التعليم في القطيف
ماضيه القريب وبدايات التحديث
عدنان السيد محمد العوامي * - 15 / 10 / 2007م - 11:57 ص - العدد (44)

مع أن بعض مصادر التاريخ الثقافي للقطيف تمدنا بالكثير من الدلائل والإشارات على مكانة هذا البلد الثقافية والأدبية والعلمية، وتوقفنا على أسماء ساطعة تبوأت سدة السموق، وذروة الشهرة، وبعضها أخبرنا أنها كانت - في فترة ما من التاريخ - تصدر العلماء إلى الهند، وربما إلى أماكن أخرى غيرها. كما توحي بذلك إشارة ابن بطوطة في رحلته؛ أنه وجد في (قالقوط) بالهند بعض مراكب السلطان وعلى أمرتها أمير من العرب يعرف بالسيد أبي الحسن، وهو من البردارية، وهم خواص البوابين، بعثه السلطان بأموال يستجلب بها من قدِر عليه من العرب، من أرض هرمز والقطيف لمحبته في العرب، فتوجه إلى هذا الأمير ورآه عازمًا على السفر إلى بلاد العرب بعد أن يشتي في (قاليقوط)(1).
هذه الإشارة لم يَرِد بها ما يومىء إلى شيء ذي صلة بالثقافة والفكر والعلم، لكن من يعرف تعلُّقَ السلاطين المغول بالثقافة العربية، وسعيهم لاستجلاب المدرسين من الجزيرة العربية لمدارسهم بالهند، لا يفهمها إلا على هذا النحو، فلدينا شواهد كثيرة على استقدام السلاطين المغول للعلماء من الجزيرة العربية منها - على المثال لا الحصر - السيد نظام الدين ابن معصوم المدني، وولده السيد علي خان، والسيد حسن بن شدقم، وجعفر بن كمال الدين البحراني، وغيرهم كثير لا يستلزم بحثنا هذا حصرهم(2)، ممن استدعاهم السلاطين المغول لتدريس العلوم العربية في الهند، ولا معنى للظن بأن أولئك الذين أشار ابن بطوطة إلى رصد السلطان الأموال لاستقدامهم من القطيف وهرمز هم خدم أو عمال أو صناع، إذ لا معنى - مطلقًا - لاستجلاب العمال إلى الهند، وهي المعروفة بوفرة العمال والصناع، كما لا تستدعي محبة السلطان للعرب أن يستقدم العمال من بلادهم إلى بلاطه.
إشارة أخرى نقلتها لنا تلك المصادر تحمل الكثير من الدلالات على قدم التعليم في القطيف هي الرواية القائلة بأن قيسَ بن الملوح المشتهر بـ(المجنون)، قد أخذ تعليمه في القطيف(3).
نعم. مثل هذه الإشارات لا تبخل علينا بها مصادر التاريخ، لكنها - بكل أسف - لا تسعفنا بشيء عما نريد معرفته عن طرائق التعليم ووسائله وأساليبه في العصور الغابرة، وليس لدي، شخصيًّا، سوى ما لدى معاصرِيَّ من معلومات عن الكيفية التي يتم بها التعليم في الماضي القريب الذي أدركته حتى الفترة التي شهدت بزوغ التعليم النظامي، وأعني بها ما اصطلح على تسميته بـ(المُعَلِّم)، وهو ما يعرف في أماكن أخرى بـ(الكُتَّاب)، ومنهجه يصح أن يسمى التعليم (المترقي)، أو المتدرِّج، فهو يبدأ بتعليم الطالب تلاوة القرآن الكريم، مبتدئًا بتعلم تهجية (البسملة)، ثم الأبجدية (أبجد، هُوَّز، حُطِّي، كلمن... إلخ)، حفظًا وكتابة. بعد ذلك ينتقل إلى تعلم تهجية بعض قطع مما اصطلح على تسميته (الطَّيان)، والطيان لعله مأخوذ من معنى (التطيين)، وهو ختم الكتاب بالطين. تقول: «طينت الكتاب طَينًا، وطيَّنتُه: ختمته بالطين»، ويؤيد هذا استعمالهم (الختمة) اسمًا للمصحف الشريف، فكأنهم استعاروه من ختمهم تلاوته، أي إتمامهم إياها، والغرض من تعليم الطيان تدريب الطالب وتقوية ملكاته على معرفة ونطق الحروف في صورها وأصواتها ونبراتها المختلفة.
