جــــــويـخ
مسجد وعراقة
أحمد محمد البراهيم الأحسائي * - 15 / 10 / 2007م - 11:54 ص - العدد (44)

ويلات الحكم العثماني للأحساء
لم تعانِ المنطقة مثلما عانت في أيام الحكم العثماني، فالأمر ليس متعلقا بالضرائب والسخرة فقط بل تعدى الأمر إلى عمليات إبادة جماعية، وإزالة قرى بأكملها من على وجه الخارطة.
نعم كانت المنطقة تتعرض، بين كل فينة وأخرى، لهجمات الغزاة وقطاع الطرق، ليس من الأفراد فقط، بل الغزوات والسرقات كانت على مستوى دول مثل (البرتغاليين) و (الإنجليز) و(الهولنديين) و (المصريين) الخ، وحتى الإسكندر المقدوني لم تكن المنطقة في منأى من أطماعه وإن لم يتحقق له ذلك. ولكن الويل كل الويل في ممارسة السلطنة التركية في الأحساء والقطيف.
في الأحساء كانت الممارسات تتعدى الحدود المتحملة، وتصل إلى حد القتل الجماعي لأهل قرية معينة، وبعد ذلك إزالة القرية من الوجود، مثلما حدث لقريتي (بني نحو) و (أم مازن) وأهلهما.
قريتي (بني نحو) و (أم مازن)
في فترة من الفترات التأريخية ساد في الأحساء نظام المقاطعات، أو نظام الحكم المحلي، فكل قرية وما يتبعها من مزارع -وعادة تكون شاسعة- يحكمها أحد أشرافها، أو يحكمها من أحد أفراد الأسرة التي تملك الأرض التي يتم إنشاء هذه القرية عليها، وفي الغالب تكون المزارع والأراضي ملكا لأسرة واحدة، وتسمى بإسم كبيرها، مثل (العمران)، فهكذا الحال مع قرية (بني نحو) و قرية (أم مازن).
فالأولى سميت باسم جد الأسرة (السيد علي النحوي). والثانية سميت باسم فرع بني مازن، القبيلة العربية المشهورة.
وهما يقعان على ضفتي نهر (سليسل)(1) الجاري من (عين الخدود)، ومن هذا النهر يتفرع نهر (بني نحو) إلى جهة الجنوب، ونهر (المازني) إلى جهة الشمال، وإن كان هناك نهر آخر يصل إلى قرية أم مازن، يتفرع من نهر (الحقل) النابع من (عين الحقل)، القريبة من (عين الخدود).
وبالقرب من القريتين تقع قرية (بني معن) والتي يرجع تأسيسها إلى فرع من فروع بني (معن بن زائدة)، التي هاجر إليها وإلى (المبرز) و(الجفر) السادة النحوي، كما نزح (المازني) إلى الهفوف و المبرز.
إزالة القريتين من الوجود:
وذلك بسبب نقمة السلطات العثمانية على أمير قرية (بني نحو) السيد حسين بن خليفة الموسوي، بعد أن قتل أحد ضباطها المعروفين بالظلم والتسلط على العباد، يقول العلامة الشيخ باقر بوخمسين في مسودات كتابه المخطوط (هجر عبر أطوار التأريخ): «بني نحو: لم تزل عامرة إلى أيام الأتراك، فحدث أنَّ أميرها واسمه حسين بن خليفة قتل ضابطا (تركيا) فطلبته الحكومة ولم تظفر به، فخاف أهل البلاد على أنفسهم فجلوا عنها فتفرقوا في القرى المجاورة لها، ثم وجهت الحكومة إليها قسماً من الجيش فخربها حتى جعلها قاعا صفصفا انتقاما من فعلة الأمير، ولم يبقَ من آثارها إلا بعض المساجد هي الآن ماثلة في وسط أرض تحيط بها البساتين (و) يصلي فيها الفلاحون....الخ».
