اللهجات المحلية في الخليج: (اللهجة في القطيف مثالا) (13)
السيد شبر علوي القصاب * - 19 / 3 / 2011م - 1:17 ص - العدد (34)

(حروف الجر)

حروف الجر في اللغة عشرون أكثرها استعمالاً سبعة عشر، وهي: من، إلى، عن، على، في، مذ، منذ، رب، اللام، واو القسم، تاء القسم، الكاف، الباء، حتى، خلا، حاشا، عدا[1] ؛ ولحروف الجر معان كثيرة، ولكن أهل اللغة اقتصروا على ذكر أشهر المعاني لها، وأغلب هذه الحروف موجودة مع معانيها التي ذكرها أهل اللغة كما هي في اللهجة، وللتدليل على صدق هذا القول فإننا لو رفعنا الأمثلة الممثلة لهذه المعاني في كتب النحو، وأقمنا بدلاً عنها أمثلة باللهجة، أو حورنا هذه الأمثلة من الأولى إلى الثانية لم نجد أدنى فرق، ومرجعنا في تفسير هذه المعاني كتاب (دليل الإعراب والإملاء) للأستاذين أحمد أبو سعد وحسين شرارة[2] ، والأمثلة المثبتة هنا من هذا الكتاب نفسه، مع تحويرها، أو إبدالها بما يقابلها في اللهجة للمقارنة والتدليل على صدق الكلام، وسنقتصر على ذكر الحروف وأشهر معانيها المستعملة في اللهجة فهذه هي:

* (إلى): وأشهر معانيه:

(1) انتهاء الغاية في الزمان والمكان نحو: (مَشَِيتْ إِلَى نُصّ اللَِّيلْ)، ونحو: (مَشَِيتْ إِلَى السُّوگْ).

(2) بمعنى: (عند) نحو: (اِنتَ أَحَبْ إِلِيِّ (إِلِيْ) مِنْ كِلْ أَحَدْ) أي: عندي.

(3) بمعنى: (اللام) نحو: (الأَمْر إِلَِيكَُِمْ).

* (الباء): وله معان كثيرة أشهرها:

(1) الإلصاق الحقيقي: نحو: (جَوْدِهْ بِيْدُكْ)، أو المجازي نحو: (مَرَِّيتْ بِالصَّدِيگْ).

(2) الاستعانة: نحو: (كَتبَْتْ بِالْگَلَمْ).

(3) المصاحبة: كما في قولهم السائر: (بَاعْ الْجَمَل بِمَا حَمَلْ) أي: مع ما يحمله.

(4) التعدية: نحو: (رَاحْ السَّرَفْ بْمَالُِهْ).

(5) الظرفية: نحو: (مَنْگُوعْ بِالْمَا وِالْمِلْحْ).

(6) التعليل: نحو: (انْقَتَلْ بْدَنْبِهْ).

(7) المقابلة: نحو: (بِعْتُِكْ لِحْصَانْ بِالسَّيَّارهْ) أي: في مقابلها.

(8) القسم: نحو: (أَقْسِمْ بَاللهْ).

(9) التأكيد: وهو الزائد في (كان) إذا تقدمه نفي، و(ليس)، و(ما) المشبهة (بليس)، وبعد (إذا) الفجائية، وفي فاعل (كفى)، ومثاله على (ما): (مَانِيْ بْرَايِحْ) عند ذوي الانتماء القبلي.

(10) البدل نحو: (النَّفْسْ بِالنَّفْسْ).

وقد مال منتهجو الحداثة ومن يميلون إلى تطعيم كلامهم بمفردات لم يتواضع عليها الغالبية استملاحاً وتميزاً أن يقيموا الحرف (في) مكانه، أو ينطقوه بزيادة ياء، فيقولون: (اتَّصَلْتْ فِيكْ)، أو: (مَرْحَبْ بِيكْ)، وهم يريدون: (بك)، وهذه الياء في الصورة الثانية على ما يبدو ناتجة عن مطل الكسرة وهما صورتان وافدتان من بعض البلدان العربية، ولا حظ لهما من الأصالة في اللهجة.

وهو في الأصل مكسور، ولكنه هو الآخر يعرض له ما يعرض لغيره من التغيير في حركته، ولا تظهر في الأحوال العادية، أي: إذا جرى الأسلوب على مجرى الكلام العادي، وإنما تسمعها فتحة في الأغلب، فإذا قيل في اللغة: (بِاللهِ عليك)، قالوا في اللهجة: (بَاللهْ عَليكْ)، وإنما تظهر إذا أجري على مجراه في اللغة، نحو: (بِسْمِ اللهِ وبِاللهْ)، أو جاءت بعده الف أداة التعريف تنطق مكسورة نحو: (بِالرَّاسْ)، أو جاءت بعده ياء نحو: (بِِيْدُكْ)، وقد يكون مبدوءاً بالسكون عندما تبدأ الكلمة التي بعده بحرف متحرك نحو: (بْراسْ)، ويدغم في الكلمة التي بعده عندما تبدأ هذه الكلمة بـ(باء) نحو: (بَابهْ بْابيْ وَلا أَدْريْ عَنْه)، والأصل: ببابي، لئلا يتشكل مقطعان متغايران، وهذا ما ينفر منه صاحب اللهجة، كما يبقى محتفظاً بحركته مع البعض من الضمائر المتصلة وهي: (ياء المتكلم)، و(شين، أو (تس)، أو (چ) المفردة المخاطبة)، و(هاء الغائب)، و(كاف) المخاطب (في لهجة من لا يعتدون بأثر الحروف المستعلية)، كما يعرض له السكون مع بقية هذه الضمائر وهي: (ضمير المتكلمين)، و(هاء الغائبة)، و(كم المخاطبين)، و(هم الغائبين)، و(ضمير الغائبات)، كما يعرض لها الفتح في لهجة بني خالد خاصة مع (ضمير المخاطبين) و(الغائبين)، ويعرض لها الضم في لهجة من يعتدون بأثر الحروف المستعلية، لأن الكاف من الحروف المستعلية لتسمع: (بُكْ)، ويبقى مكسوراً إذا كان الحرف الذي بعده ساكناً حتى لو كان باء كما في قولهم السائر: (مَسْكينْ يَالّلي هَواهْ ببْلاشْ ضَيَّعْ زَمَانهْ عَلَى الْخَالِيْ).

* (حتى):

(1) لانتهاء الغاية كـ(إلى) نحو: (مَشَِيتْ هَادَا الْيَِومْ حَتَّى العَصُرْ)، ونحو: (أَكَلْتْ السَّمَچَهْ حَتَّى رَاسْهَا)، وينوب عنه حرف الجر (اللام)، نحو: (مِنْ اللهْ خَلَگْنِيْ لَلْحِينْ) أي: منذ أن خلقني الله حتى هذا الوقت.

(2) التعليل نحو: (گُومْ بْوَاجِبْكْ حَتَّى تْنَالْ رِضَا أَبُوكِ وَُامُِّكْ).

* (على) وأشهر معانيه:

(1) الاستعلاء: حقيقة أو مجازاً نحو: (گَعَدْتْ (گَعَتْ) عَلَى الْحَصِيرْ)، و(لَُِكْ عَلي أَلفْ رْيَالْ).

(2) التعليل نحو: (أَشْكُرْكْ عَلَى گَُومَتْكْ وُِيَّاييِِّ (وُِيَايْ).

(4) الاستدراك: نحو: (صَاحْبِيْ خَسْرانْ وْعَلَى هَادَا مَا يِيْأَسْ) أي: ولكنه.

(5) المصاحبة: نحو: (أَخُوكْ عَلَى فُگْرهْ كَرِيمْ)، أي مع.

(6) بمعنى: (عن) نحو قولهم في الدعاء: (اللهْ يِرْضَى عَلَِيكْ) أي: عنك، وهذا المعنى ثابت في اللغة، ومنه قول القحيف العقيلي:

إذا رضيت علي بنو قشير

لعمر الله أعجبني رضاها

أي: رضيت عني[3] .

(7) وتكون اسماً للاستعلاء بمعنى (فوق) نحو: (طُِحْتْ مِنْ عَلَى الْبَِيتْ).

ومن وظائفه في اللهجة علاوة على ما ذكر:

(8) قيامه مقام الباء بشكل مجرد، ومنه قولهم السائر: (مَا يِصَّدَّگُوا إلا عَلَى مَا يِكْرَهُوْا.

(9) معنى: (الباء) أو (من) لإفادة دخول العنصر في تركيب المادة بشكل رئيسي، ويكثر هذا في أسماء المأكولات نحو: (عَِيشْ مْحَمَّرْ بِالدِّبْسْ) أي: رز محمر بالدبس، ونحو: (مْرَبَّى عَلَى جِحْ) أي: مربى مصنوع من الجح.

