عمان في عهد الدولة الجنابية
دراسة لدراهم جنابية ضربت بعمان*
محمود بن يوسف سليمان الهاجري * - 16 / 3 / 2011م - 8:29 ص - العدد (31)

تعتبر العلاقة بين الدولة الجنابية (قرامطة البحرين) وإقليم عمان الواقع جنوب شرق الجزيرة العربية أساسية ومهمة بالنسبة للأول فهو أحد المصادر المادية التي طالما اعتمد عليها القرامطة في تقويض وتطويع القبائل العربية التي ساهمت في حروبها التي خاضتها ضد خصومها، ولقد أهمل التاريخ هذه العلاقة إلا من النزر اليسير مما كتب في التاريخ العماني وتطرق لهذه العلاقة؛ لذا لا بد من إيجاد بدائل لمصادر تاريخية كالمسكوكات على سبيل المثال وذلك لإيضاح ولو جزء من حقائق أهملها المؤرخون.

في هذا المجال طرح السيد (لك ترد وبل) إصداراً قيماً للنقود البويهية[1]  استرعى انتباهي منها أربعة دراهم عمانية؛ لورود لقب أو كلمة (السادة) ضمن الألقاب الواردة على الدراهم بالإضافة إلى اسم الخليفة العباسي، والأمراء البويهيين، والولاة العمانيين، وهو اللقب الذي استخدمه الزعماء الجنابيون (قرامطة البحرين) على سكتهم في الشام، وفلسطين، ومكة المكرمة. وأستطيع أن أربط - وبشيء من الثقة - بين هذا اللقب - أي السادة - الوارد على مسكوكات عمان وبين الزعماء القرامطة، وذلك بحكم وجودهم ومصارعتهم للبويهيين في هذا الإقليم، واقتسامهم لثرواته على الأقل في فترة هذه المسكوكات من 358هـ وحتى 361هـ. يدعم هذا الرأي ما ذكره ابن الأثير في حوادث عام 354هـ (أن أهل عمان وثبوا على نافع مولى وجيه، وأدخلوا القرامطة إليهم، وتسلموا البلد)[2] . إضافة إلى أنه لم يتخذ أحد هذا اللقب إلا زعماء القرامطة.

إن هذه الدراهم ستمدنا، دون شك، بمعلومات قيمة لهذه الأسرة التي حاولت أن توجد لها مكاناً مرموقاً ضمن الخلافة العباسية؛ خاصة منطقة عمان التي كان للقرامطة فيها عدة محاولات للسيطرة عليها، هي أقرب ما تكون للقرصنة وفرض إتاوة أو خفارة القوافل، إلى أن توجوها، منتصف العقد السادس من القرن الرابع الهجري، بالسيطرة أو مشاركة البويهيين في السيطرة رسمياً بنقش ألقابهم على دراهمها ولو لفترة وجيزة، كما تكمن أهمية هذه الدراهم بأنها أمدتنا، أيضاً، بأسماء بعض الولاة العمانيين، وفترات حكمهم، وكذلك العلاقة بين القوى الأربع أو الرباعية الواردة أسماؤهم على الدراهم.

قبل الإشارة إلى هذه الدراهم لابد لنا من عرض الخلفية التاريخية لهذه الفترة من خلال ما توفر لنا من مصادر.

