ديوان (خفقان العطر)
بين حرية الإيحاء وقبضة العقلنة
جاسم الصحيح * - 16 / 3 / 2011م - 3:37 ص - العدد (30)

ما يميز شعر الصديق الأستاذ ناجي الحرز هو ذلك الألق الصافي الذي يضيء أدغال النفس الأولى عائداً بنا إلى منابع الفطرة التي أضعناها في هذا العصر واكتفينا أن نقف على شواطئ نهر الشعر ونغترف من معينه المشوب بالطين والطمي، ولكننا حينما نقف على شواطئ هذا الشاعر نجد أنفسنا واقفين على نافورة النبع الأول حيث الصفاء المطلق، ومن هناك ننطلق معه في رحلة نهرية ريانة بالخصوبة اللغوية والإمتاع الفني، ولكنها مشوبة ببعض الرتابة في الجريان.

في ديوانه (خفقان العطر) يطل هذا المفهوم في كامل تجلياته من آفاق معظم القصائد إطلالة مفعمة بالألق تعيد إلى الشعر جاذبيته وجماهيريته أيضاً، وتؤكد على أن الشعر في الأحساء ما زال أحد محاصيل إنسانها، بالضبط مثلما التمر والليمون والرطب محاصيل حقولها.

البيان الساحر في هذا الديوان يمارس نشاطه بكل قوة وفاعلية، وفجأة ينشق التاريخ أمامنا حينما نتوغل في القصائد ويطلع من بين ثناياه شاعر مهموم وعاشق، قادم من العصر العباسي، يتدفق هذا الشاعر في صيغة الوصف الدافئ للهموم على مدى مساحة زمنية عاشقة، ويعود بنا إلى حضن الطبيعة البكر التي لم تفقد عذريتها.. تلك الطبيعة التي ارتسمت على وجه الحياة قبل تشويهه، ثم نندفع مع الشاعر نحو الارتطام بجدران حقيقته القاسية التي هي بالتالي حقيقة إنسانية تشملنا جميعاً، وأخيراً نسقط وإياه في هاوية الانهيار.

حين يحلم شاعرنا الكبير، يتسلل في هروب فنان من ضجيج الواقع ونراه يلوذ بـ(ظلال نجمة حالمة) ويوسد جراحه على (همسات غيمة خضراء) ويلتحم هو وحبيبته في زهرة واحدة تجعل منهما (خفقان العطر في صدر الرحيق)، وهناك في آفاق القصائد السابحة في الأعالي.. تتشكل ملامح الأحلام فتأخذ من الغزل وجهاً ومن الحنين إلى المرأة جسداً فنياً، فها هو يقول في قصيدة (أطلي):

أطلي من رؤى حلم قديم

أناشيداً تهدهد من جحيمي

اطلي غيمة خضراء تغفو

على همساتها النشوى، كلومي

 

ويقول في القصيدة التي حمل الديوان عنوانها (خفقان العطر):

خطوة واحدة ما بيننا

تتمطى الآن مليون طريق

خطوة واحدة ما بيننا

أصبحت أبعد من وهم غريق

 

هذا الوهج الرومانسي يمتد على رقعة كبيرة من خارطته الشعرية حيث الأحلام تنفتح على اللانغلاق وحيث المعاناة الشخصية حاضرة بقوة ذلك الوهج، ولو كنت أملك إحساسه المرهف وأصغيت جيداً لاستطعت أن أسمع حفيف أجنحته في سماء الورق.

ويتضح إخلاص الشاعر ناجي لأحاسيسه في كل قصائده كما يتضح أنه يملك أدوات فنية في مستوى تلك الاحاسيس، فإذا فتح بوابو ذاكرته على كنز الماضي المليء بالجواهر الإبداعية واقتبس جوهرة من ذلك الكنز فإنه يمررها عبر مصفاة ذاته حتى تزداد تألقاً وازدهاءً، على عكس الكثير من الشعراء الذين لا يجيدون السيطرة على اللهب الشعري فيجورون على الجواهر القديمة بالإحراق.

 

يقول في قصيدة بعنوان (حسبي):

عيناك أم نافذتا حنان تطل من أفقهما الأماني

وثغرك الباسم أم سلافة ملت جحيم القهر في الدنان

وناهداك ذان..أم حقان من  طيب على الصدر معلقان

ويقول في قصيدة (ادن مني):

ادن مني أيها الغافي على حبة القلب أهازيجاً وهماً

أدن مني أتفيا ساعة رمشك الممتد في عمري حلما

 

العينان نافذتان والثغر سلافة والناهدان قارورتان من العطر والرمش فيء..

صحيح أن قمصان التشابيه هذه التي يخلعها الشاعر على الأشياء بضائع جاهزة على رفوف التاريخ، لكن الشاعر يطرز هذه القمصان بخيوط روحه وينسج عليها آخر أشكال معاناته حتى تبدو في زي خاص من تصميم هذا الشاعر المجدول من سعفات النخيل، وهذه الموهبة تنم عن ذائقته التراثية ومدى سيطرته على الموروث وقدرته على إعادة تشكيله في صياغة معاصرة جعلت منه الأقرب إلى الجماهير من شعراء جيله الذين أوغل بعضهم في الرمزية حد التجريد وتخلف البعض الآخر لأنه لا يملك تلك القدرة التي تجعل الناس يرن فيه جاذبية النجم أما الشاعر ناجي فقد بقي شاعر الناس.

