اللهجات المحلية في الخليج (اللهجة في القطيف مثالا)(12)
السيد شبر علوي القصاب * - 16 / 3 / 2011م - 3:02 م - العدد (33)

(إذا الشرطية وأخواتها)

وهي التي تسمى في كتب النحو بأدوات الشرط غير الجازمة، وأغلبها موجود في اللهجة، وهذه هي:

* (إذَا): وتنطق (إدَا) بالدال في لهجة الغالبية، و(إذا) كما هي في اللغة في لهجة ذوي الانتماء القبلي، وقد ينوب عنها الفعل (چَانْ) (كان) المسبوق بـ(إنْ) الشرطية المعطوفة نحو: (وِإنْ چَانْ مَا رْضِيْ)، أي: وإذا لم يرضَ؟ وجواب الشرط هنا مضمر تقديره (مثلاً): فماذا نفعل؟.

* (لو) نحو: (لَُو احْتَمَى المريضْ چَانْ سْلِمْ)، وقد يضمر فعل الشرط لجملتها، ومثاله قولهم السائر: (لَو فِيهْ خَِيرْ مَا رَمَاهْ الطَِّيرْ)، أي: لو كان فيه خير لما رماه الطير.

* (لولا)، (لوما): وهما تتعاوران في الجملة الشرطية الواحدة، وينوب عن لامهما في الجواب (چَانْ)(كان) أي: (إِنْ چَانْ) في مقام: (لكان)، ولكن (إن) تحذف للتخفيف، ومثاله على (لولا): (لَولا الطَّبِيبْ چَانْ صَارَتْ أَحْوَالْ الْمَرِيضْ شَتَّى)، أي: لولا الطبيب لصارت... ومثال (لوما) قولهم السائر: (لََومَا الْحَسَدْ مَا مَاتْ أَحَدْ)، وقد يغني في هذا المقام مقطع جملة مثل: (مِنْ اللهْ)، أو (زَِينْ)، أو (أَشْوىْ) ويشترط أن يأتي بعده فعل ماض منفي بـ(ما)، ومثاله على الأول: (مِنْ اللهْ مَا سَلَّفْتِه چَانْ رَاحَتْ فْلُوسِيْ)، والأصل: (بفضل الله)، أو (إن هذا من الله)، أو (لولا أن الله قدر لي وحال بيني وبين إقراضه لذهبت فلوسي، وقد يضمر الفعل مع وجود الظرف (هْنِيْ) (هْنَا)، أي: (هُنَا) نحو: (مِنَ اللهْ فْلانْ مَا هُوْ هْنِيْ چَانْ صَارَتْ لَِينَا مِشْكِلَهْ)، أي: لولا أن الله حال بين فلان وحضوره في هذا الظرف إلى هنا لحدثت لنا مشكلة.

* (أمّا): وهي تفيد في الأصل التفصيل ولكنها تقوم مقام أداة الشرط وفعله معاً[1] ، نحو: (الْجَمَاعَهْ اللَِّيْ وِيَّاكْ طَيْبينْ أَمَّا فْلانْ أَطْيَبْ)، أي: الجماعة الذين معك طيبون، وأَما فلان فهو أَطيبهم، وقد تأتي بمعنى الشرط والتفصيل إذا تكررت كما في اللغة نحو: أما زيد شاعر، وأما أخوه كاتب، وينطقها الغالبية بتفخيم الميم، والبقية بترقيقها كما في اللغة، وتنطق أحياناً في بعض النواحي كالملاحة: (أَمَّنْ)، والنون فيها قد تكون ناتجة عن تنوين ألفها، أو نحتها من: (أَمَّا) و(أَنْ).

* (لَمَّا): وتنوب عنها (عِنْدْمَا) (عِنْدَمَا)، وتنطق كما هي في اللغة في لهجة الغالبية، نحو: (لَمَّا شِفْناَكْ اسْتَانَسْنَا)، أي: لما رأيناك ارتاحت نفوسنا، و(لَمَّنْ) في بعض نواحي الخليج، والنون فيها قد تكون ناتجة عن تنوين ألفها، أو نحتها من (لَمَّا)، و(أَنْ)، ومن شواهده الشعر المنسوب للشاعر القطري علي بن رْحمة بودهيم:

لَمَّنْ شِفِتْ مَا رَأَتْ عَيْنَايْ مِنْـهَا كَدَرْ

هَيْهَاتْ يِرْجَعْ عَلَيْ مَا كَانْ فِ الماضِيْ[2] 

* (كُلَّمَا): وتنطق: (كِلْمَا) بكسر الكاف وسكون اللام نحو: (كِلْمَا شِفْناَكْ اسْتَانَسْنَا)، (كِلْمَا نْشُوفُِكْ نِسْتَانِسْ)، وقد تخفف إلى: (كِلَّهْ)، والهاء الحادثة فيها من فتحة اللام، للدلالة على المحذوف نحو: (كِلَّهْ أَگُولْ بَاجِيْ لُكْ وَاصِيرْ كِلَّهْ مَشْغُولْ)، أي: كلما أقول.. و(كِلِّهْ) الثانية لا تعني: (كلما)، لأنهم لا يكررونها في الجملة الشرطية كما يفعل بعض المتفاصحين من الكتاب المعاصرين لأن سبيلهم في ذلك سبيل أسلافهم العرب الأوائل، وإنما تعني: (دائماً)، أو (كل مرة).

وثمة أدوات أخرى اختصت بها اللهجة دون اللغة، ومنها:

* (إِلَِينْ): وأصلها: (إلى أَنْ) حذفت همزة (أَنْ)، وأميلت الألف اللينة إلى الياء وأدخلت نونها المتبقية في حرف الجر على طريقة النحت، فصارت: (إِلَِينْ)، وقد تحذف من حرف الجر همزته فتصير (لَِينْ)، وهي تجيء بمعنى: (حَتَّى)، و(إِذا)؛ وحتى تكون في مقام (إذا) يشترط أن تكون في أول الجملة، وأن يكون بعدها فعلان مضارعان مسبوقان بـ(باء) الاستقبال نحو: (إِلَِينْ بِتْرُوحْ بَارُوحْ وِيَّاكْ)، أي: إذا كنت ستذهب فسأذهب معك، أو: إذا كنت ذاهباً سأذهب معك، أو ماضيان نحو: (إِلَِينْ رُِحْتْ سَلِّمْ عَلَِيهْ)، أي: إذا ذهبت فسلم عليه، أو ضمير منفصل، نحو قولهم السائر: (لَِينْ انْتينْ غَنِيِّةْ رَاوِينيْ تَحَاتِيحِشْ لَِينْ انْتينْ فَقِيرَة رَاوِينيْ شَمَاطِيطِشْ)، أي: (إذا كنت)، وقد تعني هنا أيضاًَ (إِنْ) الشرطية، خصوصاً إذا كانت الجملة تتضمن الفعل (كان)، وقد تحذف منها النون تخفيفاً مع إمالة ألف حرف الجر اللينة إلى الياء ومادامت الألف اللينة مائلة نحو الياء، فإن فتحة اللام التي قبلها مائلة نحو الكسرة، وهنا تسمعها: (لَِيْ) خصوصاً عند إتباعها بالفعل، كقول الشاعر: «وْلَِينَامَتْ العَِينْ عَنْكُمْ مَا سَلا خَاطِرِيْ»، والمضارع بعد (لَِيْ) قليل، كما أنها لا تأتي إلا بمعنى (إذا)، والغالب أنها لا تكون إلا في أول الجملة، ولكن قد يقدم جوابها أحياناً فتصبح في الوسط كما في قولهم السائر: (خَرُِّبْ لَِيبَغَِيتْ تْغَرُِبْ)، ومع أنهما صالحتان لكل الأفعال، فإني لم أسمعهما مع بعضها مثل: (شاء الله)، أو (أراد الله)، لأنه مما نقل بلفظه من اللغة.

* (حَِيفْ كَانْ): بمعنى: (حيث أن)، أو (بما أن) نحو: (حَِيفْ كَانْ بِتْرُوحْ الدِّيرَة خِدْنِي على طَرِيگُكْ)، أي: حيث أنك، أو بما أنك ستذهب للبلد فخذني على طريقك.

* (چَفَنْ): وفي ما يبدو لي أنها منحوتة من (چَِيفْ أَنْ) (كيف أن) بمعنى: (حيثُ أنَّ) نحو: (چَفَنْ انْتَ مَنْتَ زَِينْ تِحْسِبْ النَّاسْ مِفْلُِكْ)، وكأنه يقول: حيث أنك لست مستقيماً فتحسب أن الناس على شاكلتك، واستعمالها مقتصر على نواح قليلة كالحاضرة وما حولها وما شابهها في لهجتها، وقد سقط استعمالها وقل من يعبأ الآن بها.

* (مِسْوَى): بمعنى: (لأن) أو (بما أن)، أو (حيث أن) نحو: (مِسْوَىْ مَنْتَ زَِينْ تِحْسِبْ الناسْ مِفْلُِكْ)، أي: (لأنك)، وبما أنك لست طيباً فتحسب الناس...

كما جعلوا (مادام)، و(مازال) المتقدمين في الحلقة السابقة في عداد أدوات الشرط لأنهم لا يستعملونهما بلفظيهما هذين إلا في جملة الشرط ومنه قولهم السائر: (مَادَامْ لِيْ وْلَِيدٍ مِنِّهْ مَا لِيْ غَنَاةٍ عَنِّه)، أي: مَادام (مازال) لي وليد منه فمالي غنى عنه، وقد تنوب عنهما عبارة: (كِلْ لابِدْ)، المختصرة من: (كَلَّا وَلا بُدْ)، كقولك لصاحبك: (كِلْ لابِدْ بِتْرُوحْ الدِّيرَةْ خِدْنِيْ عَلى طَريگُِكْ)، أي: مَادُمْتَ ستذهب إلى البلد فخذني على طريقك؛ وقد يكتفى بـ(إلا) المنحوتة في ما يبدو من ألف (كلا)، و(لا) النافية نحو: (إِلا بِتْرُوحْ خَسَارَهْ)، والأصل هكذا: (كَلْ لابُدْ بِتْرُوحْ خَسَارَهْ)، أي: كلا ولا بد ستذهب هباءً، وعندها يكون جواب مضمراً حسب مقتضى الحال، كأن يكون الجواب هنا: فتصرف بها في ما يعود عليك بالنفع، وقد تنشأ جملة شرط باستعمال الفعل (عَسَى)، ليعطي معنى أداة الشرط (إِنْ) المسبوقة بـ(ما)، وجوابها مسبوق بأداة الاستثناء (إلا) للحصر نحو: (عَسَى مَا وَاحِدْ يْگُولْ شِيْ إلا أَكَلْتُوهْ!)، أي: ما إن يقول أحد شيئاً إلا سلقتموه بألسنتكم! كما يستعملون ظرف الزمان (عِنْدْمَا) كأداة شرط نحو: (عِنْدْمَا نْشُوفُِكْ نِسْتَانِسْ) في الزمن الحاضر، أو (عِنْدْمَا شِفْنَاكْ اسْتَانَسْنَا) في الزمن الماضي، أي: عندما نراك ترتاح نفوسنا، كما يستعملون لفظة (بَسْ) الفارسية، في هذا المقام على النحو الممثل له لـ(عندما) هذه، ولك أن ترفع (عندما) وتضع (بَسْ) مكانها في هذا المثال.