بعد إتقان الطالب لما تعلمه في هذه المرحلة يُنقل إلى تعلم تلاوة القرآن الكريم مبتدئًا من قِصار السور في نهاية الجزء الثلاثين (جزء عم)، مترقِّيًا في المصحف الشريف جزءًا فجزءًا إلى أن يُتِمَّ إجادة تلاوة المصحف الكريم كاملاً.
هذه هي الطريقة التي كان يتم بها التعليم في الماضي، وهو مقتصر على تعلم مبادئ القراءة والكتابة، وربما تجاوز هذه المواد لبعض قواعد الحساب البسيطة من جمع، وضرب، وطرح، وقسمه.
الطقوس والمراسيم
تُرافق الدراسة - في كل مراحلها - طقوس ومراسيم تبدأ مع بداية إحضار الطالب للكتَّاب، فقد جرى العرف على أن يُحضِر الأبُ ولدَه إلى المعلم مبتدئًا بعبارة تقليدية معروفة تقول:
(أعطيتك إياه لحم، وأبغيه منك عظم)، وهذا إشعار للطالب بأن أباه قد فوَّض أمره للمعلم يفعل به ما يشاء، وأن عليه الطاعة والإنصياع له في كل ما يأمر ويريد، ولا يحتاج الأمر إلى لفت انتباه الطالب إلى الفلكة المدلاة على أحد جدران الكتَّاب تتربص بالأشقياء من التلاميذ، فهو لا بد مقابلها ولو في عصر الأربعاء حيث يتبارى التلاميذ في إتقان الخط فرارًا منها كما سيأتي بيانه لاحقًا.
وقد جرت العادة أن يُحضَر مع الطالب، في اليوم الأول لدخوله المعلم (الكتاب)، بيضة وقطعة من البخور، ولوحٌ من الخشب كي يلصق عليه الورقة التي يبدأ عليها التلميذ تعلم القراءة، أو تهجي الكتابة، وقد يستعاض عن اللوح بكربة، (الكربة هي أعرض جزء في السعفة الخارج من النخلة)، وربما احتاج الأمر إلى بعض أعواد من القصب كي يتخذ منها الطالب أقلامه، وفي عصر يوم الأربعاء من كل أسبوع يحضر الطالب معه (المربعانية)، وهي مقدار من النقود يعطى للمعلم، وفي كل مرحلة يتخطاها الطالب ويدخل مرحلة أخرى يحضر معه (رفعة)، وهي أيضًا مبلغ من المال، وقد يضاف معها فطور من العصيدة المصنوعة من الطحين والسمن والسكَّر في بعض المراحل، كانتقاله إلى تعلم جزء جديد من أجزاء القرآن، وفي بعض المراحل الأخرى يقيم الطالب وليمة تقليدية قوامها الخبز واللبن، أو الأرز واللبن، وهذه مخصوصة ببلوغ الطالب سورة المائدة. وهم يرددون أهزوجة تقليدية مطلعها: (مايدة، مايدة، خبز او لبن فايدة). يضاف إلى هذا عدد آخر من المراسيم ليس آخرها الحفل الختامي الذي يعلن فيها إتمام الطالب للقرآن الكريم، ففي هذا الحفل يلبس الطالب ثيابًا جديدة، ويركَّب حصانًا أو حمارًا، حسب حالة والده المالية والإجتماعية، ويحف به باقي الطلاب، ويطوفون به أزقة القرية، أو البلدة أو المدينة، ودروبها بيتً بيتًا، وهم يرددون الأناشيد البهيجة، ومنها:
الحمد لله الذي هدانا
من بعد ما كنا من العميانا(4)
الحمد لله الذي تحمَّدا
حمدًا كثيرًا ليس يحصى عددا
ثم الصلاة كلما الحادي حدا
تغشى النبي الهاشمي أحمدا
ولا يخلو الموكب من الأزجال الشعبية العامية، مثل:
حُطَّوا على الخيل سلاسل وذهب
واعطوا المعلم جميعِ مَّا طلب
هذا غلام قد قرا وقد كتب
وقد تعلم الرسائلْ والكتب
والطالب المطاف به أيضًا، يشارك بإلقاء شيء حفظه لهذه المناسبة، ومنه:
علمني معلم ما قصَّرا
رددني في درسه وكررا
حتى تعلمت الكتاب الأكبرا
وصرت أقرا مثله كما قرا(5)
أيام الدراسة وأوقاتها