عمان والجنابيون في المصادر التاريخية

ذكر في مخطوط التاجر (عقد الآل في تاريخ أوال) أنه في عهد ولاية رشيد بن النضر على إمارة عمان سنة 273هـ اختلت الأمور في عمان، وانتثر عقد النظام حتى اضطر أهالي عمان لمراجعة الخليفة المعتضد العباسي[3]  وكان رجل اسمه عزان الخروسي حاول أن يحكم بالقهر والعسف فلم يتسق له الأمر، وصارت الناس فوضى، فذهب اثنان من الأهالي إلى البحرين يتكلمان مع محمد بن ثور عامل الخليفة على البحرين في الاستيلاء على عمان، وإزالة الفوضى التي فيها، وقد قصد أحدهما بغداد لمخاطبة الديوان في هذا الأمر، فأصدر الخليفة أمره إلى محمد بن ثور عامله على البحرين بالزحف على عمان، فسار بجموع وافرة، ففتح نزوى، عاصمة عمان، وقتل عزان، وفر كثير من الأهالي إلى البصرة، وإلى شيراز، وإلى هرمز. ثم ثار بمحمد بن ثور بعض القبائل، وتكاثروا عليه فترك مقره، ولحق بالساحل إلى أن أدركته نجدة عظيمة من (مرتزقة؟) مضر، فتمكن من قمع الثورة، وأرهف الحد في الأهالي، وقطع الأيدي، وصلم الآذان، وعطل قني المياه التي يشرب منها الخلق، وأحرق الكتب، وعمل بالأهالي العمانيين، ولكن ذلك كله لم يفده شيئاً؛ إذ ما كاد يرجع إلى البحرين، محل إقامته، حتى ثار عليه الأهالي ثانية، وقتلوا العامل الذي استعمله على عمان، وذهب دمه هدراً لأن الخلافة عدلت عن ولاية عمان، وما برحت البحرين تحت حكم الخلافة العباسية حتى ظهر القرمطي، وانتزعها منهم[4] .

وفي ذلك يقول ابن خلدون أن أبا طاهر، في سنة 315هـ، استولى على عمان، وهرب واليها في البحر إلى فارس[5] ، وفي باب (ذكر المتغلبين بالبحرين من العرب بعد القرامطة) يقول إن: >محمد بن القاسم الشامي بعثه المعتضد وأعانه ففتحها -أي عمان- وطرد الخوارج إلى نزوى، قاعدة الجبال، وأقام الخطبة لبني العباس، وتوارث ذلك بنوه، وأظهروا شعار السنة، ثم اختلفوا سنة خمس وثلثماية، وتحاربوا، ولحق بعضهم بالقرامطة، وأقاموا في فتنة، إلى أن تغلب عليهم أبو طاهر القرمطي سنة سبع عشرة، عند اقتلاعه الحجر، وخطب بها لعبيد الله المهدي، وترددت ولاة القرامطة عليها منذ سنة سبع عشرة إلى سنة خمس وسبعين، فترهب واليها منهم، وزهد، وملكها أهل نزوى الخوارج، وقتلوا من كان بها من القرامطة والروافض، وبقيت في أيديهم، ورياستها للأزد منهم، ثم سار بنو مكرم، من وجوه عمان، إلى بغداد، واستخدموا لبني بويه، وأعانوهم بالمراكب من فارس، فملكوا مدينة عمان، وطردوا الخوارج إلى جبالها، وخطبوا لبني العباس<[6] .

وفي مصدر آخر، نقلاً عن ابن خلدون، أن عمان كانت من بين الولايات الإسلامية بجزيرة العرب التي كانت تدين بالطاعة للعباسيين، أواخر القرن الثالث الهجري، وقد تزعم الحكم فيها، في عهد الخليفة المعتضد، بنو شامة بن لؤي بن غالب ففتح محمد بن القاسم الشامي عمان بمعاونة هذا الخليفة، ثم وليها من قبله، وأقام الخطبة فيها لبني العباس، ونجح في جعل الحكم وراثياً في أبنائه من بعده. على أن الضعف والإنحلال ما لبث أن أصاب إمارتهم، بسبب الخلاف الذي قام بينهم سنة 305هـ، فلحق بهم بعض القرامطة في بلاد البحرين، وظل الاضطراب سائداً في ولايتهم حتى غلب عليها، سنة 317هـ، أبو طاهـر القرمطي، وخطب بها لعبيد الله المهدي الخليفة الفاطمي ببلاد المغرب، وبذلك دخلت عمان في حوزة دولة القرامطة ببلاد البحرين، وصار ولاتها يعينون من قبلها[7] .