ونحن لا نستطيع أن نعد هذه الأدوات التي انفردت بها اللهجة من (أخوات إذا) غير الجازمة أو أخوات (إنْ) الجازمة لأن أثرها ساقط بسقوط الإعراب، وعليه فإنا نعدها من أدوات الشرط فحسب دون تحديد أو تمييز، ما عدا الأولى (لَِينْ).

أما فاء الربط في الجواب فلا تعرفها اللهجة فإما أن تحذف أو يناب عنها الفعل (تَرَىْ) نحو قولهم السائر: (چَانْ لِجْدَارْ يِسْمَعْ تَرَىْ هُوْ يِسْمَعْ)، أي: إن كان الجدار يسمع فهو يسمع.

(إذا) الفجائية

وقلما تستخدم بلفظها في اللهجة بل عادة ما تنوب عنها الأداة (إلا) المسبوقة بواو العطف أو الربط مع تحويل همزتها من همزة قطع إلى همزة وصل، أي بصورة: (وِالا) مع كسر الواو نحو قولهم السائر: (وِالَّا فْلانْ مِنْ صَِيدْ أَمْسْ)، وهذا التقليد معروف في اللغة، غير أن الواو تأتي بعدها نحو: ما بين نحن سائرون فلم ننتبه إلا ونحن على شفا حفرة، وقول الشاعر العراقي المجلي محمد مهدي الجواهري:

فما انتفضوا إلا وركب ابن هاشم

عن الحج يوم الحج يعجله السرى[3] 

وقد يستغنى عن هذه الواو فتحذف للتخفيف؛ ويتخذ أسلوب هذه الأداة أربعة أشكال وهي:

(1) هذه الأداة (والا) يأتي بعدها ضمير شأن منفصل حسب مقتضى الحال مثل: (هُوْ، هِيْ، هم، احْنَا (نحن) إلخ... يأتي بعده اسم فاعل يخبر عن الحال نحو: (مَا بَِينْ احْنَا گَاعْدِينْ وِالا هُوْ جَايْ).

(2) هذه الأداة يأتي بعدها ظرف، أو متعلق (جار ومجرور) نحو: (مَا لْحُگُنَا رُِحْنَا البَِيتْ (وِالا هُوْ گِدَّامْنَا)(وإلا هو في البيت)، ولا بد لها في هذه الحالة من فعل ماض يأتي قبلها.

(3) هذه الأداة يأتي بعدها لفظ (كِلْ)(كُل) الذي يعطي معنى (قد)، يأتي بعده فعل ماض بعده ضمير ظاهر متصل، أو مستتر، أو اسم ظاهر نحو: (مَا بَِينْ احْنَا گَاعْدِينْ وِالا كِلْ جَا)، أو (وِالا كِلْ جَا الرَّجَّالْ، أو (وِالا كِلْ جَوْا)، فيكون تفسير الأولى على سبيل المثال: بينما نحن جالسون وإذا به قد أتى، ولا يجتمع اللفظ (كُلْ) مع الضمير، فإما أن يكتفى به أو يكتفى بالضمير، فلا يقال: (مَا بَِينْ احْنَا گَاعْدِينْ وِالا كِلْ هُوْ جَا)، لأن فيه تطويل لا فائدة منه.

(4) هذه الأداة يأتي بعدها مصدر مجرور بالباء نحو: (مَا بَِينْ احْنَا گَاعْدِينْ والا بْجِيَّتِهْ)، ويشترط في إفادتها معنى (إذا) الفجائية أن تكون الجملة التي قبلها تفيد الاستمرار، أما إذا كانت هذه الجملة مصدرة بـ(إِلَِينْ) أي: (إلى أَنْ) التي تفيد ابتداء الغاية، فإنها لا تفيد هذا المعنى، وإنما تفيد الفعل (يكون) نحو: (إلَِينْ أَرُوحْ أَخَلُّصْ شِغْلِي الا كِلْ هُوْ جَا) أي: إلى أن أذهب لأنجز شغلي يكون قد جاء)، فأنت واجد أن الصورة الأخيرة هي شكل آخر لا تعني هذا المجال.

وقد يرشح الفعل (گال) (قال) مع ضمير ظاهر متصل أو مستتر، ومنه قولهم السائر: (مِنْ تْگُولْ العَُوگْ گَالَوا جَُوكْ)، أي: ما إن تقول... وإذا بهم قد...

وقد ترشح لفظة (اَشْكَرهْ) وهي كلمة فارسية أصلها: (أشكارا) وتعني العلانية والصراحة[4] ، أما أهل اللهجة فيستعملونها في مقامات أخر ومنها هذا المقام نحو: (لانَا مْسَوِّيْ شِيْ وَلا شِيْ وأشْكَرهَ جَايْ يْضَارُِبْني؟) أي: لم أقترف ذنباً وإذا به يأتي ليتشاجر معي؛ وقد تنوب عنها لفظة (عَفَارِيْ) التي يأتي الحديث عنها بشكل مفصل في مكان آخر من هذه الحلقة.

أدوات النفي والنهي

* (لا) الناهية: نحو قول: (لا تِلْعَبْ)، وفي الأفعال الخمسة (لا تِلْعَبُونْ) (لا تْلِعْبُونْ)، و(لا تِلْعَبُوا)، بحسب اختلاف اللهجات.

* (لام الأمر): وتنوب عنه السابقة (دِيْ) التي تتقدم فعل الأمر، وقد يكتفى بِدالها المكسورة نحو: (دِرُوحْ)، أي: لتذهب، وكثيراً ما يستغنى عنها فتحذف، ومثله حاصل في اللغة فيقال: قلت له يفعل كذا، والأصل: ليفعلْ، وقد تقدم الحديث عنها في الحلقة الثانية من هذا البحث[5] .

* (لا) النافية: ولا تستعمل بلفظها منفردة لئلا يتداخل أسلوب النفي مع أسلوب النهي، لأن علامة جزم الفعل التي تحدد هذا من ذاك ساقطة لسقوط الإعراب، لأنك لو قلت: (لا يَاكِلْ) لالتبس على السامع أنك تريد النهي أم تريد غيره، وعلى هذا الأساس فإنهم ينيبون عنها (ما) النافية للتفريق بين الاثنين، وإنابة (ما) النافية عن (لا) النافية تقليد قديم وشائع في اللغة، ومن شواهده قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيْ آياتِ اللهِ إلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا[6] ، وقول البهاء زهير:

ما يمكنه الكلام لكن

حمـل طرفه رسائل[7] 

ولا تأتي على النحو المتقدم إلا حينما يؤمن اللبس في ما ترد فيه من الأساليب، كالأسلوب المصدر بلفظ الجلالة (الله) للدعاء للشخص أو عليه نحو: (اللهْ لا يُوْزِيكْ)، (اللهْ لا يِعْطِيكْ عَافْيَهْ)، أو في جملة النفي التي تتضمن معنى النهي نحو: (لا أَشُوفُِكْ هْنِيْ (هْنَا)، والمعنى: اذهب فلا تعد إلى هنا، أو حين يتكرر النفي بها نحو: (لا يَاكِلْ، وَلا يِشْرَبْ)، أو عندما تجيء جملتها بعد جملة ابتدائية كقولهم السائر: (أَوْصِيْ عَلَِيكْ بْخَِيرْ وَلا أَوْصِيْ عَلَِيكْ بْشَرْ)، وإذا لم يكن في الجملة فعل فيلزم سبق الجملة بواو العطف أو الربط لمحاً للجملة المحذوفة، نحو: (وَلا عَلَِيكْ مِنْهْ)، والأصل: (لا يْهِمُّكْ وَلا عَلَِيكْ مِنْهْ)، إذ لا يصح أن يقال هنا: (لا عَلَِيكْ مِنْهْ) بدون واو، وإذا سبقت فعلاً ماضياً كانت بمعنى (لم) شأنها شأن (ما) النافية الآتية، ولابد أن تكرر في الجملة في هذا الموضع أيضاً نحو: (لا رَاحْ وَلا جَا (يا)، أي: لم يذهبْ ولم يأتِ، أو أن تسبق جملتها بجملة ابتدائية كقول المرأة لولدها: (يَا خَلَفْ اللِّيْ رَاحَوْا وَلا جَوْا(يَوْا)، أي: ولم يأتوا، وذلك لئلا تتداخل مع (لا) النافية التي تسبق (بل) لتقوية النفي، لأنك لو قلت: (لا رَاحْ) وسكتَّ ولم تكرر (لا) لربما يفهم من كلامك أنك تقصد: (لا بل ذهب).

* (ما) النافية: وهي إذا جاء بعدها ضمير منفصل واسم فاعل كانت بمعنى (لَنْ) نحو: (مَا هُوْ رَايِحْ)، أما إذا جاء بعدها فعل مضارع وكان حرف المضارعة ياءً كانت بمعنى (لا) النافية نحو: (فْلانْ مَا يْرُوحْ عَنِّيْ)، أما إذا كان حرف المضارعة تاءً كانت بمعنى (لا) الناهية نحو: (مَا تْرُوحْ عَنيِّ)، وقد تعني الاثنتين: النافية والناهية، وإنما يفهم القصد من نبرة الكلام، أما إذا جاءت قبل الفعل الماضي كانت بمعنى (لم)؛ ويجب أن نلاحظ أنها لا تسبق الاسم سواء كان جامداً، أو مشتقاً، فلا يقال: (مَا فْلانْ)، أو (فْلانْ مَا طَيِّبْ)، وشذ قولهم: (مَا ضِنَّتِي)، أي: ما ظننت، ربما لمعاملتهم له كالفعل في المعنى، أما سبقها للضمير المنفصل، والحرف فهو وارد، وقد يتكرر الضمير المنفصل نفسه في أسلوبـها قبلها وبعدها نحو: (احْنَا مَا حْنَا رَايْحِينْ)، وكأنما هذا الضمير المنفصل بعدها عوض عن الضمير المتصل، وكأن أصل الأسلوب هكذا: نحن لسنا ذاهبين، وتكرار الضمير لتقوية أسلوب النفي وتوكيده.

