نظراتٌ دراسيةٌ في آثارِ العلامة الشاعر الشيخ عبد الحميد الخنيزي (الخطي)
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 16 / 3 / 2011م - 1:04 م - العدد (32)

تعود بي هذه الخاطرة، أو السانحة إلى زمنٍ سحيقٍ قد لُفَّ في طيات ذاكرة التاريخ البعيدة حينما حاولتُ أن أعِّدَ دراسةً عن أستاذنا الأخ العلامة الشيخ عبد الحميد الخنيزي الخطي، وكانت هذه الدراسة تدورُ حول أفكاره التي تجسدت في حرفهِ الشعري التي تتكون من ثلاثِ مجموعاتٍ (وحي الثلاثين  اللحن الحزين  من كل حقلٍ زهرة “رباعيات “) غير إني لم تسعفني الخاطرة لإعداد هذه الدراسة، وكتبتُ عن حياته، وعن بعض قصائده التي أختارها هو من شِّعره، وقدمها لي لإلحاقها بالدراسة التي تتعلق بشخصيته، والتي ختمت بغروب نجمه عن هذه الحياة، وقد نُشِرت في الجزء الثالث من المجلد الثاني من الشعر ودوره في الحياة المطبوع في مؤسسة البلاغ بلبنان عام 1422 ه الموافق عام 2001 م.

ولازالت هذه الخاطرة تراودني وتطوفُ في آفاق نفسي بين الفينة والفينة ويحجبني عن تنفيذها عدم وجود هذه المجموعة الشعرية حيث لم تكن ميَّسرة فعادت هذه الخاطرة تطالبني بإلحاحٍ حيث أن هذه المجموعة الشعرية أصبحت ميسرة بعد أن طبعت:

1ـ وحي الثلاثين: الطبعة الأولى 1423 هجري (مؤسسة البلاغ)

2ـ من كل حقلٍ زهرة: (رباعيات) الطبعة الأولى 1423هـ (مؤسسة البلاغ)

3ـ اللحن الحزين: الطبعة الأولى 1425 هجري (مؤسسة البلاغ)

ولا أكونُ مِن الجاحدين الذين لا يؤدون رسالتهم العلمية أو الأدبية ويتنكرون لأساتذتهم ووطنهم وأنا لا زلتُ أوجه هذه الرسالة الضوئية لشبابنا ومثقفينا أن يعنوا ويولوا آثار أبناء وطنهم عنايةً فيدرسونها فإنها كفرضٍ مقدسٍ على أبناء الوطن لان حب الوطن من الإيمان كما قال الرسول الأعظم الكامل الإنسانية والمعلم لهذه البشرية، وكنتُ في شوقٍ ولهفةٍ لميلاد فجر هذه المجموعة الشعريةِ حين تكسر القمقم، وتتنفس الأكسجين لتعيش كفكرٍ جديدٍ يسيرُ على هذا الكوكب تحتَ دورةِ الشمس حول نفسها فلا تسل فرحتي بهذا الميلاد الذي أنبثق عن ولادةِ هذا الحرف الأخضر ولا سيما كنتُ أطالبه يإلحاحٍ بطبعِ آثاره تشاركني ثلةٌ من المثقفين في طليعتهم الأخ العلامة الشيخ عبد الله الخنيزي في كسرِ قمقمِ هذه الآثار والسماح لها بالتنفس في هذه الحياة ولكنه رحمه الله لم يتزحزح قيد أنملةٍ فأوصى بطبعها بعد وفاتهِ على نفقتهِ فأحسن لنفسهِ وأحسن للفكرِ العربي وأحسن لوطنهِ فهذه المجموعة الشعرية هي مفخرةٌ ليست للفكر القطيفي أو للمجد القطيفي إنما هي مفخرةٌ للضاد العربي وتعطي المكتبة العربية إثراءً ضخماً، فلابد لي من توطئةٍ لتعريف الشِّعر فإن الشِّعر هو ديوان العرب، كما هو في المثل أما أنا فأقول الشعر ديوان الحياة، وهو المصور لأفراح الإنسانية وأتراحها وخلجاتها النفسية فهو كمرآةٍ تنعكس عليها العواطف ويبعث الأمم من رقادها ويسيرها في ميدان النصر في المعارك الحربية ويسبغها بحياةٍ جادَّةٍ كما يصف المرأةَ التي هي نصف المجتمع والرئةُ التي يتنفس منها.

فالشعر له في الحياة دورٌ خطيرٌ يمدُّها بألوانٍ من الصور فهل يصدق أن نقول أن الشِّعر هو الحياة، والحياة الشِّعر.. لان الشِّعر يصور الخلجات النفسية والأفراح والأتراح، والابتسامة والدمعة والحب، والقلى، والوصل والهجر.. فالشِّعر مرآةٌ تنعكس عليه مضادات الحياة ومفارقها وعندما يبرح بك الألم أو الهجر أو تلُمُّ بك مصيبةٌ تتنفس في جوِّ شاعرٍ من الشعراء لتخفف من هذه الآلام وتهدأ على أريكةٍ من أرائكِ رواءِ حرفٍ فتنعم ولو بعض اللحظات ولا أتصورُ أن المادة تطغى فتميت هذا الحرف الأخضر وتقبر الشِّعر أنا لا أنكر إننا نعيش على حواشي عصرٍ طغت الماديات فيه على الروحيات وأصبحنا نلهث وراءها بكل ما أوتينا من قوةٍ أو مُرُّوةٍ نريقها في سبيلِ حطامٍ من هذه المادة، وبرغم هذا وذاك لا يزال الشِّعر وبكلمةٍ أوسع أفقاً ينير للسالكين عتمة الحياة، وأن الحرف بما فيه من طاقاتٍ ضوئيةٍ مصباحٍ يرسل ظلاله على وهج الآلام ويضمد جراحات الليالي والأيام، ومناراً يرشد التائهين إلى مرفأ السلامة وينقذُ الغرقى من أمواجِ تيار هذه الدنيا التي غرق البشر في حمأةِ ماديتها فبعد هذه التوطئة أو المدخل أريد أن أتحدث أو أدير حرفي على تعريف وتجسيد الشاعر الخنيزي ولا أريد أن أتحدث عن الشيخ عبد الحميد الخنيزي الخطي كعالمٍ أو كزعيمٍ أو كأستاذٍ من الأساتذةِ أو كزعيمٍ وطنيٍ له دوره في وطنه حيث كان يوماً ما مفزعاً وملجأً لأبناء وطنه حيث سبقت الدراسة عن شخصيته وقد أشرنا إلى نشرها في كتابنا الشعر ودوره في الحياة، إنما أُريد هنا أن أتحدث عن الشاعر الشيخ عبد الحميد الخنيزي، وأُقصر هذه الدراسة على آثاره الشعرية التي تم إصدارها في هذه الأيام، وكانت فرصةً ذهبيةً لأقوم ببعض هذا الواجب تجاه أستاذي، وأعطي عن دوره الشعري وتأثيره في الأدب العربي وما تركه من تراثٍ نعتز به ونفخر به والذي يتمثل في مجموعاتٍ شعريةٍ تنقسم إلى ثلاث مجموعات سأخصُ كل مجموعةٍ بحلقةٍ دراسيةٍ، ولعل من الخير أن أبدأ هذه الدراسة باللحن الحزين فالخطي هو أولُ واضع لبنةٍ في هيكل الأدب القطيفي الجديد وصاحب مدرسةٍ أدبيةٍ، فهو رومانسي استلهمَ شِّعرهُ من ألوانِ الطبيعةِ ومن خلجاتهِ النفسيةِ ومن جمال حواء، ومن معاناته النفسية، وكان له الطابع التأثيري في آفاق الثقافةِ القطيفية من شِّعرٍ ونثرٍ، وقد ترك كوكبةً تنيرُ هذه العتمة وهي جزءٌ من أفكاره غير أن الحافظين قليلون وهو المع جوهرةٍ في تاج الشِّعر القطيفي.

