مقابلة تلفزيونية في كتاب.. مع -صاحب المسيرة العطرة-
باقر الشماسي * - 16 / 3 / 2011م - 3:40 ص - العدد (30)

من حسن الصدف أن أحصل على كتاب ثمين ونفيس في آن، لما فيه من ذكريات عابقة بأنفاس رجل قلَّ أمثاله في هذا الزمن بالنسبة للجزيرة العربية يمثل موسوعة علمية ومعرفية، لا غنى عنها لكل طالب معرفة دون استثناء. وهو كذلك كمجرة مضيئة لمختلف ألوان الطيف في سماوات الأمة العربية. إنه علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، رحمه الله. وقد تمت هذه المقابلة والمحاورة مع الشيخ حمد الجاسر في تلفزيون الرياض يوم الأحد 26/ 1/ 1397هـ الموافق 16/ 1/ 1977م. وأجرى هذا الحوار الدكتور الفاضل الأستاذ عبدالرحمن الشبيلي، عضو مجلس الشورى، وعضو المجلس الأعلى للإعلام آنذاك.

ونظراً لأهمية هذا الحوار حرص الدكتور الشبيلي علىنقل هذه المقابلة التلفزيونية على كتاب لكي يغني المكتبة السعودية والعربيةمن الإضاءة والاستنارة علماً وبعداً ثقافياً، ولاطلاع الأجيال السعودية وإمتاعهم بجانب من جوانب هذا الكنز المعرفي المتنقل وهي ذكريات لمواقف وطرائف وإنجازات ومساهمات للشيخ حمد الجاسر في النهضة التعليمية في السعودية.

هـذا الكتاب بسيط فـي حجمـه والثري في عطائه ومضامينه. وكان معظمه يتضمن الأسئلة والمحاورة، ثم يليها بحث بعنوان (شيخ الصحافة والطباعة والنشر في نجد) كملخص مختصر عن حياة الشيخ حمد وإنجزاته، رحمه الله.

وهنا سأحاول قدر الإمكان تناول بعض أجوبة الشيخ وذكرياته العطرة. لتلكم المقابلة، بقدر ما تسمح به مساحة هذه المقالة..

ولد الشيخ الجاسر في أواخر العشرينيات من القرن الماضي الهجري في قرية تسمى (البرود) وهي تقع في منطقة (السر) وكان والده مزارعاً، ولديه إخوان أحدهما أصغر منه والثاني أكبر منه. ونظراً لأن الشيخ كان مصاباً بعلل مرضية فكان سبباً لنحالة جسمه، ولذلك لم يستفد منه والده في عمل الزراعة لجانبه، بل حفر له قبراً ثلاث مرات بسبب هذه الأمراض التي تعتريه. ولهذه الظروف الصحية رأى والده أن يرسله إلى المدرسة أو (الكتاب)... ورب ضارة نافعة ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ حيث كان ذلك سبباً في تعليمه ونبوغه وإنجازاته الكبيرة، في التاريخ واللغة، وغير ذلك. إن نبوغ هذا الرجل الذي أسبغ الله عليه بهذه النعمة، وهو من حسن حظ هذه الجزيرة  والأمة كلها، إذ حمل بين جوانحه همًّا وطنياً، وفكراً متقداً، وعلماً ومعرفةً غزيرين قد ترجم ذلك بدأب في أنشطته البحثية والتاريخية واللغوية والتعليمية. فلم يمل أو يكل، ولم يسمح لمحبرته أن تجف، ولا لقلمه أن ينضب، ولم يعط لنفسه قسطاً من الراحة، بل يبدو أنه يتلذذ بالمتاعب ويعشقها في سبيل توعية أبناء وطنه الكبير (الجزيرة العربية) وتنويرهم على فهم تاريخهم، وللنهوض بهم إلى المستوى اللائق بأمته، ووطنه العزيز (المملكة السعودية) ناهيك عن دوره المميز في المجامع اللغوية، فهو عضو في المجمع اللغوي بالقاهرة ودمشق وبغداد.