يذكر أن أبا سعيد الجنابي خطط لحرب عمان بوحي من بعض اللاجئين العمانيين الذين طلبوا مساعدته بسبب ما كانوا يعانونه من الصراعات الداخلية، ولكن تلك الحملة باءت بالفشل، وتعرض لتهديد العمانيين[8] .

في ذي الحجة من سنة 331هـ سار يوسف بن وجيه، صاحب عمان، في مراكب كثيرة يريد البصرة، وحارب البريدي فملك الأبلَّة، وقوي قوة عظيمة، وقارب أن يملك البصرة، فأشرف البريدي وأخوته على الهلاك، وكان للبريدي ملاح يعرف بالرنادي، فضمن للبريدي هزيمة يوسف، فأشعل النار في زورقين أرسلهما إلى المراكب، فاشتعلت، واحترقت قلوسها، واحترق من فيها، ومضى يوسف بن وجـيه هارباً في المحرم سنة 332هـ[9] .

في سنة 341هـ سار يوسف بن وجيه[10]  في البحر والبر إلى البصرة فحصرها، وكان سبب ذلك أن معز الدولة لما سلك البرية إلى البصرة، وأرسل القرامطة ينكرون عليه ذلك؛ علم يوسف بن وجيه استيحاشهم من معز الدولة، فكتب يطمعهم في البصرة، وطلب منهم أن يمدوه من ناحية البر، فأمدوه بجمع كثير منهم، وسار يوسف في البحر، فبلغ الخبر إلى الوزير المهلبي فسار مجداً في العساكر إلى البصرة، فدخلها قبل وصول يوسف إليها، وشحنها بالرجال، وأمده معز الدولة بالعساكر، وما يحتاج إليه، وتحارب هو وابن وجيه أياماً ثم انهزم ابن وجيه، وظفر المهلبي بمراكبه، وما معـه من سلاح[11] .

ولم يدم حكم بني وجيه؛ فقد ثار في وجهه مولاه نافع، وتغلب عليه، ثم تقلد زمام الأمور بدلاً منه، ودخل في طاعة معز الدولة بن بويه، وخطب له على المنابر، وضرب اسمه على الدينار والدرهم[12] .

انتهز القرامطة فرصة عدم استقرار الأمور في عمان؛ فتغلبوا عليها سنة 354هـ، وهرب نافع منها بعد أن وثب به أهل عمان، لكنهم لم يستأثروا بالنفوذ فيها، فقد استقر رأي أهلها على أن يولوا عليهم عبد الوهاب بن أحمد بن مروان؛ فولي إمارة عمان بعد أن كان ممتنعاً عن تقلدها، واتخذ علي بن أحمد كاتباً، وكان يكتب للقرامطة من قبل.

بدأ الأمير عبد الوهاب عمله بمنح الجند أرزاقهم، وكانوا طائفتين؛ إحداهما من البيض، والثانية من الزنج، فلما فرغ كاتبه علي بن أحمد من توزيع المرتبات على البيض قال للزنج، وكانوا ستة آلاف رجل، إن الأمير عبد الوهاب أمر لكم بنصف ما وزع على البيض، فامتعضوا لذلك، وثاروا ضده، لكنه ما لبث أن استمالهم إليه بقوله: هل لكم أن تبايعوني فأعطيكم مثل سائر الأجناد ؟ فأجابوه إلى ذلك وبايعوه، فسواهم في العطاء مع البيض مما أدى إلى تذمر البيض وقيام الحرب بينهم وبين الزنج، فلما كانت الغلبة للزنج هدأت الفتنة في عمان، واستقر علي بن أحمد في إمارتها بعد عزل الأمير عبد الوهاب[13] .