حيث لا تزال بصماته المميزة له تلوح خيوطاً من الفجر على حواشي تأريخ الأدب القطيفي لقد ذهبت بك يا قارئي في منعطفاتٍ وجُلتُ بك في آفاقٍ بعيدةٍ فلنعد للنقطةِ الضوئية التي نريد أن نحدد مسارها فنبدأ باللحن الحزين هذا أحد دواوينه الشعرية ويتكون من صورِ لوحاتٍ زيتيةٍ رسمتها ريشة الشاعر في رسماتٍ فنيةٍ وقد صَوَرَتْ هذه القصائد ألواناً من صور الحياة ففيها الغزل والقصص والرثاء والشكوى وقبل أن أختار منه بعض النجوم من هذه السماء المتألقة لأخضعها للدراسة والنقد أريد أن أهمس في أذني أخي مِنْ خلف هذه الحجب الكثيفة التي غاب وراءها إن كان يسمع صوتي لأسجل عليه بعض الملاحظات منها ما أسمعتهُ في حياتهِ ومنها ما عرفته بعد قراءتي للحنه الحزين أما الملاحظةُ التي أسمعتها إياه في حياتهِ فكنتُ أناقشهُ على تسمية نفسهِ بالخطي وعدولهِ عن لقبه الصحيح الخنيزي لأن الخطي نسبةٌ يصحُّ لكل قطيفيٍّ أن ينتسب لهذا اللقب فقد سبقه إلى هذا اللقب الشيخ جعفر الخطي الذي أنتقل من هذه الحياة عام 1028 ه حيث ترك لقبه وتمسك بنسبته إلى بلاده، فهذا اللقب لا يعطي ميزةً تميزه عن الآخرين لأن كل قبيلةٍ لها ما يميزها عن القبيلةُ الأخرى، وقد أشار إلى هذا الهدف السامي القرآن الكريم حيث قال:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إنَّا جعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

صدق الله العظيم

فكنتُ أحتدم معه في النقاش في هذه النقطةِ كما كان يشاركني في ذلك الأخ المرحوم الشيخ / حسن الخنيزي، والأخ العلامة الشيخ عبد الله الخنيزي ولكنَّ الأخ الشيخ عبد الحميد M أصرَّ على أن يتمسك بلقب الخطي وحتى جرت بينه وبين إحدى كريماته مشكلةٌ حيث جاءت تحمل شهادتها الابتدائيةَ بلقب الخنيزي فثار على كريمتهِ وأراد محو لفظة الخنيزي ليضع مكانها الخطي فانسكب الحبر على تلك الوثيقة فضاقت كريمتهُ ذرعاً وجللها الحزن وبطنتها الكآبةُ وأخذها العويل والبكاء ومن الصدف أن تفاجئ بنت أخي بدخولي فلجأت إليَّ فهدأت من مخاوفها وقلت لها سوف نتصل بمديرة المدرسة ونسوق لها الأعذار التي تقبلها ولا يكون عليكِ عقابٌ إن شاء الله لأن في ذلك الظرف لا يطلب من الطالب أو الطالبة هوية حتى تسجل الشهادةُ طبق الحفيظة ولعل هذه الكريمة إن لم تخني المعلومية لا تزال تحتفظ بلقبها الأصلي الخنيزي وكان الأخ الشيخ عبد الحميد يستعمل لقب الخطي في نشره للآثار الأدبية أما على صعيد الوطن الداخلي كالوثائق الشرعية والشهادات فيستعمل لقبه الخنيزي الأصلي وحتى حدثت له قصة طريفة حيث جاءته رسالةٌ أدبية من محرر أحد الصحف الوطنية بأسم الخطي فأرجعها مدير البريد وكتب عليها لا يوجد هذا اللقب حيث كان مشهوراً بالخنيزي، وعلى أثرِ هذه القصة حصلت مرافعةٌ من مدير البريد حيث عرضَّ به أخي في جوابِ رسالته على دعوة المجلة له ونسب الإهمال لمدير البريد، وأخيراً استعمل لقب الخطي في جميع ما يصدر منهُ حتى غَلَّبَ الخطي على الخنيزي.

أما الملاحظة الثانية التي لم أعرفها إلا بعد قراءتي للحنهِ الحزين فإن هذا الاسم لا ينطبق على المسمى حيث أن هذا السفر يضم بين دفتيه صوراً من الغزلِ، والقصص والرثاء والوصف لجمال الطبيعةِ والشكوى فهو يمثل شتاتًا من ألوانٍ من واقع هذه الحياة وما كان يمثل الطابع العام التراجيديةِ أي الحزن إنما هي جزءٌ منه فلا تصدقُ هذه التسمية على هذا المسمى، إلا إذا كان الشاعر يقصدُ بتسميتهِ البعض بالكل، وعلى القارئ أن يقرأ هذا الديوان ليشاركني في رؤيتي أو يخالفني واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية وأنا أُؤمن بحرية الفكر التي لا تفرض على الآخرين ولنفتتح هذا السفر لنتمتع بأزهارهِ ونشمَّ عبيرها ونغذي فكرنا من هذه المعاني المنسابة من هذا الجدولِ الرقراق، ونسمع زقزقات الطيور وفي مطلع أفق هذا الديوان فاتحة وصف الشاعر فيها دور الشاعر، ومكانتهِ في الحياةِ، وبعد رحيلهِ من هذه الدنيا.

ونختار من هذا الديوان زهرتينِ الزهرةُ الأولى (ديك الصباح)

ديكُ الصَّباحِ

أيها النائم استفق إن ديكَ

الفجر قد صاحَ مؤذِناً بالصباحِ

هاتفاً بالنؤوم هبَّ خفيفاً

لا تنم والصباحِ ملء النواحي

مَتّعِ العينَ بالصباحِ مشاعاً

في الشواطي وفي الربى والبطاحِ

خيرُ أوقاتكَ التي تتقضى

بين عود يشدو وأقداحِ راحِ

وعلى ضفتي غديرٍ طروبٍ

حول زهرٍ غضٍ وخودٍ رداحِ

كلُّ أبناءِ آدمٍ “ لترابٍ “

وسواءٌ ذوو الخنا والصَّلاحِ

فانفق العمر في اللذاذةِ وانهب

غفلاتِ الزمانِ والنُصَّاحِ!

وابتعد  ما استطعت  عن وعظِ

غرٍ، مثقلٍ بالهمومِ والأتراحِ

خاب في العيش فاطمأنَ إلى الزهدِ

وزهدِ الضعيفِ شرُّ سلاحِ

يبرزُ الغادةِ الكعابِ بشكلٍ

قاتمِ اللون كالليالي القباحِ

ولو اسطاعَ نهزةً من نعيمٍ

لتردَّى على فمِ المصباحِ!