والأهم من هذا أو ذاك أنه من ذوي النفوس المتسامحة والمتواضعة حتى في ملبسه ومشربه، كما ويمقت التعصب لطائفة على حساب أخرى أو يتحيز لقبيلة ضد أخرى في بحوثه وكتاباته، أو لمنطقة أو لمدينة أو لقرية على حساب أخرى.

وهذا حسبما سمعت ورأيت في مقابلاته التلفزيونية لمشاهديه، وما كتبه لقرائه كذلك، أطباقاً شهية، وسلات من الورد والزهور الفواحة بأريج ينشّط الذاكرة، ويقدح زناد الطموح والتطلعات، لما احتوت من ذكريات جميلة، ومن طرائف ومواقف ذات إيقاعات تخصب الفكر.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، كما ورد في المقابلة.. قال رحمه الله (بين التعليم والقضاء):

أنا قبلت القضاء مرغماً بعد أن فصلت من المدرسة بأمر ملكي، وأرسلت إلى القضاء بواسطة مهدي المصلح الذي كان مدير الشرطة، خيرني بين أمرين، إما الحبس أو أن أقبل مباشرة القضاء، قلت له مباشرة: القضاء. وفعلاً باشرت القضاء. ولكنني لم أكن راضياً عن ذلك، فصرت أتحين الفرص تكون سبباً في إخراجي من القضاء. وفي أحد الأيام جاءت عندي قضية (قتل) بين بدو، فحكمت فيها بمائة من الإبل كدية، ولكن مجلس الوكلاء برئاسة الأمير فيصل، رحمه الله، والذي يتولى شؤون الدولة في القضايا الكبيرة، قرر أن تكون الدية عشرة آلاف ريال. وحين أصدر الشيخ الجاسر حكماً بأن تكون الدية مئة من الإبل، أبرقت الإمارة إلى الجهات المختصة بأن القاضي حكم بخلاف الدية المقررة. فجاء أمر ملكي برقياً "أخبروا القاضي بقرار مجلس الوكلاء" فلما أخبر الشيخ الجاسر بذلك بعث ببرقية إلى الملك ولنائب الملك، ولرئاسة القضاة، قال فيها: "الدية حددها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في الدية: حديث معروف للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، هذا الحديث جاء في كتاب (المغني) والذي طبع على نفقة الملك نفسه، ووزع على القضاة، ولا يصح العمل برأي أي إنسان مع حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولااجتهاد يصح عندما لا يوجد نص. إلى آخر ما جاء في برقيته. لذلك لا يمكن أن أنقض حكمي. وبذلك أخرجت من القضاء كما تمنيت..

من ذكرياته الجميلة

وعلى ذكر القضاء، إن الملك عبدالعزيز، رحمه الله، كان له رأي من أجمل ما يجب أن يعمل به، وأن يتخذه القضاء قاعدة يسيرون عليها.. كان قاضي المدينة المنورة، ويدعى البرزنجي، رحمه الله، قاضي المحكمة الشرعية الكبرى، تحاكم عنده رجلان شافعيا المذهب، اختلفا في أرض، استأجر أحدهما من الآخر أرضاً فيها شجر مثمر، فحكم القاضي بصحة هذا الاستئجار، والحنابلة لا يجيزون ذلك طالما فيها شجر مثمر، حيث قد يستفيد المستأجر من الثمر الكثير مما دفعه للإيجار. فلما عرض الأمر على رئاسة القضاة، أمرت القاضي بأن ينقض حكمه، وقالت له: هذا لا يجوز وفقاً لمذهب الإمام أحمد، فكتب القاضي لرئاسة القضاة قائلاً: بأنه يعتمد على أمور في حكمه، ومنها بأن المدعي والمدعى عليه شافعيان والقاضي نفسه شافعي أيضاً، وأن القضايا التي تحدث بسبب الاختلاف على أراضي فيها شجر مثمر، لذا فإن حكمه أرأف وأقرب إلى المصلحة العامة، واستدل كذلك على ما ورد في (شرح المنتهى المطبوع) في هامش (كشاف القناع) طبعة الشيخ مقبل العبدالرحمن الذكير رحمه الله، ولكن رئاسة القضاة نقضت حكمه ونبهته إلى الخطأ، عندئذٍ طلب بأن يرسل الموضوع إلى من هو أعلى منهم. وفعلاً أرسل إلى الملك، فأرسله الملك إلى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، إلاّ أن الشيخ محمد بن إبراهيم أيد رأي رئاسة القضاة. وقال: إن مذهب الدولة هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل. ولهذا يرى فضيلته نقض حكم القاضي الشافعي. وعليه أن لا يخرج عن هذا المذهب في أحكامه.

