حــــول الـــزواج
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 16 / 3 / 2011م - 9:16 ص - العدد (31)

ليس مِنْ السهل أنْ يعالجَ الكاتب ظاهرة اجتماعيَّة مِنْ أشد الظَّواهر الاجتماعيَّة تعقيدًا، وتشغل أفكار الشَّبـاب، وتسيطرُ على مشاعرهم، فِيْ حركاتهم، وسكناتهم، ونومهم، ويقظتهم، ويعيشون على أحلام مخضوضرة، كربيع شبابهم.

غير أنَّ هناك عقباتٍ وعقباتٍ تقف فِيْ طريقِ أحلامهم، وفجر سعادتهم، فالشاب حين يعيش على صعيدِ أرضيَّة الجامعة، وتحت سمائِها، وهُوَ يخطو إلى مراتبِ التدرج إلى الدراسات العليا؛ تدغدغُ قلبهُ أحلامٌ، وخواطرٌ تكاد أنْ تطير بهِ إلى جناتٍ وارفةِ الظِّلال، عذبة المعين، فيعيش فِيْ تِلك الجِنانِ، بأحلامه الذهبيَّة، وخيالاتهِ الَّتي خلقت له الأساطير المُستقبليَّة، وحلَّقت بهِ فِيْ آفاقٍ بعيدة المرمى، حبيبة لنفسه، زرعت فِيْ نفسهِ نجومَ آمالٍ مخضوضراتٍ، فعاش ليلَهُ ونهارَهُ، يرقُب تحقيق هذه الأمنيات، فهيَ تُشبه الأحلام السرابيَّة، فيعيش يمتار مِنْ ذلك السَّراب، الَّذي كُلَّما لمع تَحْتَ ضوء الشَّمس حسبه ماءً.

وبعد أنْ يُنهي دورته الدراسيَّة، ويَطوي المرحلة الجامعيَّة، ويحمل شهادة البكالوريوس، فكأنَّما كان نائمًا – يغط فِيْ أحلامه السحرية – فإذا به يَفيقُ على الواقع المرير، ويخرج مِنْ جنَّةِ أحلامهِ الخياليَّة، إلى واقع انطفأ منه لمعان السَّراب الذي تَصوَّره، حقيقةً، وردًا عذبًا، وزهورًا تملأ كفَّه عطرًا يوم كان طالبًا، واليوم تنحسر أحلامهُ المفوَّفة بالأساطير، وجنَّات أحلامٍ زرعها في سماءِ الخيال، فلَمْ يرَ نفسه، إلاَّ وهُوَ فِيْ صحراءٍ ملتهبةٍ، لا ماء، ولا جنى، ويسري بقدميه في رمالٍ عَطشى، تحت ضوء الشَّمس، فِيْ قارة القيظ، ولطول الطريق المتعرجة، ذات الشوك، فقَدْ دَميت قدماه فتعبتا، وتورمتا مِنْ طولِ المسرى الذي يلهث وراءه في حياةٍ غريبةٍ عليهِ، ذات منعطفات وفروع متلونة، وهُوَ يُريد أنْ يحقِّق أحلامه العسلية الَّتي داعبته فِيْ حرمِ الجامعة، ماذا يريد ؟.. يُريد أنْ يجعل له مظلة تقيه وهج الشَّمس، وحرارة الظمأ، والتعب. يريد عُشًا يسكنهُ، ويأوي إليه، وزوجًا تملأ هذا الفراغ، وتُشِيع فيه الدفء والحنان، يأوي إليه كما يأوي البلبل إلى عشه ليلقي أتعابه، فتخفف عنه هذه الأتعاب، وتمسح جراحات الليالي، والأيَّام عَنْ جفنهِ بأناملها الناعمة الرقيقة، وتعطيه دفعة مِنْ حياة شبابها، يتبادلان أتعاب هـذه الحيـاة، ويشتركان فِيْ ابتسامتها، ودمعتها.