فمن الظُلمِ أن أُغْمضَ عيني

عن سماءٍ فتانةِ الأوضاحِ

ومِنْ الظلمِ أن لا أصيخَ لطيرٍ

عَذِبَ اللحنِ مسكِرَ الأرواحِ

ومِنْ الظُلمِ لا أباكرَ روضاً

خَضِلَ العشبِ ضاحكَ الألواحِ

وَمِنْ الظلمِ لا أرودُ مساءً

شاطئاً: مجمع الهوى والمراحِ

ليَ هذا الجمال طراً فلم لا

أتملاهُ قبل يوم “ الرواحِ “؟

بين يديك أيها القارئ لوحةٌ من اللوحات الزيتية الفنية التي أنسكب عليها الفن بريشةٍ صناع وماج فيها الجمالُ أضواءً من السحر فهي من السهل الممتنع افتتح الشاعر هذه اللوحة بتصويرٍ رائعٍ بندائه السحري الذي وجههُ إلى النائمين على صيحةِ الديك فصيحات الديكةِ في الفجر لها روعةٌ سحريةٌ ليستيقظ النوَّامُ فيشاهدون جمال الطبيعة تموج ألواناً من ضوء الصبح وما في الحقول من دنيا فنيةٍ فيمتعون القلوب والعيون لمشاهدة هذه المناظرَ البديعةَ التي هي من خلق فاطر السماوات والأرض الذي سخر لنا كل شيءٍ بقدرتهِ وأماطَ الأستارَ لنتبصر في هذه الطبيعة الناطقة بالجمال ويمضي الشاعر فيصور تكملة لهذه الطبيعة الفينانه نادياً من اللهوِ يطفو بالأنسِ والأوتارِ وتزينهُ غادةٌ رداح ثم يهتفُ برفاقهِ ليختلسوا الوقت اختلاساً لأن العمر غيرُ باقٍ قد تحرر الشاعر في هذه القصيدة حتى صار إنتهازياً ولكنه قولٌ لا فعلٌ فهو يعيشُ في حياةٍ قيدتها الآداب الشرعيةُ التي لا يخرج المتمسك بها عن أفقها.

فترة

أمامي وخلفي أفاعي البشر

تدب بدربي فأين المفرْ؟

ثلاثون شهراً خلت لم أكن

بأكثر حساً بها من حجرْ

هوى العلمُ والشِّعرُ في فترةٍ

من الذرواتِ إلى المنحدرْ

شُغلتُ بها بالجدالِ العقيم،

وبالشكل عما وراء الصور

حَطَمْتُ اليراعَ وجف المداد

وأخلدَ للصمتِ هذا الوترْ

سكونٌ عميقٌ غشى أصغريَّ

فأودى بتلك القوافي الغررْ

غفا الشعر فوق ذراع الوجوم

ولم يستثره دويُّ الغيرْ

إلى أن أهاب بهِ هاتفٌ

شجيُّ الصدى من وراءِ الذِكَّرْ

أفاق كمن هبَّ من نومهِ

تلوحُ عليه سمات الخدرْ

ولكنه لم يعد ضاحكاً

وملءُ كياني جراح القدرْ

فلم أبتعث غافياتِ الطيورِ

أشاطرها شدوها في السحرْ

ولم أسبق الشمس قبل الذرور

إلى الحقل مستمتعاً بالزهرْ

ولم أرد الروضَ عند المساءِ

ولم أستمع لخريرِ النهرْ

ولم تُغرِني الغيدُ في حُليها

ولم أُتبعِ “ الغادياتِ “ النظرْ

ولم يُرهفِ الليلُ لي سمعهُ

ولا أرقصت أغنياتي القمرْ

ولم تأسَ نفسي على فائتٍ

ولم ترَ عيني بها ما يَسُرْ

فيا بلبلاً ذيد عن وكرهِ

وسد عليهِ المطار النسرْ

وهام على وجهه في الفضا

إلى مَ الهيامَ؟ آلا مستقرْ؟

 

إن هذه القصيدة تصور فترةً من حياة الشاعر التي مر بها، ولا بد لنا من إعطاءِ لمحةٍ عن هذه الفترة ولو إيماءة الشاطئ لأنها فترةٌ انطوت في تلافيف الزمن وقد صورها الشاعر صورةً حيةً تنطقُ بهذه الانفعالات النفسية والإشاراتُ البعيدة كان الشاعر في تلك الفترة شُغل فيها بالشكل عما وراء الصور لأنه أخذ على عاتقهِ النضالُ عن مبدأ أستمر فترةً، والتي تشير له هذه القصيدة التي هي بعنوان فترة غير أن الشاعر سكب انفعالاتهِ النفسيةَ على ما تضبب في جو تلك الفترة وصور البشر بما أنهم بشر بدون أن يقصرها على تلك الفترة فاستمعِ معي أيها القارئ لهذا اللحن المنساب كانسياب المياه في النهر إن أمامه وخلفه أفاعي البشر تحيط بهِ فأين المفر حتى تبلد حس الشاعر وصار كالحجر وإن العلم والشعر هوى من القمم إلى المنحدرات واستمر الشاعر في تصويرهِ البديع الذي بلغ فيه قمة البلاغة والأدب الرفيع إن هذه القصيدة هي من الشعر الرومانسي الذي يندُر أن تجود سماء عبقر بمثل هذه القصيدة ولا أبالغ لو كانت هذه القصيدة لنزار قباني أو أمثالهِ لكانت لها ضجةٌ في صحفنا العربية وهتافٌ لكن شاعرها من شعبٍ مغمورٍ أيها القارئ قد ترى أنني بالغتُ أو تحيزتُ او طغت العاطفةُ فخرجتُ بك عن ميزان النقد إلى دنيا المبالغة والمدحِ ولكنك عندما تمعن التأمُّلَ توافق على ما ذهبتُ إليه وترى في طياتهِ نقداً لأننا لا بد أن نسمي الأسماء بأسمائها ونعطي كل ذي حقٍ حقه فالناقدُ لابد أن يتحلى بالإنصافِ ويحمل إزميلهُ بيمينهِ لينقش صورةً أو يصلِحَ هيكلاً قد شوهتهُ كف الحياة أقرأ معي هذه القصيدةَ العصماء ففيها شكوى مُرَّة حيث أن النسر سُدَّ عليه المطار فلا يستطيع أن يحلِّقَ برغم الهاتف الذي هتف بهِ من وراءِ أفقِ الإلهامِ ولكنه انتبه وهو مرتاعٌ وعليه سمات الخدر ولكن النسر لم يعد لحياتهِ الطبيعيةِ فيسبق طلوعَ الشمس إلى الحقول ولم يستمع الليل لأغاريدهِ وهولا يزال في حزنهِ العميق يفيض شكوى وألم وينِّزُ نزيزاً من جروحه من الليالي والأيام وأريد أن أعلق على الشاعر ملاحظةً نقديةً لبيتٍ من هذه القصيدةِ حيث عبَّرَ عن الغيَّر وهي المصائب بكلمة دويِّ الغيَّر ولا أعرف ماذا يقصد بهذا الدويَّ هل يقصدُ عن الجروح التي تتركها تلك المصائب والدويِّ لابد أن يكون ناتجٍ عن أصوات ولو أبدلها الشاعر بكلمةٍ تناسبُ لكان جو هذه الفترة ينسجمُ مع القصيدة، وقبل أن أختتم حديثي عن هذا الديوان أريد أن أسجل على الشاعر في هذا الديوان ملاحظةً حيث أنه أهمل مفهوماً تاريخياً، ومناسبة القصيدةِ التي تفاعل من أجلها الشاعرُ حيث أهمل المناسبة، والتاريخ فإن لهما دوراً خطيراً في حياةِ الشاعر وفي مستقبل الأجيال ومنها يقرأ الشاعر ويميز صعوده في أفق الشعر وإسفافه حيث أهمل الشاعر مناسبة القصيدة التي قالها في والده روح الأمام تتكلم حيث نشرها في (ذكرى الإمام الخنيزي) المطبوع بالمؤسسة العالميَّة للكتاب بلبنان الطبعة الثانية عام 1418ه الموافق 1998م بهذا العنوان ولكنه في ديوانهِ نشرها روحٌ تتكلم ولم يشر للمناسبة بل اكتفى بقوله أنه صورةٌ ناطقةٌ لما يلاقي القاضي من بعض الذوات من المضايقات والمعاكساتِ كما أهمل الشاعر التعريف بقصيدته التي عنوانها دمعةٌ على أبي وإن كان عنوانها يفسر المناسبةَ ولكنَّ الشاعرَ تفاعل مع هذه المأساة عندما جاءه البرقُ يحملُ نعي والدهِ وهو في هجرتهِ الدراسية في النجف فلابد من الإشارةِ إليها وقصيدتهُ الثالثة التي هي بعنوان عيد المعارف كما هي منشورةٌ في (ذكرى الإمام الخنيزي) حيث ذكر إنه كتبها بناءاً على طلب شقيقهِ المرحوم الحاج حسن الخنيزي أما في الديوان فقال هذا بعضٌ منها مدحٌ في سيدي الوالد وأبدل عنوانها بأسم يا حامل الآلام، ولم يوضح الشاعر المناسبةَ التي كتبها على أثرها لا في الذكرى ولا في الديوان وهذا إهمالٌ للمعاناة النفسية والتجارب الفعلية التي تخلق في ظرفٍ تولد فيه القصيدة لذكرها دورٌ مهم وليسمح لي أستاذي بهذه الملاحظات التاريخية لأنني أريد أن تكتمل هذه المجموعات بحسب ما نستطيعه من طاقاتٍ جهديةٍ فقد قمت ببعض التصحيح في مسودات البروفات (المسودات في اللمسات الأولى) وهذا بعض حقوق أستاذي ولا أدعي الكمال لأن الكمال لله ولرسوله وأهل بيته الأطهار.