* (لم) النافية: ولا تعرفها اللهجة بلفظها وإنما تستعمل بدلاً عنها: (ما) النافية يتلوها فعل ماض، فيقولون (مَا رَاحْ) أي: لم يذهب، ولأن (لم) في اللغة تنفي حصول الفعل وتقلب زمنه إلى الماضي فالأسلوبان متفقان، فإن النفي بـ(مَا) يساوي النفي بـ(لم)، فإذا قلنا: (فْلانْ مَا جَا (يَا) فإنه يساوي قولنا: فُلانٌ لَمْ يَأَتِِ، وهذا أمر حاصل في اللغة ومن شواهده قول الشاعر مهيار الديلمي:

أما وثغر أبيض ناعم

ما تعبت فيه يد الناظم[8] 

يريد: لم تتعب، وتنوب عنها (لا) النافية إذا سبقت الفعل الماضي كما سبق شرحه في مكانه، وقد تضمر وتبقى مقدرة وذلك في جملة السؤال بـ(لو)، و(إلا) المنتهية بـالظرف (بَعَدْ) (بَعْدْ) نحو: (بَدَتْ الدِّرَاسَهْ وَالا (لَوْ) بَعَدْ؟) والأصل هكذا: بدأت الدراسة أم لم تبدأ بعد؟.

* (لمـا): التي تنفي حصوله في الماضي مع توقع حصوله في المستقبل، ولا تعرفها اللهجة بلفظها أيضاً، وإنما تنوب عنها (ما) النافية المسبوقة بظرفي الزمان (الحين) أو (الآن) المسبوقين بحرف الجر (إلى) وواو الربط نحو: (طَافْ شَهُرِ وِإلَى الحينْ (الآنْ) مَا وَصَلْ)، أي: مضى شهر ولما يصل.

وثمة أدوات أخرى للنفي انفردت بها اللهجة غير التي تقدمت، ومنها:

* (مُوْ)، و(مِيْ): وهما منحوتتان من (ما) النافية، ومن ضمير الغائب (هُوْ)، أو الغائبة (هِيْ)، وتوردان بصورة: (مَهُوْ)، و(مَهِيْ)، و(مُوْ)، و(مِيْ) في الأعم الأغلب، ومن موارد استعمالهما:

1ـ لمجرد النفي، أو النفي المطلق نحو: (مُوْ رَايِحْ)، (مِِيْ رَايْحَهْ)، وقد يسبقهما (لا) النافية لزيادة التأكيد نحو: (لا مُوْ رَايِحْ))، أي: كلا لن يذهب.

2ـ بمعنى: (غير)، وهي مختصة بنفي الصفة نحو: (فْلانْ مُوْ زَِينْ)، (فْلانْه مِيْ زَِينْه)، أي: غير طيب، وغير طيبة.

3ـ بمعنى: (ليس) نحو: (مِيْ لَِينْا) أي: ليست لنا.

4ـ بمعنى: (ما) النافية التي بمعنى (ليس)، نحو: (مُوْ بْرَايِحْ) أي: ما هو بذاهب.

5ـ للتأكد من صحة المعلومة نحو: (حَسَنْ يِدْرِسْ فِ الجامِعَهْ مُوْ؟)، أي: أليس كذلك؟.

6ـ بمعنى (ألا) مقرونة بـ(لا)، أو بمعنى: (إياك) للتذكير، أو التحذير نحو: (مُوْ تِنْسَ؟!) أي: ألا لا تنس؟ ونحو: (مُوْ تْرُوحْ عَنِّي؟)، أي: إياك أن تذهب عني.

وهما كثيرتا الاستعمال في كثير من البلاد العربية المجاورة، وبالأخص (مُوْ)، ونلاحظ أن (مِيْ) مختصة بالمؤنث بينما (مُوْ) عامة تصلح لجميع الأحوال: المذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، والمتكلم، والمخاطب، والغائب، فيقال: (مُوْ أنا)، (مُوْ أَنِيْ) ولا يقال: (مِيْ أَني)، (مُوْ احْنَا) (مُوْ انْتِينْ)، (مُوْ انْتَ) (مُوْ انْتُونْ)، (مُوْ هُمْ)، (مُوْ هُوْ (هُوهْ) إلخ.. أما إذا لم يأتِ بعدها ضمير يحدد جنس المنفي فلابد من إيراد الأداة بصورة (مِيْ) إذا كنت تريد بالنفي مؤنثاً، وأن تقول: (مِيْ) لتحديد المقصود نحو: (مِيْ لَِينَا)، لأنك لو قلت: (مُوْ لَِينَا) انصرف الذهن أن المنفي مذكر، ولا يجوز أن تسنعمل هنا (مُوْ) حتى لو جئت بعدها بضمير شأن منفصل مؤنث ولا (مِيْ) أيضاً، وإنما يجوز ذلك إذا جاء بعدها اسم موصول صلته فعل ماض أو نحوه، وهنا يلزم أن تقول: (مُوْ هِيْ اللِّيْ رَاحَتْ)، و(مُوْ هِيْ اللِّيْ رَايْحَهْ)، كما يصح أن تقول: (مِيْ هِيْ اللِّيْ رَاحَتْ)، ولا تصح الثانية، وأنت تلاحظ أن هذا الأسلوب مختلف عن الأول تماماً، وهما يسبقان الاسم، والضمير الحرف وغيره، بدون فاصل، إلا مع الفعل الماضي فإنه يلزم فصلهما عنه بضمير منفصل، ولا يجيء في جملتهما من الموصولات إلا اسم الموصول (اللي)، أَمَّا (مَهِيْ) فيصح استخدامها في الجمل الاسمية التي يراد منها نفي المؤنث، فيقال: (مَهِيْ رَايْحَهَ)، (مَهِيْ اُخْتِيْ)، (مَهِيْ لَِينَا) إلخ.. ما لم يكن في الجملة اسم موصول، أو صلته من فعل أياً كان نوعه ماضياً أو مضارعاً أو أمراً.

ومما يدخل في هذا الباب الأدوات الأربع الآتية:

* (مَافِيْ): وهي مؤلفة من (ما) النافية وحرف الجر (في)، والمجرور محذوف تقديره الحيز الذي يحوي الشيء، وقد تأتي بصورة: (مافِيهْ) والهاء للإشارة إلى ذلك الحيز، والأصل: (مَا فِيهْ شِيْ).

* (مَامِنْ): وهي مؤلفة من (مَا) النافية وحرف الجر (مِنْ)، والمجرور محذوف تقديره (شيء)، ومنه قول الحاج أحمد الكوفي من القطيف: (سَمَچْ الصَّافِيْ عَلَىْ افْنَعْشَرْ وْهَمْ بَِيزَاتْ مَا مِنْ).

* (مَاكُوْ): وقد تحدثنا عنها في الحلقة السادسة من هذا البحث.

* (مَامِيشْ): المنحوتة من (ما) النافية وحرف الجر (مِنْ) و(شِيْ) (شَيء)، والياء حادثة فيها من إطالة كسرة ميم من القصيرة، فتحولت الكسرة طويلة (ياء)، ومنه قول الشاعر الكويتي مرشد البَدَّالِيْ: (وْغَِيرُِكْ تَرَىْ لَمْعَذَّبْ الْگَلْبْ مَا مِيشْ)، وكل هذه الأدوات الأربع معناها: لا يوجد، وتستعمل بهذه الصورة لجميع الأحوال: المذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، والحاضر، والغائب.

لا النافية للجنس

ولا تستعمل هذه الأداة بلفظها إلا إذا تكررت، يصدق عليها كثرة استعمالهم لها بهيأتها هذه، ويشهد بذلك أقوالهم السائرة التي استطالت كثرة التي منها: (لا هِجَّا وَلا مَدِيحَهْ)، و(لا صَُوتْ وَلا صَلَّة)، و(لا عَِينٍ تَرَىْ وَلا گَلْبٍ يِحْزَنْ)، و(لا أَرْضٍ رَدَّتْ بَدُرْهَا وَلا رَبَّحَتْ رَاعِيهَا)، ولا تستعمل منفردة إلا في ما نقل عن أصله من اللغة مثل: (لا إله إلا الله)، و(لا باس)، لذا تنوب عنها في هذه الحالة أدوات أخرى مثل: (مَافِيْ) المتقدمة وأخواتها، ومثالها على (مَافِيْ): (مَا فِيْ أَحَدْ في الدار) أي: لا أحدَ في الدار، وقد تنوب عنها (ما) وحدها نحو: (مَاحَدْ عَلَِيهْا مِسْتَرِيحْ).

وسائل الاحتمال والتبين

وسائل الاحتمال:

* (رُبَّمَا): وأكثر ما تستعمل في الأسلوب المفصح نحو: (اسْأل فْلانْ رُبَّمَا يْكونْ عِنْدِهْ عِلْمْ)، وقد تنوب عنها (چُودْ) الآتية نحو: (چُودْ هُوْ هْناَكْ) أي: قد يكون هناك، و(چُودْ أَنَا سَافَرْتْ گَبِلْ مَتِعْطِينِيْ إِيَّاهْ) أي: ربما أكون قد سافرت قبل أن تعطيني إياه.

* الفعل المضارع (يِمْكن): وكثيراً ما تنطق ياؤه بسكون مائل نحو الكسر لمحاً لصوت الياء أي: بصورة: (اِمْكِنْ) نحو: (اسْألْ فْلانْ يِمْكِنْ (اِمْكِنْ) عِنْدِهْ عِلْمْ).

* حرف الشرط (إذا): في موارد خاصة نحو: (اسْألْ فْلانْ إِدَا عِنْدِهْ عِلْمْ)، أي: ربما يكون...

* (بَلْكَتْ): وهي من أدوات الربط في اللغة الفارسية، وأصلها: (بَلْكَه) بمعنى: (ربما)، و(بل)[9] ، وهي أيضاً شائعة في كلام البلاد العربية المقاربة، ومنه قول الشاعر البحراني عطية بن علي:

نَُوبْ العَِيشْ نَُوبْ الشَّكَرْ نَُوبْ الچَايْ

بَلْكَتْ عُگُبْ هَايْ نْضُوگْ حَلْوَايَهْ[10] 

* (عَفُرْ): وتقابل: (أظن)، و(ربما)، و(بَلْكتْ) المتقدمة، وأصلها في ما يبدو: (أَثَرْ)، بالمقارنة مع لهجة بلد مقارب وهو الأحساء، أبدلت همزتها عيناً، وثاؤها فاءً، وهذا الإبدال تقدم الكلام عنه في الحلقة الأولى من هذا البحث[11] ، ولا تأتي إلا جواباً على سؤال، كأن يسأل شخص: (فْلانْ هْنِيْ (هْنَا)، فإذا كان المسئول لا يعلم قال: (عَفُرْ طَلَعْ)، أو (عَفُرْ هْنيْ (هْنِا)، أو (عَفُرْ).