غير أنَّ ذلك الشاب سرعان ما تحولت أمامه هذه المناظر الضاحكة إلى مناظرٍ باكية، وأصطدم بعقباتٍ نثرت في طريقه على جوِّ ليلٍ مبطَّن بالضباب، وتبخرت فِيْ سمائِه أحلامُهُ الذهبيَّة ككأس مملوءة بماء عـذب يريد أن يرشف منها رشفة الظمآن ليطفأ لهيب حرارة الظمأ، وهُو فِيْ لهفة الشوق المبرِّح لهذه الكأس فوصل إليها. وعندما مد يده ليتناول الكأس ليشرب منها فيروي ظمأه؛ فإذا بالكأس تهوي مِنْ كفه حُطامًا كالهباء المنثور، فيعود بحسرة مريرة قاتلة، والأوام يكاد يقتله. فيا حسرتـاه لهذا الظامئ الملهوف الَّذي أقفل أدراجه بخيبة وحسرة مريرة، وحرمان يؤدي به إلى الكبت لما وُضِع أمامه مِنْ سدود حالت بينه وبين الوصول إلى فتاة أحلامه المرتقبة، وما نُثِر مِنْ أشواك مادية تعجيزية تتمثل فِيْ ارتفاع الصداق، والتكاليف الباهظة فاتحة باب الزواج: كالمآدب الضخمة، وما يتبعها مِنْ هذهِ التكاليف الثقيلة، والمأوى الذي يظل الشَّاب مع فتاته، حيثُ لا تمكِّنه حياته المادية من استئجار دار يقوم بتزويدها بكل ما تتطلبه الحياة العصرية.

وما ينجمُ فِيْ حياة الزواج مع هذه العوامل ما هو أشد ظاهرة من العقـد النفسيَّة الَّتي تنشأ في نفس الفتاة عندما تريد التفلت مِنْ الحياة الزوجيَّة بحجة واهية أنَّها لا ترغب فِيْ الزواج حتَّى تُنهي دراستها الجامعيَّة.

فهذه الظاهرةُ والعوائق الَّتي تمتد حلقاتُها مِنْ هذه السلسلة الطويلة، تقف فِيْ دروبِ الشَّباب والشابات، وهذه الظاهرة الاجتماعيَّة، فيما أحسبها، لا تختص بها فتاةُ بلادي، ولعلَّها تجتاحُ مدنًا أخرى مِنْ البلاد الإسلاميَّة، حيثُ أنَّ المرأة فِيْ رؤيتها هيَ المرأة الَّتي لا تختلف فِيْ عواطفها، وأنوثتها، ولعلَّها تشتد فِيْ منطقةٍ وتضعفُ فِيْ أخرى، فيعيش الشاب فِيْ صراعٍ، وحيرةٍ، واضطرابٍ نفسي.

ونُعزى هذه الظاهرة، الَّتي قَدْ تُغلِّفُها الفتاة بغلاف الدِّراسة، للمحيط الأبوي الَّذي عليه أن يرشد كريمته، ويرسل لها خطًا مِنْ أشعةِ الإسلام، تزودها بثقافة نفسيَّة تميز بها الطريق الأفضل فِيْ اختيار البعل المؤمن الصالح، والأمثل فِيْ دنيا الزواج الَّذي لا غناء للبشر عنها من ذكرٍ أو أُنثى، للغريزة الطبيعية الَّتي خلقها فاطر السَّماوات والأرض، وأودعها فِيْ نفسِ الذكر، كما أودعها فِيْ روحِ الأُنثى صونًا لاستمرارية الحياة البشريَّة مِنْ انقراضها.

ولماذا نبتعد وعندنا كتابٌ ينطق بالحق؟ وضوء مِنْ هدي سنة نبينا محمَّد (صلَّى الله عليهِ وآلهِ) يعلمنا ويرشدنا إلى الصوابِ فِيْ طريق حياتنا؟ ومِنْ مضامين هذه التعاليم علَّمنا أنَّ الزواج أقدس رباطٍ يربط بين الزوجين، كما وضع لنا الحلول الناجحة، وخطَّطها، وأرساها على نظمٍ ومبادئَ وقواعدَ ثابتة، لأنَّ الحيـاة الزوجية هيَ الحياةُ بأكملها، وعليها يدور المجتمع، ويعيش البشر. لذلك وضَع دستورًا يخفف التكاليف، فجاءت هذه القاعدةُ الثابتةُ في الحديث الشَّريف: (خيركن أرخصكن مهرًا(.

