مــــن ذكــريــــات أديــــب: حوار مع الخطيب الشاعر محمد جعفر العرب
عقيل بن ناجي المسكين * - 19 / 3 / 2011م - 4:36 ص - العدد (35)

الخطيب الشاعر محمد جعفر العرب أحد كبار الخطباء الشعراء في دولة البحرين وهو نجل آية الله الشيخ جعفر العرب - رحمه الله - أحد أقطاب العلم، وقد أجريت معه هذا الحوار ليسلط الضوء على تجربته الذاتية ورؤاه في بعض القضايا من خلال انطباعاته ومواقفه في مشوار حياته وذكرياته.

1- مرحلة الطفولة الأولى.. منذ الولادة حتى السادسة كانت هي المرحلة التي عايشت فيها والدك آية الله الشيخ جعفر العرب (رحمه الله) - ماذا تتذكر عن هذه المرحلة من حيث الزمان والمكان سواء من ذكرياتك العائلية التي نُقِلت إليك وسمعتها، أو التي استنتجتها من خلال اطّلاعك ومعرفتك فيما بعد؟..

انحدرتُ من أسرةٍ علمائية بحرانية، كان الهواء الذي نستنشقه هو هواء العلم والحوزات، فوالدي الشيخ محسن هو خريج جامعة أمير المؤمنين علي عليه السلام بالنجف الأشرف، وكان تتلمذه على يد مرجع الشيعة آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني، ومجموعة من كبار العلماء، وهو من مواليد قرية بني جمرة، القرية العريقة القديمة قدم التاريخ والزمان، 1306هـ، وتربى في أحضان والده المقدس الشهيد الشيخ عبد الله العرب، وقرأ عنده - أول ما قرأ - المقدمات الأولية من الفقه والأًول والنحو والصرف والأدب وغيره، ثم أمره والده بالهجرة لطلب المزيد من العلم، فابتعثه إلى القطيف، فاستقى الزلال من نمير علمائها الكبار الذين دار عليهم المدار، وأبرزهم آية الله العظمى الشيخ محمد بن نمر العوامي، الذي سمعته من المرحوم عمي العزيز الملا سعيد بن الشيخ عبد الله العرب رحمه الله، الذي تميّز - هو بدوره - على الأعواد الحسينية، وكان - أيضاً - من المثقفين الإسلاميين الكبار، وصاحب الغديريات التي هي من العلامات الفارقة في حياته، بمواظبته على نظمها مدة حياته المديدة التي قاربت القرن من الزمن، أقول الذي سمعته منه أن العلامة الشيخ منصور آل مرهون القطيفي المتوفى سنة 1367هـ وصف والدي بالعالم الكامل الباذل المخلص المحقق المتقن، كما سمعته منه أن العلامة المرحوم الشيخ باقر آل عصفور المتوفى سنة 1399هـ وصف الوالد بـ(علاّمة الزمان)، كما ذكر أن المرجع آية الله العظمى السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني وصفه بـ(العالم العامل الفاضل الشيخ الأجل)، في إجازة له مؤرخة في 21 جمادى الآخرة 1349هـ، فمبدأ درس الوالد الشيخ محسن رحمه الله على يد جدي الشهيد الشيخ عبد الله العرب، الذي ألحقه بعدها مباشرة بحوزة الشيخ أحمد بن عبد الرضا آل حرز سنين قليلة في قرية جد حفص من أعمال بلادنا البحرين، وبعدها سافر الوالد إلى جزيرة تاروت، وتتلمذ على يد الشيخ منصور بن عبد الله آل سيف التاروتي المتوفى سنة 1365هـ، فدرس هناك سنتين وأشهراً، ثم رجع إلى البحرين مدة شهر رمضان - ثم عاد أدراجه إلى القطيف، وابتدأ الدرس المكثّف على يد الشيخ محمد بن ناصر بن علي آل نمر العوامي الخطي المتوفّى سنة 1348هـ.

فأسرتي من الأسر العربية العلمية التي عرفت بالعلم منذ القدم، والتي خرّجت العديد من فقهاء الأمة كآية الله جدنا الشيخ علي العرب.