(10) أو لإفادة الاستمرار والمماثلة وهذا عند السؤال به مع حرف الاستفهام، نحو: (عَلَى چَمْ بِعْتْ فِيهُِمْ؟) لأن الباء هنا لا يفيد هذا المعنى، وإنما يفيد التفرد فلا تقول: (بْچَمْ بِعْتْ فِيهُِمْ؟)، وأنت تريد المعنى الأول.

(11) معنى حرف العطف (الواو) كما تقدم في الحلقة السابقة من هذا البحث، ويتشرط التجانس والمماثلة في الحالة بين المتعاطفين، ومثاله: شخص يصف مجموعة من المشار إليهم فيقول: (اِنْتَ عَلَى هَادَا، عَلَى هَادَا كِلْكُمْ مَا فِيكُِمْ فَايْدَهْ)، أي: كلكم أنت وهذا وهذا...

(12) لإفادة تعدد الأشياء، أو اختلاطها نحو: (مَرْ عَلَِينْا فْلانْ وِالا فْيَابِه مْصَبَّغَهْ أْحْمَرْ عَلَى أَزْرَگْ، عَلَى أََخْضَرْ)، وقد يعني هنا حرف الجر (في)، فيكون معناها: أحمر في أزرق في أسود.

(13) ويقوم مقام كاف التشبيه أو (مثل)، أو مقام (اللام) التي تعني المشابهة، ومثاله قولهم السائر: (الْحَبْ يِطْلَعْ عَلَى بَدْرُِهْ)، أي: كبدره، أو مثل بدره، أو لبدره، وهذا يشابه قول العرب: (الولدُ لأبيهِ).

(14) بمعنى: (على الرغم) نحو: (عَلَى اللِّيْ صَارْ لِهْ وَلا هُوْ مْهَوِّنْ) أي: على الرغم من الذي حدث له إلا انه لم يتب أو إلا أنه لم يرعوِ.

(15) يعطي مع (ما) المصدرية معنى (حتى)، و(أن) المصدريتين، ومنه قولهم السائر: (عَوِّدْ الأَبْدانْ عَلَى مَا تِعْتَادْ) أي: حتى تعتادَ، أو إلى أن تعتادَ.

* (عن) وله خمسة معان:

(1) المجاوزة والبعد، نحو: (رَحَلْتْ عَنِ الْبَلَدْ).

(2) البدل نحو: (تْوَلَّاهْ عَنِّيْ وْأَجْرُِكْ عَلَىْ اللهْ).

(3) التعليل نحو: (وَافَگْ عَنْ طَمَعْ) أي: لأجل الطمع.

(4) بمعنى (بَعْدْ)، نحو: (اِنْ شَا اللهْ عَنْ گَرِيبْ نْشُوفُِكْ).

(5) ويكون اسماً بمعنى (جانب) إذا وقع بعد (من)، نحو: (مَشَِيتْ مِنْ عَنْ يَمِينُِكْ)، والأشهر في اللهجة أن يقال: (مَشَِيتْ مِنْ عَلَى يَمِينُِكْ).

* (في): من معانيه:

(1) الظرفية الزمانية والمكانية، ومنه قولهم السائر: (لِحْسَابْ فِيْ لِجْرَابْ)، ونحو: (مَشَِيتْ في النَّهَارْ).

(2) بمعنى الحرف (على): كقوله تعالى: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِيْ جُذُوْعِ النَّخْلِ[4]  أي: على جذوع النخل، وقول الشاعر:

وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة

فلا عطست شيبان إلا بأجذعا[5] 

ومثاله في اللهجة: قولهم في دعوة الشخص (زَارَُوكْ فِيْ جِدْعْ)، أي: ربطوك على جذع، وقول تلاميذ الكتاب: (عَلَّگَُوهْ فِيْ الْمِشْكَلهْ)، وهي الخشبة التي تصلب فيها رجلا التلميذ المشاغب أو المقصر للعقاب.

وهذا الحرف كما ترى في اللغة مكسور الفاء ساكن الياء، ولكنه يتعرض في اللهجة للانتقاص والتصرف في حركته حين جر الاسم الظاهر به تبعاً لما قبله وبعده من الكلام، فكثيراً ما تحذف الياء منه وتبقى الفاء بكسرتها لتدل على الياء المحذوفة، وذلك عند السرعة في الكلام وعدم التأني في النطق، طلباً للخفة والتسهيل نحو قولهم السائر: (رْجُولْ فِـ الشَّامْ، وُِرْجُولْ فِـ عْمَان)، أي: في الشام، وفي عمان، وتبقى الفاء محتفظة بكسرتها ما دام ما بعدها مكسوراً، كقولهم: (أَخْضَرْ فِـ السّوگ) أما إذا كان ما بعدها مفتوحاً أو مضموماً فإن حركتها تزول وتتبع حركة ما بعدها، كقولهم في تحية الوداع: (فَمَانْ اللهْ)، أي: في أمان الله، وقد تكون حركتها الطارئة الناتجة عن حركة ما بعدها مائلة نحو الكسرة حركتها الأصلية، كقولهم في الحزّاية (الأحجية) المشهورة (أَخْضَرْ فِـ السُّوگْ أَحْمَرْ فُِمُِّكْ) أي: في أمك، وتارة تكون ساكنة ومتحركة في آن واحد فإن شاء الناطق به سكنها وأن شاء حركها بالكسر كما في قولهم السائر: (الزِّبْدهْ فِْرَاسْ الشَِّيطَانْ)، أي: (في رأس)، وقد تكون الفاء ساكنة إذا وصلت بالحرف الذي بعدها إذا كان هذا الحرف متحركاً بعده حرف ساكن نحو: (فِلْمَالْ وْلا فْلِعْيالْ) أي: في العيال.

* (اللام) أشهر معانيه:

(1) الملك نحو: (الگَلَمْ لَسَعيدْ).

(2) الاختصاص نحو: (النَّجَاحْ لَلْعَامْلِِينْ).

(3) بمعنى إلى نحو: (مَدَِّيتْ إِيدِيْ لَهْ)، أي: إليه[6] ، ومنه قول الله تعالى: ﴿ بِأَنَّ رَبَّكّ أَوْحَى لَهَا[7]  أي: أوحى إليها، وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِيْ هَدَانَا لِهَذََا[8]  أي: إلى هذا[9] .

(4) السببية نحو: (جِيتْ لَلْعِلْمْ).

وهو مكسور في اللغة مع الاسم الظاهر كما في الآية الكريمة ﴿الْحَمْدُ لِلَََّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ، ومع ياء المتكلم كقوله تعالى: ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ، وتفتح مع غيره من الضمائر نحو قوله تعالى: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا، وقوله تعالى ﴿وَهُو الَّذِيْ خَلَقْ لَكُمْ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ[10] .

أما اللهجة فالغالب عليه أنه مفتوح مع المظهر، لأنهم ينظرون إليه إنما هو في الأصل حرف الجر (إلى) وخفف فصار (لـ)، وهذا الفتح لا يظهر إلا حين استعماله للجر، أما إذا كان معطلاً أي منفرداً فالكسر فيه أقرب من الفتح، وفي سر الصناعة لابن جني عن أبي عبيدة والأحمر ويونس أنهم سمعوا العرب تفتح اللام الجار مع المظهر، وفي لغة هؤلاء يقولون: المال لَلرجل[11] .

وقال ابن خالويه: حكى أبو زيد: أن من العرب من يفتح كل لام إلا في قولهم ﴿الْحَمْدُ لِلَََّهِ، يريد اللام الجارة للاسم الظاهر الصريح، أو لـ(ياء) المتكلم، وحملت على هذه اللغة قراءة أبي السمال، وقراءة عبد الوارث عن أبي عمرو[12] .

وتنوب عنه كلمة (حَگْ)، نحو: (صَايُِرْ طْنَازَهْ حَگْ النَّاسْ) أي: مضحكة للناس، ومنه قول الشاعر الملا عبد المحسن العقيلي من تاروت:

يَا أَهِلْ مَيَّاسْ يَا سَادَاتْهَا

اِنْتُو لِمْلَبِّينْ حَگْ اصْوَاتْهَا

يريد: لأصواتها.