الدراسة في الكتاب تبدأ من يوم السبت إلى يوم الخميس، وهي على فترتين؛ الأولى تبدأ بعد شروق الشمس بقليل حتى الزوال حيث ينصرف، عندها، التلاميذ إلى منازلهم، ليعودوا قبيل صلاة العصر، ولأن تعلم الصلاة هي أيضًا، من المواد التي يتعلمها الطالب في الكتاب (المعلم) فغني عن الإشارة إلى أن الدراسة تبدأ بها في هذه الفترة، ثم الانتقال، بعدها، إلى المادة الاعتيادية حتى غروب الشمس، ويتميز عصر يوم الأربعاء، عن غيره من الأوقات بأنه الوقت المحدد لدفع أجرة التعليم، فيحضر الطالب (المربعانية) التي سلفت الإشارة إليها، وهي المبلغ الذي يمثل أجرة التعليم المتفق عليها بين ولي أمر الطالب والمعلم. ومما يميز هذا الوقت، أيضًا، أن فيه يتعلم الطالب الكتابة، وتسمى (المكاتَب)، حيث يتكاتب التلاميذ فيما بينهم، فيجري التنافس بينهم، ومن يتفوق على منافسه يقوم بـ(شَلِّه)، وذلك بأن يقوم أحد التلاميذ بصلب رجل المغلوب في الفلقة (الفلكة) ليمكن الغالب من ضربه على باطن رجله بالعصا تحت رقابة المعلم، (لست متأكدًا من أن هذه الحالة متبعة في جميع الكتاتيب، وما أنقله هو ما شاهدته فقط)، لكن الظاهر أن هذا التقليد شائع في المنطقة عمومًا بقرينة أهزوجة شعبية يرددها الأطفال تعدد وظائف أيام الأسبوع حسب التسلسل الآتي:
السبت يا سبنبوت
والأحد يا بو تابوت
والاثنين بان بان
والثلاثا حندبان (هندباء)
والأربعاء بري لقلام (الأقلام)
بعض عبارات هذه الأهزوجة غير مفهوم - لدي على الأقل - وهي، كذلك، تختلف من بلد لآخر، فعلى رواية المرحوم محمد علي الناصري لهذه الأهزوجة في البحرين تحل مكان (الحندبان) (علچ البان)، ومكان بري الاقلام: (هيدوا هيدوا)(6).
ومن النشائد التي تردد في تفصيل وظائف أيام الأسبوع الدراسي الأبيات التالية:
تمسَّى يا معلم بالسعادة
وآمرنا بأمرك للرواح
فيوم السبت والأحد احضرونا
لتحظوا بالرشاد وبالفلاَح
وفي الإثنين للدرس احفظوه
كذا يوم الثلاث بلا مزاح
ويوم الأربعا للخط خطوا
خطوطًا ليس فيها من لواح
وفي يوم الخميس ألا استعيدوا
دروسًا في المساء وفي الصباح
وجمعة كل أسبوع إليكم
فتعطيلٌ به خير انشراح
تعليم الكتابة
مرحلة التعليم التي مرَّ عرضها لا تؤهل الطالب لإجادة الكتابة الإجادة التامة، بطبيعة الحال، فهي مقصورة، فقط، على تلاوة القرآن الكريم، لذلك فهو محتاج إلى مرحلة أخرى مخصصة لتعليمه الكتابة. هذه المرحلة تسمى (الكَيتب)، مُصَغرًا، وهي بمثابة المرحلة المتوسطة في التعليم النظامي، والمنهج المتبع فيها أن يكتب الأستاذ للطالب (النظر)، والنظر يبدؤه المعلم بكتابة بيت من الشعر لأحد الشعراء المشهورين كالسيد حيدر الحلي، والسيد جعفر الحلي، وأبي البحر الخطي (رحمهم الله)، أو المتنبي وغيرهم، ويقف الطالب، وينشد البيت واقفًا، ويعيد إنشاده مرارًا حتى يتقنه، فإذا أحسن الإنشاد جلس وكتبه، ثم يأخذ في تكرار كتابة البيت نفسه حتى آخر الورقة، بعد هذا يكتب الأستاذ البيت التالي من القصيدة، فيقرؤه الطالب، ويكتبه بنفس الكيفية السابقة، وهكذا، إلى أن تتم القصيدة، فيكون الطالب قد حفظ القصيدة عن ظهر قلب، فيعطى قصيدة أخرى يتعلم إنشادها، وكتابتها، وحفظها بالكيفية نفسها إلى أن يستقيم قلمه، ويصبح مجيدًا للكتابة، فإذا أنهى الطالب هذه المرحلة من التعليم لدى المعلم، عُدَّ متعلما.