يقول عمي المرحوم الملا سعيد العرب: “ ثم سافر والدك المرحوم الشيخ محسن إلى النجف الأشرف مجاوراً الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فحضر دروس الفقهاء والعلماء الأعلام أمثال الشيخ مرتضى آل ياسين، وحصل على إجازة منه، والسيد أبو تراب الخوانساري، والسيد أبو الحسن الاصبهاني، وحصل على إجازة منه، ثم صارت النازلة الفظيعة من جهة قتل والده الشيخ عبد الله العرب، فأرسلوا له برقيةً من البحرين تنبئ بالحادث الجلل، فعاد مسرعاً، وشهد عواصف زلازل ذلك الزمان، وظروفه البالغة القسوة! وبقي متنقلاً بين بني جمرة والمنامة، وعُرض عليه منصب القضاء، وألحّوا عليه في ذلك إلحاحاً شديداً، فرفض، ولما ضايقوه حزم متاعه وجمع أهله للهجرة من البحرين، فتركوه!، إلى أن أسّس حوزته العلمية في بني جمرة، وتصدى فيها لخدمة الشريعة النبوية، ونشر وتبليغ العلوم والأحكام الواردة عن رسول الله وأهل البيت عليهم السلام، ثم انتقل إلى رحمة الله يوم الجمعة في المنامة العاصمة في اليوم الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة 1359هـ،

فعوداً على بدء، كنت صغيراً جداً عندما توفي والدي الشيخ محسن، فمولدي كان سنة 1351هـ، وكنت في بداية سنتي السادسة، أذكر والدتي المرحومة مدينة بنت حبيب بن محمد بن حبيب آل حبيب الجمري، وأتذكر أن والدي أرسلني لحفظ القرآن والخط في كتاتيب القرية.. كانت أمنيته أن يلحقني بحوزته المعروفة، ولكن توفي قبل تحقيق أمنيته، أتذكر أيضاً وجوه العلماء الذين يزورون والدي كالمرحوم الشيخ خلف آل عصفور، وأتذكر المناقشات العاصفة بينهما، وما أفقه منهما شيئاً لصغر سني!.. كان يأخذني معه إلى المسجد القريب من بيتنا، وكانت رعايته لي ولأخواتي مميزة، فقد كان قلبه ممتلئاً بمحبتنا بصورة نادرة في تصوّري.. وكان لي في قلبه مكانة خاصة!، خصوصاً وأن لي أخوة ذكوراً سبقوني، توفاهم الله صغاراً.. ملاحظاتي الطفولية البريئة يشرق لها وجهه.. أتذكر مكتبته العامرة، والتي - للأسف الشديد - توزّعتها الأيدي، فلم أمتلك منها حالياً إلا أقل القليل، أتذكر طلعته المهيبة، ولباسه النظيف المرتّب، أتذكر احترام أشقائه له، أعمامي الملا سعيد، والملا محمد وإبراهيم، ومحمد حكيم، واحترام عماتي له، كان دقيقاً في تنظيم مسيرة حياته رحمه الله.. فهذه بعض الذكريات التي تجول بخاطري وهي شبه ضبابية تمر أمامي كطيفٍ.

2- وماذا عن مرحلة الطفولة الثانية أي من بداية السابعة حتى قُبِيل البلوغ، كيف كانت طبيعة هذه المرحلة من عمرك وكيف تلقّيت دراستك الأولية وهل هي نظامية رسمية أم أنك توجّهك للدراسات الدينية منذ صِغرك؟..