وكان الصحابة فِيْ عهدهِ (صلَّى الله عليهِ وآلهِ) يتزوجون بقبضة مِنْ التمر، أو بتعليم سُورة مِنْ القرآن، وهذه المنهجية الَّتي سنَّها الرسول الأعظم، لها أهداف مختلفة الآفاق، بعيدة المرمى، تشير إلى إنقاد المجتمع مِنْ الرذيلة، والوقوع فِيْ بؤرة الأمراض؛ بإطفاء الشهوة الحمراء عَنْ طريقٍ مصونةٍ بالحلال، محصورةٍ فِيْ إناءٍ نظيف غير ملوث بمكروب الجراثيم الَّتي تنبعث مِنْ الشرورِ عَنْ طريقِ الحرام. فهو صون للجنسين، ونشر العلم في المجتمع بما في القرآن مِنْ كنوزٍ، وأهدافٍ سامية، وسعادةٍ أبديةٍ، ومحو الجهل المعشش في هذه العقول، فبضياء القرآن تُجلى هذه العقول من ليلها المبطن بها، كما أنَّ فيها أهدافًا سامية تُبعِد المرأة عَنْ الحياة المادية إلى القمة المعنوية، إذْ ليست هيَ سلعة تباع وتشترى بدراهم معدودة، إنَّما هيَ خالقةُ أجيالٍ، وأمٌ، وأختٌ، وزوجٌ. شريكـة في هذه الحياة، فهيَ نصف المجتمع، والرئة الَّتي يتنفس منها، وأحد العوامل الفعالة في المجتمع.

وهنا لابُدَّ مِنْ لمحةٍ ضوئيَّةٍ كاشفةٍ لما جدَّ في هذا المجتمع، وتطور الحياة التصاعدي، فنقف عند تلك الحياة الجديدة، وما طرأ عليها من حياة اقتصاديَّة، ومغريات دنيوية، وعوامل بيئيَّة وزمنيَّة، أغرت الفتاةُ، وخلبتها، حيثُ أنَّ الزوج - فِيْ العصر الماضي - تقنع من زوجها بما تمكنه حياته الاقتصاديَّة، ويعيشان على بساطة العيش، بدون تعقيد، أو تجشم، وتشاركه شظف العيش، فيصدق عليها معنى حرفية “ الشريكة “.

ولَمْ يهمل نبينا الأعظم الترغيب والحث على الزواج لأنَّه هُوَ الحياة، وامتدادً لمساحة وجود البشرية، حتَّى تغطِّي هذه الرقعة المعمورة، وتعمرها بذكر الله، والأعمال الصالحة، فشوَّق له، ورغب، حيث قال ( صلَّى الله عليهِ وآله)ِ: (تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة (.

هذه أضواء مِنْ السُّنة المحمَّديَّة تكشف الحياة المظلمة، وتُنير الدَّرب للسائرين فِيْ الطريق، لكون كثرة الصداق، أو قلته، لا يكون عقبة فِيْ طريق الزواج.

فالإسلام خطط هـذه الحيـاة، الَّتي مِنْ أهمِ عناصرها الزواج، وعلمنا كيف يعيش الزوجان. وأوضح حقوقهما، فمعالمها واضحة كالشَّمس الواضحة، تُعطيك دروسًا، كيف تعيشان إذا ضمكما ذلك العش “ عش الحنان “ كيف يعمرانه بذكر الله، حتَّى يمتزجا امتزاج الماء بالدم، وأصدقُ تعبيرٍ لكتاب الله كُلٌّ منهما لباسٌ للثاني حيث قال (هنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنَّ(، وهذا أدق، وأصدق تعبير.

شاعر وأديب
323501