وبعد مطافنا في ديوان اللحن الحزين وتسليط النظرة الضوئية على ما فيه من قصائدٍ من نقدٍ أو ثناء نفتتح المجموعة الثانية ديوان وحي الثلاثين ونعيش في جوه الشعري فأول ما تطالعنا في هذه المجموعة قصيدةٌ عنوانها (ليلةٌ في شواطئ القطيف) تعطيك صورةً حيةً عن شواطئ القطيف وعن السفن الذاهبة والآيبة وصور الطبيعة التي كانت تتمثل حيةً في صعيد القطيف من بحر وبساتينَ ونخيلٍ كالعرائس قبل أن تُصحَّرْ ثم تصافحك قصيدةٌ أخرى للبطل الإسلامي (مالك الأشتر) ولا أريد أن أطوف بك يا قارئي ولا أريد أن أعطي نظرة لكل قصيدةٍ من هذا الديوان ولو سرنا على هذه المسيرة لاحتجنا إلى إنفاق وقتٍ كبيرٍ وإعداد صفحاتٍ … غير أن النظرة الضوئية التي ترسم محتوى الديوان في شكله العام يتكون من وصفٍ للطبيعة وغزلٍ في وصف حواء ولونٍ من القصص الشعري وشكوى وتأبين وقد غطى حيزٌ كبيرٌ من الديوان رثاؤه لأبنائهِ، غير أني سأختار منه قصيدتين لأخضعهما للدراسة والنقد والتحليل وكمثالٍ للتدليل على شاعرية أستاذِنا الرومانسيةِ، ولابد من ملاحظةٍ أسجلها على الشاعر وهي للأمانةِ التاريخيةِ حيث أنه لم يعطِ عن بعض القصائد الدوافع التي سببت كتابة هذه القصائد والمناسبة ومن قيلت فيه كما أعطى الشاعر عن بعض القصائد التي في هذا الديوان مفهوما تاريخياً حدد مسارها، كالقصائد التي أبنَّ بها أبناءه،

و القصيدة التي قالها في ذكرى المجاهد العلامة البدر وأهمل بعض القصائد كالتي قالها في والده الإمام الخنيزي بمناسبة وقوفه على قبره التي عنوانها وقفةٌ على قبر وقد عرفت منه شخصياً المناسبة التي تفاعلت نفسهُ معها، وهذه القصيدةُ تصفُ الفراغ العميق الذي تركه والده حيث خلى دست القضاء منه وتصفِ مشاعر الجمهور التي شاهدها بعد موت والده، و بعد عودتهِ من دراسته بالنجف الأشرف وعدم الإشارة إلى المناسبةِ التي قيلت من أجلها تعد خلاف الأمانة التاريخية ومطلعها:

ألا فانتبه أيها الراقدُ

لتنظر ماذا أتى الماردُ

وقد نشرت في ذكرى الأمام الخنيزي (الطبعةُ الثانية)، كما أهمل مناسبة قصيدة الزعيم الخالد، وقد وجدتها في هذا الديوان مؤرخة بغير التاريخ الصحيح، وقد قدمها لي في حياتهِ من القصائد التي اختارها لأكتب عنها، وتاريخها هو واحد وستون بعد الثلاثمائة والألف هجرياً حسب ما أرخها هو، وهذا التاريخ هو من قلب الواقع حيث أن القصيدة هي تأبينٌ في العلامة الشيخ محمد علي الجشي[1]  وليست هي في الزعيم أبي عبد الكريم الخنيزي حيث أن بعض أوصاف مفهومها الشعري لا تنطبقُ إلا على العلامة الشيخ محمد علي الجشي ولا أعرف من عبث بهذا التاريخ وحولهُ إلى عام أثنين وستين بعد الثلاثمائة والألف هجري وهذا خلاف الأمانة التاريخية، وجانب الحقيقة، وقد ناقشته في حياتهِ لنقله إياها من تأبينِ صاحبها إلى تأبين الزعيم ولم يبدِّل شاعرها تاريخها، وكانت تحملُ تاريخاً متناقضاً بين تاريخ القصيدة وتاريخ وفاة من نقلت فيهِ، وكتبتُ رأيي فيها قبل وفاتهِ، وهذا التاريخ كان الزعيم حينئذٍ موجودا على قيد الحياة فلا تصحُ فيهِ كتأبينٍ، كما وجدتُ شرحاً على قصيدة الزعيم الخالد يفسر المناسبة التي نقلت له وهذا الشارح الذي لا أعرفه لم يشرح القصائد الأخريات التي هي في هذا الديوان ومناسبتها وهذا يعد تحيز منه حيث قصر شرحه على قصيدة الزعيم، دون غيرها من القصائد، وهذا من الغرائب وخلاف الأمانةِ التاريخية، ونختار من هذا الديوان القصيدة الأولى وهي غزلية.