ومصير قرية (أم مازن) أصبح مربوطا بمصير جارتها (بني نحو)، وذلك بعد أن لاذ بها من نجا من المذبحة الرهيبة من أهالي قرية بني نحو، فتوجه الجيش التركي بكل قوته إلى قرية أم مازن وأباد الكثير من أهلها، وفر من فر منهم ومن أهالي بني النحو، فدمروها عن بكرة أبيها، كما قال العلامة أبو خمسين أيضا: «ولم تزل عامرة إلى أيام الأتراك ثم هُجرت وذلك أن بعض أهل قرية بني نحو رحل إليها لما أزمعت الحكومة على تخريب القرية ثم تطلبوا كل من هو من أهلها أينما وجد فخاف أهل هذه القرية (أم مازن) على أنفسهم فهجروها... الخ»(2).
مسجد قرية (أم مازن)
المنشأ والتسمية
وضعت في داخل المسجد لوحة كتب فيها ما يلي: «يعود تأريخ تأسيس هذا المسجد إلى حدود سنة 1210هـ إذ كان ملكا للشيخ حسين بن علي بوخمسين حيث أوقفه من بعده أبنه الحاج عبدالله بن الشيخ حسين بوخمسين والد العلامة الشيخ موسى بوخمسين، في حدود سنة 1265هـ، ثم قام بعد ذلك الشيخ موسى العلامة ببنائه لأول مرة وذلك سنة 1340هـ، وكانت أرض هذا المسجد أرضا زراعية لزراعة الأرز، وكما أسلفنا سابقا أوقفت من قبل الحاج عبدالله بوخمسين حيث ورثه من أبيه الشيخ حسين وكانت هذه المنطقة مسكونة ببعض المزارعين ويتضح ذلك من الصكوك الموجودة والوثائق للأوقاف المجاورة للمسجد ومنها على سبيل المثال ولاية الحاج محمد علي المحمد صالح اليحيى الموثقة من قاضي الأحساء آنذاك إذ أشير في هذه الوثيقة إلى أن حدود المسجد الشرقية مزرعة أرز، ومن جهة الشمال جزء منها شطيبان زرع كانا سابقا منزلين للسكن، وكذلك يذكر في هذه الوثيقة أيضا حدود قطعة نخل أخرى حيث تقول في بعض حدوده: (ويحده بيت بنات حمدان).... -إلى أن تقول اللوحة- وعليه فإن ذلك يدل على أن هذه الجهة معمورة بالسكان سابقا أو على الأقل مقطونة بالبعض حيث أنه أحتيج إلى بناء مسجد هنا، ومما يدل أيضا على وجود سكان في هذه البقعة والمسماة (بطرف مازن)... الخ».
وذكر في الوثيقة أن اسم (جويخ) هو تصحيف لاسم (جويد)، وهو الشيخ جويد الذي كان إماما للمسجد قبل (80 سنة). وفيها المطالبة بأن يكون المسجد باسم غيره، والأمر بنسيان ذلك الاسم وحث المؤمنين على نسيانه.
ففي هذه الوثيقة خلط واضطراب تاريخي، وذلك ما سنتناوله في المحاور الآتية:
المحور الأول:
هو التشكيك -أو شبه التشكيك- في كون هذه المنطقة التي يقع فيها المسجد، كانت معمورة بالسكان، أو كما جاء في الوثيقة محاولة إثبات أن بعض المزارعين -على الأقل- كان يسكن فيها، ولذلك احتيج إلى بناء مسجد.
وهذا التشكيك منفي بما أثبته التأريخ للمنطقة، من خلال دراسة جغرافية المنطقة وأحداث (قرية بني نحو) وقرب (قرية أم مازن) منها، ومن خلال الرسم الجغرافي للأنهر المتفرعة من نهر (سليسل) -المذكور سابقا- يتبين أن قرية (أم مازن) كانت قائمة في هذه الناحية بالتحديد، وما المسجد الباقي إلا أثر من آثارها الشاهدة عليها.
المحور الثاني:
حول ما جاء في الوثيقة المعلقة: «يعود تأريخ تأسيس هذا المسجد إلى حدود سنة 1210هـ إذ كان ملكا للشيخ حسين بن علي بوخمسين حيث أوقفه من بعده ابنه الحاج عبدالله بن الشيخ حسين بوخمسين والد العلامة الشيخ موسى بوخمسين، في حدود سنة 1265هـ».
1- إذ كيف يكون الفرق بين التأسيس والوقفية (55 سنة).
2- وكيف يكون مسجدا سابقا، وقد احتيج إلى بنائه بسبب كون المنطقة مسكونة، وكيف يتحول إلى أرض زراعية مملوكة للشيخ حسين بوخمسين.