* (من) ومن أشهر معانيه المتداولة:

(1) ابتداء الغاية في الزمان والمكان نحو: (گَعَدْتْ (گَعَتْ) من أَصْبَحَتْ لِعْبَادْ إِلى لُظْهُرْ (الظهُرْ)، (مَشَِيتْ مِنْ الْجِشْ إْلَى الَجَارُودِيَّهْ)، وأهل اللهجة في هذه الناحية يتبعون مذهب أهل الكوفة، قال ابن الأنباري: ذهب الكوفيون إلى أن (مِنْ) الجارة يجوز استعمالها في الزمان والمكان، ومذهب البصريين أنه لا يجوز استعمالها في الزمان، أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه يجوز استعمال (مِنْ) في الزمان أنه قد حاء ذلك في كتاب الله تعالى، وكلام العرب، قال الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، وقال زهير:

لمـن الديار بقنة الحجر

أقوين من حجج ومن دهر

فدل على أنه جائز[13] ، وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: أجمعنا على أن (مِنْ) في المكان نظير (مُذْ) في الزمان، لأن (مِنْ) قد وضعت على ابتداء الغاية في المكان، كما أن (مُذْ) قد وضعت على ابتداء الغاية في الزمان، ألا ترى أنك تقول: ما رأيته مُذْ يَوم الجمعة، فيكون المعنى ابتداء الوقت الذي انقطعت في الرؤية، يوم الجمعة، كما تقول: ما سرت من بغداد، فيكون المعنى: ابتدأت بالسير من هذا المكان، فكما لا يجوز أن تقول: ما رأيته من يوم الجمعة، لا يجوز أن تقول: ما سرت مذ بغداد[14] ، وهذا الخلاف والجدل كما يقول الدكتور إبراهيم السامرائي: يظهر أن البصريين قد تمسكوا بجدل منطقي، واعتمدوا على استعمالات اصطنعوها هم أنفسهم، ولم يعتمدوا على أمثلة مستقرأة في الثابت من النصوص والاستعمالات، وأن الكوفيين أسد رأياً وأصوب منهجاً ذلك أنهم اعتمدوا استعمالات بنوا عليها رأيهم، وهذا وجه صائب[15] .

(2) التبعيض فتسد بعض مسدها نحو: (خَرَجْتْ مِنْ لِفْلُوسْ) أي: بعضها.

(3) بيان الجنس نحو: (عِنْدِيْ فَِوبْ مِنْ حَريرْ).

(4) السببية أو التعليل: ومن ذلك قولهم السائر: (جَُودَتِهْ مِنْ عَمَاهْ) أي: إن تقواه وورعه بسبب عدم معرفته بطريق الغواية.

(5) المقابلة: نحو قولهم السائر: (فَرْگْ سْهَِيلْ مْنْ الْجَدِيْ)، ونحو: (وَِينْ هَادَا مِنْ دَا)؟.

(6) البدل: نحو: (الچِدْبْ مَا يِغْنِيْ مْنْ الْحَگْ شِيْ).

(7) التأكيد: وهو الزائد، والموجود منه فيما يخص النفي فقط نحو: (لا بَاسْ عَلَِيكْ مِنْ رَجَّالْ).

وتحذف نونه في بعض المواضع كما في قولهم السائر: (غَابْ زَِيدْ حَضَرْ عَمْرْو امْبَدَالِهْ)، وقولهم: (هَادَا امْبَدَالْ)، أو تدغم إذا كان ما بعدها ميماً كما في: (امَّالَ اللهْ)، والاصل: (مِنْ بَدَالْ)، و(مِنْ مَالَ اللهْ).

وقد يعرض لنونه التشديد كما يعرض لأخيه (عن) عندما يجر بهما (كاف المخاطب)، و(شين، أو تس أو چاء المخاطبة)، أو (هاء الغائب)، لتسمع: (عَنُِِّك)، و(منُِِّك)، و(عنِّش) (عنِّچ) و(منِّش) (منِّچ)، (عنِّه)، و(منِّه)، والشاهد له في الأقوال السائرة: (بَالُِكْ عَنِّهْ لا تْعَرْگِلْ لِهْ)، ولكن هذا التشديد ليس لازماً وإنما هو أمر اختياري، وإن كان هو الغالب لأنه الأوفق للتحريك هرباً من ثقل المقطعين الساكنين، وقد تخرج نونه ونون أخيه (عن) مخفية أو معلقة بالكاف عندما يجر بهما كاف المخاطب فتخرج من الخيشوم نوناً بغنة، وذلك حين نطق النون مخففة بالسكون لا التشديد، لأن الكاف من حروف الإخفاء، وهذه النون في هذا الموضع كما يقول الأستاذ مصطفى الرافعي: في منطق كثير من أشراف العرب[16] ، وقد يكون مبدوءاً بالسكون إذا كان الاسم الذي بعده يبدأ بسكون عارض في اللسان كما في: من حسين، وبدؤه بالسكون عن طريق ألف الإسناد هرباً من ثقل النطق بكسر بعده ساكنان، وهما النون، والحرف الأول من الاسم، لتسمع: (امْنْ حْسَِينْ) لأن الحاء تبدأ بسكون عارض في اللسان، ويتكأ على ألف الإسناد للفصل بين السواكن، وقد يكون متردداً بين السكون والكسر حركته الأصلية في هذا الموضع لتسمع: (مِنْ حْسَِينْ)، كما تسمع: (امْنْ حْسَِينْ) الصورة المتقدمة.

* (واو القسم):

وهو في اللغة مفتوح دوماً كواو العطف كما ترى، أما في اللهجة فهو مضطرب ويعرض له ما يعرض لواو العطف فتارة يكون محركاً بإحدى الحركات الثلاث، وتارة مبدوءاً بالسكون، (السكون مائل نحو الضمة كما لو كنت تنطق (او) مضمومة الألف لمحاً لصوت الواو خصوصاً عند التأني في النطق)، ولا يأتي محقق الفتح إلا مع لفظ الجلالة (الله) لأنه منقول عن أصله في اللغة كما سبق بيانه في الحلقة السابقة من هذا البحث.

ومن الجدير بالذكر أن البصريين يمنعون إنابة الحروف الجارة عن بعضها قياساً، كما لا تنوب حروف الجزم والنصب بعضها عن بعض، وما أوهم ذلك محمول على تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحروف أو على شذوذ النيابة، والكوفيون يجوزون نيابة بعضها عن بعض قياساً، وقد رجح ابن هشام مذهبهم فقال: "ومذهبهم أقل تعسفاً"[17] .

الضمائر

للضمائر بنوعيها المنفصلة والمتصلة عدة صوره منها ما هو موافق للغة المشتركة ومنها ما هو متوارث عن لهجات القبائل القديمة، ومنها ما هو محور أو مغاير، كما قد تختلف الصورة من ناحية لأخرى، وقد تتفق لهجة النواحي على صورة واحدة في بعضها، وفي ما يلي بيان هذه الصور:


(1) الضمائر المنفصلة

المتكلم المفرد المذكر وله صورتان:

الأولى: (أنا): كما هو في اللعة المشتركة وهي لهجة عامة نواحي الواحة.

الثانية: (آَنَا): بالمد وهي لهجة أم الساهك، ودارين، والزور، وبعض نواحي الخليج، حصل فيه قلب مكاني كما يقول الدكتور مناف الموسوي فتقدمت اللام التي (هي الألف) في (أنا)، على العين التي هي النون فتحولت إلى مدة)، فأصبح (آنَ)، وعقب الموسوي قائلاً: ومثل هذا الاستعمال للضمير: (أنا)، ليس غريباً على اللهجات العربية القديمة، فقد حكى الفراء: (آنَ فعلت)، كما نسب هذه اللهجة صاحب التهذيب إلى قضاعة، واستشهد لها بقول عدي:

يا ليت شعري آنَ ذو عجة

متى أرى شَرباً حَوالي أصيصْ ؟[18] 

ويتحول بعد (ما) النافية إلى (آني) عند ذوي الانتماء القبلي (غير أنه تحذف مدته فلا تظهر فيصير (ماني) للتخفيف.

* المتكلم المفرد المؤنث (أنا):

وله صورتان:

الصورة الأولى: (أنا) كما هو في اللغة، وهي لهجة نساء الملاحة، وعنك (العليوات)، وسيهات، وذوي الانتماء القبلي، مثل: بني خالد، وبني هاجر، وغيرهم، وتثبت الألف في الوقف وتحذف في الوصل، ويقتصر على الألف والنون المفتوحة سواء في الصورة المستعملة للمؤنث أو المستعملة للمذكر المتقدمة، وهي الصورة التي شاعت في اللغة المشتركة وبها قرأ الجمهور[19] .