* الفعل (خاف) ومضارعه: قد يفيد ذلك في بعض الأحيان، ومثاله: شخص يريد أن يرفع شيئاً ثقيلاً، وأنت تشك في مقدرته فتقول له: (أََخَافْ مَا تِگْدَرْ)، أي: من المحتمل أنك لا تقدر.

* كلمة (بِنَا): المسبوقة بحرف الجر (في) يأتي بعدها ضمير متصل، والبناء هو الحدس والتخمين نحو: (أَنَا مَا گِلْتْ لُِكْ فِيْ بِنَايِيْ انْتَ تِدْريْ)، أنا لم أقل لك لاعتقادي أنك تدري.

* عبارة (فِيْ ضَنَّة خَاطرْ): مضافاً إليها ضمير متصل نحو: (أَنَا مَا گِلْتْ لُِكْ..فِيْ ضَنَّةْ خَاطْرِيْ انْتَ تِدْريْ)، والمعنى للثنتين: أنا لم اقل لك لأني بنيت أو تهيأ لي أو خمنت أنك تدري.

كلمة (شَُوفَةْ): وهي هنا بمعنى الرؤية القلبية، ومن أناشيد الأم للطفل في البحرين:

يَأشُرْ إِلِيْ بِعْوَِينَتِهْ

يَبِّيْ الحْليبَهْ شَُوفَتهْ[12] 

وهي تختلف باختلاف ما يأتي بعدها، فإذا جاء بعدها فعل مثبت كإذا قيل: (شَُوفَتْكْ بِتْروحْ) كانت تعني قوة احتمال حدوث الشيء، أما إذا جاء بعدها فعل منفي مثل: (شَُوفَتْكْ مَا بِتْرُوحْ) كانت تعني ضعف احتمال الفعل، وتقليل حدوثه، أما إذا جاء بعدها اسم سواء كان مسبوقاً بأداة نفي مثل: (مُوْ)، أو (مِيْ) ونحوهما) فهي للاحتمال المطلق.

* الفعل (چَانْ) (كان): المتبوع بـ(اِلَّا) ويفيد غالباً رجحان الجانب غير المرغوب، أو بُعد حصوله، وربما كان أصل العبارة: (إِنْ كَانْ اِلَّا) وحذفت (إنْ) للتخفيف، وتأتي في معرض السؤال نحو: (بَارُوحْ إلى فْلانْ)، فيقال له: (چَانْ الا مَا تِلْگَاهْ)، أي: ربما، أو لعلك لا تلقاه.

* اسم الفاعل (بَايِنْ): يأتي بعده حرف الجر (على) وضمير متصل حسب واقع الحال نحو: (بَايِنْ عَلَِيكْ مَانْتْ رَايِحْ)، أي: في ما يبدو أنك لن تذهب.

* اسم الفاعل (الضاهر) (الظاهر): كأن يسأل شخص: (فْلانْ هْنِيْ (هْنَا)، فإذا كان المسئول لا يعلم قال: (الضَّاهُرْ طَلَعْ)، أو (الضَّاهُرْ هْنِيْ (هْنَا)، وإذا كان السؤال لطلب التأكد نحو: (فْلانْ هْنِيْ (هْنَا) مُوْ؟، أو وَِيشْ؟)، فربما قيل له: (الضَّاهُر)، وإذا كان الاحتمال ضعيفاً فيقال له: (مَا الضَّاهُرْ)، أو (مَا أَضِن هْنِيْ (هْنَا)، أي: ما أظنه هنا.

* الفعل (يِتْراوَى): بمعنى: يتراءى ويتهيأ نحو: (يِتْرَاوَى لِيِّي مَا هُوْ زَِينْ)، أي: يتهيأ أو يتصور أو يتراءى لي أنه غير طيب.

* كلمة (بَلا): المضافة إلى ضمير متصل مناسب للمعنى، كأن يمدح شخص آخر فيرد عليه صاحبه: (بَلاكْ مَا تْعُرْفُِهْ يُومْ تمدَحِهْ)، أي: في ما يبدو أنك تجهل حقيقته، أو: العلة في مدحك له هو جهلك بحقيقة أمره.

وقد تقدمت طائفة أخرى من أشكال الاحتمالات في الحلقة السابقة من هذا البحث في باب أفعال الشك والظن واليقين مثل: (ضن)(ظَنَّ)، و(حَسَبْ)، أو (حَسَّبْ)، و(أمَّلْ) و(فَكَّرْ)، و(حَسْبَالْ)، و(عَمْبَالْ)، و(هَكَّى).

وسائل التبين:

* (عَفَارِيْ): وتأتي بمعنى: (تبين)، أو (ترى)، وأصلها في ما يبدو: (أَثَارِيْ)، بالمقارنة مع لهجة بلدين مقاربين وهما: الأحساء، والعراق أبدلت همزتها عيناً، وثاؤها فاءً، وهذا الإبدال ظاهرة معروفة تقدم الكلام عنها في الحلقة الأولى من هذا البحث[13] ، ومنه قول الشاعر:

أَثَارِي الأُبُوْ يَا نَاسْ خَِيمَة

يْفَيِّي عَلَى عْيالِهْ وْحَرِيمِهْ

وقول الشاعر علي مهدي الحمادي من البحاري بالقطيف:

گَاعِدْ يْدَوُرْ لِهْ عَلَى بْنَيَّهْ صَغِيرَهْ

غَايُرْ مِنْ أَوَلادِهْ أَثَارِيهُمْ مْعَرْسِينْ

وهي تقبل إضافة الضمائر إليها فيقال: (عَفَارِيكْ)، (عَفَارِيشْ)، (عَفَارِيه)، (عَفاَرِيهُِمْ)، (عَفَارِيكُِمْ)، الخ... ولا يصح أن يقال فيها: (عَفَارِيِّي)، و(عَفَارِينَا) لأن المتكلم متيقن ويعرف ما في ضمير نفسه، وإنما تقال عن الآخرين لعدم التيقن؛ وقد تفيد التعليل كما وردت في بيت الشاعر الحمادي، والأصل: لأنه رأى أولاده في ما يبدوـ متزوجين فغار منهم؛ وقد تفيد الاحتمال المرجح بمعنى: (لعل) نحو: (عَفَارِيكْ هَِيسْ وُاحْنَا مَا نَدِرِيْ؟).

* (عَجَلْ) (عَيَلْ): نحو: (عَجَلْ (عَيَلْ) مَا رُِحْتْ لِهْ)، أي: أفهم من كلامك أنك لم تذهب إليه، وأسلوبها والأدوات التي بعدها أسلوب استفهام تقريري.

* (يْكُونْ) نحو: (يْكُونْ انْتَ مَا رُِحْتْ لِهْ)، ويجب أن يكون الأسلوب إنشائياً، لأنه إذا كان استفهامياً يعني أن المتكلم شاك، وبالتالي فإنه يفيد الاحتمال، أما أداؤه هنا فهو كسابقته، ولكنه يختلف عنها بالضمير المنفصل الذي بعقبه على الأكثر للتأكيد، وقس عليهما الفعل (يعني)، ولفظة (خَُوبْ) التي سنتحدث عنها بشكل مفصل في مكان آخر فهذا أحد أماكن إيرادها.

(أَنْ) المصدرية وأخواتها

وهي التي تسمى في كتب النحو بالأحرف الناصبة التي تسبق الفعل المضارع، وقل منها ما هو موجود في اللهجة بلفظه المستعمل في اللغة، ومنها ما لا وجود له أصلاً، وإنما تنوب عنه أدوات وأحرف أخرى، وهي على النحو التالي:

* (أَنْ): وقلما ترد بلفظها في اللهجة، وغالباً ما يتم الاستغناء عنها فتحذف، وهذا الحذف له أصل قديم فهو لغة فاشية في الحجاز يقولون: يريدُ يفعلُ، قال ابن الأثير: (وما أكثر ما رأيتها واردة في كلام الشافعي)[14] ، أما الدكتور أنيس فريحة فيرى أن هذا الحذف من أصول اللغة السريانية، فعندما يقول اللبناني: (بَحِبْ أَشْتَغِلْ)، و(بَرِيدْ آكُلْ)، و(لَازِمْ يِجِيْ)، فإن حذف (أن) التي تتوسط بين الفعلين متأثر بالتركيب السرياني[15] ، وقد تنوب عنها (مَا)، أو (لا) عندما يكون في الجملة ظرف مثل: (گَبِلْ) (قبل)، أو (بَعَدْ)، أو (عُگُبْ) (عقب)، ومثاله على الأول: (بَارُوحْ گَبِلْ لا يْجِيْ)، أي: سأذهب قبل أن يأتي.

* (حتى): وهي الأداة الأكثر استعمالاً بلفظها في اللهجة بعد (إلا)، وقد ينيبون عنها حرف الجر (على) المتبوع بـ(ما) المصدرية، ومنه قولهم السائر: (عَوِّدْ الأَبْدانْ عَلَى مَا تِعْتَادْ)، أي: حتى تعتادَ، أو إلى أن تعتادَ، وقد ينوب عنها لفظ الجلالة (الله) المسبوق بياء النداء نحو: (يِبْغَىْ لِهْ مُدَّهْ يَا اللهْ يِنْشَفْ)، أي: يحتاج إلى مدة طويلة حتى يجف.

ولـ(حتى) هذه استعمالات أخرى في اللهجة منها:

1ـ مجيئها في مقابل (بَلْ) نحو: (فْلانْ مَا سَكَتْ عَنِ الْمَوْضُوعْ حَتََّى رَاحْ لِهْ)، أي: أن فلان لم يسكت عن الموضوع بل ذهب يجاهد دونه.

2ـ بمعنى لام الأمر المسبوقة بواو العطف، أو كلمة (لَكَ)، وهي التي تأتي قبل فعل الأمر (اسأل)، ومثاله شخص يطلب من آخر أن يسعى له في قضاء مهمة ثم رجع ولم يفلح، وهو يتهمه أنه لم يذهب، ولم يهتم بالموضوع، فيقول له: (انْتَ لا رُِحْتْ لِه وَلا شِيْ)، فيقول: (وَاللهْ رُِحْتْ لِهْ، حَتَّى اسْأَلْ فْلانْ)، أي: قد ذهبت إليه ولك أن تسأل فلان، أو لتسأل فلان.

3ـ حرف جر بمعنى (إلى) نحو: (مَشَِيتْ حَتَّى آَخَر ْالطَّريِگْ)، أي: إلى.

