ذكريات في الأحساء عام 1397هـ
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 16 / 3 / 2011م - 3:36 ص - العدد (30)

أيام جميلة قضيتها في الأحساء قبل سبع وعشرين عاماً.. واكتسبت فيها ذخيرة ممتازة من الأصدقاء الذين مازالت علاقتي بهم وطيدة.

والهدف من هذا الاستعراض التواصل ومد الجسور بين الأصدقاء أو أصحاب الهم الوطني المشترك أو من يعنيهم الشأن العام.. وذلك لإثارة ومناقشة أمور تهم الجميع.. وتذلل الصعاب التي قد تعترض الطريق والحلم بصوت عالٍ بهدف الوصول إلى الأفضل في كل مناحي الحياة.. للمصلحة العامة.

ما أحوجنا إلى منتديات تجمع فئة متجانسة تفكر وتناقش وتتلمس العلاج الناجع لأمراض المجتمع والبحث عن أفضل السبل للوصول إلى بر الأمان، لطرح ومناقشة قضايا ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية وغيرها، لاشك أنها ستغني الساحة وسترفع من مستوى الوعي وستحد الهدف ومكمن المرض وكيفية علاجه.

يعتبر موضوع الشباب من أهم المواضيع حساسية في كل الدول والمجتمعات في العالم، وتُولي الدولة اهتماماً بالغاً ويتم صرف الكثير من الأموال لاستثمار طاقاتهم وتفجيرها لما يعود عليهم وعلى الوطن بالفائدة المشتركة، ليشب ويكبر وقد تسلح بالعلم والمعرفة وحب العمل الجماعي التطوعي عن طريق الخدمة العامة، واحترام الحق العام.

من خلال تجربتي في العمل مع شباب منطقة الأحساء سعدت كثيراً بتجاوبهم ومشاركتهم في النشاطات الثقافية والاجتماعية، بل وتعلمت منهم الشيء الكثير مما أكسبني خبرة طبقتها عندما انتقل عملي من هنا إلى منطقة حائل بعد أن قضيت قرابة الثلاث سنوات والنصف.

ونظرة سريعة على تجربتي بالعمل مع الشباب من خلال مكتب رعاية الشباب بالأحساء، وسأكتفي باستعراض نماذج من تلك النشاطات لعام واحد هو 1397هـ. وأسأل: هل استمر هذا النشاط وارتقى بمستوى الأداء؟

بمعنى آخر: هل الجيل الجديد استفاد ممن سبقه؟

وأترك لكم حرية التساؤل والإجابة.

كُلّفت بافتتاح مكتب الرئاسة العامة لرعاية الشباب بالأحساء مع منتصف عام 1395هـ أي منذ ثلاثين عاماً، ولم يكن بالأحساء سوى ناديي هجر بالهفوف والفتح بالمبرز، وناديين جديدين مازالا يحبوان: (العيون، والجيل).

المباريات الرياضية محصورة بين الناديين، وسريعاً ما تنتهي مع بداية الموسم فتبقى أيام السنة بلا نشاط شبابي يذكر.

ففكرت في تنشيط فراغ الشباب بما يعود عليهم بالفائدة والنفع. وهكذا اقترحت وضع برامج ثقافية واجتماعية موزعة على مدن وقرى الأحساء.

وسريعاً ما وافق سمو الأمير فيصل بن فهد الرئيس العام لرعاية الشباب وقتها، ورعى وساند هذا المشروع سمو أمير الأحساء محمد بن فهد بن جلوي رحمهما الله.

وأقبل الشباب بكل حماس على المشاركة والانخراط في برامج الرحلات والخدمة العامة والبرامج الثقافية المختلفة.

مقر المكتب لم يكن يستوعب أي نشاط لضيقه، ولهذا فقد أقيمت كل الأنشطة في الأندية الرياضية والتي بدأت منذ العام الأول تزداد وتنتشر بالقرى مثل: النجوم بالشقيق، والروضة بالجشة، والقارة والجيل والطرف، إلى جانب الأندية الأولى هجر والفتح والعيون..