الصورة الثانية: (أَنِيْ) بفتح الهمزة وكسر النون بعدها ياء، وصورة هذا الضمير تتفق مع صورته في العبرية، التي تقابل (أنا) العربية ولكنه يستعمل للمذكر والمؤنث كما يستعمل أنا في العربية للاثنين[20] ، ولا أدري إن كانت تسربت منها أم لا، إذ لا يوجد دليل على ذلك، وليس للهجة صلة بهذه اللغة، وهي لهجة البقية، ومنه قولهم السائر على لسان المرأة الفطنة المدبرة:

گَالَتْ الشَّاطْرهْ أَنِيْ بِتْ الرّجَالْ

وَأنِيْ بِـتِّ لِمْعَـزَّهْ وُِالـدَّلالْ

ومع أن الضمير (أنا) يستعمل في اللغة للمؤنث كما يستعمل للمذكر كما ترون، وأن صورته في النواحي المذكورة هي الصورة الموافقة لصورته في اللغة، ولكنه لما كان الضمير (أَنِيْ) هو الغالب على لهجة هذه الواحة، لذا فهم يعيبون ويستنكرون أن تقول امرأة: (أَنَا)، لاعتقادهم ولما درجوا عليه أنه للرجل: بقولهم: (وَيشْ هُوْ مَرَهْ تْگُولْ أَنَا؟!، چَى هيْ رَجَّالْ حتَّى تْگوُلْ أَنَا؟)، ومن شواهد هذا أنه في إحدى زيارات الشيخ علي أبي الحسن الخنيزي لقرية الملاحة، وكانت في النخل المسمى بالصبخة، ومن جلسائه الخطيب علي درويش، والحاج عيسى سلام من أهالي الجش، فبينما هم في المجلس إذ قال الحاج عيسى: (يا ملا علي كيف نساؤكم تقول: (أنا) مع أن هذا للرجال؟، بل من المفروض أن تقول المرأة أني؟) فأجابه: بأننا نتكلم العربية بخلافكم، قال تعالى:﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِِي شَيْخَاً إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ ففي الآية قال: (أنا)، ولم يقل: (أَنيْ)، فسكت الحاج عيسى، ثم خاطبه سماحة الشيخ علي ملاطفاً له أجب الملا علي فلم يتكلم[21] ، وقد سبق لي أن سألت سيهاتياً لأتحقق من صورة هذا الضمير في لهجتهم: (الْمَرهْ عِدْكُمِْ تْگُولْ: أَنَا لَوْ أَنِيْ؟)، فأجاب: (الْمَرَهْ عِدْنَا تْگُولْ: أَنَا، أَنِيْ هَادِيْ مَالَةْ الْگَطِيفْ)، كما سألت عليوياً (أحد أفراد العليوات) الساكنين في عنك) مثل هذا السؤال، فأجاب بنفس ما أجاب السيهاتي، ولم يعقب بل اكتفى بقوله: (الْمَرهْ عِدْنَا تْگُولْ: أَنَا).

* المتكلم المثنى والجمع بنوعيه: المذكر، والمؤنث (نحن):

وله صورتان:

الصورة الأولى: (حِنَّا) بكسر الحاء وتشديد النون، وهي لهجة ذوي الانتماء القبلي مثل: بني خالد، وبني هاجر وغيرهم.

الصورة الثانية: (حْنَا) بسكون الحاء وفتح النون، وهي لهجة بقية أنحاء الواحة.

* المفرد المخاطب المذكر:

وله ثلاث صور:

الصورة الأولى: (أَنتْ) بفتح الهمزة وسكون التاء، وهي لهجة ذوي الانتماء القبلي كبني خالد وبني هاجر، وأم الساهك، وأبو معن.

الصورة الثانية: (إنتَ) بكسر الهمزة وفتح التاء، في حال وصله بما بعده من الكلام، أو الوقوف على أخره بالفتح.

الصورة الثالثة: (إنتْ) في حال الوقوف على آخره بالسكون، والصورتان الأخريان هما لهجة البقية.

* المخاطبة المفردة (أنتِ):

وله ثلاث صور:

الصورة الأولى: (إنْتِيْ) بكسر الهمزة وسكون النون وكسر التاء بعدها ياء ساكنة، وهي لهجة: أم الساهك، ودارين، والزور وبني خالد، وبني هاجر.

الصورة الثانية: (إِنْتِينَ) بنفس حركات الصورة الأولى مع زيادة نون مفتوحة، وهي لهجة الكتلة السكانية المركزية الحاضرة (القلعة)، وما حولها كـ(الشويكة)، و(الدبابية)، و(مياس)، و(الكويكب)، و(الشريعة)، و(المدارس)، و(الجراري)، و(باب الشمال)، فقط في حال وصله بما بعده من الكلام حتى لوكان مقدراً محذوفاً.

الصورة الثالثة: (إِنْتِينْ) بنفس حركات الصورة الأولى مع زيادة نون ساكنة، وهي لهجة البقية، كما أنها لهجة الكتلة السكانية المركزية المتقدمة في حال الوقوف عليه أو قطعه عما بعده من الكلام، وقد جاءت صورة الضمير هذه في قولهم السائر شعراً على لسان المرأة الفطنة المدبرة تعير ضرتها الكسولة البائرة:

وِانْتِينْ يَا شَِينَةْ لِگْبَالْ

لَُوْ تْجِّي أُمِّشْ غَايْبَهْ مِنْ سَنَتَِينْ

وهذا الضمير وما قبله من الضمائر التي تبدأ بهمزة مثله فإنها تتحول إلى همزة وصل في حالة وصلها بما قبلها من الكلام، وهمزة قطع في حالة فصلها عما قبلها من الكلام.

* جمع المخاطبين:

وله ثلاث صور:

الصورة الأولى: (إِنْتُوْ) بكسر الهمزة وسكون النون، وضم التاء بعدها واو ساكنة، وهي لهجة: أم الساهك، ودارين، والزور، وبني خالد، كما أنها لهجة تاروت على الأكثر.

الصورة الثانية: (إِنْتُونَ) بنفس حركات الصورة الأولى الثلاث وضم الواو، مع زيادة نون مفتوحة، وهي لهجة الكتلة السكانية المركزية المتقدمة فقط في حالة وصله عما بعده من الكلام حتى ولو كان الكلام مقدراً.

الصورة الثالثة: (إِنْتُونْ) بنفس حركات الصورة الأولى الثلاث وضم الواو وزيادة نون ساكنة، وهي لهجة البقية، كما أنها لهجة الكتلة السكانية المركزية المتقدمة في حال الوقوف عليه أو قطعه عما بعده من الكلام.

والصورة الثالثة لهذا الضمير، وصورة الضمير (انتين) توافقان الصورتين الموجودتبن في الآرامية، وهما موجودتان أيضاً في قرى بحرانية كثيرة منها: جدحفص، وتوبلي، وسترة، وسنابس، وسند، وعالي، وجزيرة النبيه صالح)[22] ، وقد سمعهما الدكتور عبد العزيز مطر ولاحظهما ووصفهما بالنادرتبن عند تسجيله لهما في كتابه: (ظواهر نادرة في لهجات الخليج العربي)[23] .

وحينما أدرك الشيخ سليمان المدني أحد قضاة الشيعة في البحرين دهشته أخذ يحدثه: (انتين): للمفردة المخاطبة، (انتون): لجمع المخاطبين والمخاطبات...... وعن الفعل الماضي: (سمعتون)، والمخاطبات وغيره من الأفعال: (شفتون)، و(رحتون)، و(عرفتون)، و(نجحتون)[24] ، ويتساءل الدكتور مطر: (هل جاءت من الآرامية؟)، ويجيب على ذلك: (أما الضمير (انتون) فهو في الآرامية والسريانية لجمع الذكور المخاطبين كما في لهجة البحارنة)[25] .

ويخلص من ذلك قائلاً: (ومما يؤيد انتماء الضمير (انتين)، و(انتون)، إلى الآرامية أن لهجة شيعة البحرين قد خلت أصواتها من الأصوات الأسنانية الثلاثة: (الثاء)، و(الدال)، و(الظاء) فهي تنطق على التوالي: (فاءً)، و(دالاً)، و(ضاداً)، وهذه الأصوات الأسنانية غير موجودة في الآرامية والسريانية، وقد خلت من جميع اللهجات المتأثرة بالآرامية والسريانية كلهجات سوريا ولبنان، ومصر، وفلسطين ما عد البدو في الصحراء الغربية والشرقية[26] ، ويذكر نقلاً عن الدكتور مراد كامل في كتابه (اللهجات العربية الحديثة في اليمن): أن أهل الحجرية في اليمن الشمالية يقولون للمخاطبين: (انتون) بواو ممالة، وللمخاطبات: (انتين) بياء ممالة)[27] .