3- وبعده يوقفه أبنه الحاج عبدالله بوخمسين.
ففي نظري، ومن خلال بعض الشواهد التي سنوردها لاحقا، أن قرية (بني مازن) أو (أم مازن) وبعد محو الأتراك لها من على وجه الأرض، وبمرور الزمن تحولت إلى أراض زراعية، ولهذا -وكما أشير في الوثيقة المعلقة- أن هذه الناحية تسمى (طرف مازن)، أي زالت القرية ولم يزل الاسم عالقا في أذهان الناس، وما بقي على وجه الأرض هي أنقاض لمسجد بني من الطين، وللحرمة الشرعية بقيت أرضه لم تتحول إلى مزرعة لزراعة الأرز.
وكما هو الحال في أراضي (قرية بني نحو) التي تحولت إلى مزارع إلا مساجدها التي بقيت حتى الآن داخل المزارع، وغيرها من القرى المبادة أو المندثرة، فإن المتجول بين مزارع الأحساء يرى الكثير من أطلال الأبنية القديمة التي لا تزال ركاما من الطين، ولأنها مساجد لم تزرع.
المحور الثالث:
حول ما جاء في الوثيقة المعلقة، من أن (جويخ) هو تصحيف (لجويد)، الذي كان إماما للمسجد قبل (80 سنة). فهل كانت هذه (80) من تأسيس المسجد في أيام (بني مازن)؟ أم من تدميرها على يد الأتراك؟ وهل كانت قبل وقفية الحاج عبدالله بوخمسين، أو بعدها؟ وهل هي من التأسيس في عام (1210هـ) المذكور في الوثيقة أم بعدها؟ وهل هي من تأريخ كتابة الوثيقة؟ التي لم يوضع عليها تأريخ أم لا.
النقض الأول:
هل إن العلامة الجليل الشيخ باقر بوخمسين لم يكن على دراية بهذا التصحيف حتى كتب في مسودة كتابه (هجر عبر أطوار التأريخ) حول قرية أم مازن ما كتبه قبل ما يقارب (50سنة)، وهو المحقق والمؤرخ المتتبع لأحوال وتأريخ المنطقة، وهذا نص كلامه: «... فخاف أهل القرية على أنفسهم فهجروها ثم لم تزل تضعف شيئا فشيئا إلى أن اضمحلت فصار الآن عليها نخيل ومزارع ولم يبق من آثارها إلا مسجد يعرف (بمسجد جويخ)....»(3).
النقض الثاني:
ما قاله المؤرخ والأديب الحاج محمد حسين الرمضان، في مستهل كلامه في التعريف بأسرة آل الرمضان، قال: «...وجويخ كما أعتقد هو المدفون في قرية الموازن وهي (من) قرى الأحساء المندثرة، ولم يبق منها سوى مسجد يعرف بمسجد الشيخ جويخ، والمسجد يزار<(4).
من هو الشيخ جويخ؟
من هو الشيخ جويخ؟ لعل غياب تأريخ هذا الشيخ أو جهلنا به هو الذي سبب الخلط التأريخي المذكور سابقا، أما بخصوص الشيخ جويخ ونسبه وقدومه إلى الأحساء، فيقول المؤرخ والأديب الحاج محمد حسين الرمضان: «رمضان بن سلمان بن عباس بن محمد المتصل نسبه بدعبل الخزاعي شاعر الإمام الرضا عليه السلام، وقد تبع الشيخ رمضان من العراق إثنان من أخوته هم فارس وجويخ كما ذكر لي الحاج أحمد بن علي بن رمضان نزيل الكويت.....الخ»(4).
وكما يبدو إن المسجد كان هو المسجد الجامع لقرية أم مازن، إذ إن بعض المعمرين من أصحاب المزارع المجاورة يؤكدون أنه كان أكبر من هذه المساحة، الأمر الذي أتاح أن يدفن فيه مؤسسه أو الرجل الصالح الذي انشدَّ أهل القرية لصلاحه وتقواه.
وهناك توجيه آخر لوجود القبر في المسجد، وهو ربما كانت مقبرة قرية أم مازن ملاصقة للمسجد، وكان قبر الشيخ الأقرب للمسجد، وبعد عملية الإزالة الأولى أُدخل القبر في ساحة المسجد، هذا احتمال، ولكن الأمر المؤكد أن القبر كان في المسجد، وعفي أثره في زمن من الأزمنة.