في سنة 355هـ انحدر معز الدولة إلى الابلَّة، ونزل في دار البريدي بشاطئ عمان لمحاربة عمران، وبنى الشداءات والمراكب، فوافاه نافع الأسود مولى يوسف بن وجيه مستأمناً فقبله، وانفذ أبا الفرج محمد بن العباس مع نافع في 100 مركب، فلما صار بسيراف وافاه جيش عضد الدولة في مراكب وشداءات نجدة لعمه معز الدولة، وسلك أبو الفرج عمان، واحرق لأهلها 99 مركب[14] . ولما أنفذوا - أي القرامطة - أبا علي بن أبي المنصور (الأعصم) إلى عمان، وتعذر عليهم فتحها ساروا بأجمعهم إليها فافتتحوها[15] ، وفي ذلك يقول ابن حوقل إنه سمع غير حاك في سني نيف وخمسين يحكى عن أبي طريف عدي بن محمد بن الغمر، والقاضي ابن عرفة عن تقارب ألفاظهم في القول إن ساداتهم يتوزعون من مال البصرة، والكوفة، وما يقبضونه من الحجاج، ويرد عليهم من مال عمان، والغنائم دون الخمس الخارج عنهم لصاحب الزمان ألف ألف دينار)[16] ، وهو دخل >يوزع بين أحفاد أبي سعيد، ويشترك معهم فيها بنو سنبر<[17] .

وفي سنة 363هـ استولى الوزير أبو القاسم المطهر بن محمد وزير عضد الدولة على جبال عمان ومن بها من الشراة في ربيع الأول، وسبب ذلك أن معز الدولة لما توفي وبعمان أبو الفرج بن العباس، وقد فارقها فتولى أمرها عمر بن نبهان الطائي، ثم أن الزنج غلبت على البلد، وقتلوا أبن نبهان، وأمروا عليهم إنساناً يعرف بابن حلاج، فسير عضد الدولة جيشاً من كرمان واستعمل عليهم أبا حرب طغان فاقتتلوا قتالاً شديداً في البر والبحر فظفر أبو حرب واستولى على صحار، وانهزم أهلها، وكان ذلك سنة 362هـ، واجتمع خلق كثير من الشراة في جبال عمان، وجعلوا لهم أميراً اسمه ورد بن زياد، وجعلوا لهم خليفة اسمه حفص بن راشد، فاشتدت شوكتهم، فسير عضد الدولة المطهر بن عبدالله في البحر أيضاً فبلغ نواحي حرفان من أعمال عمان فأوقع بأهلها، ثم سار إلى دما فقاتل من بها، انهزم على إثرها أميرهم ورد، وإمامهم حفص، وقد قتل بعدها ورد، وانهزم حفص إلى اليمن فصار معلماً، وبذلك استقامت البلاد ودانت بالطاعة، ولم يبق فيها مخالف[18] .

وعلى صعيد آخر أوردت المسكوكات درهماً لبني سامة، أو بني شامة، ضرب بعمان سنة 313هـ، يعد آخر الدراهم المعروفة لبني سامة الذين حكموا عمان. وكان متوليها عبد الحليم بن إبراهيم من قبل الخليفة العباسي المقتدر بالله[19] ، وهناك مسكوكات ليوسف بن وجيه ضربت في عمان للأعوام 317هـ، 318 319، 320 هـ و 322هـ … وأخرى[20] .

أما عن الدراهم موضوع البحث، وهي عبارة عن أربعـة دراهـم، فسنورد معلوماتها من واقع المصدر[21]  كما يلي:

1ـ درهم ضرب بصحار سنة 358هـ (سنة ثمان وخمسين وثلثماية).
 

كتب على الوجه

كتب على الظهر

الله

محمد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

المطيع لله

السادة

عمر بن محمد؟

لا إله إلا الله

وحده لا شريك له

ركن الدولة

أبو علي

عضد الدولة

أبو شجاع

الألقاب الواردة على الدرهم

- المطيع لله هو: الخليفة العباسي الثالث والعشرون. حكم من سنة 334 وحتى سنة 363هـ.