وهذا الكُتَّاب يعلِّم فيه شخص واحد، ولم يلحظ اشتراك أكثر من معلم في مكان واحد إلا في كتاب الشيخين الأخوين؛ الشيخ محمد صالح البريكي وأخيه الشيخ ميرزا حسين(7) (رحمهما الله). وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشيخ ميرزا حسين (رح) تميز عن غيره من المعلمين بتثقيف التلاميذ وفقًا لمتطلبات الثقافة الحديثة، فلم تكن دراسته مقتصرة على المنهج القديم، وإنما انطلق، في منهجه، إلى آفاق العصر الحديث، فكان يدرِّس الشعر المعاصر، والنقد، والقصة، والتاريخ، لأشهر أصحاب القلم في العصر الحديث من أمثال السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، والمنفلوطي، والرافعي، وطه حسين، والعقاد، إلخ. فهو بحق الرائد لتطور الحياة الفكرية في القطيف في نهضتها الفكرية المعاصرة، إذ تخرج من كتابه عدد من المثقفين كتابًا وشعراء، وأساتذة مثل الأديب السيد علي العوامي (رحمه الله)، وأخيه الأستاذ السيد حسن، والشاعر المؤرخ محمد سعيد المسلم، والشاعر محمد سعيد الجشي، والشاعر أحمد الكوفي، وصهره الأستاذ محمد رضي الشماسي، ونجله الأستاذ الشاعر محمد سعيد البريكي، وغيرهم كثير. ولهذا لقب بأستاذ الجيل، وهو لقب استحقه بجدارة.
كانت الكتاتيب منتشرة في كل مدينة وقرية في القطيف، وقد تضم القرية، أو البلدة، أكثر من كُتَّاب، كما هو الحال في بلدة القديح، حيث ضمت في وقت واحد عددًا من الكتاتيب، ومثلها بلدة العوامية، وصفوى وتاروت، وسيهات؛ إذ اجتمع فيها أكثر من كتاب في آن واحد.
بعد أن يتم الدارس تلك المرحلة يتجه من يريد مواصلة التعليم لأحد اتجاهين أحدهما:
الخطابة المنبرية
تبدأ هذه المرحلة بأن يلتحق الراغب فيها بأحد خطباء المنبر، فيتعلم الخطابة على يديه، حيث يبدأ التدرب على أن يبدأ بقراءة مقدمة بسيطة لعدة دقائق تقتصر، عادة، على قصيدة فصيحة، وأبيات من الشعر العامي يعرف محليًّا بـ(الطور) قبل الخطيب إلى أن يشتدَّ عوده، فيشرع في الإنفصال عن أستاذه تدريجيًّا، حتى يصل مرحلة الإستقلال بممارسة الخطابة لوحده.
ولا بد للقارئ (الخطيب) أن يتكون لديه خلال فترة تدريبه إلمام بتاريخ الرسول محمد K، وسيرته، وتاريخ وسير آل البيت، والتاريخ الإسلامي عموما، لكي يؤديَ مهمته على الوجه الأكمل، وغالبًا ما يحسن الخطيب الإطلاع على تاريخ وقصص الأمم، والأقوام السالفة. كما إنه لا بد أن يكون على معرفةٍ، واطلاع، وحفظٍ للأشعار خصوصًا المتعلقة بمدائح آل البيت ومراثيهم؛ وبذلك تتكون لديه ثقافة أدبية وتاريخية، وبعض أولئك الخطباء درَس - بالإضافة إلى ذلك - شيئا من العلوم الدينية، ونال قسطًا من الثقافة العامة، وهؤلاء هم القراء المتميزون. وهذه الفئة لا تزال، حتى الآن، تمارس مهنتها، وهي في تنام مطرد، وأول من احتفظت بهم الذاكرة من المجددين في أسلوب (القراءة) أي الخطابة المنبرية، هو الشيخ منصور المرهون، رحمه الله (... -1362هـ)، وهذا قد خرج أكثر أولاده على طريقته، فساروا على نهجه في الخطابة إلا قليلاً منهم، والشخصية الأخرى هو الملا حسن الجامد رحمه الله (ت يوم الجمعة 27/2/1375هـ)، فهو رغم إعاقته السمعية إلاَّ أنه من القراء المشهورين في التجديد المشهود لهم بحسن الخطابة، ثم جاء بعدَه الشيخ ميرزا حسين البريكي، فكان أفضل خطيب في عصره، وقد أكمل ما بدأه الإثنان في مسيرة التطوير في الخطابة، فأخرجها من أسلوبها التقليدي القديم إلى أسلوب متطوِّر حديث ترك أكبر الأثر على وعي الجيل المعاصر، وكان يحضر خطبه المدرسون العرب، وكذلك موظفو الدوائر الحكومية وكانوا، في الغالب، من الأخوة الحجازيين أو المصريين. توفي (رحمه الله) عام 1395هـ 1975م، وهذا هو مبلغ علمي بما يتصل بِرادة التجديد في القطيف، ولربما وجد كثير ممن لم يتسن لي الإحاطة بهم. أما الآن فأعداد الخطباء كبيرة، وهم يتفاوتون في المراتب بحسب تحصيل كل منهم ودربته.
