العطاء العلمي للشيخ أحمد ابن زين الدين الأحسائي
(1166 ـ 1241هـ)
محمد علي الحرز * - 16 / 3 / 2011م - 2:40 م - العدد (33)

لا يعد من المبالغة إذا قلنا: إن الشيخ الأحسائي استطاع أن يفرض شخصيته في النفسية الأحسائية كما لم تفرضها أي شخصية أخرى، كما حقق من الشهرة والتأثير الواسع في محبيه تصل إلى التقديس في بعض الأحيان لدرجة تفوق التصورات، وهذا ليس على المستوى المحلي فقط بل تجاوزت شخصيته وفكره الحدود الجغرافية والإقليمية لمنطقته لتصل إلى مختلف مناطق الخليج وإيران والعراق، بل وحتى الدول الغربية بين أهل التخصص من أمثال (هنري كاربن) وغيره، حتى أصبحت كلمة (الأوحد) و (الشيخ) علم عليه في بعض المحافل لشدة حضوره بينهم.

وفي الجانب الآخر حضت شخصيته من الاختلاف حولها بين مؤيد ومناوأ في المحيط الفلسفي والكلامي حول فكره وآرائه بما لم تحضى به أي شخصية أخرى، وعقدت على ذلك الكتب والدراسات بين أعلام مدرسته ومناوئيهم في معركة برزت فيها جميع الأسلحة الفكرية والعلمية بين محاولة النفي والإثبات، وهذا أمر يلحظه كل متتبع لمدرسة الشيخ وفكره.

كل ذلك ينم أن شخصية الشيخ الأحسائي لم تكن بالشخصية العادية التي يمكن تغافلها فضلاً عن تجاهلها، وأنها لم تنبع من فراغ وإنما لشدة حضور الشيخ وما تمتع به من مميزات أفردته عن غيره والتي من أبرزها العطاء العلمي الذي يمكن أن نلخصه في الجوانب التالية:

أولاً: هجرة العطاء:

من المتعارف في الأوساط الحوزوية بالنسبة للعالم الجهبذ، والعلم الشهير الاستقرار في المراكز العلمية وعدم مبارحتها طوال حياته كي يتفرغ للدرس والتأليف، والابتعاد عن السفر والترحال لما فيهما من هدر للوقت، وقطع للدرس وهما ما يحرص عليه العلماء ـ أي الدرس والوقت ـ أشد الحرص، إلا أننا نجد هذه القاعدة العلمائية منتقضة في حياة الشيخ الأحسائي حيث أن حياته قضى معظمها في السفر والترحال فزار من مدن العراق كربلاء والنجف الأشرف والبصرة، ومن المدن الإيرانية قزوين و يزد و طهران وأصفهان وكرمان شاه، هذا غير القرى الصغيرة التي مكث فيها فترة وجيزة، وهذا يرجع إلى العوامل التالية:

1ـ كثرة الدعوات التي تأتي إلى الشيخ من مختلف البقاع العلمية وحثه على زيارتها بهدف الانتفاع العلمي من شخصيته والإطلاع على آرائه والتي منها دعوة شاه إيران القاجاري الذي شجعه على المكوث في طهران.

2ـ المشاكل التي واجهته من قبل المناوئين لفكره وقد تجلت بعض معالم تلك الحرب العلمية إبان حياته ثم تفاقمت بعد وفاته.

3ـ حب الشيخ للهجرة والترحال لأنه في حقيقة الأمر لم يكن مضطراً للسفر في جميع تنقلاته بل كان قسماً منها بمحض إرادته ورغبته وحبه للإطلاع.

ثانياً: التدريس:

دأب العلماء على التدريس وتزكية العلم فكما ورد في الحديث «زكاة العلم تعليمه» وكما قال الإمام الباقر عليه السلام: «عالم ينتفع بعلمه خير من سبعين ألف عابد»[1]  لما للعالم من دور كبير في إصلاح المجتمع وبناء فكره وإعطاء الرؤية الصحيحة لمقاصد الشريعة، لذا تصدى العلماء على مدى أطوار التاريخ لهذه المهمة على أكمل وجه وما الصرح العلمي الموجود اليوم إلى من ثمرة تلك الجهود المباركة.

والشيخ أحمد بن زين الدين هو واحد من خيرة الدرر العلمية التي أدت واجبها على أكمل وجه فقد قضى الشيخ الأحسائي ردحاً ليس بالقليل من عمره الشريف في مجال التدريس سواء في منطقته الأحساء قبل هجرته حيث يظهر من بعض القرائن والوثائق القديمة أنه قد أسس حوزة علمية في مدينة الهفوف يفد عليها الطلاب من مختلف مناطق الأحساء، وقد تأثر به الكثير منهم وتبنوا آرائه الكلامية والحكمية، إلا أنه عدم التدوين والاضطراب السياسي الذي كانت تعيشه المنطقة في تلك الحقبة أخفى عنا الكثير من تلك المعالم الهامة من التاريخ العلمي للمنطقة.

