حرية نشر الأخبار.. نظرة أخرى
منى محمد الحليمي * - 12 / 10 / 2007م - 2:54 م - العدد (45)

ما من مجتمع إلا وينشد الأمان والفضيلة وما من حركة في الكون سلبا كانت أو إيجابا إلا وتقوم على أسباب حقيقية تعتبر سننا كونية. كنا وكان الأمس يرعانا أمن وأمان لكننا اليوم سرق الأمن منا. تغالبت الدنيا وقيم ومبادئ قامت وقيم ومبادئ تغيرت وفي النهاية وبعد مسيرة سنوات خضنا خلالها الحرية الإعلامية لي وقفة تقييم.
في منزلي الصغير أتناول وأبنائي صفحات الجرائد كل يوم ونقلب صفحات الانترنت، ونمسك بالريموت ونغير من فضائية لأخرى... ترى ما هو المرعب المتكرر في كل يوم؟ إنها قصص (الفساد الأخلاقي) والتي لا تتورع الجهة الناشرة عن نقل تفاصيلها إلى الحد الذي ينقلب النقد فيه إلى تعليم. مدارس تعليم الجريمة أصبحت موجودة في إعلامنا المقروء والمسموع والمرئي وكل هذا يعتمد على مبررات كثيرة منها: (أنه مادة صحفية مهمة تسعى جريدتي لامتلاكها).. هذا ما دافعت به إحدى الصحفيات مبررة نشر مثل هذه القصص.
وردا عليها أقول: أناشدك بالله أليست الحرب مادة صحفية غزيرة مشوقة متجددة مليئة بالحكايات والخيالات فهل نبقي الحروب لتشتعل أقلام الصحافة؟
أما إحدى الأديبات فردت: إنها الحقيقة التي كانت محجوبة عنا سنوات طوال وإذا سكتنا عنها فما قيمة حرية الإعلام؟ عزيزتي... وماذا خسرنا حينما كانت محجوبة عنا؟
وثالثة تقول ولماذا السكوت؟ دعوا الشباب يتوعى ويعرف. وردا عليها أسألها: نعم أنت على حق لكن ألا تعتقدين الزيادة كما النقصان؟
ورابع يدافع: إنها الثقافة الضرورية التي حرمنا منها فأجيبه: من الذي جعلها ضرورية هل هو أمر سماوي أم إجماع بشري لمفكري الأمة وروادها؟
وقصصية أرادت أن تثبت للكل قدرتها على كتابة القصة ببراعة فلم تجد غير هذا النوع من القصص المنحطة والتي يخجل الإنسان أن يقرأها.
ولتكن المبررات ما تكون وقد أكون مخطئة وهم مصيبون، وعندما نختلف ولا نعرف الحقيقة علينا أن نحتكم إلى شريعتنا الغراء لنتعرف إلى كلمة الفصل فماذا يقول؟: (إذا ابتليتم فاستتروا). فهل استترنا؟
ما هي الإيجابيات التي ربحناها من وراء هذه الحكايات والقصص؟
لم نجن ايجابيات تستحق أن تذكر لكن خسرنا الكثير وهذا بعض وقليل مما خسرنا:
رباب فتاة في التاسعة تدرس في مدرسة قريبة من منزلها.. دخلت على أمها ذات يوم وهي تلهث خائفة سألتها والدتها بخوف ما بك هل يطاردك أحد؟ فأجابت (لا بس خفت يمكن فيه حرامي يسرق البنات!)
أم أحمد اتصلت على سابع جاراتها تقول: أعتذر عن تلبية دعوتك فأنا أنتظر ابني يوصلني بالسيارة وقد تأخر. أجابتها: تعالى مشي المشوار قصير جدا.
أم أحمد: أخاف. لو أموت ما مشيت!!!
هذه بعض الأمثلة.
سرق الأمن منا فمن يعيده؟
إن إيراد هذه القصص بهذا التفصيل وبهذه الكيفية ينتج عنه فقدان الأمل والشعور بالإحباط اتجاهه. فكثرة توارد مثل هذه القصص إنما توحي للقارئ والمستمع والمشاهد أن الدنيا أكثرها فساد في فساد، إذن فلماذا العناء ودعوة الناس للفضيلة في وسط هذا الكم الهائل من المفاسد؟