دراسة العلوم الدينية
من المتيقن أن هذا النمط من التعليم قديم جدًّا بدلالة وجود علماء كبار حفلت بهم كتب السير، وهؤلاء لا يمكن أن يكونوا قد نشأوا من فراغ، وقد وصلتنا من القرن الهجري السادس أخبار دراسة السكوني العبدي على شيخه علي بن الحسن بن إسماعيل العبدي القطيفي إمام العروض(8)، أضف إلى ذلك المحبوسات الموقوفة على طلبة العلوم الدينية ودلالتها الواضحة على وجود هذا النمط من التعليم، منذ عهد بعيد. فإذا لم تتوفر لنا، بعد ذلك، معلومات وثائقية عن تاريخ الحوزات العلمية، وتاريخ نشوئها فهذا مرده إلى انعدام العناية بالتدوين لا غير، وعلى كل حال فالذي شهدناه في عصرنا أن من يرغبون في مواصلة دراستهم بعد إتمام مرحلة تعليم الكتابة ليس أمامهم سوى دراسة العلوم الدينية، لذلك يلتحقون بالمتخصصين في تلك العلوم إذا رغبوا في دراسة الفقه، فيدرسون على أيديهم، وتتم الدراسة في البيوت حيث يدرِّس الأستاذ من هو أدنى درجة منه في مراحل التعليم، وقد يحضر هو الدروس عند من هو أعلى منه درجة.
ويدرس طالب العلم الديني، أولا، قواعد اللغة العربية من نحو، وصرف، وبلاغة (معاني وبيان)، ثم يدرس شيئا من المنطق، وعلم الكلام(9)، والفقه، والأصول(10)، والعلوم القرآنية، والفلسفة، وعلم الفلك، والرياضيات، والعَروض، وغيرها. وبعد أن يُتِمَّ الطالبُ دراسة الكتب المقررة لكل هذه العلوم، وتسمى المقدمات، أو السطوح(11)؛ يصبح مؤهَّلا للهجرة للنجف الأشرف في العراق ليحضر هناك محاضرات كبار العلماء، والمجتهدين، وتسمى هذه المحاضرات: (بحث الخارج)، حتى إذا ما تكوَّنت لديه ملكة الإستنباط، وهي القدرة على استخلاص الأحكام، عُدَّ مجتهدا، ومنح شهادة الإجتهاد من أحد كبار العلماء المعترف باجتهادهم؛ بعد أن يُجرِي له امتحانا خاصا، ويناقشه في بعض المسائل الفقهية. وقد يمنح الطالب المتخرج شهادة من أكثر من مرجع ديني، وقد يكتفي بشهادة أقل رتبة تسمى (إجازة الرواية)، وهي إجازة يعطيها الشيخ لتلميذه يجيز له فيها حق الرواية عنه، وعن مشائخه، وحينما يتحصل الطالب على شهادة الإجتهاد يحق له إصدار الفتاوي في المسائل الشرعية، وتولي القضاء، وحق التكليف بتقلده. أما الشخص الذي لم يبلغ مرتبة الإجتهاد فيسمى فاضلا، وتختلف درجة الفضيلة حسب الدرجة التي بلغها الطالب في دراسته للمقدمات، والمراحل التي قطعها، وما يبديه من مقدرة، وفهم، واستيعاب لما درس. وقد كان في القطيف عدد غير قليل من حملة العلوم الدينية ما بين مجتهد، وفاضل.