بعد وفاة والدي رحمه الله؛ بقيت في رعاية عمي الكبير الخطيب ملا محمد بن الشيخ عبد الله عرب، وهو من رجالات هذه الأسرة، وهو الخطيب الحسيني المولود سنة 1310هـ، وهي سنة وفاة الشيخ أحمد بن سلمان العصفور، وهو من كبار خطباء المنبر، ومن الذين وصفوا بقراءة قصيدة “ أحرم الحجاج “ للشيخ حسن الدمستاني، وقد أتّخذ الخطابة المنبرية من والده المرحوم الشيخ عبد الله، كما التحق بمدرسة شقيقه الوالد الشيخ محسن، رافقته في جولاته، منصتاً لعوالم فنه المنبري، ومقتحماً بمعيته لهوات لهيب ذلك الزمن الصعب وسط الظروف القاسية، إلى حين وفاته في مشفى النعيم بالمنامة يوم الاثنين 18 ربيع الآخر سنة 1365هـ، وذلك إثر حادث سيارة من قبل أحد المتهورين، وكان - رحمه الله - في طريقه إلى منطقة الخميس من ضواحي المنامة الخارجية.

لم تكن دراستي نظامية رسمية، بل التحقت بمدرسة الشيخ عبد الحسين بن قاسم الحلي العراقي المتوفى السبت 13 من شهر شعبان سنة 1375هـ وكان رحمه الله قاضياً للتمييز الجعفري بالبحرين، وكانت مدرسته آنذاك تحت إدارة الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد صالح، فدرستُ على أيديهما المقدمات الأولية، وكنت ضمن برنامج دراستي أحتك بالعلماء والخطباء والأدباء، وصحبتُ - أيضاً - حينها عمي الخطيب ملا سعيد العرب فترة وجيزة، وكنت أتنقل معه من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى أخرى من قرى ومدن بلادنا الحبيبة.

اجتماعياً: كان الترابط الأسري على أشدّه في ذلك الزمن، على العكس من هذا الزمن الرديء!

كان أخوة والدي وأخواته يُجلّونَهُ ويوقّرونه بصورةٍ تشد الانتباه، كان ورعاً تقياً مُدبّراً، له حضور قوي وسط العائلة والقرية ومجتمع البحرين ككل.

وبوفاة والدي رحمه الله، تقاذفتني أمواج الحياة، ولكن بفضل الله ورعاية عمي ملا محمد العرب رحمه الله، شعرتُ بثبات قدميّ وسط رمالٍ ساخنة متحركة، وبعد وفاته انتقلت بمساعدة زوج أختي الحاج خلف بن نصيف إلى المنامة، وكان رحمه الله - كما ذكرت آنفاً - قد مهّدَ لي الطريق، فصرتُ صانعاً لدى المرحوم الشيخ محمد علي حميدان، وعلى يديه تعلمت الكثير، وكان صوتي يتردد في مآتم العاصمة بمعيّته، ودشنتُ كفاحي باحتراف الخطابة مدخلاً لخدمة مبدئي ومجتمعي، مفترق الطرق الذي وقفته حينها كان أن أستمر مع أستاذي أو أستقل بمفردي في سنٍ مُبكرة، فكان الاختيار الثاني عن قناعةٍ وتصميم.

لم يكن اختياري لمساري سهلاً على الإطلاق لاعتبارات عديدة، ولكن ببركة أنفاس سيد الشهداء الحسين عليه السلام انطلقت في فضاءٍ رحيب! وكان لزواجي المبكر من كريمة عميد أسرة آل رقية المرحوم الحاج محسن بن علي آل رقية البلادي البحراني الأثر البالغ في استقراري، فقد كانت - بحق - نعم الزوجة المتفهمة المحبّة، المعينة على لأواء الزمن الصعب.

4- لقد مارست الخطابة الحسينية والجماهيرية منذ شبابك حتى الآن، ما هي أهم الملاحظات التي تود أن تطرحها للخطباء المبتدئين لكي يمسكوا بزمام الخطابة على أكمل وجه ويصبح عطائهم في هذا المجال ناجحاً ويصب في خدمة المجتمع والأمة والحضارة؟..