4ـ حرف ابتداء نحو: (حَتَّى انْتَ تْسَوِّيْ هَالْفِعِلْ)، وهو على ما جاء في قول الفرزدق:

فواعجباً حتى كليب تسبني

كأن أباها نهشل أو مجاشع[16] 

وتنوب عنها في هذا المقام (لا) النافية المسبوقة بواو العطف أو الربط ذات الاستعمال المتعدد، والذي يحدد مدلولها وأداءها هو شكل الجملة وأسلوب الكلام، ولكي تكون بهذا المعنى فيشترط أن يكون الكلام بأسلوب التساؤل الإنكاري، وأن تتبع الجملة كجملة: (وَلا مَيِّتْ مْنْ الْجُوعْ) بجملة أخرى مثل: (يْسَوِّيْ چِدِيْه) فتكون الجملتان هكذا: (وَلَا مَيِّتْ مْنْ الْجُوعْ يْسَوِّيْ چِدِيهْ؟)، والمعنى الإجمالي: وحتى ميت من الجوع لا يفعل مثل هذا الفعل.

5ـ حرف عطف نحو قولهم السائر: (حَتَّى الْمَتُوتْ نِعْمةْ اللهْ)، أي: والمتوت (نوع من السمك متدني الجودة) كذلك نعمة الله، وهذه الأغراض الثلاثة الأخيرة موجودة في اللغة بصورها هذه.

* (إذاً)، أو (إذن): التي هي في اللغة حرف نصب وجواب وجزاء متصلة بالفعل على أن يكون مستقبلاً نحو: سأدرس إذن تنجح فهي مستعملة بلفظها في لهجة ذوي الانتماء القبلي، وبالدال في لهجة الغالبية، واستعمالها قليل، وإنما تنوب عنها ألفاظ وأدوات أخرى مثل: (خَُوبْ) الفارسية التي تعني (حسناً)، أو (طيباً)، ولها استعمالات أخرى متعددة ومنها الاستعمال في هذا المقام نحو: (خَُوبْ مَا رُِحْتْ لِهْ؟) أي: إذاً ما رحت له، أو الأداة (انْزَِينْ) المنحوتة في ما يبدو من (إنه زين) بنفس المعنى نحو: (انْزَِينْ شْرَايُِكْ فِيهَا)، أي: إذاً ما رأيك فيها؟ وقد تنوب عنها لفظة (خَلاصْ) نحو: (بَارُوحْ المكانْ الفُلانِيْ وَِيشْ رَايُكْ؟)، الجواب: (خَلاصْ بَارُوحْ وِيَاكْ)، أي: إذن سأذهب معك، وتنوب عنها كثيراً: (عَجَل)(عَيَلْ) التي أصلها (أجل) نحو: (بَارُوحْ الْمَكَانْ الفُلانِيْ وَِيشْ رَايُكْ؟)، الجواب: (عَجَلْ (عَيَلْ) بَارُوحْ وِيَاكْ)، وقد تأتي في مقدمة الجواب بصيغة السؤال لتبرير الفعل نحو: (لَِيشْ ضَرَبْتِهْ؟)، الجواب: (عَجَلْ لَِيشْ يِتْگَولْ عَلِيِّي؟)، أي: إذن لماذا يتقول علي؟ كما تنوب عنها أداة التنبيه (إلَّا) نحو: (الَّا جَاسِمْ وَِينِهْ؟) أي: إذن أين جاسم؟ كما ينوب عنها الظرف (بَعَدْ) محرك العين بالفتح، ومثاله شخص يسألك: (فْلانْ هْنِيْ مُوْجِدِيْ؟) أي: فلان هنا أليس كذلك؟ فتقول له: (بَعَدْ لَِيشْ تِسْأَلْنِيْ)، أي: إذاً (إذن) لم تسألني؟.

أما البقية التي لا وجود لها في اللهجة بلفظها، وإنما تنوب عنها أدوات أخرى فهي:

* (لكي)، ولام التعليل: وتنوب عنهما لفظة (عَلَشَانْ) المنحوتة من حرف الجر (عَلَى)، و(شَأْنْ) بمعنى: (لأجْل) نحو: (بَاجِيْ عْلَشَانْ أَشُوفُِكْ)، أي: سآتي لكي أراك، أو لأراك، غير أنه إذا جاءت بعدها أداة الشرط (إذا) فهي في هذه الحالة بمعنى: (حتى إذا) نحو: (عُطْنِي الأَوْرَاگْ عَلَشَانْ إدَا جَا رَاعِيهُِمْ يِسْأَلْ عَنْهُِمْ أَعْطْيهُمْ إيَّاهْ)، أي: أعطني الأوراق حتى إذا جاء صاحبها يسأل عنها أعطيته إياها، كما تنوب عنهما لفظتا (لَجِلْ) (لأجل)، و(حَگْ)(حَكْ) أي: حق، نحو: (جَا لجَِلْ يْشُوفْنَا)، و(جَا حَگْ يْشُوفْنَا)، أي: جاء لكي يرانا، أو ليرانا، وقد ينوب عنها الفعل (چَانْ)(كان) المتقدم، كما ينوب عن (ربما)، و(لعل)، ومنه قول بعض السيدات من البحرين:

حَِيفْ مَا عِنْدِي صَدِيگَة

چَانْ تُعْطِينِي وْرَِيگة[17] 

أي: حيث ليس لي صديقة لربما تعطيني وريقة، أو لكي، أو حتى تعطيني وريقة، كما تنوب عنهما (حتى) نحو: (صِيرْ آَدَمِي وْخَيُّرْ حَتَّى تِتْوَفَّگْ)، أي: لكي تتوفق، أو لتتوفق.

* (لن): وتنوب عنها (مَا) النافية المتبوعة بـ(باء) الاستقبال بصورة: (مَابـ) نحو: (مَا بِيرُوحْ) أي: لن يذهب، وبما أن (لن) تفيد نفي حصول الفعل في المستقبل، و(مَا) تفيد النفي المطلق والباء تفيد الاستقبال في اللهجة فإن الجمع بينهما يؤدي الغرض التي تؤديه (لن) وحدها، كما تؤديه عنها الأداتان: (مُوْ) (مَهُوْ)، و(مِيْ) (مَهِيْ) يأتي بعدهما اسم فاعل، جعلت الأولى لنفي الفعل من المذكر الغائب، والثانية لنفي الفعل من المؤنثة الغائبة فقيل: (مُوْ رَايِحْ)، و(مِيْ رَايْحَهْ)، أي: لن يذهب، ولن تذهب، كما تنوب عنها (ما) النافية المتبوعة بأحد الضمائر المنفصلة نحو: (مَا هُِمْ جَايِّينْ)، أي: لن يأتوا، ولا يأتي ضمير شأن مع الأداتين المتقدمتين (مُوْ) و(مِيْ) إذا أريد منهما معنى (لن)، لأنه لو جاء بعد إحداهما ضمير شأن ستعطيان معنى (ليس)، وليس (لن).

* (لكيلا)، و(لئلا): وتنوب عنهما (عَنْلا) نحو: (غَطُّهْ عَنْلا يْطُبُّوا فِيهْ الدَّوَابّ)، أي: غطه لئلا تقع فيه الحشرات، وقد يتصور الناظر إليها لأول وهلة أنها مؤلفة من حرف الجر (عَنْ)، و(لا) النافية، ولكن الاحتمال الأقوى أن (عَنْ) هذه إنما هي (أَنْ) المصدرية وتحولت همزتها إلى عين تبعاً لظاهرة العنعنة كما بينته في الحلقة الأولى من هذا البحث، ذلك أن (لئلا) بالذات إنما هي في الأصل (أَنْ) المصدرية المسبوقة باللام السببية والمتبوعة بـ(لا) النافية، واستعمال (أَنْ) هذه في مقام (لئلا) أمر كثير الحدوث في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلِّوْا[18] .

 أي: لئلا تضلوا، وقول عمرو بن كلثوم:

نزلتم منزل الأضياف فيها

فعجلنا القرى أن تشتمونا

يريد: لئلا تشتمونا فجاءت (أَنْ) بمعنى (لئلا)[19] ، كما تنوب عنهما (لا) النافية وحدها، ومنه قولهم السائر: (بَاعِدْ اللَّحِمْ عَنْ اللَّحِمْ لا يْخِيسْ)، ومثله وارد في اللغة، ومنه قول الشاعر الفرزدق:

فقلت ارفعوا الأسباب لا يفطنوا لنا

ووليـت في أعـجاز ليـل أبادره[20] 

وقول الشيخ عبدالله الذهبة الخطي:

الله يا هاشم في مجدكم

لا يغتدي بين البرايا هبا[21] 

وقد تنوب عنهما لفظة (تَالِيْ)، و(بَعْدَِينْ) المسبوقة بـ(لا) نحو: (لا تْرُوحْ لِهْ تَالِيْ (لا بَعْدَِينْ) يِضْرُبْكْ) أي: لكيلا، أو (لئلا... وكذا (عَلَشَانْ) المتقدمة المتبوعة بـ(لا) النافية نحو: (تْحَاسَبُوا زَِينْ عَلَشَانْ لا تِخْتِلْفُوا (لا تِخْتِلْفُونْ)، أي: تحاسبوا جيداً لئلا، أو لكيلا تختلفوا.

* ومما يدخل في هذا الباب (إلينْ) المتقدمة التي تجيء بمعنى (حتى)، أو (إذا)، وإنما يتحدد المقصود منها بالنظر للفعل الذي بعدها، فإذا كان مضارعاً لم يسبق بـ (باء) الاستقبال فغالباً بل واقعاً ما تعني: (حتى) نحو: (اگْعِدْ الَِينْ يْجِيْ) أي: اجلس حتى أو إلى أن يأتي، أما إذا جاء بعدها مضارع مسبوق بـ(باء) الاستقبال، أو ماض فهي تعني واقعاً: (إذا)، ويلاحظ أن (إلَِينْ) (لَِينْ) التي بمعنى (حتى)، أو (إلى أن) لا تأتي إلا في وسط الجملة، كما أنها لا يحذف منها شيء، ومع أنها تحل محل (حتى)، فإن مقامها محدود بالغاية، ولا تصلح مثلها للتعليل أو السبب فلا يقولون: (جِيتْ إلَِينْ (لَِينْ) أَشُوفُِكْ) في حين أنهم يقولون: (جِِيتْ حَتَّى أَشُوفُِكْ).

