لا تلعنوا العولمة
د. عبدالعزيز إسماعيل داغستاني - 16 / 3 / 2011م - 3:07 م - العدد (33)

لو كان عراب علم الاقتصاد، آدم سميث، حياً عشية إعلان منظمة التجارة العالمية في مراكش غرة عام 1995م لقال هذه فكرتي التي دعوت إليها في كتابي «ثروة الأمم» ووضعت فيه أسس اقتصاد السوق الحر. لم يكن إعلان منظمة التجارة وليد لحظة، بل جاء بعد مفاوضات مضنية استمرت سنوات طويلة منذ عام 1947م، وتجارب عملية أرست قواعد المناطق التجارية الحرة الرئيسية في العالم مثل الاتحاد الأوروبي. إعلان منظمة التجارة العالمية جاء بمثابة إطار قانوني لمفهوم العولمة، ليدرك العالم أن العولمة حقيقة رغم ما يثار حولها من نقاش وجدل وتجاذب وتنافر.

حقيقة العولمة تتجسد في ارتكازها على أسس اقتصاد السوق الحر الذي وضع بصمته على غالبية سكان الأرض وخلق مناخاً تنافسياً استفاد منه نحو 90% منهم، واستظلت تحته شركات عالمية كبرى تمكنت من النفاذ إلى كل الأسواق مستفيدة من مميزات الحجم وثورة تقنية المعلومات، لدرجة أن وصلت مبيعات بعضها إلى ما يفوق إجمالي الناتج المحلي للكثير من الدول. وعلى سبيل المثال، بلغت مبيعات شركة فورد الأمريكية 144 مليار دولار أمريكي في عام 2000م.

ارتباط العولمة بالعمل الاقتصادي أرسى قواعد جديدة للعبة الاقتصادية، وأفسح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتكون اللاعب الأول في ساحة التنمية الاقتصادية، متجاوزة بذلك المفهوم التقليدي لحرية التجارة الدولية. ومثلت الشركات العالمية الكبرى مطية هذه الحركة فأعطت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الأولوية في سلم النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي تسيطر عليه الدول الصناعية الكبرى، وتحديداً أمريكا واليابان ودول الاتحاد الأوروبي، سيطرة مطلقة. وللدلالة على هذه السيطرة، تفيد آخر الإحصاءات أن حصة الدول العربية من إجمالي الاستثمارات الأجنبية تمثل 1% فقط.

ولم يكن للعولمة أن تستند على الاقتصاد ليشحذ فيها القدرة على الانطلاق لو لم تتهيأ في اقتصادات الدول الصناعية الكبرى القاعدة التقنية التي فجرت ثورة المعلومات والاتصالات، وأنشأت القرية الكونية ومكنت الشركات العالمية الكبرى من النفاذ إلى الأسواق. وتمثل هذه الدول الصناعية الكبرى موطناً 90% من هذه الشركات. هذه الركيزة الاقتصادية للعولمة هي التي كسرت بها العولمة حواجز الفكر والإيديولوجيات ورفعت شعار المصلحة فتهاوت أمامها الحدود وازدهر اقتصاد السوق الحر وتحققت أفكار آدم سميث.

وإذا كانت هذه هي حقيقة العولمة، أليس هناك ثمة انحراف في استثمار هذه الحقيقة من قبل الدول الصناعية الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، لتمرير رؤيتها السياسية أو الإيديولوجية لإحكام السيطرة على الشعوب بعد أن دانت لها اقتصاداتها؟ الجواب: نعم. والحصيف من لا يأخذ أي نعم على علاتها، بل يعمل بكل ما أوتي من قوة لكي تكون نعم مشروطة بالاستفادة من إيجابيات العولمة ومواجهة أي تأثيرات نوعية لها. هل هذا ممكن؟ الجواب: نعم. وهذه هي المهمة الصعبة التي لن يرقى إلى مواجهتها إلاّ اقتصاد قوي. وهذه مهمة تضعنا جميعاً أمام مسؤولية لا يجب أن نلقيها على الغير كما تعودنا أن نفعل دائماً فلا نحرك ساكناً ولا نتقدم خطوة إلى الأمام، فنقف موقف المتفرج العاجز ونلعن العولمة.

225306