وبكل أسف لم أوفق لمعرفة أول مدرسة أو حوزة علمية لدراسة الفقه في القطيف، لكن المرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم ذكر أن القطيف حفلت بعدد من المدراس الدينية تخرج منها عدد من الفضلاء، وقد سمى منها مدرسة الشيخ علي بن حسن البلادي البحراني، وذكر من خرِّيجيها الشيخ حسن علي البدر، والشيخ عبد الله المعتوق، والشيخ محمد بن نمر، والسيد ماجد بن السيد هاشم العوامي، وبعضهم اقتدى بأستاذه كالشيخ محمد بن نمر، فقد افتتح مدرستين واحدة في العوامية، والأخرى في الدِّبَيبيَّة، ووقف عليهما بعض الأوقاف، والشيخ عبد الله المعتوق، أنشأ، أيضًا، مدرسة في تاروت، وهذه المدارس - على ما يبدو - غير معلنة، وأن أول محاولة لفتح حوزة مصرح بها رسميًّا هي التي قام بها الشيخ علي بن الشيخ منصور المرهون سنة 1362هـ حيث طالب الحكومة السعودية، في مقال نشره في صحيفة بحرانية - لا أذكرها الآن - بالسماح لعلماء القطيف بفتح حوزة لتدريس العلوم الدينية، فاعتقلته هو ووالده الشيخ منصور، ونقلتهما إلى الرياض، وقد أفرجت عنهما بعد أن توسط العلماء وأعيان البلد مطالبين بالإفراج عنهما.
التعليم النِّسْوي
أما الدراسة النسائية فلا تختلف كثيرًا عن دراسة الأولاد في المرحلة الأولى، حيث يدرس البنات لدى المعلِّمة، وتفاصيل الدراسة هي ذاتها التي مرَّ عرضها في دراسة الأولاد باستثناء الكتابة، فهذه لا تتعلمها البنت إلا نادرًا، ولذلك نجد عدد البنات اللواتي يحسنَّ الكتابة ضئيلاً جدًّا مقارنةً بعدد الأولاد، وفي جيلنا المعاصر لم يصل إلى علمي من مجيدات الكتابة سوى ثلاث نساء هن زهراء بنت الشيخ محمد بن محمد علي الماحوزي، والدة الشاعر والمؤرخ الأستاذ محمد سعيد المسلم (رحمه الله)، وأختها ملوك، وهما تعلمتا في العراق أثناء دراسة أبيهما هناك، والثالثة هي فاطمة بنت الشيخ منصور البيات (رحمه الله)، وقد تعلمت الكتابة على يد الملا علي بن عيسى آل عبد العال. ولربما أقدم هذا الشيخ على تعليم ابنته الكتابة مضطرًا لحاجته إلى من يقرأ له، ويكتب مؤلفاته بسبب موت ولده الوحيد أحمد (رحمه الله).
بعد أن تتعلم البنت قراءة القرآن الكريم، لا تتعلم شيئًا مما يتعلمه الأولاد من الكتابة، ومبادئ الحساب، وعلوم العربية، كما مرَّ، وإنما تنتقل إلى تعلم قراءة (النسخة)، وتسمى أيضًا (الفخري)، وهي كتاب المنتخب لفخر الدين لطريحي، أو (الوفاة)، وهي إما كتاب يحتوي قصة وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو قصص وفَيَات أحد الأئمة من ذريته، كي تصبح قارئة (ملاية)، وهذه هي نهاية مراحل التعليم النسائي القديم في القطيف في الماضي القريب. وعلى الرغم من تدني هذا التحصيل من المعرفة إلا أنه يلاحظ عدد غير يسير من ناظمات الشعر (النبطي)، ويقصد به الشعر العامي.