- ركن الدولة أبو علي هو حسن بن بويه؛ أحد الأخوة الثلاثة الذين أسسوا الكيان البويهي بالخلافة العباسية.

- عضد الدولة أبو شجاع هو: فناخسرو بن ركن الدولة. عهد إليه أبوه ببعض المقاطعات. يذكر اسمه هنا ولياً لعهد والده ركن الدولة، وكانت عمان من ضمن المقاطعات الموكلة إليه.

- السادة هو اللقب الذي تلقب به الزعماء الجنابيون كتب على راياتهم ونقودهم بالشام وفلسطين بإضافة كلمة الرؤساء أحياناً[22] ، واللقب هنا لا يخص عمر بن محمد لأنه فرد، وكلمة السادة جمع. كما أنها لا تخص ركن الدولة وابنه؛ لأنه، أي اللقب، جاء على وجه المسكوكة، ولم يسبق أن تلقب به البويهيون.

- عمر بن محمد هو: أحد الولاة المباشرين لعمان، وقد ذكر ابن الأثير أن أبا الفرج بن العباس، عندما فارق عمان (355هـ)، أمَّر عليها عمر بن نبهان الطائي، الذي يبدو أنه هو عمر بن محمد نفسه.

2ـ درهم ضرب بعمان سنة 358هـ (سنة ثمان وخمسين وثلثماية).
  

كتب على الوجه

كتب على الظهر

الله

محمد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

المطيع لله

السادة

حلج بن حاتم

لا إله إلا الله

وحده لا شريك له

ركن الدولة

أبو علي

عضد الدولة

أبو شجاع

الألقاب الواردة على الدرهم

الألقاب الواردة هنا هي كما سبق عدا لقب حلج بن حاتم

- حلج بن حاتم، أحد الولاة على عمان بعد مقتل عمر بن نبهان الوالي السابق لعمان، حيث يذكر ابن الأثير أن الزنج غلبت على البلد وقتلوا ابن نبهان وأمر عليهم إنساناً يعرف بابن الحلاج[23] .

3ـ درهم ضرب بعمان سنة 360هـ (سنة ستين وثلثماية)
   

كتب على الوجه

كتب على الظهر

الله

محمد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

المطيع لله

السادة

حلج بن حاتم

حاتم

لا إله إلا الله

وحده لا شريك له

ركن الدولة

أبو علي

عضد الدولة

أبو شجاع

 

الألقاب الواردة على الدرهم

هذا الدرهم يحمل نفس الألقاب السابقة بزيادة اسم حاتم

- يبدو أن حاتمًا هذا هو ابن حلج بن حاتم، واسمه مضاف أسفل اسم والده؛ مما يعني أنه من سيخلف والده لإمرة عمان، وربما هو من قصده ابن الأثير بابن الحلاج.

4 - درهم ضرب بعمان سنة 361هـ (سنة إحدى وستين وثلثماية).
  

كتب على الوجه

كتب على الظهر

الله

محمد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

المطيع لله

السادة

حلج بن حاتم

حاتم

لا إله إلا الله

وحده لا شريك له

ركن الدولة

أبو علي

عضد الدولة

أبو شجاع

الألقاب الواردة على الدرهم:

كما في السابق.

التحليل

تعتبر منطقة عمان بجنوب الجزيرة العربية من المناطق التي مد القرامطة نفوذهم اليها منذ بداية الحركة؛ لأنهم ينظرون إليها كمورد اقتصادي توفر لهم سبل الاستمرار السياسي، ويذكر أن أول محاولة للسيطرة على هذا الإقليم كان في عهد أبي طاهر الجنابي حيث فتحها سنة 317هـ، وفر واليها لاجئا إلى فارس، ويذكر، أيضًا، أن الأعصم حاول ضمها مرة أخرى فامتنعت عليه، فسار القرامطة جميعاً فافتتحوها[24] ، وهنا لي رأي آخر في هذا الحدث، حيث يبدو أن ذلك حدث في العقد السادس من المائة الرابعة الهجرية، و أن عمان لم تدخل في حوزة القرامطة رسمياً إلا سنة 354هـ بخروج نافع الأسود مولى بني وجيه هارباً إلى البصرة سالكاً طريق فارس، مستنجدًا بمعز الدولة البويهي.