لا أنسى مَنْ تجاوب وساهم في الموسم الثقافي بإلقاء المحاضرات الثقافية المختلفة سواء بالمعسكرات الشبابية أو الأندية أو بجامعة الملك فيصل بعد افتتاحها من خلال أمينها العام الدكتور خالد بن عبدالرحمن السيف أول من فتح قاعات الجامعة للشباب ورحّب بهم مستضيفاً المحاضرات والندوات بدءاً بمحاضرة الأستاذ الشاعر محمد العلي المحرر في جريدة اليوم وقتها "الحس الاجتماعي بالشعر العربي" عام 1397هـ.

وهكذا تضافرت جهود الشباب مع المكتب الناشئ، واذكر منهم القائد الكشفي الأستاذ مؤيد عبدالرزاق أيوب من العراق الشقيق والأساتذة: سعد الناجم، وإبراهيم صقر المسلم، وإبراهيم بوجليع، ومحمد الجويسم، والمرحوم فهد الحنيف وغيرهم ممن لا تحضرني أسماؤهم.

لقد ساهم شباب المنطقة بإحياء الموسم الثقافي تطوعاً، وتنفيذ برامج النشاط الاجتماعي من رحلات ومعسكرات وخدمة عامة، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر معسكر العمل العربي والذي أقيم بمقر المعسكر الدائم بقرية الكلابية ولمدة خمسة عشر يوماً من 20/ 11/ 1397هـ إلى 4/ 12/ 1397هـ، وشارك فيه 116 شاباً من سبع دول عربية إضافة لشباب من مختلف مناطق المملكة، لقد اشتمل برنامج المعسكر على أنشطة اجتماعية وثقافية ورياضية، فبالإضافة إلى تشجير شوارع المدينة (الهفوف) وبعض القرى، تم إصدار مجلة يومية باسم (صوت المعسكر) وكان يحررها الشباب: إبراهيم الفريح (مدير عام الشؤون الاجتماعية بالقصيم حالياً)، وسليمان العقيلي (مدير تحرير جريدة الوطن حالياً)، وفهد الشامخ (مدير مدرسة في مدينة المذنب)، وغيرهم. وكان هناك برامج إذاعية يومياً، ونظمت محاضرات وندوات أذكر منها:

1 - الطرق الحديثة لحجز الرمال للمهندس يوسف العبدالواحد.

2 - فريضة الحج للشيخ حمد العمر.

3 - ندوة ثقافية (دور الشباب في بناء الوطن)، شارك بها: الدكتور خالد السيف (عميد الطلبة والشؤون التعليمية بجامعة الملك فيصل)، والأستاذ محمد العلي (المحرر في جريدة اليوم)، ومنصور الخضيري (مدير إدارة النشاط الاجتماعي والمعسكرات بالرئاسة العامة لرعاية الشباب).


وكان لهذا النشاط تأثيره في شباب الأحساء واختلاط أبناء البحرين وعمان والكويت والمغرب والسودان والعراق ومصر بهم أبلغ الأثر، مع شباب بقية مناطق المملكة.

وأذكر أنهم قد أدوا صلاة الجمعة الأولى لإقامة المعسكر في جامع الإمام فيصل بن تركي وما أن رآهم الخطيب الشيخ محمد بن عبدالله آل مبارك حتى رحب بهم ضمن خطبته وذكر شيئاً من أهداف وبرامج المعسكر وطالب الشباب بمشاركتهم وتمنى لهم التوفيق والنجاح وتكرار مثل هذا العمل، وهكذا بالجمعة التالية حيث فعل ما فعل الأول خطيب المسجد الآخر الشيخ حمد العمر.

وهناك برامج أخرى ثقافية خلال موسم 1393هـ مثل أمسية شعرية للشاعر البحريني عبدالرحمن رفيع وأمسية أخرى شارك فيها الشاعران حسن الحليبي ومحمد العمر الملحم. ومحاضرات للشيخ عبدالعزيز اليحيى رئيس المحكمة الشرعية الكبرى، ومحاضرة موقعة بدر الكبرى للشيخ محمد المبارك، والأدب القديم بالأحساء لحسن الحليبي، والحس الاجتماعي في الشعر العربي لمحمد العلي، والكمبيوتر في الحياة المعاصرة للدكتور خالد السيف، ومصادر غير تقليدية في الغذاء للدكتور حسين العروسي، والشباب والخدمة العامة للدكتور محمد بشار العابد، ونظرية المعرفة لأبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري، وغيرها مما لا استحضره في هذه العجالة. هذا بالإضافة إلى نشاطات مسرحية وفنون تشكيلية ومسابقات ثقافية مختلفة بين شباب الأندية على طريقة خروج المغلوب... وهكذا..