الإسلام والحسين وكربلاء والمنبر مدرسة للمحبة والإيمان والجهاد والشهادة لجميع الأجيال، والمنبر الحسيني أداة نشر وتبليغ الأفكار الإسلامية، وفي عصرنا الراهن هذا الخطابة الحسينية أداة إعلامية قوية وفاعلة لإماطة اللثام عن الحقائق التي شاء الظالمون يغلفوها بالضبابية، لقد تحوّل منبر الحسين عليه السلام بما ينطوي عليه من معطيات ثرّة إلى ممارسة جماهيرية واسعة مقدّسة لا زوال لها، ولا وهن يعتريها، وبفضل المنبر الحسيني يتعرّف العالم كله على هذه النهضة الخالدة وعلى ثقافة عاشوراء، بعد هذا التمهيد لإجابتي على سؤالك المطروح أقول لأحبتي الخطباء المبتدئين: تجنّبوا نقل المواضيع الملفقة أو الضعيفة، فقد تنطوي أحياناً على الإساءة لمقام المعصومين من حيث لا تريدون، ولمّا كانت قيم الحسين عليه السلام ذات مضامين رفيعة وذات مغزىً عميق، فلا تسمحوا بلإسفاف فوق منبر سيد الشهداء.

كونوا - يا أحبتي - ممسكين بناصية اللغة، فلا تفسحوا للّحنِ في العربية لغة القرآن، وكونوا - أيضاً - في غاية البلاغة والفصاحة، كونوا من اللياقة في الفكر والعمل والأخلاق بمكان، بهذا يصبح العطاء مخلصاً، ويصب في خدمة مبدئكم وأمتكم وحضارتكم القرآنية.

ومسيرة الخطيب - أي خطيب - على تفاوتٍ من حيث وعورة المسلك وسهولته، ومنبر الحسين (عليه السلام) يتطلب المبلّغ والداعية الواعي، ويتطلب الإتزان في الطرح، المنبر متحرك دائماً يواكب المستجدات، فلا ينبغي أن يتشرنق الخطيب في مقاييس غير موضوعية، ورسالة الحسين عليه السلام ينبغي أن تصل إلى الناس بوسائل راقية وحضارية.

5- تميّز أسلوبك الخطابي بمميزات خاصة حتى يستطيع المتتبع أن يقول أن لك مدرسة خاصة في الخطابة، تُرى إلى أي حدّ توضّح لنا هذا الرأي وهل لأسلوبك الخطابي مدرسة خاصة أخذت معالمها من أسـاتذتك وشيوخك الذين تتلمذت على أيديهم؟..

لستُ هُنا في مقام التبجّح، وما أنا إلاّ أقل خدّام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وما تصورته يصب في خدمة المنبر الحسيني قدّمتُه بكل جرأة، دون إعجاب بالنفس، حيث يشكل هذا عائقاً عن العطاء والمزيد من العطاء، لقد هضمتُ تعليمات مَن تتلمذتُ على يديه، وأعطيتُ المنبر ما قدرتُ عليه، متجنّباً المبالغات والشطحات، خالقاً الصلة المطلوبة بالمُتلقِّين قدر الوسع والطاقة.

6- حدّثنا قليلاً عن صولاتك وجولاتك في عالم الفكر والثقافة التي أثرتها عبر المنبر في المناسبات الدينية والاجتماعية، وعلى أي موضوعات كنت تركّز؟.. وما مدى تفاعل الجمهور مع هذه الموضوعات؟.. وهل كان لخطابك بشكل عام حضور في أحداث الساعة والمنعطفات التاريخية التي مررت بها طوال سنِي حياتك سواء على المستوى المحلي في دولة البحرين أو الخليج أو الوطن العربي بشكل واسع أو الوطن الإسلامي بشكل أكبر؟..