(أمام المرآة)

جِئْتُ هِنْداً  وقد خَلَتْ  تَتَغَنَّى

كَالْعَصَافِيْرِ في الصَّباحِ الهَاديْ

قِطْعَةٌ كُنْتُ صُغْتُها بِاسْمِ هِندٍ

مِنْ دَمَائِيْ وَمِنْ سَوَادِ فُؤِاديْ

أَسْدَلتْ دُوْنَها السِّتارَ وَأَلْقَتْ

مَا يَقِيْها … كَسَاعَةِ المِيْلادِ!

جَسَدٌ صِيْغَ مِنْ رُخَامٍ صَقِيْلٍ

فِتْنةُ العَاشِقِيْنَ وَالْعبَّادِ!

وَثُدَيانِ يَرْقصانِ دَلالاً

رَقْصَةً تَبْعَثُ الهَوَى في الجَمَادِ

وَشِفَاهٌ كَالأُرْجوَانِ تَلظَّى

وَعَلى الخّدِّ (جمْرَةٌ) في اتِّقادِ

وَقَوَامٌ كَالخيْزُرانِ انْحِناءً

وَالْتِفافاً كأنَّهُ صِلُّ وَادِ

وَعَلَى رَأْسِها مِنَ الشَّعْرِ (تاجٌ)

عَبِقُ الطَّيْبِ في اصْفِرَارِ الجَادِيْ

وَإذَا لاَحَ صَدْرُها في الْمَرَايا

نَاصِعاً مِثْلَ فَضَةِ الآرادِ

هَتَفَتْ إنّنيْ مَلِيْكةُ عرْشٍ

شِيْدَ فَوْقَ القُلُوْبِ والأكْبادِ

قَدْ أَتَتْ ذَا وَمِثْلهُ وَهْيَ نَشْوَى

ما أحَسَّت بِمَكْمَنِ الصَّيَّادِ

لم يَرُعْها إلاَّ وَكَفُّ فَتَاها

تَرْفَعُ السِّتْرَ كالصَّبَا في اتِّئادِ

فَعَرَتْها انْتِفَاضَةٌ وتَوَلَّتْ

كَالمَها أجْفَلَتْ مِنَ الأَرصادِ

لاَ تُراعي يا هِندُ! لستُ بباغٍ

أو مُغِيْرٍ على حِمَاكِ وَعَادِ!

لم أَكُنْ غيرَ شَاعِرٍ عاطِفِيٍّ

وَلِعٍ بِالجَمَالِ: خَافٍ وبادِ

 وقفةً معي أيها القارئ لنتأمل في هذه السيمفونية ونعيشُ لحظاتٍ في جوها فهي من الأدبِ الغزلي الرفيع وإن تخللتها مسحةٌ من الأدب المكشوف بيد أنها صورةٌ متحركةٌ حيةٌ تجسد الشعور الحساس تأمل معي تُسكرك هذه القطعةُ حيث أن الشاعر رسم أمام مرآته صورةً تشبه القصة حيث جاء حبيبتهُ وهو يحملُ قطعةً صيغة من النفوس والقلوب ليقدمها هديةً إلى هندٍ ولكنه فوجئ بما لم يدر بحسبانهِ حيث خلت تتغنى كما تتغنى العصافير في الدَّوح وأسدلت عليها الستار وعادت عاريةً كساعة الميلاد وكان الوصف رائعاً ولتقرأ معي هذه الصورة الناطقة أنه جسدٌ ولكنه مصاغٌ من رخامٍ يفتن العاشقين ولو كانت الفتنةُ مقصرةً على العاشقين ولكنها تعدت هذه الفتنةُ إلى العُبَّاد فتصور هذه النكتة البلاغية ونهدانِ يرقصانِ من الدلالِ حتى يحركان الجماد فيبعثانِ حياة الغرام في ذلك الجماد وهذه السيمفونية التي لا تتجاوز بضع أبياتٍ معدوداتٍ في صورتها المبدعة وبلاغتها الرائعة تصورُ شريطاً سينمائياً متحركاً كأنك تشاهدهُ وتنعكس ظلاله أمام مرآة الشاعر كأنك أمام مرآةٍ تصورُ لك كل ما حولك في صفاءٍ على طبيعتها كما أنشأها

فَعَرَتْها انْتِفَاضَةٌ وتَوَلَّتْ

كَالمَها أجْفَلَتْ مِنَ الأَرصادِ

والملاحظة أن قافية الإرصادِ لم تكن نابتةً كقوافي هذه القصيدة، ولو كان مكانها الصيادِ لكان أبدع لكنه سبقت منه قافية الصياد في قوله أحسَّت بمكمن الصيادِ وهي نابتةٌ في مكانها.

قَدْ أَتَتْ ذَا وَمِثْلهُ وَهْيَ نَشْوَى

ما أحَسَّت بِمَكْمَنِ الصَّيَّادِ

فليس له فيها يدان وإن القافيةَ كما قيل قيدٌ من القيود الشعرية التي تفرض نفسها على الشاعر.

ونعود مرةً أخرى لنعيشَ في قصيدةً عنوانها:

(نجوى هزار)

غَرِّدْ بِوَكْرِكَ يا هَزَارُ وَرَجِّعِ!