أدوات الاستثناء

أداة الاستثناء الرئيسية التي عليها المعول في اللهجة هي (إلا)، وإذا سبقها حرف عطف، أو اتصلت بما قبلها من الكلام تحولت همزتها إلى همزة وصل نحو قولهم السائر: (وِالَّا فْلانْ مِنْ صَِيدْ أَمْسْ)، وقد تنوب عنها (لا) النافية المسبوقة بحرف العطف الواو كما في قولهم السائر: (كِلْ شِيْ يْهُونْ وَلَا عَمَى لِعْيُونْ)، أي: إلا عمى العيون؛ كما قد تنوب عنها: (بَسْ) الفارسية فيقال: (كِلْهُِمْ جَوْ بَسْ فْلانْ مَا جَا)، أي: كلهم جاءوا إلا فلاناً فإنه لم يأتِ، وقد يكون الأسلوب هكذا: (كَلْهُِمْ بِيْرُوحُوا بَسْ احْنَا الَّلا مَا احْنَا رَايْحِينْ)، أي: كلهم سيذهبون إلا نحن فإننا لن نذهب؛ وقد تنوب عنها (لَكِنْ) مخففة النون، و(بَعَدْ)(بَعْد) نحو: (كِلْهُِمْ جَوْ بَسْ مْحَمَّدْ مَا جَا)، و(كِلْهُِمْ جَوْ بَعَدْ مْحَمَّدْ مَا جَا)، أي: كلهم قد أتوا إلا محمداً فإنه لم يأتِ، وهي في الأصل للاستدراك، ولكنهما هنا للاستدراك المقرون بالاستثناء، شأنهما شأن: (بَسْ) الفارسية؛ هذا بالإضافة إلى بقية أدوات الاستثناء الأخرى مثل:

* (حاَشَا): وهي لا تستعمل في مقام الاستثناء وإنما في مقام التنزيه والإجلال الذي هو أحد دواعي استعمالها في اللغة، يصدق على ذلك استعمالهم المطرد لها في هذا المقام، فعندما يضطر المتحدث إلى ذكر كلمة نابية مبتذلة، أو شيء مستهجن تنبو عنه الأسماع ونحوه في مجلس محترم المقام يقرن ما يضطر إلى ذكره بإحدى العبارات التالية مثل: (حاشاك)، أو (حَاشَا السَّامْعِينْ)، أو (حَاشَا مِنْ يِسْمَعْ)، كعندما يأتي شخص من الحمام ويسأله آخر: (مِنْ وَِينْ جَايْ (يَايْ؟) يقول: (جَايْ (يَايْ) حاشاك مِنْ (الحمَّامْ)؛ وقد تنوب عنها أحياناً: (جَارُِكْ اللهْ)، لأن معنى جارك الله وحاشاك: جنبك ونزهك، ومنه القول السائر شعراً:

جَارْكْ اللهْ مُخْتِرِشْ

شَهْرَِينْ مَا يْكِدْ لِهْ قُرِشْ

وقد وردت في شعر الشيخ جعفر الخطي المتوفى سنة 1028 هـ حيث قال:

الله جارك هل رأيت منازلاً

عطلت فحلتها عقود الأدمع[22] 

وإن جاءت في بعض النصوص في مقام الاستثناء نحو: (حَاشَا لَجْواد وعْبادَ اللهْ الصَّالْحَة) لاستثناء القلة من الأكثرية الفاسدة، فإنها أيضاً تعني التنزيه والإجلال؛ كما تورد لتبرئة شخص وتنزيهه، مما اتهم به أو بهت بما ليس فيه، فعندما يقول شخص: (فْلانْ يِتْهَمْنِي بِكَذا وَكَذَا، أَنَا فِيِّي (فِِينِي) هَالسَّوالِفْ؟)، والقائل بريء من ذلك فيقال له: (حَاشَاكْ)، وهذا يذكرنا بقوله تعالى: ﴿قُلْنَ حَشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ[23] ، ومنه قول الشاعر العراقي الحاج هاشم الكعبي:

ألمحنة شغلتك عنا أم قلى

حاشاك إنك ما برحت ودودا[24] 

وتأتي أحياناً بلفظ (حَشَا) (حشى)، وهذه الصورة قديمة، وهي لغة فيها، ومنه قول الشاعر:

حشى رهط النبي فإن منهم

بحوراً لا تكدرها الدلاء[25] 

وتستعمل في اللهجة للتنصل من عمل أو قول اتهم به شخص فيقول هذا الشخص في هذا المقام: (حَشَا وَاللهْ يَا فْلانْ (يَبُوْ فْلانْ) الشَّاهِْدْ اللهْ (يِشْهَدَ اللهْ) عَلِيِّيْ أَنَا مَا صَدَرْ مِنِّيْ هَالْكَلامْ (هَالشِّيْ)، أو الاعتذار عن عمل أو رفضه، كأن يطلب شخص من آخر أن يأخذ ثمن ما اشتراه، وهو يرفض أن يأخذه، ويصر على ذلك يقول: (حَشَا أو حَاشَا (حَشَا) وَاللهْ مَا أَخَدْتِهْ) (مثلاً)، وقد تأتي في معرض الاستنكار والاستغراب نحو: (حَشَا.. عَسَى مَا وَاحِدْ يْگُولْ شِيْ إلا أَكَلْتُوهْ!).

* (غير): ولها في اللهجة وجهان مختلفان، فإذا جاءت في الاستثناء المثبت فإنها تؤدي معنى (بيد أنَّ)، وفي الكلام المنفي تؤدي معنى (إلا)، وقد تنوب عنها (كُودْ)، كما تنوب عن (لكن)، و(ربما) وقد تأتي بصورة (چُودْ)، وهي محصورة بلهجة ذوي الانتماء القبلي في الزور ودارين، وبعض نواحي الخليج، ومنه قول الشاعر العماني الحميدي بن منصور:

مَا يِنْفَعَكْ فِيْ زَمَانِكْ

كُودْ النَّخَلْ وَالزِّرَاعَهْ[26] 

يريد: غير النخل والزراعة، أو إلا النخل والزراعة.

من الأولى ألا تستعمل (غير) في الاستثناء المثبت إذا قصد منها معنى (إلا) وأشباهها من أدوات الاستثناء، حينما يكون المستثنى منه والمستثنى اسمين ظاهرين فلا يقال: (حَضَرَوْا النَّاسْ غَِيرْ فْلانْ مَا حَضَرْ)، لئلا يلتبس المعنى من أن الناس كلهم جاءوا، وفي نفس الوقت يكون المعنى أن الذي حضر هو فلان وحسب ولم يحضر أحد غيره، وهذا تناقض في المعنى، إلا أن تأتي بالمستثنى منه وتقطع الكلام، أو تشير إلى فصل الكلام عن طريق نبرة الصوت، كأن تقول: (كِلْهُِمْ حَضَرَوا.. غَِيرْ فْلانْ مَا حَضَرْ)، ويستعين المستعملون للاحقة (اه) بتحديد المؤدى بها كما سبق بيانه في الحلقة العاشرة من هذا البحث(27)، أو تأتي بضمير منفصل والاسم الموصول (اللِّيْ)، وقد يكتفى بهذا الاسم، فتقول: (حَضَرَوا النَّاسْ غَِيرْ فْلانْ هُوْ اللِّي مَا حَضَرْ)، أو (كِلْهُِمْ جَوْ غَِيْر فْلانْ اللِّي مَا جَا (يَا)، ليتحقق الفصل بين الأسلوبين، ويتضح القصد والمعنى.

* (ولاسيما): واستعمالها قليل، وأكثر ما تأتي مستعملة بلفظها في الأسلوب الذي ينحو منحى الفصيح، وقد تستعمل بصورة: (وامَّا سَيْ)، وربما كان أصل الأخيرة، (وإنْ مَا سَيْ)، وهي لا تستعمل في اللهجة للاستثناء، وإنما للتخصيص، ولذا تنوب عنها لفظة: (خُصٍّ)، و(بِالأخَصْ)، و(بِالْخُصْ)، و(خَاصَّةً) و(بِالدَّاتْ) (بِالذَّاتْ)، و(خْصُوصَهْ) التي هي في الأصل كما يبدو (خصوصاً) والهاء حادثة من فتحة الصاد، ومنه قول بعض السيدات من المنامة البحرين:

خْصُوصَهْ يَا خْتِيْ مْنْ الغَبْشَهْ

سَاهْيَهْ وِكِلَّهْ أَفَكُّرْ[28] 

أو لفظ (خُصَّه)، ومنه الشعر الدائر على ألسنة الناس:

شَرَّابْ التِّتنْ مَجْنُونْ

خُصَّهْ لَو اشْتَهَى الغَلْيُونْ[29] 

أو لفظ (مَخْصُوصْ)، ومنه قول الملا مهدي آل نتيف من الخويلدية بالقطيف:

والخَشِمْ مِثْلْ النَّارْ مَسْدُودْ المنَافِسْ

مَخْصُوصْ وَكْتْ النَِّومْ لَِيمِنْ جِيتْ أَبَانَامْ[30] 

أي: ولاسيما، أو بالأخص، أو على وجه الخصوص.

* (سوى): وتنوب عنها دائماً (غير)، وتقابلها في المعنى والمؤدى، بحيث لو قيل: (مَا حَدْ سَوَّاهَا غَِيرُكْ)، لربما يكون المقصود منها: (سواك) كما يقصد منها (غيرك) بعينها.

* (عدا)، و(خلا)، أو (ماعدا)، و(ماخلا): فهي غير معروفة في الكلام العادي، ومثلها (سوى) المتقدمة، وإن وجد شي من ذلك فهو محصور بالحديث الذي يقترب أسلوبه من الكلام الفصيح، كحديث لأديب أو متأدب أو متعلم ومن ينحو نحوهم.

* (بيد أن): ولا تستعمل مطلقاً، ويمكن أن تكون (عَلَى بِالزُّورْ) هي المرشحة لتنوب عنها في اللهجة نحو: (احْنا گِلْنَا لَهْ عَلَى بِالزُّورْ مَا هُوْ رَاضِيْ)، وقد تستعمل نيابة عنها (غير) يأتي بعدها فعل ماض، أو ضمير منفصل نحو: (غَِيرْ سَوَّاهْ فْلانْ)، أي: بيد أن فلان هو الذي صنعه، أو قام به هو فلان، كما تنوب عنها (دُونْ) العربية، و(خَُوبْ) الفارسية التي هي في الأصل بمعنى: (طيب)، أو (حسن) نحو: (دُونْ هُوْ مَا هُوْ رَاضَيْ)، و(خَُوبْ هُوْ اللِّي سَوَّاهَا) كما تنوب عنها (مَِيرْ) بميم مائلة الفتحة نحو الكسرة، وهي أيضاً محصورة بلهجة الجهات المذكورة عند الحديث عن (كُودْ) وقد سمعتها أيضاً من عنكي عليوي، نحو: (مَِيرْ الشَّكْوَىْ للهْ مَا بِاليَدْ حِيلَةْ)، أي: بيد أن الشكوى لله، كما تنوب عنها (لَكِنْ)، و(بَسْ) المتقدمتان يأتي بعدهما ضمير منفصل يمثل الضمير المتصل بـ(أَنَّ) المحذوفة نحو: (احْنَا گِلْنَا لِهْ لَكِنْ (بَسْ) هُوْ اللِّيْ مْو رَاضِيْ)، أي: نحن قلنا له بيد أنه...