ولما عرضت خلاصة الأوراق على الملك عبدالعزيز، أمر بإرسالها إلى الأمير فيصل، وأن يكتب إليه.. إليكم جواب الشيخ محمد بن إبراهيم، وهو يؤيد رأي رئاسة القضاة، .. وأن الذي نراه أنه مادام القاضي يستند على قول إمام من أئمة المسلمين، وهو رأي الإمام الشافعي، وأن هذا هو أسهل للرعية، فإننا نرى أنه يجب أن ينفذ هذا الحكم (أي حكم القاضي الشافعي) وأن يعمل به، وأن يرسل إلى المحاكم بالسير على هذا.. وفعلاً عمم على المحاكم.

ويضيف الشيخ الجاسر قائلاً: وهذه القضية تثبت أن الملك عبدالعزيز رحمه الله، كان ذا رأي مصيب وحريصاً جداً على حفظ مصلحة الأمة، وأنه لم يكن ضيِّق الأفق أو ضيق التفكير.

ثم جاء في سياق الحوار، حين سأله الدكتور الشبيلي، بأن صحيفة اليمامة استمرت تسع سنوات في الصدور ثم توقفت، فكان جواب الشيخ الجاسر، هي لم تتوقف بل سحبت مني (أخذت مني) إذ حصل سوء تفاهم بيني وبين المحيطين بجلالة الملك سعود رحمه الله، وهو رجل طيب، إنما هناك ناس يحيطون به كانوا لا يتصورون الأمور على حقيقتها، فحدث سوء التفاهم، بحيث أخذت مني بغير حق.

إن مواهب الشيخ حمد متعددة الجوانب، عابقة بالعطاء لأبناء وطنه علماً وفكراً ثاقباً جلياً، ومعارف جمة، فكانت بمثابة روافد ثرية عذبة، وكبوصلة وجهت أذهان الكثيرين من أبناء الوطن على آفاق بعيدة من تاريخ الجزيرة العربية وتراثها وعطائها، وأبناء منطقة القطيف هم ممن نهلوا الكثير من هذه الروافد، ولكونه أيضاً صديقاً لدى بعض مثقفي القطيف وأدبائها إذ تكونت هذه الصداقة وتبادل الزيارات بدءاً من وجوده في الظهران كرئيس لمراقبة التعليم في الظهران قبل ما يزيد على نصف قرن، وفي ضوء ذلك ثمة سؤال يطرح نفسه، لماذا لم يشمل الدكتور الفاضل الأستاذ عبدالرحمن الشبيلي، بأسئلته وحواره الشائق مع علامة الجزيرة الشيخ الجاسر عن القطيف؟! علماً بأن الدكتور الشبيلي ليس لكونه من النخبة المثقفة المرموقة والواسعة الاطلاع وحسب، بل لكونه أيضاً كان عضواً في مجلس الشورى لذلك، فالذي يفترض فيه أنه ملم ولو ببعض الأمور في الحركة الأدبية لمنطقة القطيف وغيرها. كما وأنه عضو في المجلس الأعلى للإعلام. لذلك أتعجب كيف فات الأستاذ الشبيلي، أن يطرح على الشيخ الجاسر، إن كان قد ذهب إلى القطيف؟ وما هي انطباعات الشيخ عنها، أو أنه قرأ عن محطاتها التاريخية؟ مثلاً، فهل حدث ذلك سهواً؟ أم لضيق الوقت المحدد له سلفاً من قبل معدّ البرامج؟ أم أن الأستاذ الكريم لم يكن يعلم بأن الشيخ الجاسر رحمه الله، له مكانة كبيرة في قلوب ومشاعر أبناء القطيف كغيرها من المناطق، كما وله علاقات شخصية حميمة مع بعض مثقفيها وكتّابها وأدبائها؟