ويلحق بهذه الظاهرة حذف ميم الجمع الذكور المتصلة بتاء الفاعل المسند إليها الفعل الماضي واستبدالها بالواو، فيقال في أكلتم (مثلاً): (أَكَلْتُوا) عند من يحذفون النون مطلقاً، و(أكَلْتُونْ) عند من يثبت النون مطلقاً حتى للفعل الماضي المسند إلى هذه الواو، وعلى هذا قول الشاعر: (أًخَدْتُونْ العَگِلْ اِخْدُوا البَگيَّهِْ).

وهذه الواو المبدلة إما أن تكون واو جماعة حقيقية، وإما أن تكون ناتجة عن إشباع حركة تاء الفاعل وهي الضمة، فتحولت هذه الضمة واواً بفعل الإشباع فصارت صورة الفعل هكذا: (أَكَلْتُوْ)، وبإضافة النون للفعل عند الفريق الثاني صارت: (أكلتون)، وإما أن تكون هذه الواو ناتجة عن إشباع حركة هذه الميم، فصارت صورته بعد هذه الإشباع: (أكلتمو)، ثم حذفت الميم تخفيفاً وأبقيت حركتها المشبعة فصارت صورة الفعل هكذا: (اكلتو)، وبإضافة النون للفعل عند الفريق الثاني: (أكلتون)، وقد ذهب الأستاذ سالم النويدري في (أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين) إلى: أنه حصل قلب لميمه إلى (نون) فصار: (انتون) بدل: (أنتم)، مع إشباع الضمة التي قبل تلك الميم فصارت واواً، كما رأيت، ومثل ذلك يحصل في الأفعال الماضية أيضاً[28] .

* المفرد الغائب (هُوَ):

وله أربع صور:

الصورة الأولى: (أُهُوْ) بضم الهمزة والهاء، وسكون الواو، وهي لهجة: أم الساهك.

الصورة الثانية: (أُهْوَا) بنفس حركتي الصورة السابقة وفتح الواو مع زيادة ألف في آخر الصورة، وهي لهجة: دارين، والزور فقط.

الصورة الثالثة: (هُوْ) بضم الهاء وسكون الواو، وهي لهجة: أم الحمام، وبني خالد، وبني هاجر، وهي لهجة تاروت وسنابس أيضاً بصورة قليلة، كما أنها لهجة الكتلة السكانية المركزية المتقدمة في حال الوقوف عليه أو قطعه عما بعده من الكلام، وقد نسب الكسائي (ت نحو 189هـ) هذه الصورة إلى بني أسد، وتميم، وقيس حيث كانوا يقولون: (هوْ فعل ذلك) بإسكان الواو، بينما اقتصر في نسبة صورة الضمير (هي) بإسكان الياء الآتية إلى أسد، وقيس فقط، وتلاحظ أن صيغة المذكر قد نسبت إلى أسد، وتميم، وقيس، وأما صيغة المؤنث فقد اقتصرت على أسد، وقيس، ويرى الدكتور ضاحي عبد الباقي محمد: أنها أيضاً كانت من خصائص تميم قياساً على صيغة المذكر، خاصة وأن اللغويين لم يكونوا يحصرون اللغات الخاصة بكل ظاهرة ولم يكن لهم في العزو للقبائل منهج محدد دقيق[29] .

الصورة الرابعة: (هُوُهْ) بضم الهاء والواو مع زيادة هاء ساكنة، وهي التي تسمى هاء السكت، وهي لهجة البقية، كما أنها لهجة تاروت وسنابس أيضاً بصورة أكثر من السابقة، ولهجة الكتلة السكانية المركزية المتقدمة في حال وصله بما بعده من الكلام، وهي لغة صحيحة لا غبار عليها ومنه قول الشاعر:

إذا ما ترعرع فينا الغلام

فما إن يقول له من هوه[30] 

* المفردة الغائبة (هِيَ):

وله ثلاث صور:

الصورة الأولى: (إِهْيَا): بكسر الهمزة، وسكون الهاء وفتح الياء بعدها ألف، وهي لهجة دارين، والزور، وأم الساهك.

الصورة الثانية: (هِيْ) بكسر الهاء وسكون الياء، وهي لهجة: صفوى، وأم الحمام، وبني خالد، وبني هاجر، وهي أيضاً: لهجة تاروت، وسنابس بصورة قليلة، كما أنها لهجة الكتلة السكانية المركزية المتقدمة في حالة قطعه عما بعده من الكلام.

الصورة الثالثة: (هِيِهْ) بكسر الهاء والياء وزيادة ما يسمى بهاء السكت الساكنة، وهي لهجة البقية، كما أنها لهجة الكتلة السكانية المركزية المتقدمة في حال وصله بما بعده من الكلام، وهي أيضاً: لهجة تاروت، وسنابس على الأكثر[31] .

* جمع الغائبين (هم):

وله ثلاث صور:

الصورة الأولى: (هَمْ) بفتح الهاء مطلقاً وسكون الميم، وهي لهجة بني خالد فقط.

الصورة الثانية: (هِمْ) بكسر الهاء مطلقاً، وسكون الميم، وهي لهجة: صفوى، والعوامية، والآجام، والقديح، والتوبي، والخويلدية، ويأتي الحديث عن هذه الظاهرة عند الحديث عن ضمير الغائبين المتصل.

الصورة الثالثة: (هُمْ) بضم الهاء مطلقاً، وسكون الميم، وهي لهجة بقية نواحي الواحة.

(2) الضمائر المتصلة

* المتكلم المفرد المذكر والمؤنث (ي) وله أربع صور:

الصورة الأولى: بالوقوف عليه بالسكون للتخفيف.

الصورة الثانية: بالتشديد مع الكسر.

الصورة الثالثة: بالفتح ويلحقه هاء السكت.

الصورة الرابعة: بالفتح والتشديد ويلحقه هاء السكت.

وسيأتي بيان هذه الصور والنواحي التي تستعمل أياً منها بشكل مفصل إن شاء الله في فصل: (وضع الضمائر المتصلة مع حروف الجر) في الحلقة القادمة.

* المتكلم المثنى والجمع بنوعيهما المذكر والمؤنث (نا):

وله صورة واحدة كما هو في اللغة، وفتحة نونه مائلة نحو الكسر، والتالي ألفه مائلة نحو الياء، وهذه الصورة هي المتداولة عند جميع نواحي الواحة مطلقاً، وهي الصورة المعروفة حتى في اللغة، ولا تجد من ينطقها بالفتح إلا من كان موغلاَ في البداوة، ولا يتحقق فيه الفتح إلا بمجيء أحد الضمائر التالية: المخاطب، والمخاطبين، والمخاطبة، والغائب، والغائبين، وهذا في لهجة أهل الفتح، أما في لهجة أهل الإمالة فهو باق على حاله حتى بعد مجيء هذه الضمائر.

وقد يعرض لنونه التشديد كما لو كانت مدغمة في نون الكلمة المسند إليها بعض أمثلة الفعل المضارع المسند إلى واو الجماعة كما في: (يِنْفَعُوْا) (يِنْفَعُونْ)، وماضيه: (نَفَعَوا) (نَفْعَوا) لتسمع: (يِنْفَعُونَّا) و(نَفَعَُونَّا)، ولكنهم قد يحذفون النون ويتخلون عن التشديد عندما يرغب أحدهم في الخفة والمجهود العضلي، وكذا الفعل الماضي المعتل بالألف المقصورة المسند إلى هذا الضمير، كما في الفعل: (ودَّى) (أدَّى) الذي يصير: (ودَّونَّا)، ولكن الغالب هو الحذف للتخفيف: (ودونا)، كما يحصل التشديد في الفعل المسند إلى هذا الضمير إذا كان هذا الفعل منتهياً بهمزة بسبب إدغام الهمزة في نون الضمير، نحو: (جَانَّا مُضَّايُِگْ مَا عَادْ إلا يْصِيحْ)، ومنه ما جاء في قول الشاعر الملا يعقوب الهاجري من سنابس تاروت:

(عَنْلاَ تْجِينَّا النَّاصْفَهْ وْلُغْتَرْ كَسِيفَهْ).

ويلحق بهذا الباب بعض الأسماء المضاف إليها هذا الضمير كما في: (أخونَّا)، و(أبونَّا)، أي: أخونا، وأبونا، وفي بعض الأسماء المضاف إليها هذا الضمير، نحو: (زملانَّا)، (ورانَّا)، أي: زملاؤنا، ووراءنا، وقد يكون التشديد هنا ناتجاً عن إدغام الهمزة في نون الضمير، وليس تشديداً عرضياً.