* (ليس): وهي التي تستعمل كأداة استثناء وتنوب عنها في هذا الموضع كما تنوب عنها في غيره كما تقدم (مُوْ)، أو (مِيْ) نحو: (النَّاسْ الصَّالحينْ هُِمْ اللِّي يِدْخِلُوا (يْدِخْلُونْ) الجنَّهْ مُوْ الطَّالْحِينْ)، أي: أن الذين يدخلون الجنة هم الناس الصالحون وليس الطالحين؛ وقد تنوب عنها (عَجَلْ) (عَيَلْ) نحو: (هَادَا الشُّغِلْ العَّدِلْ عَجَلْ دَاكْ؟)، أي: هذا الصنع المعتبر ليس ذاك؟.

لا يجيء المستثنى بـ(إلا) في اللهجة ضميراً متصلاً فلا يقال: (إلاك)، أو (إلاه)، كما في اللغة، وإنما يجيء اسماً ظاهراً أو ضميراً منفصلاًَ، أما المستثنى بـ(غير) فيأتي من الجميع، لكن يختلف المعنى باختلاف المضاف إليها.

الاستثناء المنفي

الاستثناء المنفي في اللهجة يختلف في بعض النواحي عنه في اللغة، ومن هذه النواحي: أن المستثنى بـ(إلا) إذا كان ضميراً فيجب أن يكون المستثنى منه ضميراً أيضاً، ولا يكون إلا منفصلاً، فيما يكون الضمير الذي يمثل المستثنى منه متصلاً في الماضي، ومضمراً في المضارع يساويه في المعنى، وإذا كان الأول مخاطباً منفصلاً كان الثاني مخاطباً متصلاً، فيقال: (مَا جِيتْ إلا انْتَ) في الماضي، و(مَا تْجِيْ (مَا اجِّيْ) الا انْتَ) في المضارع، وهكذا دواليك، فيما يلزم أن يكون المستثنى بـ(غير) هنا ضميراً متصلاً إذا كان المستثنى منه اسماً ظاهراً إذا كان في الجملة فعل ماض مجرد من أي من الضمائر، فلا يقال: (مَا جَا أَحَدْ غَِيرْ انْتَ)، بل يقال: (مَا جَا أَحَدْ غَِيرُِكْ)، ولا يأتي المستثنى منه بـ(غَِيرْ) في هذا الباب ضميراً مستتراً مع الفعل الماضي فلا يقال: (مَا جَا غَِيرْ انْتَ)، فيما يجيء مع غيره كالظرف ونحوه نحو: (مَا عِنْدِيْ غَِيرُِكْ)، أي: ما عندي أحد غيرك.

حروف العطف

حرف العطف الرئيسي للهجة هو الواو، يأتي بعده في المنزلة (حتى)، وقد يقيمون حرف الجر (على) مقامه، ويشترط التجانس والمماثلة في الحالة بين المتعاطفين، ومثاله: شخص يصف مجموعة من المشار إليهم فيقول: (اِنْتَ عَلَى هَادَا، عَلَى هَادَا كِلْكُمْ مَا فِيكُِمْ فَايْدَهْ)، أي: كلكم أنت وهذا وهذا... وقد يستعمل في تعدد الأشياء، أو اختلاطها نحو: (مَرْ عَلَِينْا فْلانْ وِالا فْيَابِه مْصَبَّغَهْ أْحْمَرْ عَلَى أَزْرَگْ، عَلَى أََخْضَرْ)، وقد تعني هنا حرف الجر (في)، فيكون معناها: أحمر في أزرق في أسود، وقد ينوب عنه: (حتى)؛ أما بقية الحروف فاستعمالها متفاوت بين القلة والعدم، فـ(أو) استعمالهما قليل، و(أمْ) فلا تعرفها اللهجة بلفظها، وغالباً ما تنوب عنهما (لو)، وكذا (إلا)، الحاصلة من إدغام (إنْ) الشرطية في (لا) النافية، والذي يفرق بينهما الأسلوب، فإذا كان أسلوب استفهام كانا بمعنى: (أم)، وإذا كان أسلوب إنشاء فهما يعنيان: (أو) نحو: (تِبْغَى هَادَا لُو هَادَا؟)، أو (تِبْغَى هَادَا وَالا هَادَا؟)، ومنه قولهم السائر: (أَمَّا كِلِّهْ وَالا خَلِّه)، أي: أما كله أو خله، واللام في هذا القول من (والا) تنطق مفخمة كما لو كنت تقول: (والله)، ومن شواهده على إنابة (إلا) عن (أو) في اللغة قول المثقب العبدي أو سحيم بن وثيل:

فإما أن تكون أخي بصدق

فأعرف منك غثي من سميني

وإلا فاطـرحني واتخـذني

عـدواً أتقيـك وتتقـيني[31] 

ومنهم من يحلو له أن يقيم حرف الربط الفارسي (يا ويا)، أي: (إما.. وإما)[32]  مكانها، وهم الذين يميلون إلى تطعيم كلامهم بمفردات لم يتواضع عليها الغالبية استملاحاً وتميزاً.

* (بل): وتنوب عنه أداة الاستثناء (إلا)، كأن يتحدث شخص عن حدث مستغرباً منه فيقول له صاحبه: (چَانْ الا هَادِيْ بَسيطْ، إلا گُولْ..) أي: بل قل... وقد تجتمع معها (لا) النافية التي تجتمع مع (بل) في اللغة، وهي حرف نفي لتقوية الإضراب، ومنه قول الشاعر:

وجهك البدر لا بل الشمس لو لم

يقضَ للشمس كسفةٌ وأفولُ[33] 

ومثاله كمن قال لصاحبه: (الگَعْدَهْ مَرَضْ)، فأجابه: (الگَعْدَهْ (مَا هِيْ مَرَضْ) أو (هِيْ مَرَضْ وْبَسْ؟) (لا إلا مَُوتْ)، أي: لا بل هي موت، وقد تضمر ويكتفى بـ(لا) كأن يقول: (فَلانْ مُوْ رَايِحْ)، فيجاب: (لا، يْرُوحْ)، والأصل: لا بل يذهب، كما تنوب عنها أحياناً (عَادْ)، كأن يأتي شخص فيفتري عليك فتقول له: (لَا عَادْ گُولْ لَمُِّكْ)، أي: بل قل هذا الكلام لأمك، كما تنوب عنها (حتى) نحو: (فَلانْ مَا سَكَتْ عَنْ الْمَوْضُوعْ حَتَّى رَاحْ لِهْ)، أي: أن فلاناً لم يسكت عن الموضوع بل ذهب يجاهد دونه؛ وقد يضمر والجملة المعطوف عليها كما في بعض الجمل المبدوءة ببعض الأفعال مثل: (حَاوِلْ)، و(شُوفْ)، و(گُولْ)، ومثاله على الأولى: كأن يكسر أحدهم من عندك شيئاً فتقول له مستنكراً: (حَاوِلْ فِيْ غَِيرُهْ)، أي: لا تقف عند هذا الحد بل حاول في كسر غيره، وقد تنوب عنه الأدوات (خَُوبْ)، و(دُونْ)، و(غَِيرْ) في تفنيد الكلام كأن يقول شخص: (فْلانْ هُوْ اللِّي بَنَى اِلْمِسْجِدْ)، فيرد عليه: (فْلانْ مُوْ هُوْ اللِّي بَنَى اِلْمِسْجِدْ، غَِيرْ(دُونْ)(خَُوبْ) اللِّي بَنَاهْ فْلانْ)، أي: إن فلاناً ليس هو الذي بنى المسجد بل الذي بناه هو فلان.

قد يحذف حرف العطف استغناءً، وذا وارد في اللغة ومن شواهده قول أبي الحسن:

كيف أصبحت كيف أمسيت

مما يغرس الود في فؤاد الكريم

يريد: كيف أصبحت وكيف أمسيت ونحو قولهم: أكلت لحما سمكاً تمراً[34] .

وإذا كان حذف حرف العطف جائزاً في اللغة واللهجة أحياناً، فإنه يتعين أحياناً أخرى بقاؤه عندما يخاف اللبس في المعنى فيما لو حذف، أما الذي يحذف فهو الذي لا يؤثر سقوطه في المعنى، ومن المواضع التي يتعين فيها بقاؤه: في ما تكرر لفظه لئلا يلتبس المعطوف بالتوكيد اللفظي بحيث لو قلت: (فْلانْ فْلانْ) لربما توهم أنك تريد منه التوكيد، بينما أنت قد تريد العطف، كما يجب بقاؤه في الفصل بين الكلمات لئلا تتداخل حدودها كجملة: (لا يرحمك الله)، لئلا يتداخل الدعاء للشخص مع الدعاء عليه، فوجود حرف العطف يقف حائلاً دون ذلك.

* (لكن) المخفف النون: الذي يأتي للاستدراك نحو: (لا تِمْدحْ لَشْرارْ لَكِنْ لَخْيارْ).

* (لا): وهو الذي يأتي في اللغة لنفي الحكم عن المعطوف، وتنوب عنه الأداة (مُوْ)، أو (مِيْ) بحسب جنس المنفي نحو: (خِدْ هَادِيْ مُوْ دِيكْ)، أي: خذ هذه لا تلك.

* (ثم): وهو الذي يفيد في اللغة الترتيب مع التراخي، وليس له أثر إلا في لهجة ذوي الانتماء القبلي، ولا يستعملونه إلا في المعطوف مع لفظ الجلالة، وتنوب عنه في لهجة الغالبية لفظة (تَالِيْ) القديمة، أو (بَعْدَِينْ) المحدثة، أو لفظ الجلالة (الله) المسبوق بياء النداء وقد تسبقها واو الربط نحو: (گَعَدْنَا گَعَدْنَا (وْتَالِيْ) (وْبَعْدَِينْ)، (وَيَا الله) جَا (يَا)، على أن (تالي) لا يفهم منها التراخي بصورة مؤكدة إلا إذا سبقتها واو الربط، أما عند سقوطها فتفيد التراخي كما تفيد الترتيب والتعقيب، أما البقية من الوسائل المذكورة فإنها لا تفيد إلا التراخي، وقد تنوب الواو عنها عند ما يتكرر الفعل المعطوف عليه تكراراً لفظياً، نحو: (يِغُبْ يِغُبْ وِيْجِيْ) أي: ينقطع عن المجي فترة ثم يأتي، بشرط أن تكون الجملة فعلية فلا يقال: (حَسَنْ حَسَنْ وْصَالِحْ) ونحوه بمعنى: حسن ثم صالح.