التعليم الحديث
من اللافت للنظر أن المبادرات المتصلة بالثقافة والفكر في القطيف تأتي، أولاً، من الأهالي قبل أن تضطلع بها الحكومة، وفي حقل التعليم الحديث جاءت المبادرة، كذلك، منهم حين بادر لفيف من شباب القطيف بمطالبة الحكومة بافتتاح مدارس حسب المنهاج الحديث، ولما لم يُستجب لمطلبهم بادر البعض منهم بإرسال أبنائهم إلى البحرين لأنها أقرب بلد للقطيف توجد بها مدارس عصرية، فنال عدد من هؤلاء حظهم من الدراسة الحديثة، وحين عادوا إلى وطنهم شرع بعضهم بافتتاح (كتاتيب) على غرار الكتاتيب الموجودة، لكنها تختلف عنها بأن منهاجها حديث، ولذا أصبح في البلد من يحسن التدريس حسب المناهج الحديثة، بما في ذلك اللغة الإنجليزية، بفضل تلك المدارس المنزلية في ذلك الوقت المبكر، ويبدو أن هذه الخطوة نبهت الحكومة فبادرت بافتتاح أول مدرسة حكومية ابتدائية للبنين، بالقطيف في منتصف الخمسينات للهجرة، الثلاثينات للميلاد، وانتدبت لها مديرا اسمه سيد رضوان، وهو من مدينة الزبير، واستأجرت أحد المنازل ليكون مقرًا للمدرسة، وعينت معه بعض المدرسين من أهل القطيف، واستمرت هذه المدرسة بضع سنوات، وقد التحق بها عدد من الطلاب، ولكنها لم تعمر طويلاً، إذ سرعان ما توقفت بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية عام 1358هـ/ 1939م، فبسبب هذه الحرب تعرضت الحكومة السعودية لأزمة مالية اضطرتها للتوقف عن دفع رواتب المدرسين، وعن تمويل المدرسة، فأغلقتها، لكن أحد المدرسين بها، واسمه علي بن أحمد الغانم، بادر لنقل التلاميذ إلى بيته، وجعل منهم نواةً لكتّاب افتتحه في بيته، واستمر يعلم فيه حتى وفاته في أوائل الستينات للهجرة، الأربعينات للميلاد، ثم عادت الدولة ثانية، في عام 1367هـ، 1948م، فافتتحت مدرسة أخرى يمكن اعتبارها أول مدرسة ابتدائية للبنين بالقطيف في مسيرة التعليم الحالية المتصلة في المملكة العربية السعودية، وكان مقرها أول الأمر في عمارة (النَّهاش) بالجبلة قبل أن تنقل إلى أول مبنى حكومي على ساحل البحر إلى الشمال الشرقي من القلعة، في الموقع الذي يشغله معهد الأمل حاليًّا، وفي ذات الوقت قام لفيف من الشباب بافتتاح مدرسة ابتدائية ليلية، وتكوين لجنة (تشجيع الطلاب)، وهي، وإن حُلَّت بعدئذٍ، فإنها تعدُّ أول نواة للجمعيات الخيرية في هذا البلد(12).
وبالتدريج بدأ افتتاح المدارس يتنامى حتى عمت المدارس جميع القرى تقريبًا، وبسبب تباطؤ الحكومة في متابعة تنامي عدد السكان بدأ القطاع الخاص في استثمار التعليم بافتتاح مدارس ابتدائية أهلية. ومع تنامي عدد السكان حيث يقدر بما لا يقل عن نصف مليون نسمة، أصبحت الحاجة ماسة إلى عدد من الجامعات غير أنه لم تتجاوز المدارس في القطيف مستوى الثانوية.
التعليم النسوي الحديث
مرة أخرى يأتي دور الأهالي في أخذ زمام المبادرة، ففي مطلع الخمسينات من القرن الميلادي المنصرم رفع المثقفون للملك عبد العزيز (طيب الله ثراه) برقية يطلبون فيها افتتاح مدرسة لتعليم البنات، وكانت هذه الخطوة الجريئة تعد خروجًا على التقاليد والأعراف السائدة آنذاك، ولذا قوبلت بإجابة رادعة من قبل الملك، إذ أجابهم بعبارة مشهورة هي: (هذه أول خطوة في طريق الفساد)، ولا أذكر إن كان أخذ على المبرقين تعهدٌ بعدم العودة لمثلها أم لا. المهم أن أولئك المثقفين، بمجرد اطلاعهم على موقف الدولة من مطلبهم، بادروا بافتتاح أول مدرسة للبنات في القطيف في تاريخ الدولة السعودية، وقد استأجروا لها عددًا من زوجات المدرسين العرب العاملين في المدرسة الحكومية آنذاك، وكذلك زوجتي الطبيب والصيدلاني العاملين في المستوصف.