* المفرد المخاطب (كَ):

وصورته واحدة كما هو في لغة جميع أنحاء الواحة، إلا أنه موقوف عليه بالسكون مطلقاً في جميع اللهجات، وإنما تختلف حركة الحرف الذي قبله في لهجات النواحي من لهجة لأخرى تبعاً لوضعه في تلك اللهجة وأثر الحروف المجاورة له، فعند من يعتدون بأثر الحروف المجاورة، أو يغلب عليهم التفخيم تجده مضموماً غالباً لأن الضمير كاف، و(الكاف) من حروف الاستعلاء عندهم، أما من تسود في لهجتهم الإمالة والترقيق أو لا يعتدون بأثر الحروف المجاورة كثيراً فهو مكسور أو مائل نحو الكسرة غالباً، وقد يكون الضمير والحرف الذي قبله ساكناً كما في: (رَحَمْكْ الله)، و(لَعَنْكَ اللهْ) وقد يكون غير ذلك، وقد سبق الحديث عن ذلك بشكل أكثر تفصيلاً في أماكن متفرقة من هذا البحث، ومن ذلك في الحديث عن ظاهرتي ضم عين الفاعل وظاهرة الوقف في الحلقتين الثالثة والرابعة منه[32] .

وقد يدغم الحرف الذي قبله فيه في لهجة الآجام بصفة خاصة إذا كان هذا الحرف تاء تأنيث طلباً للخفة، كما في: (سَِياركّ) أي: سيارتُك.

* المفردة المخاطبة (كِِِ):

وله ثلاث صور:

الصورة الأولى: (تس) وهي ما تعرف بظاهرة الكسكسة، وهي لهجة ذوي الانتماء القبلي كبني خالد وبني هاجر وغيرهم.

الصورة الثانية: (چ) بالجيم الفارسية المثلثة (الچاء)، وهي لهجة: الزور، ودارين، وعدد من المراكز الحضرية في الكويت وقطر والبحرين والإمارات.

الصورة الثالثة: (ش): وهي ما تعرف بظاهرة الكشكشة، وهي لهجة البقية وقد سبق الحديث عنها وأختها الكسكسة بشكل مفصل في الحلقة الأولى من هذا البحث[33] .

 وقد يدغم الحرف الذي قبله فيه في لهجة الآجام بصفة خاصة إذا كان هذا الحرف تاء تأنيث طلباً للخفة، كما في: (سَِيارَشّ) أي: سَيَّارَتُكِ.

* جمع المخاطبين (كم):

وله ثلاث صور:

الصورة الأولى: بفتح الكاف مطلقاً وسكون الميم مطلقاً، وهي لهجة بني خالد خاصة فيقولون: (بكَم)، و(لكَم)، وهذه لهجة لم نجد من النحاة أو المهتمين بالدراسات اللغوية من نسبها إلى قبيلة معينة من قبائل العرب القديمة التي كانت تسكن المنطقة، ولم يكنها.

الصورة الثانية: كِمْ: بكسر الكاف مطلقاً وسكون الميم وهي ما تعرف بظاهرة الوكم، وهي لهجة: صفوى، العوامية، الآجام، القديح، التوبي، الخويلدية، ويأتي الحديث عن هذه الظاهرة عند الحديث على الوهم أي: كسر الهاء من هم في هذه الحلقة.

الصورة الثالثة: (كُمْ) بضم الكاف مطلقاً، كما هي عليه في اللغة المشتركة، وهي لهجة البقية.

وقد يدغم الحرف الذي قبله في كافه في لهجة الآجام بصفة خاصة إذا كان هذا الحرف تاء وبالأخص تاء تأنيث طلباً للخفة، كما في: (بَِيكِّمْ)، و(سَِياركِّمْ) أي: بيتكم، وسيارتُكم، ولكنه قليل.

* المفرد الغائب[ه] :

وله صورة واحدة في جميع أنحاء الواحة، وهي الوقوف عليه بالسكون مطلقاً، وإنما تختلف حركة الحرف الذي قبله في لهجات النواحي من لهجة لأخرى تبعاً لوضعه في تلك اللهجة وأثر الحروف المجاورة له فيها كما سيأتي، أما في اللغة فإن حركته تختلف تبعاً لموقعه من الجملة، لأن القاعدة العامة في هاء الغائب أن تضبطه بالضم مثل: (ضَرَبَهُ)، وتكسر بعد الكسر أو الياء الساكنة مثل: (مَرَّ بِهِ، وعليِهِِ)، وقد خالف الحجازيون فضموا الهاء في الحالتين، أما بنو تميم وشاركهم في ذلك القيسيون وبنو سعد قد شاركوا اللهجة المشتركة فكسروا الهاء[34] ، ونلاحظ أن اللغة الحجازية حافظت على الأصل وهو ضم الهاء من الضمير، في حالة عدم اتصال لفظ سابق به، أما الكسر فهو المحدث، وقد تم بتأثير الكسرة أو الياء[35] ، ولا يلحقه السكون في اللغة إلا حين الوقوف عليه، وعند الوقوف على الضمير فإن حركته قد تلقى على الحرف الذي قبله، فهذه الحركة التي تراها على الحرف التي قبل الضمير ليست حركة الحرف الأصلية وإنما هي حركة الضمير نفسه ذلك أن حركة الحرف في اللهجة إنما هي في الأصل السكون، لأنه يوقف عليه بالسكون، ويعنينا هنا أن فريقاً من تميم خالفوا القاعدة وذلك إذا كان الوقف على ضمير المفرد الغائب المتصل بكلمة سابقة، فالقاعدة أن تنقل الهاء إلى الحرف السابق إذا كان ساكناً، فيقال: مِنُهْ، ولكن شذ عن هذه القاعدة بطن من تميم فحركوا الحرف السابق للأخير بالكسر فقالوا (مثلاً): (ضَرَبْتِهْ) وهم في صنيعهم هذا لم ينقلوا الحركة الإعرابية وسكنوا مع ذلك الحرف الأخير للوقف فالتقى ساكنان فحركوا الأول بالكسر لأنه الأصل في التحريك عند التقاء الساكنين، واستثناء بني عدي هنا فيه دلالة واضحة، وهي أن بقية بني تميم كانوا ينقلون حركة الضمير إلى الصوت السابق[36] ، ومنه ما رووه لزياد الأعجم على أنه شاهد على هذه الظاهرة:

عجبت والدهر كثير عجبه

من عنزي سبني لم أضربه

والشاهد فيه قوله: لم أضربُهْ والأصل أضربْهُ، فنقل حركة الهاء إلى الباء[37] ، لأن الباء ساكنة لكون الفعل مجزوماً بالسكون الظاهر على آخره، وقد ذكر سيبويه في الكتاب: وسمعنا بعض بني تميم من بني عدي يقولون: قد ضربْتِه، وأخذْتِه[38] ، وفي الخصائص لابن جني عن أبي الحسن عن الأخفش: أن من لغة أزد السراة تسكين حرف النصب المتصل كقول القائل:

وأشرب الماء ما بي نحوه عطش

إلا لأن عيونهْ سال واديها[39] 

ولكن أهل اللهجة ينظرون حين إلقاء الحركة على هذا الحرف فإذا كان مستعلياً مفخماً أو مجاوراً لمفخم كانت هذه الحركة ضمة، كما في: (ضَرَبُهْ، و(صَلَخُهْ) وإن كان مستفلاً مرققاً أو مجاوراً لمرقق كانت كسرة كما في (عَمِّهْ، وخَالِهْ) ولا يعبأون بحركته الأصلية، وهذه صورته في لهجة من يعتدون بأثر الحروف المجاورة، أو يغلب عليهم التفخيم، أما من تسود في لهجتهم الإمالة والترقيق أو لا يعتدون بأثر الحروف المجاورة كثيراً فهو مكسور أو مائل نحو الكسرة غالباً، لذا قد تسمعهم يقولون: (ضَربِهْ)، و(صَلخِهْ) حتى في الموضع المتقدم، وتنفرد القلعة وتاروت الديرة، وما حولها وسنابس وذوو الانتماء القبلي بنطق الحرف الذي قبل هذا الضمير بالضم إذا كان هذا الحرف (حاءً)، أو (عيناً) لأنهما معدودان في لهجتهم من حروف التفخيم لذا: تسمع: (دَبَحُهْ)، وبَلعُهْ، في حين أن هذا لا يحدث في لهجة الفئة الأولى مع هذين الحرفين وباقي حروف الحلق إلا بمجاورتهما لحروف الاستعلاء، نحو: (زَرَعُهْ)، و(كَرَهُهْ) أو مع أصوات الاستعلاء نفسها كما في: (رَفيِگُهْ)، (مُخُّهْ)، (يْعُضُّهْ)، (يْغُوصُهْ)كما تقدم، وقد يضم الحرف الذي قبله حتى ولو لم يكن من الحروف المستعلية، وإنما لكونه ينطق مفخماً كالميم المفخمة (مثلاً) ولم توصل الكلمة بما بعدها نحو: (رَحَمُهْ)، ومن النواحي من ينطق هذا الحرف بالفتح في بعض المواضع وهي لهجة (عنك العليوات) فيقولون: (ارْبطَهْ)، كما يفعلون ذلك مع اللام المفخمة كما في: (خَالَهْ)، ويغلب الضم على لهجة ذوي الانتماء القبلي، وقد تسمعها كسرة مائلة نحو الفتح كما (لَِهْ) ربما لمحاً لحركة اللام الأصلية، وهي الفتحة وتلك ظاهرة عامة، وقد يكون الضمير والحرف الذي قبله ساكناً إذا وصلت الكلمة التي تنتهي بالضمير بما بعدها، وكانت الكلمة الموصولة متحركة المقطعين اللذين قبل هذا الحرف كما في: (رَحَمْهْ الله)، و(لَعَنْهْ اللهْ)، وهاء الضمير في الغالب تكون ضعيفة الظهور، هاء أشبه بالهاء الصامتة في اللغة الفارسية كالتي في (نَامَه): رسالة، (خَانَه): منزل، (بَچَّه): طفل[40] .