فإن كان ذلك، فمن المستحسن أن ألفت نظر سيادته ونظر من لا يعلم ذلك بإيجاز قدر الإمكان:

حين كان الشيخ رئيساً لمراقبة التعليم في الظهران قبل أكثر من نصف قرن، تعرف الشيخ حمد، على المرحوم حسن صالح الجشي، أحد وجهاء ومثقفي القطيف البارزين، ولأن الظهران لا تبعد عن سيهات سوى عشرين كيلومتراً، وسيهات هي إحدى المدن الكبرى لمنطقة القطيف، لذلك ليس من قبيل الصدف أن يكون بين هذين الرجلين تبادل زيارات، ومن ثم توطدت هذه العلاقة إلى صداقة حميمة، كما وتكونت له صداقات مع آخرين بالقطيف أمثال الأديب والشاعر عبدالله منصور أخوان، والأديب والوجيه علي حسن أبو السعود، والشاعر الأديب المعروف عبدالله الشيخ علي الجشي.

وحتى بعد أن نقل الشيخ حمد من الظهران إلى نجد بقي التواصل والصداقة بينه وبين هؤلاء وغيرهم من النخبة تزداد يوماً بعد يوم. وكلما أتى الشيخ حمد إلى المنطقة الشرقية اتصل بعبدالله الجشي ليزوره  في الدمام والعكس تماماً. لذا لمسنا لوعة الحزن والألم في قصيدة الشاعر والصديق الحميم عبدالله الشيخ علي الجشي يرثي فيها  صديقه العلامة الشيخ حمد الجاسر رحمه الله، فكانت قصيدة عصماء بليغة في وصف ذلك الحدث الجلل، حيث كانت خسارة جسيمة للأمة كلها.

وكل ما قيل من شعر ونثر في انتقال هذا الرجل الفذ إلى جوار ربه هو قليل في حقه، طيب الله ثراه. وهذه بعض الأبيات من قصيدة الأستاذ عبدالله الجشي في ذكرى الجاسر.. قال في مستهلها:

تلد الجزيرة للفتوح وتنجب

وكتائب ملء التخوم تأهب

لكنها وهي الولود شحيحة

لا منهل عذب ونبت طيب

وحياة قاطنها مآسٍ مرة

تضنى النفوس بما تشح وتتعب

مثل الجراد بعوسج مستسلم

يدميه ناب قاضم أو مخلب

ثم يقول بنفس المترقب المتفائل رغم البؤس والعذاب يوم ذاك:

هذي الجزيرة حين عاشت فقرها

والنفط فيها مسبت يترقب

لكنها الأرض التي قد بوركت

بالأنبياء وأمة تتوثب

فتحت على النور العظيم نوافذاً

كانت بأطياف السلام ترحب

ثم أردف مناجياً حمد الجزيرة كلها:

يا حمد حمد للجزيرة كلها

من حيث تبزغ شمسها أو تغرب

أحييت ما وأد الزمان جلاله

وبعثت أمجاداً بناها (يعرب)

ورحلت في طلب المعارف عارفاً

عما يسر سواك أو يتحبب

ثم يقول مخاطباً ومعتزاً بصحبته، ويمتدح إرشاده ونصحه:

كنت الكريم بما منحت من الجنى

فاسمح فإني فيك صبّ معجب

ذكر المواهب والمناقب واجب

لكنه (بأبي محمد) أوجب

عاشرت فيك (أبا محمد) مرشداً

وموجهاً للخير ساعة تصحب

القطيف.
302167