فَأَنَا بِمَرْأَى مِنْ غِناكَ وَمَسْمَعِ

مَالِيْ أَرَاكَ مُغَرِّداً وَمُصَفقاً

هَلْ هِمْتَ مِثْلِي بِالجَمَالِ الأَبْدَعِ؟

اِبْثُثْ لِقَلْبِي ما بِقلبِكَ مِنْ أسَى

إِنّي أُشَاطِرُكَ الأَسَى لا تَجْزَعِ

بَيْنِيْ وبَيْنَكَ يا هَزَارُ قرابةٌ

إِنَّا كِلَيْنَا نَسْتَقِي مِنْ مَنْبَعِ

هَلْ أَنْتَ مِثْلِي يا هَزَارُ مَضَيَّعٌ

فَمُضَيَّعٌ يَشْكُو إِذَنْ لِمُضَيَّعِ

إن كَانَ أَغراكَ الرِّياضُ بحُسنِهِ

وَضَحِكْتَ للأَملِ الشَّهيِّ المُمتِعِ

وتَخِذْتَ في قِمَمِ الغُصُونِ مَحِلةً

وَنَعِمْتَ في ظِّلِ الرَّبيعِ المُمرِعِ

وَهزَزْتَ أَعطافَ الحدائِقِ بَكْرَةً

ونَشَقْتَ مِنْ أَرَجِ الرُّبى المُتَضَوِّعِ

فأنا بِسِجني والقيودُ تَؤُدُّنيْ

والهَمُّ يَقْدَحُ زَنْدُهُ في أَضلُعِي

يا ابنَ الحدائِقِ غنِّني أُنشودةً

فَعسى بها بُرْؤُ الفُؤَادِ المُوْجَعِ

واذكُرْ صَدِيقَكَ فهوَ مِثلُكَ شاعرٌ

قد لُفَّ في شَبَحِ الشَّقاءِ المُفزِعِ

أيها القارئ وقفةً تأمليةً معي لندرس هذه القصيدة أو هذه القطعة السيمفونية فإنها نغمٌ من الأنغام الحزينة التي تصورُ هموم الحزانى، والعباقرةُ الذين لم يعطهم المجتمع قدرهم ومنزلتهم و لا يعرفون أسرارهم، ويساوونهم بغيرهم من الشرائح الأخرى لأنهم لا يعرفون ما يطفو على سطحهم فكيف يصلون إلى ذلك السرِّ العميق، وإن سر الروح سرٌ غامضٌ لا يفهمه إلا أولئك العباقرة الذين شربوا من هذا الجو السحري كؤوساً شفافةً أنعشتهم فنطوف بجو هذه القصيدة السحرية فالشاعر أفتتح قصيدته بمناجاةٍ إلى ملك الطيور الهزار الذي يتغنى بأسرار الجمال والطبيعة كما يتغنى الشعراء فكان للهزار صورةٌ جامعةٌ يشترك معه فيها الشعراء هو الغناءُ والشعور بأسرار الطبيعة فافتتح الشاعر مناجاته بنداءٍ إلى زميلهِ للتغريدِ وتوقيع اللحن وإن الشاعر كله آذانٌ ومرأىً للحن هذا الهزار ويُكمل الشاعر هذه الصورة المتحركة:

ما لي أراك أيها الهزار تُغَّرِد وتُصَفِقَّ هل أنت هِمتَ بالجمال كما هِمتُ أنا فأنا وأنت في قاسمٍ مشتركٍ هو حُبُ الجمالِ وهنا الشاعر يتنفس في هذا الجو ليخفف من آلامه فأنه يُحِبُّ أن يشاطر الهزار ما في قلبهِ من الآلام كما في قلبِ الشَّاعِر كأنها شكوى من حبيبٍ لحبيبهِ ويَغْرُبُ الشَّاعِر في هذه السيمفونيةِ:

هَلْ أَنْتَ مِثْلِي يا هَزَارُ مُضَيَّعٌ

فَمُضَيَّعٌ يَشْكُو إِذَنْ لِمُضَيَّعِ

ما أجمل هذه الشكوى وما أحسنها وما أشجاها يخاطب الشاعرُ الهزار هل شكواكَ لأنهم أضاعوكَ فأنا مضيعٌ في مجتمعِ فتحسن الشكوى لمُضَّيعِ هل أنتم تتصورون هذا المعنى التراجيدي ففيه الروعةُ والبلاغةُ والأداء الفني ويكمل الشاعر نجواهُ فيعطي الهزار حياةً طليقةً ناعمةً مخضوضرة، ولكنَّ الشاعر يخصُ نفسه بحياةٍ مؤلمةٍ فيها من القيودِ التي ينوء بها، فيعطينا الشاعر فارقاً مميزاً بينه وبين الهزار فالهزار طليق أما الشاعر فهو كما صور حياته في سجنٍ، والقيودُ تثقلُ كاهلهُ والحزنُ كأقباسِ شررٍ يلهبُ أضلعهُ.

ويردد الشاعر في نجواه للهزار أن يرسل له أغنيةً لعله يخفف من الآم فؤادهِ الموجعِ ويختم الشاعر سيمفونيتهِ خاتمةِ زخمٍ

واذكر صديقك فهو مثلك شاعرٌ

قد لُفَّ في شبحِ الشقاءِ المفزعِ

إن صورة شبح الشقاء المفزع لصورةٌ حيةٌ ولكنها مرعبةٌ مفزعة ونترك هذا الديوان الذي هو صورةٌ ناطقةٌ من الأدب الجديد الرفيع لنطوف في جوِّ المجموعة الثالثة رباعيات الخطي(من كل حقلٍ زهرة) التي تتكون من رباعيات ونعطي عنها نظرةً ضوئيةً كاشفةً لما تحتويهِ في شكل لونها وصورها العامة.

تتكون من أربع وتسعون رباعية تحتويها مائة صفحة، والشاعر صور فيها ألواناً من الصور الشعرية صاغها من تجاربه النفسية وانفعالاته الشاعرية ففيها ألوانٌ من الشكوى، ومن الغزل، ومن نقد المجتمع، وضياع الشاعر ككونهِ مجدداً للأدبِ الرومانسيِّ في سماء القطيف وإهماله في هذا المجتمع حسب رؤيتهِ التي صورها في هذه المجموعة الشعرية وأنا آخذ عليه ملاحظتين تاريخيتين الأولى أنني أتمنى أن الشاعر لم ينشر الرباعية التي عنوانها بيني وبين أبي ص: 68 (وأولها)

أنا عبدٌ في لباس السيد

 فمتى أكسر غلي … بيدي

فهي لا تليق بمثلهِ، ولا سيما مثل والدهِ الذي أنعم عليهِ وتجشم الصعاب في بعثهِ للدراسةِ للعراق، ووالده كزعيمٍ دينيٍ ومرجعٍ يلجأ إليه في غِيِّر الزمان وحوادثهِ، وكريمٍ يهطلُ كالسحابِ في يوم المَحْل، وحتى صارَ بعضُ الناسِ من نساءٍ ورجالٍ يتمنون أن يكونوا أيتاماً ليعيشوا تحت ظل الإمام الخنيزي ولا أعرف هل نشرها من جمع هذه الرباعيات عند نشرها فأضافها أم هي كانت من قبل مضافة من الشاعر إني لأجهل ذلك.

ثانيا: تعليقي على رباعيتهِ التي يخاطب فيها زوجه أم كامل رحمها الله وهي بعنوان شكاة أم كامل ص: 96 التي مطلعها:

سئمت زينبٌ حياةَ "الغريِّ"

رهن عُدمٍ وفقد نجمٍ وضيِّ

فإن زوجه سئمت العيش في الغري أي النجف الأشرف لشظف العيشِ ولموتِ أبنائها فتتمنى أن تعود إلى وطنها والذي أريد أن أعلق على شاعرنا وأستاذنا مع الأذنِ منه أنه لم يعش في النجف حياة المعدمين لأن والدهُ مدَّ عليهِ ظلاً وارفاً في دنيا نعيمٍ وخصبٍ حيث أجرى عليهِ راتباً يغطي تكاليف دراستهِ ومعيشتهِ في غربتهِ حيث بلغ قبل أن يختار الله والده سنوياً ثلاثة آلاف روبية هندية وكان هذا الرقم مبلغاً ضخماً في ذلك الظرف الاقتصادي الذي هو حياةُ جدبٍ وجزر ولم يتحرك والدٌ في ذلك الظرف ليبعث أبنهُ لطلب العلم للظروف الماديةِ الخانقةِ، وقد ناقشته رحمه الله في حياتهِ الدراسية بالنجف وما يجريه والده عليه من مرتبٍ فصادق على ذلك وأضاف برغم ما يعانيه والدنا من حياةٍ مجدبةِ المادة ولانه ذو عائلةٍ عريضةٍ وعليه مسئوليات كبيرة برغم هذا وذاك قد تجشم من أجل الصعاب لقد ترجمتُ كلامهُ رحمه الله معنىً لا لفظاً.