أما ما ذكر عن استيلاء أبي طاهر على عمان عام 317هـ والدعاء لعبيد الله المهدي الخليفة الفاطمي ببلاد المغرب، وهروب واليها إلى فارس[25] ، فأعتقد أن فيه لبسًا، وتناقضًا، حيث كان أبو طاهر يواجه العباسيين في حروب على مختلف الجبهات، بالإضافة لوجـود بني وجيه في عمان منـذ عام 314هـ حتى عام 350هـ، وهناك مسكوكات لبني وجيه موسومة باسم الخليفة العباسي المقتدر بالله للأعوام 317 – 318 – 319 – 320هـ وما بعدها؛ وكلها تشير للولاء للخلفاء العباسيين، ولا يمكن أن تضرب السكة للعباسيين وتكون الخطبة للفاطميين في وقت واحد، وقد يكون هناك نفوذ قرمطي في دعم والي عن آخر؛ لأن ثمة ما يشير إلى تحالف قرمطي مع بني وجيه ضد الوجود والمد البويهي، وليس ضد الكيان العباسي، نلاحظ ذلك في أحداث عام 341هـ، ومشاركتهم في الهجوم على البصرة الخاضعة للنفوذ البويهي، ولكن ليس هناك ما يشير إلى دعوة القرامطة للخلفاء الفاطميين ببلاد المغرب خاصة إذا ما علمنا استياء الخليفة الفاطمي من أعمال أبي طاهر بمكة في حج عام 317هـ، كذلك لم يكن القرامطة دعاة لعقيدة أو مذهب ينسب إليهم في المناطق التي سيطروا عليها.

أما عن فترة هذه المسكوكات فيبدو أن القرامطة دخلوا في صراع مع البويهين الذين تنبهوا لأهمية عمان من الناحية التجارية لإشرافها على عنق الخليج العربي، واستمر هذا الصراع حتى استطاع البويهيون تقليص، أو إنهاء، نفوذ القرامطة في هذا الإقليم. بدأ ذلك بوثوب نافع مولى يوسف بن وجيه على الحكم، والدعاء للبويهيين على المنابر، ويبدو أن ذلك بإيعاز منهم، وذلك في أول تدخل بويهي في الشأن العماني مما أزعج القرامطة لانقطاع أحد مواردهم المالية؛ فدخلوا عمان وفر نافع هارباً لفارس ثم البصرة مستنجداً بالبويهيين.

في رمضان سنة 355هـ سير معز الدولة البويهي جيشاً (من كرمان؟) إلى عمان، ودخلها تاسع ذي الحجة، وخطب له، وولى عليها أبو الفرج بن العباس الذي غادرها أواخر سنة 355هـ وأمر عليها عمر بن نبهان الطائي الذي وثب عليه الزنج، وقتلوه (أعتقد أن ذلك حدث عام 358هـ لورود اسم عمر بن محمد على درهم صحار المسكوك سنة 358هـ، ثم أمر عليهم رجلاً يعرف بابن حلاج (المقصود حلج بن حاتم أو ابنه حاتم الواردة اسماهما على دراهم عمان سنة 360هـ 361هـ)، ويبدو أن ابن حلاج استمر حتى سنة 361هـ ثم اختفى اسمه من سكة سنة 362هـ وما بعدها، وأصبحت ألقابها خالصة للخليفة العباسي، والأمراء البويهيين فقط دون مشاركة السادة أو غيرهم من الحكام المحليين، حيث يذكر ابن الأثير أن عضد الدولة سير جيشاً من كرمان استعمل عليه أبا حرب طغان، واستولى على صحار سنة 362هـ، ثم استولى أبو القاسم المطهر بن محمد وزير عضد الدولة على جبال عمان سنة 363هـ، ودانت له منطقة عمان بالطاعة ولم يبق فيها مخالف.