ومما يؤكد ذلك ما أضافه المؤرخ الرمضان في نصه -السابق- حول أن المسجد لم يكن في السابق فقط مسجدا، بل كان مزار يقصد للزيارة، حيث إن (الشيخ جويخ) كان مدفونا فيه، وهذا نص كلامه: «... والمسجد يزار لإلتماس البركات وقد رأيت في صغري من رجال العشيرة من يواضب على زيارته والتبرك وقد تشرفت بزيارته وحدثني أحد الفلاحين أنه ظهر من هذا القبر الكثير من الكرامات وأن المسجد كان أكبر بكثير من مساحته الحالية، ويظهر أنه سبق أن هدم ثم أعيد بناؤه ولكن بصورة مصغرة...»(5).
يجب ملاحظة عبارته (بصورة مصغرة).
وأضاف المؤرخ الرمضان في ورقة أخرى أن هجرة آل الرمضان من البحرين كانت في القرن الحادي عشر، أي ما بين (1001هـ) و (1100هـ)، وفي أي تأريخ كان بين هاتين السنتين، فهو لا يوافق تأريخ التأسيس الوارد في الوثيقة المعلقة (1210هـ).
ومن الجدير بالذكر أن البناء الحالي هو الذي عمر سنة 1414هـ بإشراف العلامة الشيخ حسن بن العلامة الشيخ باقر أبوخمسين، بعد أن أتى على البناء القديم الحريق الذي شب في ظروف غامضة لم تعرف أسبابها حتى الآن.
والشيخ حسن بوخمسين هو المتولي الفعلي في الوقت الحاضر على المسجد، والمهتم بشؤونه والبذل عليه، وهو الذي قام مشكورا بإصلاح الطريق المؤدي إليه ورصفه بالإسفلت، وهذا الاهتمام ورثه من والده المقدس الذي سبقه إلى الاهتمام بهذا المسجد الشريف وجدد بناءه في عام 1390هـ.
وفي الوقت الحاضر يعتبر هذا المسجد ملجأً روحانيا، ينزوي فيه الهارب إلى الله تعالى، ملتمساً منه تعالى روح الفرج، والسبيل إلى المخرج من مشكلة أو مرض، حيث يقصده الناس من مختلف مدن المنطقة الشرقية، وغيرها. وفي المزارع القريبة منه شيد البعض استراحات تقام فيها المناسبات والولائم، خصوصا الوفاء بالنذور والإطعام، وقراءة الختمة الشريفة.
وأخيراً لماذا نستبدل اسم هذا المسجد التاريخي باسم غيره جديد؟ أليس في هذا ظلم لواقف المسجد وبانيه وظلم للتاريخ وطمس للمعالم الحضارية مهما كانت قداسة الاسم الجديد؟
ومهما قيل، يبقى تأريخ الأحساء، الأرض الخصبة التي لم تكتشف كل مناجمها، الزاخرة بالمعرفة والكنوز الحقيقية.
هوامش:
(1) يعتبر هذا النهر ونهر (محلم) النابع من عين الحارة في المبرز، من أكبر الأنهر في الأحساء وأشهرها، ونهر (سليسل) يفترق إلى نهرين كبيرين، وفي زمان خلافة الإمام علي وقع نزاع بين أكبر القبائل في الأحساء، مما أضطر الإمام علي لإيفاد أبنه الإمام الحسن لحل هذا الخلاف، وقسم الماء بحسب حاجة كل قبيلة، وكان هذا المفترق يطلق عليه ولا يزال اسم (القسامية)، وبعد أستحداث طرق الري والصرف في الأحساء، بقيت القسامية على حالها من ذلك الزمان.
(2) من مسودات كتاب هجر عبر أطوار التأريخ / العلامة الشيخ محمد باقر أبو خمسين /ملزمة ( المدن والقرى ) ص21مخطوط لدى مؤلف هذا الكتاب نسخة منه.
(3) نفسه.
(3) محمد حسين الرمضان عن موقع (عشيرة آل الرمضان) في شبكة الإنترنت: http://alramadhan.net/alramadhan00/alramadhan.htm
(5) نفسه.

 

عالم دين
322881