أعودُ بالذاكرة إلى الوراء، حيث كان الطرح السياسي على المنبر الحسيني غريباً وغير مألوف في زمن خطابتي المبكر، فقد عاصرتُ أحداث اغتصاب فلسطين في عام 1948 م، كانت الأجواء في البحرين متشنّجة كغيرها من بقاع العالم الإسلامي، وكانت المظاهرات صاخبةً في الشوارع، وبلادي قياساً بإقليم الخليج أكثر وعياً وتفتّحاً على المجتمعات الأخرى، كنت من المتتبعين للحدث الكبير، أذكره بما يتناسب وذهنية المستمعين، الذين كان وعيهم السياسي في بواكير تشكّله، ثم جاءت حركة الضباط المصرية في عام 1952م، وتصاعد المدّ الناصري على الساحة في الأعوام التي تلته، وتوّج هذا بالعدوان الثلاثي على مصر، وكنت مع أحاسيس أمتي، أندد بالعدوان الغربي، وأجد - بالكاد - من يهضم موقفي على المنبر بمنعطف تاريخي آخر عصيب وهو حركة هيئة الاتحاد الوطني، التي ترأسها أحد رجالات الحوزة العلمية وهو المرحوم السيد علي بن السيد إبراهيم الغريفي (كمال الدين)، وكنت ممن أسهم بجهوده في هذه المعمعة، كنت أوظّف الخطاب الديني في جلاء الخطاب السياسي، وأشارك في لجنة الإعلام بهيئة الاتحاد الوطني التي كان اسمها الهيئة التنفيذية العليا، وكنت أدبّج المقالات في الصحافة اللبنانية دفاعاً عن قضية وطني، وأنال - على حداثة سني- الثناء من رجالات الهيئة، وبعد اعتقال رجالات تلك الهيئة الوطنية وسجنهم ونفيهم إلى جزيرة سينت هيلانة عام 1956م اتجهتُ إلى تأييد القضايا العربية كالوحدة المصرية /السورية في 1958م، باعتبارها بديلاً عن مشاريع التشرذم الاستعماري المفروضة، ولم أسلم جرّاء مواقفي الصريحة من انتقادات البعض الذي لم يعجبه اتّجاهي.

كنت أوظف المنبر والقلم في خدمة الحق المشروع، في وقتٍ ما زال مبكراً لمثل هذه التطلعات في مجتمع محافظ.

من الصولات والجولات التي مازالت عالقة بذهني ما نشرته لي مجلة العرفان اللبنانية بمجلدها السابع والأربعين لعام 1960م تحت عنوان: (وهبي سليمان وشهر المحرم)، رداً على مقالٍ له نشرته مجلة التمدن الإسلامي في عددها الأول لعام 1959م، استهان فيه بالحسين عليه السلام وثورته، وتهجّم على المآتم المقامة عليه، وكنت - بالمناسبة - أشير إلى مواقفي هذه عبر المنبر الحسيني، وأكسب تعاطف الجمهور مع هذه المواقف الساخنة، لم أكن أغفل أحداث الساحة المحلية كنهضة الشعب في البحرين عام 1965م، أو أحداث الساحة العربية كهزيمة يونيو العربية عام 1967م، والتي تعارفوا على عنونتها بـ (النكسة)!

لم أترك حدثاً مؤثراً أو عربياً أو إسلامياً أو دولياً يفوتني، كنتُ أثير الأحداث الساخنة على المنبر، وعلى صفحات المجلات والجرائد، مستخلصاً منها العبر والنتائج، وبالطبع استأثرت المناسبات الدينية والاجتماعية بنصيب الأسد من مواقفي وخطابتي وكتاباتي وشعري عبر كل هذه السنوات الممتدة.

7- من ضمن نشاطك الثقافي والفكري وجودك في ميدان الشعراء، حتى أصبحت لك في كل مناسبة قصيدة ومشاركاتك الاجتماعية والدينية كثيرة، وقد نشرت العديد من هذه القصائد في المجلات والدوريات العربية في البحرين وخارجها، في أي تيّار شعري يصنّف الأديب محمد جعفر العرب نفسه، وما هي رسالته الشعرية التي يرغب بتبليغها للنّاس؟..

واقعاً بدأت رحلة الشعر في شهر شوال سنة 1376هـ، وكانت بداية الانطلاقة مقطوعة في التشوّق إلى حج بيت الله تحت عنوان (دعاء)، فواصلت الطريق حتى يوم الناس هذا، وقد نظمت مئات القصائد التي احتواها ديواني المخطوط في قرابة 400 صفحة من الشعر المقفّى الموزون، موزعةٍ على فصول مختلفة، في أغراض شعريةٍ عديدة ومتنوعة، وإنني أترك للنقّاد تصنيفي ضمن التيارات الشعرية المعروفة، ورسالتي الشعرية هي إيصال كلمتي بالجرأة كلها إلى المتذوقين.