وبعد هذه التوطئة نفتحُ هذا السفر من كل حقل زهرة لنعيش في ذلك الحقل الخصيب لحظاتٍ ونشمَّ عطورهُ ونقطفُ منها بعض الزهرات فنعيش مع الشاعر في آلامه وأفراحهِ وأول ما نفتتح هذه الدراسة:

عقوق

منزلي كعبةٌ، يُحجُ إليهِ …

إن ألمَّت بالقومِ دُهمُ الرَّزايا!

وأنا – يا رعانيَ الله! – طودٌ

بي تلوذُ البلادُ، عند البلايا!

فلماذا  إذَن  تناسوا مقامي

في رخاءٍ حتى بزيفِ التحايا؟!

ولماذا الألطافُ تترى لفسلٍ

ورقيعٍ تهمي عليه الهدايا؟!

فالشاعر يصور في هذه الرباعية ما ينفقه من جهدٍ وتضحيةٍ في سبيلِ وطنهِ وهو يبتعد عنه ويعقُّهُ كما يعقُّ الولد والده وهذه الرباعية تصورُ فترةً من حياة الشاعر وهي قبل تطلع وطنهِ لانبثاقِ فجرِ حركتهِ الوطنية، وقد مثلَّت هذه الرباعية فترةً من حياة الشاعر قبل أن يتطلع له وطنهُ ويمنحه الحبَّ والتقدير، وكان محلاً للإجلال من هذا الوطن الحبيب حيث شعر بفداحة فقدهِ للخسارةِ التي خسرها هذا الوطن ونعودُ لقطعةٍ ثانيةٍ من هذه المجموعة بعنوان فتنةُ الأسماء:

فتنة الأسماء

أعجبت بي أسماءُ، إذ قرأت لي

قطعةً، أُغفِلت من التوقيعِ!

فمضت تقتلُ اللياليَ: بحثاً

وسؤالاً، من واحدٍ وجموعِ

همُّها  لا عراهُ وهنٌ!  تؤدِّي

بعض حقٍّ للشاعر المطبوعِ!

ثمَّ لمَّا أزاحتِ السترَ عنِّي

أعرضت، وانثنت لغيرِ رجوعِ!

أيها القارئ تصور معي هذه القطعةُ كيف سجل الشاعر فيها ظاهرةً نفسيةً لأدبائنا الذين لا يقدرون أدب أبناء وطنهم وآثارهم ولمَّا كان هذا الأثر مجهول التوقيع أعجبت به هذه الفتاة فلمَّا عرفتهُ أنه لأحد شعراء ابن جلدتها أعرضت عنه ومضت لتعيش في جوها الإهمالي وما الفتاةُ إلا رمزاً وصورةَ حياةٍ لرموزٍ أكل قلوبهم الحسد فعاشوا على مآدب غير وطنهم وأهملوا أبناء وطنهم وهذه الظاهرة البغيضة تعيشُ في بعض النفوسِ ولا تزال تعشعشُ وتفرخ.

بعد الموت

أتُراني إذا تلاشى كياني

أغتدي وردةً بصدرِ الغواني؟!

أم تُراني أكونُ في الزَّنبق الغضِّ

شذاً؟ أم أكون في العلجانِ؟!

أم تُراني أكون في القبر نبتاً؟

أم تُراني أكون وردَ الجِنانِ؟!

لستُ أدري..! لكنَّني بعد موتِ

سوفَ أغدو حديثَ كلِّ زمانِ!

هنا يصور الشاعر في هذه الرباعية خيالاً رومانسياً ويختم هذا الخيال بتصويرٍ لحياته بعد رحيله لهذه الحياة حيث سيبقى ذكره خالداً في حرفه المخضوضر.

في هيكل الإلهام

أنا بعضُ الأنامِ في وضحِ الصُّبحِ

… وغيرُ الأنامِ تحتَ الظَّلامِ

لو تراني تحت الدُّجى شاخصَ الطَّرفِ

كأنَّي مسامرُ الأجرامِ

أُنزلُ الشِّعرَ من سماوات نفسي

كنبيٍّ، في هيكلِ الإلهامِ

لا تعي إن أصختَ لي غير همسٍ

لشفاهٍ توحي إلى الأقلامِ

فالشاعر يصور في هذه الرباعية عندما ينزل عليه الإلهام من سماءِ عبقر، والشاعر يغرقُ في ألوانٍ بعيدة الفكر والتصوير.

بلادنا في الربيع

لمَ  ياربِّ  بلادي

ألبست ثوبَ حدادِ؟!

ما لها دون بلادِ الله

غرقى في السّوادِ؟!

ما لهذا المبدعِ الفنَّانِ

فيها من أيادي؟!

إنها صفحة مأس

اةٍ،وألواحُ جهادِ!

هذه الرباعية لوحةٌ فنيةٌ تجسد صورةً ناطقةً بمأساةِ بلادهِ ولعل الشاعر في هذه اللوحةِ الفنيةِ لم يُرِد وصف الطبيعةِ فالطبيعةُ كانت منظراً خلاباً بنخيله الباسقةِ وأشجار اللوز والليمون والأترج، فالربيعُ له يدٌّ صناعٌ إن صح التعبير، ولعل الشاعر يرمز إلى سرٍّ غامضٍ.

هزار وسط غربان

ذوى شبابيَ في إبان ريعاني

لِمْ لا يشيبُ هزارٌ وسطَ غربانِ؟!

قد ضعتُ في أُمةٍ ورهاءَ عاكفةٍ

على عبادةِ أصنامٍ وأوثانِ …!

لا تقدر العلمَ والآدابَ في رجلٍ

مالم يُحصن بتزويرٍ وبُهتانِ!

إنَّي إلى كل مخدوعٍ بها عظةٌ!

فقد أقمتُ غريباً بين أخوانِ

وهذه القطعةُ السيمفونيةُ تفيضُ شكوى وألماً وتصورُ حياةَ حلقةٍ تسلسلت وتبطنت بضياعٍ في ميعةِ ربيع الشباب فكيف يعيش الهزار في وسطِ غربانٍ ويغرب الشاعر فيصف ضياعهُ في مجتمعٍ لا يقدر الآداب ولا العلم حتى أصبح مثلاً للمخدوعينَ وكأنهُ يعيش غريباً بين إخوانهِ وهذا منتهى الضياع.

لحد الفن

أهرمتني قبلَ ميعادِ المشيبِ!

بلدةٌ ملأى بألوان الخطوبِ!

رحُّبت أفقاً لغربانٍ … ولم

تتَّسِع أفقاً لهذا العندليبِ

تفتحُ السمعَ إلى ناعبةٍ …

وتسدُّ السمع عن لحنٍ رطيبِ!

لم تكن مهداً لفنٍّ، إنما

خُلِقت لحداً لفنٍّ وأديبِ!

تأمل معي أيها القارئ هذه الشكوى المريرة التي فيها نزيفٌ من شريان حي يقذف الآمهُ ويصفُ جحودَ المجتمع للمفكرين وهذه اللوحةُ في بلاغتها في الأداءِ الفني ذروةٌ من الفكر الأدبي العربي.

بعث وموت

بعثتني يد الغريَّ ولكن

قبرتِنِي القطيفُ قبلَ المماتِ!

يا تُرى للهزار موتٌ، سوى الصمتِ

عنِ الشدو في ربيعِ الحياة؟!