رغم هذه السنين الطويلة التي مرت مازلت أذكر أحد هذه البرامج الاجتماعية الذي استمر مدة شهرين خلال العطل الأسبوعية أيام الخميس أسبوعياً من 3/ 2 إلى 7/ 4/ 1398هـ، واشترك فيه (117) شاباً وسبعة مشرفين مهمتهم تنظيف المساجد وترتيب المصاحف وتنظيف الفرش. إذ كان وقتها لا يوجد من يعنى بالمساجد من الخدم المفرغين لها. فكان أبناء المنطقة من الطائفتين الشيعة والسنة يتسابقون للمشاركة بهذا العمل، ووضعوا برنامجاً شاملاً جميع مساجد الأحساء من مدن وقرى وكذا مساجد وحسينيات الشيعة.

أذكر أنني أحياناً أزورهم في أحد صباحات الخميس للتأكد من تنفيذ البرنامج كما هو رغم ثقتي بصدقهم وبإحساسهم بالمسؤولية، وهذا كله يأتي تطوعاً منهم بلا مقابل، جئت ضحى ذات خميس إلى جامع الكوت بجوار مقر الإمارة حيث مجموعة من الشباب تنظف المسجد وقد انهمكت بالعمل، من يحمل المفارش إلى خارج الجامع لنفضه من الغبار وإعادته، ومنهم من حمل المصاحف ينظفها ويرتبها برفوفها بعد كنس الغبار والأوساخ من المسجد. وإذا برجل كان يقف ليس بعيداً عن الشباب وقد أخفى وجهه أو لف غترته عليه (متلثم) وما أن رآني حتى أتى للسلام وقد فكَّ اللثام وإذا هو الشيخ إبراهيم بن عبدالعزيز الخضيري (القاضي بالمحكمة الشرعية بالرياض حالياً) إذ كان وقتها قاضياً بمحكمة الهفوف. وكان ابنه مع الشباب، وقال: إنه لم يصدق ابنه عندما قال: إن هناك شباباً سينظفون المساجد وسيشاركهم، فجاء للتأكد، وقد شكرني الرجل وازداد إعجاباً عندما عرف أن هؤلاء الشباب هم أبناء الشيعة والسنة معاً.

وكان هناك برامج أخرى غير هذه مثل:

1 - ترميم مسجد العيد بالمبرز لإزالة الحشائش وتغيير التربة وطلاء الأبواب، ومد سلك شائك أعلى السور.

2 - مهرجان يوم الصحة العالمي. التوعية العامة بيوم الصحة من خلال المحاضرات والنشرات والمسيرات وكان هذا البرنامج من اقتراح الأخ أحمد المشعل.

3 - افتتاح مكتبة عامة بسجن الأحساء لاستغلال وقت السجناء.

4 - افتتاح مكتبات في بعض المساجد الكبرى.

5 - وضع بعض المقاعد لاستراحة المسافرين عند مواقف الحافلات وغيرها.

كانت تلك البرامج وهذا النشاط تشد الشباب وتحفزهم إلى المشاركة والتنافس الشريف سواء مشاركتهم مباشرة أو عن طريق أنديتهم التي كانت تتنافس مع غيرها. وكان وقتها لا يفرق بين فلان من أبناء السنة أو من أبناء الشيعة ولا يمكن التمييز بين أحدهم "فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" فكيف بأبناء بلد واحد، فعندما أسمع وأرى ما يحصل من فرقة بين أبناء البلدة أو الحارة لمجرد أن هذا من فئة والآخر من فئة أخرى أتذكر تلك الأيام وما حفلت به من نشاط مشترك ما زالت ذكراه العطرة باقية، فهل يعود الصفاء والوئام والانسجام بين أبناء البلد كما كان؟! لقد آلمني ما أسمعه من البعض الذي يكفر هذا ويستنكر ذلك، ويطالب بعدم رد السلام على أحدهم لمجرد أنه من طائفة غير طائفته، وحتى عدم مواكلته.. وهذا السلوك الشائن يؤدي إلى فكِّ لحمة الوطن وتفريق أبناء المجتمع إلى شلل ومجموعات متلفة ليسهل للعدو الانقضاض عليها والتهامها.. وكما قيل: "لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض".

* باحث
302167