8- لماذا لم يصدر ديوانك الشعري حتى الآن؟.. وإلى ماذا تعزو تأخّر الكثير من الشعراء في طبع دواوينهم الشعرية؟.. وبعضهم لا يطبع ديوانه في حياته مطلقاً وإنما يتكفل أولاده أو أحفاده بطباعته بعد وفاته؟..

لعدم صدور ديواني الشعري حتى الآن حكاية، وهذه الحكاية باختصار شديد هي تهاون الناشر وعدم جديّته في العمل، رغم أننا بذلنا كلما في وسعنا من طاقة ومثابرة لإنجاز العمل، وبعض الناشرين لا تهمه - مع الأسف - سمعته في السوق، ويحسب العملية حساباً مادياً صرفاً، وعلى كل حال، الديوان في طريقه ليرى النور قريباً، أما فيما يختص بتأخّر الكثير من الشعراء في طبع دواوينهم الشعرية فإني أعزوه لرغبة أولئك في تضمين تلك الدواوين الجديد مما لم يقولوه بعد.

9- وكذلك خطاباتك المسجّلة في المناسبات الإسلامية حفظها الزمن في ذاكرته الخاصة لكنه لم يحفظها للناس والمتلقين عبر الأجيال، حيث لم تطبع حتى الآن أي كتاب يحفظ هذه المحاضرات ويقدّمها للمجتمع بمختلف توجّهاته، تُرى إلى متى تظل هذه المحاضرات حبيسة في أشرطة الكاسيت المحدودة، التي يُخاف عليها من الضياع أو التلف وبالتالي ضياع الكثير من النتاج الخطابي الذي يؤمّل له الظهور والبروز؟..

بدايةً؛ كانت مزاولتي مهنة الخطابة بمفردي في سنٍّ مُبكرة، وقد ارتقيت ذروة الأعواد الحسينية في معظم مدن وقرى البحرين، هذا إضافة إلى قراءتي خارج البحرين، وفي محرم بالذات، فقد قرأت في مدينة مسقط بعمان، أما في شهر رمضان فقد قرأت في قصبة النصّار بــ(خوزستان إيران)، كما قرأت في الكويت والفاو ودبي وغيرها.

أجل معك حق في أن خطاباتي حفظها الزمن في أثيره المتموّج وذاكرته التي لا تنسى، ولكن ضع - أيضاً - في الاعتبار كون ذلك الزمن فقيراً في وسائل التسجيلية الحديثة كالأجهزة الإلكترونية من وسائل سمعية وبصرية وأقراص وغيرها، والذي بحوزتي من فيديو وكاسيتات محدود، فمجالسي تعد بالآلاف، وهي تستعصي على الحصر والتوثيق لقلة الاستعداد التقني، وأمل في أن أخطو خطوة جريئة في هذا المجال التوثيقي مستقبلاً بإذن الله.

10- باعتبارك مارست الخطابة الحسينية سنوات طويلة من عمرك برأيك ما هو مستوى حضور القصيدة الولائية البحرينية أو الخليجية في مدرسة المنبر الحسيني - حيث كما يعلم الجميع أن حضور القصيدة العراقية يكاد أن يكون هو الغالب -، وهل وظّفت أشعارك الحسينية في مجالسك إحياء لذكرى مأساة سيد الشهداء في العشر الأولى من محرم الحرام كلّ عام؟..