ونخلص هنا إلى بعض الاستنتاجات:

- يعد درهما صحار وعمان المضروبان سنة 358هـ أسبق النقود ذكراً للزعماء الجنابيين إلى الآن، فقد سبق لنا نشر دينار جنابي ضرب مكة لسنة 359هـ عددناه أسبق المسكوكات الجنابيـة، نقش عليه أمـر من الغاية آل أبي سعيد[26] .

- هذه الدراهم دليل على انضواء الجنابيين تحت اللواء العباسي، وقبولهم مشاركة البويهيين لهم في عمان، لهذا العام على الأقل، وبالمقابل، أيضاً، لم يجد العباسييون حرجاً من نقش لقب زعماء الجنابيين (السادة)، جنباً إلى جنب، مع الخليفة العباسي المطيع لله، وركن الدولة البويهي على السكة رسمياً وعلانية؛ إذ تعتبر النقود وثيقة رسمية، وبالتالي هو تحالف واعتراف بهذه الدولة أو الأسرة الجنابية.

- كما نلاحظ (بغير تأكيد) أن دورهم - أي السادة - أقل مرتبة في حكم عمان من الأمراء البويهيين بحكم ترتيب الألقاب على جميع المسكوكات العمانية.

- أما عن لقب (السادة) المنقوش على هذه الدراهم، دون كلمة الرؤساء المذكورة على مسكوكات الشام وفلسطين، فنعتقد أن هناك فرقاً بينهما، فاللقب على الدراهم العمانية يعود لأفراد الأسرة الجنابية غير ذوي السلطة بحسب ما نقل ابن حوقل: >أن ساداتهم يتوزعون من مال البصرة، والكوفة، وما يقبضونه من الحجاج، ويرد عليهم من مال عمان<[27] .

- القوى الأربع المذكورة على هذه الدراهم، نادراً ما يرد هذا العدد من الأسماء على المسكوكات، وهم: الخليفة العباسي، الأمراء البويهيون، والسادة الجنابيون، والولاة المحليين لعمان تدل على صراع قوي بينها، كما تدل على ما لهذا الإقليم من أهمية استراتيجية واقتصادية، فقد ذكر أن عضد الدولة البويهي حمل إلى الطائع عقب الخلع عليه سنة 367 وتلقيبه بتاج الملة 50000 دينار عمانية[28] .

- بنهاية حكم بني وجيه دخلت عمان في طاعة بني بويه بدلاً من الخليفة العباسي، مباشرة، عن طريق نافع مولى يوسف بن وجيه.

- اختفاء نافع الأسود عن مسرح الصراع. خاصة وأنه من استنجد بالبويهيين.

- ولاية عمر بن محمد لعمان، وهو عمر بن نبهان الطائي المذكور توليته عند ابن الأثير أواخر سنة 355هـ وحتى 358هـ مقتولاً على يد الزنج، كما هو ثابت على درهمي صحار وعمان لسنة 358هـ.

- ولاية حلج بن حاتم على عمان، وسماه ابن الأثير ابن الحلاج ربما لأن المتولي الفعلي ابنه حاتم المذكور على سكة سنة 360هـ وسنة 361هـ كولي لعهد أبيه، فكانت ولاية حلج بعد مقتل عمر بن نبهان سنة 358هـ وحتى 361هـ حيث لم يذكر اسمه على سكة عمان لعام 362هـ وما بعدها.

- آخر عهد للقرامطة بعمان على المسكوكات كان سنة 361هـ ثم أصبحت تخضع بالكامل للسلطة البويهية. نرى ذلك جلياً في الألقاب الواردة على سكة عمان للأعوام اللاحقة، حيث لم يذكر لقب السادة، ولا الولاة المحليين لعمان، وإن كنت أميل إلى الاعتقاد بخروج القرامـطة من عمان، أو القضاء على أتباعهـم عام 363هـ، وذلك عندما كان الأعصم مشغولاً بحروبه مع الفاطميين بالشام ومصر، فأغار عضد الدولة البويهي على مناطق نفوذ القرامطة بما فيها عمان.