أما بعد هجرته إلى العراق وإقامته في كربلاء وزيارته للعديد من مناطق إيران كأصفهان مثلاً حيث يقول الشيخ الأنصاري: «أنه حضر بحثه في الفوائد»[2]  فإن ذلك أعطى لدروسه بعداً آخر، حيث التف حوله الكثير من الطلاب ممن هاجروا لطلب العلم فوجدوا في الشيخ الأحسائي بغيتهم وفي فكره سلوتهم فذاع اسمه وعلى صيته في مختلف الأصقاع.

ثالثاً: التأليف:

عرف الشيخ الأحسائي بوفرة إنتاجه وتشعبه، وقد أتفق معظم من ترجم له أنها تربو على المائة مؤلف، ولكن وقع الخلاف في تعدادها فقال نجله الشيخ عبدالله: إن لوالده (101) مؤلفاً[3] ، وقال الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه الذريعة أن عدد مجموعها (75) رسالة[4] ، أما رياض طاهر الذي أعد كتاباً مستقلاً في مؤلفات الشيخ بعنوان «فهرست تصانيف الشيخ أحمد الأحسائي أنها تصل إلى (104)[5] ، وبلغ بها صاحب أعلام هجر إلى (173) مؤلفاً[6] ، وأنهاها السيد علي باقر الموسى في مجلة التراث إلى (218) مؤلفاً[7] ، أما صاحب كتاب الشيخية فقال عنها إنها تبلغ (127) مؤلفاً[8] .

ومما سبق يتضح شدة التباين بين المؤرخين في حقيقة عدد مؤلفاته، وهذا يرجع إلى عدة أمور أبرزها:

أولاً: فقدان بعض مؤلفاته حيث أن بعضها لا زال مخطوط، أو لم يعثر عليه، لذا أعتمد إحصاء معظم السابقين على ما استطاع العثور عليه أو علم بوجوده في مكتبات إيران والعراق من خلال الفهارس.

ثانياً: التداخل بين المؤلفات بعضها ببعض فقد ترد تارة باسم: «أجوبة بعض الأسئلة» وتارة باسم: «رسالة في العلم» ومرة أخرى بعنوان: «أجوبة مسائل الشيخ أحمد بن صالح بن طوق» وهكذا مما يوقع الباحث في لبس في حقيقة عدد مؤلفاته.

ثالثاً: وهو يتداخل مع السابق أن الشيخ يتراوح في إجاباته على الأسئلة فتارة يوجز في الإجابة وتارة يفصل مما يجعل الإجابة على كل سؤال هو كتاب مستقل بذاته هذا الأمر جعل البعض يجزأ بعض الأسئلة، والبعض يجمعها في كتاب واحد لأن الأسئلة صادرة من سائل.

ومن خلال مؤلفاته نستطيع القول أن الشيخ كان يتمتع بميزتين هامتين هما:

أولاً: الشغف بالكتابة: فمثل هذه المؤلفات الكثيرة ولرجل مثل الشيخ الأحسائي الذي كانت حياته مليئة بالاضطراب إذ كان كثير الترحال والسفر والتجوال فلا يكاد يستقر في مكان حتى يغادره إلى آخر، بالإضافة إلى الحملات الشرسة ضده مما يجعل نفسيته في تأزم مستمر يجعل التأليف أمر عسر ويحتاج إلى كلفة زائدة، ولكن ولع الشيخ بالتأليف وشحذ قلمه جعله يتخطى جميع الأزمات وينثر من درر علمه المتلاطم بلا هوادة.

ثانياً: الثقافة الواسعة: فقد أمتلك الشيخ ثقافة واسعة حوت جميع علوم عصره، فكانت كتاباته تمتاز بالتنوع والموسوعية فقد كتب في الأدب بفروعه من نحو وصرف وبلاغة ولغة وعروض كما كتب في المنطق، وفي الرياضيات من حساب وهندسة وهيئة وفلك، وفي الفقه والأصول والتفسير والحديث، والأخلاق والتاريخ، والحكمة الإلهية والفلسفة، والكلام والعقائد، والموسيقى والطب، والعلوم الغريبة كالرمل والجفر والكيمياء وغيرها.

فهذا التنوع الفكري والثقافي لا يتأتى إلا إلى عقلية وقادة وموهبة فذة التي تستطيع أن تلم بمختلف هذه العلوم لا كثقافة عامة، بل كإجادة وإبداء رأي وإبداع فيها.

مميزات مؤلفاته:

العمق:

فقد امتازت كتاباته بالعمق والدقة المتناهية فهو لا يكتفي بالتناول القشري للمسائل العقائدية والفلسفية والكلامية والحديثية وإنما يغوص في بحرها ويستخرج المكنون من دررها، وهذا أمر ملاحظ على جميع كتاباته الحكمية وغيرها.