مارستُ الخطابة الحسينية منذ نعومة أظفاري، مدةً تزيد على نصف قرنٍ من الزمن، والذي ألمسه أن مستوى حضور القصيدة الولائية البحرانية شبه منعدم، كذلك الخليجية؛ على المنبر الحسيني، وذلك لتسيّد القصيدة العراقية الساحة منذ قرون متطاولة، ونضع - بالطبع - في الاعتبار حرارة النَّفَس العراقي، وكون كربلاء ساحة الشهادة والدم، والرسالة الحسينية تدفق زخمها من رحم تلك الأرض المقدسة، والاعتبار الآخر هو - ربما - تخلف شعرائنا عن المنافسة في هذا المجال، رغم وجود القصيدة الولائية الخليجية - ومن ضمنها البحرانية - منذ بواكير عهد المنبر الحسيني، أما مسألة توظيف إنتاجي الذاتي في مجالسي فقد فعلت، وكانت تجربة من التجارب، لا أدّعي القدرة على الحكم عليها، وهي متروكة للتاريخ ليقول فيها رأيه.

11- في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات ظهرت القصيدة الحرة، وبدأت رحلة الشعر الحديث منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا فظهرت رموز هذه الحركة الشعرية في العراق ومصر ولبنان وانتشر هذا المنوال الأدبي في جميع أقطار الوطن العربي، ورغم ذلك لا زالت القصيدة العمودية متواجدة في الساحة أيضاً، برأيك - ومن خلال تجربتك الشخصية - ما أهم ملامح الصراع بين الحديث والقديم على صعيد النِتاج الأدبي وخصوصاً الشعر العربي، وما هي ملامح هذا الصراع في دولة البحرين قديماً وحديثاً؟..

في الحقيقة بدأتْ هذه التجربة - كما تفضلت - صغيرة ضمن الحيز الزماني/المكاني، وجاء رموزها كالبياتي وبدر شاكر السياب ونزار قباني وأدونيس وغيرهم، وقالوا شيئاً مفهوماً في البداية، ثم نزعت هذه الطريقة نحو التجريد، فأوغلت باستخدام الرموز ووظّفت الفولكلور والأسطورة، فخلقت بذلك حالة من التجاذب والصراع على الساحة الشعرية، وأعتقد أن هذه التجربة لم تضمحل، أعني بها تجربة الشعر الحر، كما أنّ الدكتور أحمد الوائلي رحمه الله كان يثني على قصيدة المطر للسياب ويعتبرها نصاً جديراً بالقراءة، هكذا سمعته في إحدى محاضراته، والملفت للنظر أن الشعر التقليدي يتجدد شبابه على الدوام، رغم مرور عشرين قرناً عليه، وفطاحل الشعراء يدعون القوافي فتطيعهم، أما شعراء الحداثة فيبدو لي أنّ أغلبهم وخصوصاً الجيل الشبابي يعتبرون الأوزان الشعرية والقوافي وبحور الخليل بن أحمد صعبة المنال فيشيحون بوجوههم عنها.

أما عندنا في البحرين فقد كانت لي مصادمات مع بعض شعراء النص الجديد المليء بالطلاسم والألغاز، وقتْ في بعض ندوات نادي العروبة، وما زالت بعض الفعاليات الأدبية تتذكره.

12- إضافة إلى عطائك الشعري، لك تجربة في كتابة النثر الفني هلاّ سلّطت الضوء على هذا الجانب الإبداعي في شخصيتك؟..

أولى تجاربي في النثر - كما ذكرت لك - كانت على صفحات مجلة العرفان اللبنانية في الستينات من القرن الميلادي المنصرم.

كما نشرت نصاً نثرياً آخر بالمجلد 57 للعام 1969م بعنوان (إلفات نظر) ونشرتُ محاولة ثالثة في مجلة جبل عامل في شهر ذي الحجة لسنة 1390هـ عن المرجع الأشهر السيد محسن الحكيم رضوان الله عليه، كما نشرت نصوصاً نثرية في جريدة الأضواء الصادرة بالبحرين، والمحتجبة حالياً.