إن الأمل هو المفعول السحري لتقدم الأمم وتبني الحق والدفاع عنه بالغالي والنفيس وترخص النفس وهي أغلى ما يمتلكه الإنسان في سبيله فإذا افتقدناه افتقدنا كل شيء.
ثم إن نشر هذه التفاصيل للجرائم هو نوع من التشجيع غير المباشر عليها قد يؤدي إلى الاستعداد النفسي للانخراط في المفاسد الأخلاقية، وهذا نموذج واحد:
 شخص ضعيف النفس تراوده أفكار الجريمة يقول: لن أكون أنا القلعة الحصينة ضد الرذيلة حيث الكل يفعل ذلك فما المانع من أن ألتحق بالقطار؟ ولماذا أنا فقط بالذات من تجب عليه الفضيلة والبقية تمارس كل أنواع الرذيلة؟ وها هي برامج التلفزيون تشهد على صحة قولي ومنتديات الحوار على الإنترنت تنشر وتنشر، وصحفنا بالحقائق تسطر آلاف السطور إني أسمع وأشعر وأرى. أنا لست الفريد من نوعي. أجزم أنهم لم ينساقوا وراء تلك القصص إلا لأنها متعة يجب أن لا تفوتني ولن أبقى في أخر الطابور. هكذا يفكر ويبرر الشيطان للإنسان الضعيف قليل الأيمان وبه يزداد عدد المنحرفين.
وأخيرا فإننا قد خسرنا الثقة بين بعضنا البعض لدرجة أن الشك أصبح أسهل ما يمكن ولا نحتاج معه إلى دليل وبرهان وغيبنا هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(1). ويا للحسرة حينما يكون الندم لا جدوى منه وقد فات أوانه ونفعه ودفع إنسان حياته وشبابه لهذا الشك. فقد نشرت جريدة شمس في عددها رقم 335 في 21 ذوالقعدة 1427هـ خبرا مفاده: أطلق أردني النار على ابنته وطالب يدها على خلفية شائعات حول تورطها بعلاقة غير شرعية مع خطيبها قبل الزواج ما أدى إلى مقتلهما وبعد القبض عليه وتشريح الجثة ثبت أن الفتاة بكامل عفتها.
مسك الختام
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(2).
إن المجتمع الذي يتهاون في صغائر الأمور ابتداء من اللفظ والكلمات ومرورا بمشاهدة المناظر المحرمة وانتهاء بسماع كل حكاية ورواية سيكون قد وضع قدميه بثبات نحو بداية النهاية.
قد يكون هذا المجتمع متعمدا وقد يكون جاهلا لكنها سنة الله في أرضه التي لا تخطأ أبدا (ولن تجد لسنة الله تبديلا) إن كنا مؤمنين بالله تعالى أو كفارا، مسيحيين أو نصارى. إن العفة في المجتمعات تسير وفق سنن كونية والفساد الأخلاقي يوجد وفق سنن كونية فأيما السنتين سلكنا سنحصد النتائج. إذن فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب وقبل أن نورد موارد التهلكة أكثر مما وردنا.
وجميل منا أن نتراجع عندما نعلم بخطئنا. جميل من جرائدنا وصحفنا ومجلاتنا وإذاعاتنا وفضائياتنا ومواقع الإنترنت أن تقف إلى هذا الحد وتترك هذا الأمر لأهل الاختصاص من محاكم وشرطة ومباحث واختصاصيين في علم النفس والاجتماع. فأنا الفرد البسيط في هذا التجمع البشري ليس من شأني أو من صالحي أن أعرف بكل ما يجري من جرائم في العالم. ولنتذكر بأن أثمن ما يمتلكه الإنسان هو العرض والشرف والسمعة الحسنة، ولنبتعد عن التشهير بالناس. إن الله تعالى عندما وعد عباده الصالحين وشوقهم بالجنة كان الستر في الآخرة أحد الجزاءات للتشجيع على تبني الطاعة لله تعالى فلماذا الفضائح في الدنيا قبل الآخرة؟

الهوامش:
(1) سورة الحجرات - سورة 49.
(2) سورة النور - سورة 24 - آية 19.

 

كاتبة
307104