهتمام كأولوية أولى، فتم اختيار مدينة الهفوف القديمة كمنطقة سياحية يستوجب إعادة تأهليها لتعبر عن كل ما تمثله المدينة العربية القديمة من أسواق ومدارس ومساجد ومساكن وأزقة وسكك وحارات ولكن بقي السؤال الذي طرح في البداية قائماً: كيف يتم ذلك؟ قد يكون من غير العملي أن يضع المخططون الدراسات العمرانية للتطوير والتأهيل دون الخوض في آليات التنفيذ، فهي في مثل المواقع التاريخية تستلزم أكثر من توفير اعتمادات محدودة فما هو مطلوب يتجاوز الحفظ والتأهيل ليشتمل أيضاً على الصيانة والتشغيل حتى تصبح المباني التاريخية جزءاً منتجاً ثقافياً واقتصادياً تحتضن في ذاتها عوامل الديمومة والبقاء دون دعم خارجي مكلف.

آليات تطوير مدينة الهفوف القديمة:

لقد وضع المخططون العديد من الآليات التي قد تستخدم لهذا الغرض، إلا أن ما يناسب أي مجتمع أو حكومة قد لا يكون مقبولاً لدى الأخرى لاعتبارات كثيرة ليس هنا المجال لاستعراضها، إلا أنه تبقى جديرة بالدراسة والتأمل حتى يمكن بلورة صيغة مناسبة لتطوير مدينة الهفوف القديمة.

أولاً: سسياسة المعاوضة:

حيث إن البلدية تمتلك كل الأراضي الحكومية التي تقع في نطاق المدينة -وفقاً لنظام البلديات في المملكة العربية السعودية- فهنا يمكن أن تنتزع البلدية كاملاً أو جزءاً من عقارات المدينة القديمة وتعويض أصحابها بأراضٍ تمتلكها في مواقع أخرى تكون بنفس قيمة العقار المنزوع ملكيته.

ثانياً: سياسة نزع الملكية وإعادة الاستثمار:

وتقوم هذه الفكرة على أساس أن تتولى الحكومة ممثلة في جهاز البلدية بنزع ملكية كامل المدينة القديمة -حيث يتم التخلص من الملكيات المجهولة أو الأوقاف أو الصغيرة غير المجدية اقتصادياً- والعمل على إعادة تخطيط وتأهيل المنطقة القديمة وإعادة بيع عقاراتها التي لا تتمتع بأي قيمة تاريخية معينة لمستثمرين يقومون بدورهم بتأهيلها وفق ما هو مخطط له.

ومن الممكن أن تقوم الحكومة مثلاً بإنشاء بنك متخصص بالتنمية العمرانية لتقديم التسهيلات والقروض الميسرة لمثل هذه المشاريع سواء للبلديات أو القطاع الخاص الذي يستثمر في مشاريع الحفاظ على المباني التي تقع في الجزء المستهدف للتطوير وإعادة تأهيلها وتشغيلها، حيث من المتوقع أن تسترجع قيمة القرض من إعادة بيع بعض جزء من العقارات أو استثمارها من قبل القطاع الخاص.

ثالثاً: سياسة بدل التحسين والارتفاق والضرر:

وتقوم هذه الفكرة على أساس أن قيمة الأرض ترتفع قيمتها كلما تحسنت البيئة الميحطة والعكس بالعكس وكذلك ترتفع قيمة العقار حينما يتم نزع الملكية ليطل على الشارع، وبالتالي لابد أن يدفع المالك بدلاً يسمى بدل الارتفاق في حال نزع الملكية أو بدل التحسين في حال التطوير يُعاد تقييمه كلما تم تنفيذ مشاريع حكومية أو بعد مرور سنوات محددة على أن يُستفاد من ذلك في تطوير البيئة المحيطة بالعقارات التاريخية ودفع تكاليف الحفاظ عليها وإعادة تأهليها.

رابعاً: سياسة الصكوك المرنة:

وتقوم فكرة هذه السياسة على أنه يتم نزع ملكية المباني والعقارات التاريخية لصالح الحكومة والتي تقوم بدورها بإصدار صك شرعي للمالك يمكنه من الحصول على أراضٍ مستقبلية بنفس القيمة الكلية للعقار المنزوع ملكيته، وتقوم الدولة بدفع عائد استثماري بصورة إيجار للعقار الذي نزعت ملكيته لحامل هذا الصك حتى يتم تأمين البديل ويكون لهذا الصك صفة المستند المالي الخاضع للتداول حيث يكون من حق المالك التوريث والبيع والتنازل عن هذا الصك.

خامساً: سياسة مقابل الاستثناء:

تقوم هذه الفكرة على أساس أن تقدم البلدية بعض الاستثناءات المدروسة لمستثمري العقارات التي تقع في المنطقة القديمة المستهدفة بالتطوير على أن يقوم المستثمر بتنفيذ الأعمال التي تكلفه بها البلدية وفقاً لمخططاتها التطويرية، وقد تقتصر فعالية هذه السياسة على تنفيذ بعض أعمال التجميل والتحسين للطرق والسكك والميادين وواجهات المباني.

سادساً: سياسة التطوير من خلال الشركات المساهمة:

تقوم على أساس تكوين شركات مساهمة -كما هو الحال في مكة المكرمة والمدينة المنورة- وتقوم بتملك كامل المنطقة وتطويرها وفق مخططات تستهدف الحفاظ على المباني التاريخية وإعادة تأهيل كامل المنطقة وتشغيلها كمشروع سياحي استثماري ذي مردود اقصادي معقول.

سابعاً: سياسة حق الهواء:

وتقوم فكرة هذه السياسة على ضمان حقوق ملاك العقارات في المنطقة القديمة المستهدفة بالتطوير، ففي الوقت الذي يلزم الملاك بأن يقتصر انتفاعهم من عقاراتهم على ما هو محدد في مخططات التطوير يكون من حقهم التعويض بمثل ما منعوا منه، وفي هذه الحالة يكون من حقهم أن يمنحوا رخص بناء بفارق المنع أو التقييد، فإذا كان من حقه البناء ستة أدوار وما هو مسموح به هو دورين فيكون من حقه استخدام هذه الرخصة في تعلية عقار آخر بشكل استثنائي بنفس عدد الأدوار، وتكون هذه الرخصة عامة غير محددة المكان ومرنة أي قابلة لأن توزع على أكثر من عقار فبدل أن يتم تعلية مبنى واحد أربعة أدوار يمكن تعلية عقارين كل منهما دوران، وقابلة للتداول بين الناس بالبيع والتنازل والتوريث.

إن أيًّا من هذه السياسات أو بعض منها قد يكون مناسباً للتطبيق في تطوير مدينة الهفوف القديمة بل في كل المواقع المماثلة في المملكة العربية السعودية، إلاّ أنه قد يتطلب من الجهاز التشريعي دراسة هذه الخيارات لاختيار الأفضل منها وبالتالي وضع الضوابط والتعليمات المحددة لتطبيقها، وبعد ذلك يمكن الحديث بصورة جادة عما يسمى بتطوير مدينة الهفوف القديمة والحفاظ على مبانيها التاريخية وإعادة تأهيلها.

مهندس مدني - السعودية.
304699