صوَّحت دوحتي، وجفت ينابيعُ

بياني، وأخفقت أُمنياتي

واستحالَ الغناءُ في عوديَ الأسوانِ

نوحاً مفجّعَ النغماتِ!

تأمل معي أيها القارئ لهذه اللوحةُ الفنيةُ فهي شكوى تضج بنزيز الجرح ولست الوحيد يا شاعري الذي عاشَ في مجتمعٍ لا يقدرهُ أبناءُ وطنهِ فكثيرون من المفكرين والأدباء أضاعهم مجتمعهم بل يحاول إقبارَ شموسِهِمْ وهم أحياء فمن قبلك المتنبي الذي تعشَّقْتَ شِّعرهُ فقد ضج بالشكوى فأعلنها براكينَ متفجرةً تواكب الحياة، ولا تنسى الشيخ جعفر الخطي الذي عاش مشرداً شاكياً حتى مات بمدينة أصفهان من مدن إيران، وفي هذه الرباعية تصويرٌ رائع وتعبيرٌ فيه أداءٌ فنييٌ فالصمتُ هو موت العبقري موت الشاعر موت الكاتب إنه لتعبيرٌ فيه زخمٌ وتجسيد، وأسمح لي أيها الأستاذ لأعلق على هذه الرباعية لأناقشك في ظاهرةٍ تاريخيةٍ تمتُ بحياتكَ وتتعلق بانبثاقِ حياتك الأدبيةِ فإن الغريَّ أي النجف الأشرف لم تبعثكَ كأديبٍ أو شاعرٍ إنما سافرتَ لها وأنت غريدٌ تحملُ ثروةً أدبيةً وعلميةً استلهمتها من سماءِ والدكَ وتحملُ مجموعةً شعريةً أسميتها (وحي العواطف) وأتذكر من ذلك الشعر بعض القصائد كقصيدة عنوانها عاشقان فيها لونٌ من القصص واحتفظت بها أيها الشاعر حتى إصدار هذه المجموعةِ وهي أحد محتوياتها، إلا أنني لا أتذكر هل أبدلت العنوان بغيره، وقصائدُ أخريات من إلهام سماء القطيف قبل سفرك إلى النجف الأشرف أضفتها إلى هذه المجموعات المطبوعة، كقصة عنترة وعبلة وقصائدَ أخرى أتذكر أبياتاً من قصيدةٍ قلتها في والدك مطلعها:

ته يا قطيف فقد حويت جلالا

ته بالذي ملأ البلاد كمالا

هذا أبو حسنٍ كيانُ حياتنا

هذا الذي لبس التقى سربالا

وهذه القصيدة مع قصائدَ أخرى حكم عليها الشاعر بالإعدام ولا تنسى قصائدك العصماوات كلها من وحي سماء القطيف من تاريخ عام الرابعة والستين بعد عودتك إلى القطيف كقصيدة فترة وغيرها حتى رحلت إلى الملأ الأعلى وشاهدنا حيٌ وهو تاريخ قصائدك.

هذه ظاهرة تاريخية أسجلها للأمانة لمعرفةِ الأجيال الجديدةِ وإزالة ما ضببها من ستارٍ وبطنها من قتامٍ، وأسمح لي في هذه المناقشةِ لأنك تؤمنُ بحريةُ الرأي والفكرِ.

ضائع

ضعتُ بين: الشيوخ، والشبان

فأنا كالغريبِ في أوطاني!

أنكرتني الشُّيوخُ لمَّا رأتني

أتحرى الأبكار، دون العوانِ

ونبا عنِّيَ الشبابُ، لأني

أتجلى لهم كشيخٍ فاني

وضياعي في الخطِّ ليس ببدعٍ

الضُّحى ضائعٌ لدى العميان

تصور معي هذه اللوحة الفنية فالشاعر صور ضياعهُ وإهمال المجتمع لفكرهِ وأدبهِ في ألوانٍ من الصورِ التي تهزُّ من كان له إحساسٌ فهو يعيش في مجتمعٍ الشبابُ ينبو عنه لأنه يتجلى في صورةِ شيخٍ هرمٍ، والشيوخُ يعرضونَ عنهُ لأنهُ يتجددُ فكراً كما يتجدد الفجرُ في معانيهِ البكر فضاع كما ضاع الضحى لدى مجتمعٍ ضريرٍ لا يميز بين الجوهر والفحم ولعل الشاعر في هذه الشكوى يشير بها للفترة التي لم ينتبه المجتمع القطيفي لخدماته الاجتماعية ويلقي قياده بيمينه.

شمعة تحترق

لم يبقَ لي من أملِ

غيرُ انتظارِ الأجلِ

أفنيتُ عمري كلَهُ

وأسفاً في كسلِ

عمري المديدُ لم يكن

غير صدى في طللِ

حرّقتُ نفسي شمعةً

تضئُ درباً ليس لي!

ويختم الشاعر هذه الرباعيات برباعيةٍ تشبه خاتمةَ العمر فيغرب فيها من البلاغةِ والتصوير وباختصارٍ هو كالشمعةِ التي تحترق لتضئ لغيرهِ ولم تبق فضلةٌ في كأسهِ إلا انتظارِ الأجل المحتوم الذي لابد منه وأنا أخالفهُ فإنه أبقى في دنهِ بقايا وبقايا لم يفرغ الدن ولكنهُ كما أشار الشاعر إلى هذه الظاهرةِ النفسية، وهي الكسلُ التي تضيعُ نشاط المفكرين وجهد العاملين وإلا فقد بقيَّ في دنِّهِ فضلاتٌ لم يفرغها بل رحل عن هذه الحياة بها، وفيه بقايا وبقايا، وكم دخلتُ معهُ في جدالٍ عنيفٍ لعودتهِ إلى سماء عبقر، وإلى القلم الذي منحنا الله هذه الموهبة ولكنه لم يتحرك ولم يفد فيهِ أيُّ عتابٍ وقد أشرتُ إلى ذلك في ترجمته في كتاب (خيوط من الشمس)، وقد قرأها بنفسه، فلا ضير عليهِ فإن شاعرنا بصمَ بأناملهِ على دنيا الفكر وأفق الشعرِ بصماتٍ ستظلُ أنغاماً تُرْدَّدُ مادامت الحياةُ، وأوتاراً يعزف عليها كل حرٍّ ومفكرٍ وتزود الشباب بألوانٍ من الفكرِ الحي على مائدةٍ خصبةٍ تمورُ بألوانٍ من صورِ الشعر والأدب الرفيع فأهنئكَ أيها الشاعر يا أخي لما تركت من هذه الثروة الضخمةِ التي ستثري الفكر العربي وتسد فراغاً فكرياً في المكاتب العربية فنم هنيئاً عوضك الله بجنان الخلد وأسكنك فيها مع النبيين والصِّدِّيقين.

هذه لمحةٌ أسجلها عن إصدارات أستاذي وأخي الشيخ عبد الحميد وأنا مُعرَّضٌ فيها للخطأ والصواب وكل ما أرجو أنني كنت وفياً وأديتُ بعض الواجب لأستاذي وموجهي الثاني في حياتي الأدبية.

[1]  حيث كانت وفاته في عام ألف وثلاثمائة وواحد وستين هجري.
شاعر وأديب
302166