ولعل هذا المنحى عند الشيخ هو الذي جعل الإجابة على الكثير من المسائل التي ترد عليه كتباً بسبب البسط والسعة في العرض وإبراز المسألة بمختلف جوانبها العلمية، لذا عندما جاء إلى الشيخ حسين العصفور ورأى كتاباته قال فيه: «هذا حري بأن يجيز لا أن يجاز»[9]  لما وجد في أسلوب الشيخ الأحسائي من العمق العلمي بما لا يتسنى إلا للعلماء الكبار الذين بذلوا مهجهم في سبيل العلم وتعلمه.

الأصالة:

سعى الشيخ من خلال مؤلفاته وهو يعمل على تشييد مدرسته الفكرية التي تبتني على الأصالة والرجوع إلى الجذور وعدم التأثر بالأفكار المستوردة، التي لا تنتمي إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فكان من أهم الشعارات التي نادى لها هو التمسك بما ورد في القرآن الكريم والسنة الشريفة عن النبي وأهل بيته الأطهار، وعدم التأثر بالنظريات اليونانية المبنية على تخمينات البشر العاديين القابلة الخطى والصواب.

ومن أجل ذلك تحمل الشيخ الحملات الشرسة التي وجهت ضده ببسالة وبإرادة حديدية من قبل المنتمين إلى تلك المدرسة المناهضة.

النقد:

من أهم مميزات العقلية الفذة الباحثة عن الحقيقة أنها لا تأخذ ما هو مشاع بين الناس على سبيل المسلمات، وإنما تخضعه إلى ميزان النقد والتمحيص والتأمل ومن ثم ترى أن يقبل أم يرفض.

والشيخ الأحسائي كانت عقليته نقاده لها في كل مسألة رأيها الخاص الذي تتجلى فيه شخصيته وعبقريته وسعة اطلاعه، وقدرته على تفكيك المسائل المعقدة إلى جزئياتها ومن ثم تركيبها بالطريقة التي تتوافق مع منهجه ورأيه الخاصة، وقد تجلى منهجه النقدي بشكل واضح في كتابية «شرح العرشية» و«شرح المشاعر» للملا صدر الدين الشيرازي الذي يعد أحد أبرز نوابغ الفلاسفة الإسلامية في التاريخ ومجدديها.

رابعاً: إجابة المسائل:

من الوسائل العلمية المتبعة في عصر الشيخ الأحسائي هي إرسال الأسئلة العلمية، وتولي الطرف الآخر بدوره الإجابة عليها فكانت تلك الإجابات تقصر أحياناً فتصل إلى حد الإيجاز، وقد تطول فتكون كتاباً مستقلاً، مما أعطى تلك الرسائل أهمية قصوى وجعلها من التراث العلمي للعلماء.

والشيخ أحمد الأحسائي لو تأملنا في غالب تراثه العلمي لوجدنا معظمه من هذا القبيل أي كتبه على شكل إجابات للأسئلة التي وجهت إليه حيث كان ينظر إليها بعين الأهمية والعناية الخاصة في الرد عليها، ولعل من أبرزها:

أجوبة مسائل السيد أبو الحسن.الكيلاني، وأجوبة مسائل أبي القاسم بن عباس بن معصوم اللاهجاني، وأجوبة مسائل الشيخ أحمد بن صالح بن طوق، وأجوبة مسائل الملا رشيد، وأجوبة مسائل الشيخ عبد الحسين بن الشيخ يوسف البحراني، وأجوبة مسائل الشيخ عبد علي بن عبد الجبار القطيفي، وأجوبة مسائل فتح علي شاه القاجاري، وأجوبة مسائل الشيخ محمد بن الشيخ عبد علي بن عبد الجبار القطيفي وغيرهم كثير قد جمع معظمها في كتاب «جوامع الكلم» للشيخ الأحسائي الطبعة الحجرية.

[1]  البحار ج2 ص107.

[2]  راجع الكلمات المحكمات للميرزا علي الحائري ص83.

[3]  أعلام هجر للسيد هاشم الشخص ج1 ص186 نقلاً عن أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج2 ص591 - 592.

[4]  نفس المصدر عن الذريعة ج16 ص383.

[5]  فهرست تصانيف الشيخ أحمد الأحسائي ص3.

[6]  ص 222.

[7]  راجع العدد الأول والثاني من مجلة «التراث» التابعة لدر المصطفى لأحياء التراث ببيروت.

[8]  الشيخية نشأتها وتطورها ومصادر دراستها للسيد محمد حسن آل الطالقاني ص389.

[9]  إجازة الشيخ حسين العصفور للشيخ أحمد الأحسائي.
عضو هيئة التحرير
307104