* (الفاء): وهو الذي يفيد الترتيب، أو الترتيب والتعقيب، كما يفيد الربط، وليس له كذلك وجود، إلا في حديث من ينحو بكلامه منحى الفصيح، وغالباً ما يحدث هذا في حال قطع الكلام لفترة في حال استئناف الكلام بعد قطعه لغرض، أو عارض نحو: (رُِحْنَا لَفْلانْ وْفَعَلْنَا كَذَا وَكَذَا فَـ.. ويسكت ثم يواصل كلامه، أما إذا أريد التعبير عن الترتيب، أو الترتيب مع التعقيب فيلزم أنابة ظرف زمان مثل: (بَعَْدْ)، و(عُگُبْ)، أو (وَرَا)، أو (گَبلْ) عنه ثم الإتيان بالمعطوف، كأن تقول: (جَا فْلانْ عُگْبْ فْلانْ)، أما إذا أردت سبق المتعاطفين على الآخر فعليك أن تعكس الجملة السابقة فتصير المعطوف معطوفاً عليه، والمعطوف عليه معطوفاً، وتحذف الضمير المضاف إلى الوسيلة، لتقول: (جَا سَعِيدْ عُگُبْ مْحَمَّدْ) ليفهم من كلامك: أن محمداً جاء أولاً فسعيد ثانياً.

واو العطف تأتي في اللهجة تارة محركة بالحركات الثلاث، وتارة مبدوءة بالسكون، (السكون مائل نحو الضمة كما لو كنت تنطق (او) مضمومة الألف لمحاً لصوت الواو خصوصاً عند التأني في النطق).

من المواضع التي تكون فيها واو العطف محركة بالفتح:

(1) قبل كل كلمة تبدأ بهمزة تنطق همزة وصل مفتوحة عند عطفها بالواو نحو: (وَانَا)، (وَاحْسَنْ)، من: (أَنَا)، و(أَحْسَنْ)، أو التي تعامل مثلها كالمبدوءة بمدة نحو: (وَالْ) من: (آلْ).

(2) قبل (لا) الناهية، و(لا) النافية.

(3) كل ما نقل من اللغة إذا نطق على أصله نحو: (وَاللهْ)، (وَصَلِّ وَسَلِّمْ)، (وَعَلَيهْ الصَّلاة).

أما ضم واو العطف وكسرها فهما في الغالب غير واضحين، ولا مستقلين وإنما هما متداخلان، ومخرج الحركة الأولى مائل نحو الأخرى، أو متذبذب بين هذا وذاك فينطق على صور مختلفة، تارة مكسورة وتارة مضمومة وتارة بين بين، ومن المواضع التي يقع فيها مثل هذا:

(1) قبل الكلمة معرفة بـ(أل) التعريف مبدوءة بحرف صحيح نحو: (الليلْ) لتسمع: (وِالليلْ)، (وُالليلْ)، (وُِالليلْ).

(2) قبل الأداة (الا) لتسمع: (وِِالَّا)، (وُالَّا)، (وُِِالَّا).

(3) قبل الكلمة المتحركة في الأصل التي تنطق مبدوءة بالسكون في اللهجة نحو: (حْسَِينْ) التي أصلها (حُسَينْ) لتسمع (وِحْسَِين)، (وُحْسَِينْ)، (وُِحْسَِينْ)، ولكن في بعض الأحيان قد تظهر واو العطف مضمومة بضمة محققة غير مشابة بكسر نحو: (عْيُونْ) لتسمع: (وُعْيُونْ).

أما المواضع التي تكون فيها واو العطف مبدوءة بالسكون:

(1) قبل الكلمة التي تبدأ بمقطعين متتالين متحركين بفتح أو بكسر أو بضم، كما في: (حَسَنْ)، (حِزِنْ)، (خُوصْ) على التوالي، لتسمع: (وْحَسَنْ)، (وْحِزِنْ، (وْخُوصْ).

(2) قبل الكلمة المبدوءة بمتحركين متخالفين، كما في: (سَمِيرْ) لتسمع: (وْسَمِيرْ).

(3) قبل الكلمة التي تبدأ بواو متحركة بعدها حرف ساكن، كما في: (وَعْدْ) لتسمع: (وْوَعْدْ).

(4) قبل الكلمة المبدوءة بمتحرك بعده حرف لين، أو علة كالواو، أو الياء، سواء حققت الحركة على أصلها أم أميلت أو أشربت بصوت اللين، كما في: (بَِيتْ)، (فَِوگْ)، لتسمع: (وْبَِيتْ)، (وْفَََوگْ)، لأن حرف اللين في الأصل هنا ساكن.

(5) قبل الكلمة التي تبدأ بمتحرك، بعده ساكن نحو: (مَحْرُوسْ)، لتسمع: (وْمَحْرُوسْ).

في بعض الأحيان تكون واو العطف متذبذبة بين البدء بالسكون أو الحركة بحسب البداية للكلمة التي بعدها فتنطق على صورتين مختلفتين، تارة مبدوءة بالسكون وتارة متحركة، كما في (فعلْ)، و(شغلْ)، فإذا نطقت الكلمة مبدوءة بالسكون حركت واو العطف، وإذا نطقت محركة سكنت الواو، أما عند ذوي الانتماء القبلي فهو غالباً مفتوح أو مبدوء بالسكون.

أما أشكال العطف من حيث اختلاف المتعاطفين أو اتفاقهما، وعطف النكرة على المعرفة، والضمير على الظاهر، والفعل على الاسم، وعكس كل ذلك، واشتراط اتحاد الزمن في عطف الفعل على الفعل، والجملة على الجملة، وما إليه من أشكال العطف فكل ذلك موجود في اللهجة بشكله الموجود في اللغة لا افتراق في شيء منه.

من المتعارف عليه في اللغة واللهجة أن الواو لا تفيد الترتيب، غير أنك لو نظرت إلى بعض جمل الكلام في اللغة بحيث لو قلت (مثلاً): (صليت وتوضأت)، لاعترض عليك، وقيل لك صلاتك باطلة، فإذا قلت: لِمَ؟ قيل لك: كيف تقول: (صليت وتوضأت)، بينما الأصل أن الوضوء يسبق الصلاة، فإذا أردت أن يفهم كلامك على الوجه الصحيح فعليك أن تقول: (توضأت وصليت)، مما يدل على أن الواو قد تفيد الترتيب، ولكنه ليس بالضرورة.

تنصيل العطف:

ويتم بـ(إما) ويعرف في اللغة أنه حرف تنصيل كالزائد يأتي مكروراً في العطف وله معنى (أو)(35)، وهو في اللهجة بالفتح كما تنطق (أما) التفصيلية، وهذا الفتح له أصل قديم، فقد فتح التميميون همزة (إمَّا) المكسورة ونطقوها مثل الشرطية وعلى هذه اللغة قول القمقام:

تلقحها أما شمالٌ عَريةٌ

وأما صبا جنح العشي هَبوب[36] 

وقد تحذف ويحول الفعل الذي بعدها من مضارع إلى أمر مسند إلى ياء المتكلم أو (نَا) المتكلمين، للإخبار عن حال المتكلم على لسانه، ومثاله شخص يتصرف تصرفاً غير مقبول، فإذا أمر بالكف عنه، أو كلم بشأنه غضب، فيقول المتحدث عنه بلسان حاله: (خَلُّونِيْ عَلَى كَِيفِيْ وَالا بَزْعَلْ)، والأصل: (أَمَّا تْخَلُّونِيْ عَلَى كَِيفِيْ وَالا بَزْعَلْ)، أي: إما أن تدعوني أتصرف على هواي كيفما يحلو لي وإلا سأغضب، أو إما أن تدعه على هواه وإلا... وقد ينوب عنه ياء النداء يأتي مكرراً مثله سابق للاسم، وربما هو أداة الربط الفارسية المتقدمة نحو: (يَا رَايِحْ يَا جَايْ)، أي: إما غادٍ وإما آت، أو بين غادٍ وآت، كما يعني الاستمرار.

[1]  النحو الواضح في قواعد اللغة العربية (مرجع سابق) ص45.

[2]  مواويل من الخليج (مرجع سابق) ج 1 ص 143.

[3]  مجلة الموسم ع 12 مج س 1412هـ، ص 249.

[4]  الكنايات العامية البغدادية (مرجع سابق) ص 32.

[5]  مجلة الواحة (مرجع سابق) ع 23 الربع الرابع 2001م، ص 165.

[6]  غافر الآية 4.

[7]  الكشكول للشيخ إبراهيم آل عرفات (مرجع سابق) ص 292.

[8]  نفسه.

[9]  مفتاح اللغة الفارسية قواعد، وتراجم ونصوص ص 98، 109، د./ عبد الله الخالدي، ود./ طلال المجذوب، مط: المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت، ط: 1، س: 1412هـ.

[10]  تنفيه الخاطر (مرجع سابق) ح 1 ص 41.

[11]  مجلة الواحة (مرجع سابق) ع 22 الربع الرابع 2001م، ص 58، 62.

[12]  من تراث شعب البحرين (مرجع سابق) ص 65.

[13]  نفسه.

[14]  في اللهجات العربية (مرجع سابق) ص 156.

[15]  اللهجات وأسلوب دراستها، د./ أنيس فريحة ص 133، مط: دار الجيل بيروت، ط 1، س 1409هـ.

[16]  قاموس الإعراب (مرجع سابق) ص 37.

[17]  تنفيه الخاطر (مرجع سابق) ح 2 ص 136.

[18]  النساء الآية 44.

[19]  المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية (مرجع سابق) ج 2 ص 977.

[20]  مقال: (العرب عاملوا المثنى معاملة الجمع) محمد خليفة التونسي، مجلة العربي ع 209، 4/1391هـ، ص 119.

[21]  رياض المدح والرثاء (مرجع سابق) ص 422.

[22]  ديوانه (مرجع سابق) ص 73.

[23]  يوسف الآية 51.

[24]  رياض المدح والرثاء (مرجع سابق) ص 361.

[25]  المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية (مرجع سابق) ج 1 ص 18.

[26]  الأغاني الكويتية (مرجع سابق) ص 311.

[27]  مجلة الواحة (مرجع سابق) ع 31، الربع الرابع السنة التاسعة، 2003م، ص 165.

[28]  تنفيه الخاطر (مرجع سابق) ح 2 ص 136.

[29]  نفسه ح 3 ص 55.

[30]  نفسه ح 2 ص 160.

[31]  المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية (مرجع سابق) ج 2 ص 1045.

[32]  مفتاح اللغة الفارسية، قواعد وتراجم ونصوص (مرجع سابق) ص 109.

[33]  معجم الشامل في علوم اللغة العربية ومصطلحاتها ص740، محمد سعيد أسبر، وبلال جنيدي، مط: دار العودة بيروت، ط: 1، س 1983م.

[34]  الخصائص لابن جني (مرجع سابق) ج 2 ص 280، والقواعد الأساسية للغة العربية (مرجع سابق) ص 199.

[35]  الوحيد في النحو والإعراب (مرجع سابق) ص 259.

[36]  لغة تميم (مرجع سابق) ص225.
باحث
307190