افتتحت المدرسة، أول الأمر، في إحدى حسينيات القلعة، وحين ازداد عدد الطالبات فيها استؤجر لها بيت في حي البستان فنقلت إليه. ثم ما لبثت الحكومة أن ضمت المدرسة إلى حوزتها، ومنذئذٍ بدأت مسيرة التعليم النسوي الرسمي، وما زالت في انتشار واتساع، حتى بدئ الآن بافتتاح أول أكاديمية للبنات سابقة بذلك تعليم الأولاد في هذا المستوى.
الهوامش:
(1) تحفة النظَّار، في غرائب الأمصار (رحلة ابن بطُّوطة)، مصدر سابق، ص: 576.
(2) للمزيد؛ راجع بحثنا (الشعر المهاجر من الخليج إلى الهند)، مجلة الواحة، العدد الثالث، رجب، 1416هـ ديسمبر 1995م، ص: 107.
(3) الحب الخالد (قيس وليلى، طبعة شعبية لم يذكر مؤلفها، دار الكتب الشعبية، بيروت، ص: 5.
(4) لعل أصل البيت هو: الحمد لله الذي هداني
  من بعد ما كنت من العميانِ
فحرِّف بهذه الصورة ليناسب الإنشاد الجماعي، دون مراعاة لما أوقعه ذلك التحريف من لحن في البيت.
(5) لهذه الأهازيج صور وصيغ متباينة يحسب النواحي والبلدات وللمزيد راجع: من تراث شعب البحرين، محمد علي الناصري، لم يذكر الناشر ولا المطبعة، 1410، ص: 213، وواحة على ضفاف الخليج - القطيف. محمد سعيد المسلم، مطابع الفرزدق، الرياض، الطبعة الثانية الكاملة، 1411هـ, ص: 333)، والألعاب الشعبية الكويتية، سيف مرزوق الشملان، لم يذكر الناشر ولا المطبعة، ط 2، 1978م، جـ 1/303 - 306.
(6) من تراث شعب البحرين، محمد علي الناصري، لم يذكر الناشر ولا المطبعة، 1410، ص: 213.
(7) الشيخ محمد صالح البريكي، وأخوه الشيخ ميرزا حسين البريكي؛ أستاذان فاضلان، وخطيبان متميزان. وكان كتَّابهما على مستوى من التعليم يتميز عن سائر الكتاتيب. وكان كثير من الناس - عند ما ينهون تعليمهم في الكتاتيب الأخرى - يلتحقون بهذا الكتاب ليرفعوا من مستوى تحصيلهم، وقد تخرج من هذا الكتاب أغلب أبناء الجيل الجديد. توفي الشيخ محمد صالح عام 1373هـ - 1954م. أما أخوه الشيخ ميرزا - وهو أصغر الأخوين، فعرف بنعت (أستاذ الجيل)، توفي عام 1395هـ - 1975م.
(8) خريدة القصر وجريدة العصر، عماد الدين الإصبهاني، (قسم العراق)، تحقيق بهجة الأثري، مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1964م، جـ 2/219.
(9) علم الكلام: علم يستدل به استدلالا عقليا على إثبات الأصول العقائدية؛ كالتوحيد، والنبوة والإمامة (لدى الشيعة)، وغيرها.
(10) علم الأصول: هو علم أصول الفقه. أي القواعد التي يتبعها الفقيه عند ما يريد استنباط حكم شرعي من الكتاب والسنة.
(11) سميت هذه الكتب بالمقدمات - وهي كتب معروفة، ومحددة لكل علم لأنها بمثابة المرحلة الأولى، أو المقدمة التي لا بد للطالب من الإلمام بها حتى تكون لديه المقدرة عند حضوره المحاضرات (البحث الخارج) على فهم واستيعاب ما يلقى فيها، والقدرة على مناقشة ما يلقى في هذه المحاضرات من نظريات، وأبحاث، حتى تتكون لديه المقدرة على استنباط الأحكام، وحينئذ يصبح عالما مجتهدا يحق له إصدار الفتوى في المسائل الشرعية، وقد يرحل طالب العلم الديني للعراق، النجف، قبل أن يكمل دراسة المقدمات مفضلا إكمالها هناك على يد أساتذة يعتقد أنهم أكثر علما ودراية. ولكي لا يصل الى المراحل العليا إلا وقد تعرف على المجتمع العلمي، واندمج فيه. وعرف علماءه وشخصياته المتميزة. حتى تتكون لديه القدرة على اختيار الأفضل.
12  الحركات الوطنية في المنطقة الشرقية، سيد علي السيد باقر العوامي. الجزء الأول، مخطوط.

 

مدير التحرير
307104