- هنا نرى بوضوح أوجه التشابه في العلاقة بين القرامطة وكل من الإخشيديين في مصر والشام، وبني وجيه في عمان، فبمجرد وفاة كافور وسقوط الدولة الإخشيدية؛ منعت الإتاوة المفروضة للقرامطة الذين تدخلوا بشكل مباشر في حكم بعض المقاطعات الإخشيدية، ونجحوا في ذلك لبعض الوقت، وهو نفس ما حدث عند سقوط بني وجيه في عمان، وهم على ما يبدو حلفاء للقرامطة، وتولي نافع الأسود زمام الأمور ثم إقصائه بدخول القرامطة البلاد ربما بسبب امتناعه عن دفع الإتاوة لهم.

* نستطيع ذكرها بالدراهم الجنابية بتجزئتها من النقود البويهية كما نجزىْ النقود البويهية وهي جزء من الخلافة العباسية.

[1]  luke treadwell. Buyhid coinage

[2]  - الكامل في التاريخ لأبن الأثير دار صادر 1399هـ جـ 8 / 565.

[3]  - في هذا العام كان الخليفة المعتمد على الله 256-279هـ.

[4]  - من سواد الكوفة إلى البحرين. مي محمد الخليفة ص 343. 1999م

[5]  تاريخ ابن خلدون الموسوم بكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر. عبد الرحمن بن محمد بن خلدون. دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان. الطبعة الأولى. 1413. جـ 4/ 106.

[6]  نفس المصدر جـ 4/ 110 – 111.

[7]  النفوذ الفاطمي في جزيرة العرب. محمد جمال سرور. دار الفكر العربي. ط 2. ص 51.

[8]  من سواد الكوفة إلى البحرين. سبق ذكره. ص: 343.

[9]  الكامل في التاريخ لأبن الأثير. سبق ذكره. 8 ص 339.

[10]  لم يكن يوسف بن وجيه على الحكم لهذا العام وإنما أحد أبنائه.

[11]  الكامل في التاريخ لأبن الأثير سبق ذكره. ج 8 ص 496.

[12]  الكامل في التاريخ لأبن الأثير. سبق ذكره 8 ص 567.

[13]  الكامل في التاريخ لأبن الأثير. سبق ذكره 8 ص 567

[14]  - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. تاريخ الأمم والملوك ج11 ص404.

[15]  - من سواد الكوفة إلى البحرين. سبق ذكره ص 229.

[16]  - من سواد الكوفة إلى البحرين. سبق ذكره ص230.

[17]  - من سواد الكوفة إلى البحرين. سبق ذكره ص230.

[18]  الكامل في التاريخ لأبن الأثير سبق ذكره 8 ص 646.

[19]  syllog of Islamic coins in the ashmolean. volume 10 by Stephen album

[20]  - المصدر السابق ومزاد الإمارات 1،2 - 1999م. 2000م

[21]  luke treadwell. Buyhid coinage

[22]  انظر كتاب متحف العملات. مؤسسة النقد العربي السعودي. متحف العملات

[23]  الكامل في التاريخ لأبن الأثير سبق ذكره ج 8 ص 646.

[24]  من سواد الكوفة إلى البحرين. سبق ذكره ص 229.

[25]  النفوذ الفاطمي في جزيرة العرب. سبق ذكره.

[26]  الواحة عدد 27 لعام. 2002م

[27]  (22) من سواد الكوفة إلى البحرين. سبق ذكره ص230.

[28]  رسوم دار الخلافة. أبو الحسين هلال بن المحسن الصابئ ص100.
كاتب - متحف الدمام الإقليمي - السعودية
304694