* المفردة الغائبة (ها):

وله ثلاث صور:

الصورة الأولى (ها): بفتح الصوت بالهاء مطلقاً: وهي لهجة أهل تاروت الديرة وما حولها، وسنابس.

الصورة الثانية (ها): بالإمالة غالباً، وهي لهجة أصحاب الإمالة الذين تقدم ذكرهم في الحلقة االأولى من هذا البحث[41] .

الصورة الثانية (ها): بفتح الصوت بالهاء في بعض المواضع وبالإمالة في مواضع أخرى، وهي لهجة البقية.

ولعل السبب في حدوث هده الظاهرة عند أهل الصورة الثالثة تأثر هذه الهاء بما قبلها من الحروف المجاورة، فإذا كان الحرف مستعلياً مفخماً ولو كان بفاصل نطق هذا الصوت محففاً، أما إذا كان مرققاً مستقلاً كان الصوت ممالاً، وهذه الظاهرة لا تحدث إلا إذا كان للحروف أثر معتد به في نطق الصوت، ويغلب إدغام الحرف الذي قبله في هائه وهاء ضمير الغائبين في لهجة أم الحمام إذا كان هذا الحرف تاءً طلباً للخفة، فيقال: (بيتَّا)، و(بيتُّم)، أي: بيتها، وبيتهم، وهو مشابه لحذف هذه الهاء من لفظ (كتابن) أي: (كتابهن) في اللهجة اللبنانية، ويعلق الدكتور أنيس فريحة أن هذه الصورة توافق لصورته في اللغة الآرامية وأن اللبناني عندما يتلفظ به فإنه يتلفظ بها كما كانت في اللغة الأصلية[42] ، ولناس كثير من العرب ممن ترتضى عربيتهم أنواع من إمالة الألف، فيقولون: (هو يريد أن يضربها) ونحو ذلك، لأن الهاء خفية والراء مكسورة، فكأنها عندهم: (يضربا) بدون هاء وكذا (يدا) ويدها، ويميلون فيهما للياء أيضاً، ومن أهلها بنو تميم وقوم من قيس وأسد[43] ، كما يحدث في اللهجة تماماً فيقال في مثل (بيتها): بيتهى (لا تقلب الفتحة كسرة خالصة ولا ألف خالصة وإنما درجة بينهما) على النحو الذي أشار إليه الأستاذ سالم النويدري لكونها من الظواهر السائدة في اللهجة البحرانية[44]  أيضاً، وفي غيرها من بلدان الخليج.

وعند الضغط على المقطع الأخير تظهر الألف همزة من سنخ الصوت فإذا كان ينطق بإمالة فهي على نسجه وإن كانت تنطق بالفتح فهي على نسجه، وقد أثر نطق الألف همزة في هذا الموضع وغيره عن قوم من العرب فقد حكى سيبويه عن بني تميم وقوم من قيس وأسد أيضاً: أنهم يقولون: (هو يضربهأ)، بالهمزة، وهذا كله في الوقف[45] ، وقد تنطق ألفه هاء لتسمع: (هو يضربههَ) (الهاء هنا صامتة)، وكل هذه الأشكال من الإمالة ونطق الألف همزة، أو هاء لا تحدث هنا فحسب: وإنما تعرض لكل ضمير ينتهي بألف، وتلحق الإمالة تاء الضمير (أنت) في حالة الوقوف عليه بالفتح، وهو كذلك في اللغة.

* جمع الغائبات (هُنَّ):

وله صورة واحدة:

(هِنْ): بكسر الهاء وسكون النون، واستعماله مقصور على ذوي الأنتماء القبلي.

* جمع الغائبين (هم):

وله ثلاث صور:

الصورة الأولى: (هَمْ): بفنح الهاء مطلقاً وسكون الميم، فيقولون: (مِنْهَمْ)، و(عَنْهَمْ)، و(بَِيتهَمْ)، في: (منهم)، و(عنهم)، و(بينهم)، وهي لهجة بني خالد فقط.

الصورة الثانية (هِمْ): بكسر الهاء مطلقاً وسكون الميم، فيقولون: (مِنْهِمْ)، و(عَنْهِمْ)، و(بَِيتْهِمْ)، في: (منهم)، و(عنهم)، و(بينهم)، وهي لهجة النواحي المتقدم ذكرها في ظاهرة الوكم، وتعرف هذه الظاهرة بـ(الوهم).

واللغة الفصحى تبقي الحركة الأصلية لهذا الضمير، وهي الضم، إلا إذا وقع بعد كسرة قصيرة أو طويلة، أو ياء؛ فنقول: (بصاحبهِم)، و(قاضيهِم)، (عليهِم)، في: (بصاحبهُم)، (قاضيهُم)، (عليهُم)؛ بسبب قانون المماثلة بين الحركات، تماماً كما حدث في (كم) في ظاهرة: الوكم[46]  الآتية.

وقد ذكر الدكتور رمضان عبد التواب، والأستاذ مصطفى الرافعي: أن هذا اللقب يعزى إلى بني كلب[47] ، بينما نسبه الدكتور ضاحي عبد الباقي محمد إلى تميم وأسد[48] ، وليس في ذلك تضارب، وإنما يدل على اقتصار الراوي على عزو ظاهرة من الظواهر إلى فئة أو جهة معينة فيما ينسب في الحقيقة إلى أكثر من فئة أو جهة وهذا يشبه تماماً أن يسمع سامع مثلاً ظاهرة من الظواهر في ناحية من نواحي الواحة فيظن أن هذه الناحية وحدها هي التي يعزى إليها وحدها، ويأتي آخر فيسمع هذه الظاهرة في ناحية أخرى فلربما نفاها عن التي يذكرها الأول دون تثبت لظنه أنها مقصورة على هذه الناحية، وهذا منشؤه عدم التتبع والتدقيق من المتتبع حتى يعرف ما إذا كانت تسود في غيرها أم لا، وأرى أن أهل هذه النواحي التي تسود فيها هذه الظاهرة لم يأخذوها عن كلب وإنما أخذوها عن تميم أو أسد لكونهما من القبائل التي سكنت المنطقة، وكان لهما انتشار واسع، ولاسيما تميم التي أثرت في لهجتها تأثيراً كبيراً في لهجة الواحة، وورث أهل الواحة عنهم كثيراً من الظواهر السائدة في لهجتهم، كما أن كلباً كانت تسكن بادية الشام على الأشهر، فهذا الهمداني يقول: (وأما (كلب) فمساكنها (السماوة) ولا يخالط بطونها في السماوة أحد، ثم يذكر من قراها (تدمر)، و(سلمية)، و(العاصمية)، و(حمص)، و(حماة)، وغيرها، كما يذكر ابن خلدون (دومة الجندل)، و(تبوك)[49] ، وعلى فرض استيطان بعض بطون كلب كبني شكم اللات بن رفيدة البحرين مع بعض قضاعة كما يذكر الدكتور أحمد محمد علي عبيد([50)ـ فمن الأولى أن تكون قد تسربت من لهجة هذه القبيلة التي الأكثر انتشاراً وغلبة، ونعني بذلك تميم.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الظاهرة وأختها (الوكم) آخذة في الانحسار كغيرها من الظواهر السائدة في لهجة هذه النواحي لأنهم تركوها وتشبهوا بلهجة الحاضرة وما شابهها في لهجتها فعد هذا من لحن القول أو لهجة ركيكة وأصبح ينظر إليها نظرة ازورار، ومما يذكر أن أحد أبناء النواحي التي تسود فيها هذه الظاهرة سمعني أقرأ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بكسر الهاء كما هي في القرآن فرد علي مستنكراً: (عَلَيْهِِمْ؟ گُولْ عَلَيْهُمْ)، كما حصل مثل هذا لأحد معارفي مع أحدهم عندما سمعه يقرأ: (عليهم) بالضم فلما قال له: (گُولْ (عَلَيْهِمْ)، فقال له: (إِيهْ تِبْغَى تِلْعَبْ عَلِييِّ؟!)، وآخر مثله لما قيل له ذلك قال: (شِفْتْنِيْ نَخْلاوِيْ تِبْغَى تِلْعَبْ عَلِييِّ؟!).