إلى هنا وما تزال الأحلام تسمو في مدارج اللهفة من مدار إلى مدار اعلى، حتى إذا اصطدمت بسقف الواقع بعد المدار الأخير سمعنا صوت انهيار الشاعر وتساقط أعمدة الشعر في قصيدته (الصمت).. هذه وأخواتها من قصائد التفعيلة عبارة عن معاناة اكبر من البوح الصريح، لذلك فهو يدفع المعاني على جليد الرمزية تزلجاً ماهراً يجعلنا نلمح المعنى خاطفاً ولا نستطيع أن نلاحقه إلا بالأحاسيس لأنه يذوب من فرط الرقة والشفافية، يقول الشاعر في قصيدة (الصمت):

 

الصمت الصمت... وهذا القلب الخائف من نزق المجداف

يعرقل آيات جنوني

يمنعني من كسر ظنوني

أعاند إلحاح المرساة

أحاذر تكرار المأساة.

 

هذا الارتطام العنيف بجدران الحقيقة لا يمكن امتصاص طاقته الهائلة إلا بزنبرك الشعر الحر كي يتمدد في مساحة أرحب، فالشاعر هنا يتجاذبه (مجداف نزق) يحاول أن يجترح حلم الإبحار القديم مرة اخرى، لكنه يعلم من واقع التجربة المرة أن هذا الإبحار سيفضي إلى ذات المأساة الأولى التي يحاذر تكرارها.

ومن قصيدة أخرى بعنوان (في الليل):

 

في الليل إذا انطفأ الأطفال

ألملم حزمة ضوء أصفر من ذيل القمر المغلول

 

نلاحظ ثمة غلائل شفافة تقف حاجزاً بيننا وبين المعاني إذ نستطيع أن نرى المعنى ولا نستطيع الوصول إليه.. نحسه ولا نمسك به.. إنها قدرة الشاعر على أن يحلي الأذواق بمرارة المتعة في الغموض وأن يحول المفردات إلى أضواء.. فكيف لنا أن نمسك بالضوء!.

وقد يعتقد البعض أن الشاعر ناجياً يقف طويلاً أمام المرآة لتزيين نصوصه من فرط ما تحمل تلك النصوص من نظافة لغوية وأناقة فنية، ولكن هذا الاعتقاد خاطئ لأنني كأحد القريبين من الشاعر أعرف أن نظافة لغته نابعة من صفاء ذهنه الذي هو دائماً في حالة تجل نقي ولذلك تخرج قصيدته انعكاساً محضاً لمرآة ذلك الذهن الصافي دون أن يضفي عليها المساحيق والألوان.

توجد في نهاية الديوان قصائد ذات مناسبات رثائية تستريح في محطات الحكمة وتغرف من آبار العاطفة لكنها تجري في قناة الرثاء الكلاسيكي نحو مصبات الشعر القديم لولا بعض الموجات النافرة، كما في قوله:

نراوح بين الشجى والشجن

عجالى على قارعات الزمن

ليسلمنا يوم لبس القماط

صغاراً إلى يوم لبس الكفن

وبين البكائين وهم كبير

يباع علينا بأغلى ثمن

مما لاشك فيه أن اللغة الشعرية في الديوان مصقولة بما يكفي للخروج من طور الخامة إلى مرحلة من اللمعان، إلا أنها في بعض القصائد محبوسة خلف سياج من العقلنة، بينما هي -في قصائد أخرى- منفتحة على مدى واسع من الإيحاء حيث يفاجئنا الانبهار بدهشةٍ تفتح العينين على أقصى مداهما السحيق.

أعود في نهاية المطاف وأؤكد على أن الديوان عبارة عن رحلة نهر خصب في غابة النفس، لا يعيبها إلا أنها متناغمة الجريان الفني في معظم امتدادات النهر، وهذا التناغم يثير الرتابة في لغة الماء فتحتاج إلى صرخة أشبه بنغمة مائزة تثقب جسد الرتابة، إذ لابد للنهر في الغابة من أن يمر بمرتفعات ومنحدرات أو أن تعترضه أشجار وأحجار فيغير من نبرة صوته، كذلك الشاعر لا يمكن لانفعاله أن يبقى مستمراً على وتيرة واحدة من أول القصيدة إلى آخرها فهذا يجعل من اللغة لغة ساكنة تبحث عن نزوة صاعقة تحول الأمواج العاطفية إلى حالة من الفوضى الشاعرية.

ولعلّ القصيدتين (ومضة فرح) و (الجدار) تفلتتا من قبضة الرتابة ذكياً واتخذتا مجراهما في النهر صخبا، يقول الشاعر في نهاية قصيدة (ومضة فرح):

 

أخشى تموت يراعتي

من قبل ميلاد الزلازل

يا أيها الإنسان ماذا

قـال زنـدك للسـلاسل

وإلى متى يمتد نوح

الأرض في أيدي القوابل

 

ويقول في نهاية قصيدة (الجدار):

 

في الصمت القادم إكليل

شرقي وثلاث قصائد

وجدار وفؤاد مقروح

ونسير على الوهج المذبوح

الروح تولول خلف الروح

العتمة والغضب المسفوح

 

في هاتين القصيدتين المحملتين بشحنات من الهموم الإنسانية والوجودية، يخرج الشاعر من عادته في بقية القصائد الأخرى التي يكتفي فيها بتصنيع مكونات القنبلة الشعرية وتركيب هذه المكونات حسبما تقتضيه المعادلة العاطفية.

إنه في هاتين القصيدتين يتقدم خطوة إلى الأمام ويدفع بالقنبلة تلك إلى لحظة الانفجار.

شاعر
302163