الصورة الثالثة (هُمْ): بضم الهاء مطلقاً وسكون الميم، وهي لهجة البقية، وهي لهجة أهل الحجاز ونلاحظ أن اللغة الحجازية حافظت على الأصل وهو ضم الهاء من الضمير، في حالة عدم اتصال لفظ سابق به، أما الكسر فهو المحدث، وقد تم بتأثير الكسرة أو الياء، فقد قرأ بضم الهاء حمزة والكسائي من السبعة عليهم في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهُمْ[51] ، كما قرأ حفص: (عليه) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهََ و(أنسانيهُ) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيْطَانُ بضم الهاء من القراء الأربعة عشر[52] ، بينما ذكر الدكتور إبراهيم أنيس: أن يعقوب وحمزة وهما عراقيان أو ممن تأثروا بالبيئة البدوية قرأا: (عليهُم، وإليهُم) بضم الهاء بدلاً من المشهور الشائع في البيئة الحجازية بكسرها[53] ، بينما ذكر الرافعي العكس فقال: (هاء الغائب مضمومة في لغة الحجاز مطلقاً إذا وقعت بعدها ياء ساكنة، فيقولون: (لديهُ)، وعليهُ، ولغة غيرهم كسرها، وعلى منطق أهل الحجاز قرأ حفص وحمزة: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلَّا الشَّيْطَانُ[54]  وعنه نقل الدكتور جواد علي[55] ، وهذا من شواهد اضطراب الروايات عندهم أن يذهب كثير منهم إلى: إن القرآن نزل بلغة قريش[56] ، وقريش قبيلة حضرية تميل للكسر، فكيف يمكن التوفيق بين هذا القول ووجود الضم في القرآن؟، ومع ما نراه من اضطراد الضم في اللهجة الحجازية المعاصرة.

وأما عن الوكم: فيعزى إلى ربيعة، وقوم من كلب، وناس من بكر بن وائل، وهو عبارة عن كسر الكاف من ضمير المخاطبين المتصل: (كم)، إذا سبق بكسرة أو ياءٍ؛ فيقولون: (بِكِم)، في: بكم، (وعليِكِم) في: عليكم[57] .

ولم يقف المبرد على سر هذه الظاهرة فخطأها بشدة حين قال: "وناس من بكر بن وائل يجرون الكاف مجرى الهاء إذ كانت مهموسة مثلها، وكانت علامة إضمار كالهاء، وذلك غلط منهم فاحش؛ لأنها لم تشبهها في الخفاء الذي من أجله جاز ذلك في الهاء، وإنما ينبغي أن يجرى الحرف مجرى غيره، إذا أشبهه في علته، فيقولون: (مررت بِكِم)"[58] .

وتعليل هذه الظاهرة يخضع لقانون المماثلة بين الأصوات المتجاورة؛ إذ تأثرت ضمة الكاف بما قبلها من كسرة أو ياء، فقلبت كسرة لتنسجم مع ما قبلها[59] .

وخلاصة القول في الوكم والوهم كما يقول الدكتور رمضان عبد التواب: إن الأصل في ضميري الخطاب والغيبة ضم الكاف والهاء في مثل: (كتابكم)، و(كتابهم)، غير أن قبيلة كلب تجري قانون المماثلة الصوتية في: (كم)، فتقلب هذه الضمة كسرة، إن سبقت بكسرة أو ياء، وهذا هو الوكم، كما أن اللغة الفصحى تجري هذه المماثلة بشرطها السابق في: (هم)، وتعمم قبيلة كلب هذه المماثلة هنا، فيما لم يسبق بكسرة أو ياء، عن طريق القياس، وهذا هو الوهم عندهم[60] .

والميم في الضميرين (كم)، و(هم) تنطق مفخمة في الصورتين الأولى والثانية لهما، أي: مع ضم الكاف، والهاء وفتحهما كما لوكنت تنطق الميم من كلمة: (أُمْ)، و(ضَمْ) في اللغة، أما مع الكسر فهي مرققة كما لوكنت تنطق كلمة (عَمْ) في اللعة.

[1]  دليل الإعراب والإملاء (مرجع سابق) ص 170.

[2]  نفسه.

[3]  فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص 210.

[4]  طه الآية 71.

[5]  فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص 209.

[6]  نفسه ص 210.

[7]  الزلزلة الآية 5.

[8]  النحل الآية 121.

[9]  اللامات دراسة نحوية شاملة في ضوء القراءات القرآنية ص 84، الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي، دار القلم بيروت لبنان، ط: 1، س: 1980هـ.

[10]  نفسه ص 64 .

[11]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ج ا ص 151.

[12]  اللامات دراسة نحوية شاملة في ضوء القراءات القرآنية (مرجع سابق) ص 71.

[13]  فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص 213.

[14]  نفسه ص 214.

[15]  نفسه.

[16]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ج ا ص 151.

[17]  فقه اللغة المقارن (مرجع سابق) ص 213.

[18]  مباحث لغوية (مرجع سابق) ص 46.

[19]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 350، 351.

[20]  تاريخ آداب العرب ج 1 ص 82.

[21]  أضواء على تاريخ الملاحة ص 78، عبدرب الرسول آل درويش، مط: شركة المشرق للخدمات الثقافية بيروت، ط: 1، س: 1414هـ.

[22]  ظواهر نادرة في لهجات الخليج العربي (مرجع سابق) ص 73.

[23]  نفسه.

[24]  نفسه.

[25]  نفسه ص 75.

[26]  نفسه.

[27]  نفسه ص 76.

[28]  أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين خلال 14 قرناً (مرجع سابق) ج 1 ص 59.

[29]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 396.

[30]  الأصوات اللغوية (مرجع سابق) ص 98.

[31]  صور الضمائر المثبتة هنا أغلبها مأخوذة عن أفراد من تلك النواحي، فإن جاء منها شيء خلاف الواقع، أو فات شيء فسيتم استدراكه في نهاية البحث.

[32]  مجلة الواحة مرجع سابق ع: 24 الربع الأول 2002م، ص 129، وع: 26 الربع الثالث 2002م، ص 131.

[33]  نفسه ع: 22 الربع الثالث 2001م، ص 72، 73.

[34]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 193.

[35]  نفسه.

[36]  نفسه ص 349.

[37]  المفصل في شواهد النحو الشعرية (مرجع سابق) ج 3 ص 1113.

[38]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 62.

[39]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ج 1 ص 154.

[40]  مفتاح اللغة الفارسية (مرجع سابق) ص 32.

[41]  مجلة الواحة مرجع سابق ع: 22 الربع الثالث 2002م، ص 61، 62.

[42]  اللهجات وطرق دراستها (مرجع سابق) ص 132.

[43]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ص 82.

[44]  أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين خلال 14 قرناً (مرجع سابق) ج 1 ص 59.

[45]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ص 116.

[46]  فصول في فقه العربية (مرجع سابق) ص 153.

[47]  نفسه ص 152،.وتاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ص 142.

[48]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 410.

[49]  اللهجات في الكتاب لسيبويه (مرجع سابق) ص 41.

[50]  شعر قبيلة كلب حتى نهاية العصر الأموي ص46، جمع وتحقيق ودراسة: أحمد محمد علي عبيد، مط: المجمع الثقافي بأبو ظبي، ط: بدون، س: 1999م.

[51]  لغة تميم (مرجع سابق) ص 193.

[52]  نفسه.

[53]  في اللهجات العربية (مرجع سابق) ص 94.

[54]  تاريخ آداب العرب (مرجع سابق) ج 1 ص 151.

[55]  المفصل في تاريخ العرب ج 8 ص 580.

[56]  نفسه ج 8 ص 602.

[57]  فصول في فقه العربية (مرجع سابق) ص 153.

[58]  نفسه ص 152.

[59]  نفسه.

[60]  نفسه ص 153.
باحث
307104