نشرتُ بمجلة المواقف البحرانية مقالةً بعنوان “ مسجد الخميس بين الحقيقة والتشويه “ فنالتْ صدىً واسعاً مازال يرنّ إلى الآن رغم مرور قرابة الثلاثين عاماً، ونشرتُ - أيضاً - بعنوان “ الحسين في ميزان الأهواء “ رداً على ما نشرته مجلة روز اليوسف المصرية في عددها المرقم 2435 الصادر في فبراير 1975م على أثر استشهاد الإمام الحسين عليه السلام في ذكراه السنوية المعتادة، وقد فندتُ مزاعم الكاتب بتلك المجلة، ونشرت بالمواقف تحت عنوان “ مفتريات وأباطيل “ رداً على ما سطره أحد المتطفلين على الصحافة والتاريخ حول صحة زيارة القبور، ونشرت بالصحافة رداً على مفتريات أبي الفرج الإصفهاني حول سليلة البيت العلوي الطاهر تحت عنوان “ سكينة بنت الحسين عليهما السلام رمز الطهر والنقاء “، وغيرها الكثير الكثير التي أعرضت عن تفصيلها خوف الإطالة.

13- وماذا عن جانب التحقيق التراثي لدى شخصية الأديب محمد جعفر العرب الإبداعية؟.. وهل كنت تنشر هذه التحقيقات؟.. وهل لديك نية لطبع الأبحاث التحقيقية التي أنجزتها وستنجزها؟..

من أبرز التحقيقات ما أنجزته بخصوص مراقد علماء جزيرة النبيه صالح، وهم العلاّمة الشيخ عبد الله بين محمد بن علي بن حسن المتوج، وابنه العلامة الشيخ أحمد، وابنه الشيخ ناصر، والعلامة الشيخ داود بن حسن الجزيري، وابنه الشيخ علي، والعلامة الشيخ إبراهيم بن إسحاق البحراني، وكانت تلك المراقد فيما غبر من الزمن المتطاول قد فقدت هويتها، بسبب تقادم العهد والإهمال، وأصبح من المتعذر على الباحث معرفة أصحابها بالتحديد، وقد بذلتُ جهوداً مُضنية، حتى قطعت بصحة التعيين كلاً على انفراد، وكتبتُ أسماء أولئك المقدّسين على أضرحتهم في شهر شعبان المعظم سنة 1403هـ، إضافة قيامي بتحقيق رسالة والدي المعنونة “ مصباح الهدى “ حالياً.

14- كانت لثورة 23 يوليو عام 1953م الأثر البالغ في تحريك الجماهير العربية في كل مكان، تُرى ما أثر هذه الثورة التي قام بها الضّباط الأحرار في مصر على جماهيرنا في دول الخليج العربي بشكل عام، وما هي المكاسب التي حصل عليها الجماهير برأيك من جرّاء تبني هذا الفِكر القومي الذي دخل في كل بيت كالنور الذي بدّد الظلمة، ولكنه سرعان ما خبا، فتبدّدت الآمال، إلى أن تغيرت الخارطة السياسية في عالمنا العربي لصالح إسرائيل وأمريكا ولا زالت؟.

كان الاستعمار البريطاني قد عشّش في إقليم الخليج، وكان ظلمه قد استبان في فلسطين وغيرها، والناس قد سئمت من ذلك الظلم ومن أدواته، فجاءت صرخة وادي النيل في 23 يوليو 1952 لتبدد سكون الخنوع للظالم، فصادفت هوىً في قلوب الجماهير في الوطن العربي بأكمله، وكان لها صدىً في الخليج والبحرين بالذات، فتشكّل مدّ عارم يناصر تلك الحركة، وكانت المكينة الإعلامية الناصرية تضج بزخم هائل.

الواقع إن تلك الحركة قد فتحت أعين الناس على جرائم الاستعمار بحق العرب والمسلمين وشعوب العالم الثالث، فتعاطفت الجماهير معها، ولكن سلسلة الأخطاء التي وقعت فيها الثورة المصرية، وما نتج عنها من تراجعات في مسيرة الوحدة المصرية / السورية، وهزائمها في اليمن، ونكسات خطيرة في أزمة يونيو 1967م، وما أدّت إليه من احتلال إسرائيلي لشبه جزيرة سيناء والجولان والضفة الغربية، حسرتْ ذلك المدّ العارم، وأجبرت عبد الناصر على التقوقع حتى وفاته المفاجئة في 1970م.

أما في وقتنا الراهن، يسيطر المشروع الصهيوني / الأمريكي على الساحة العربية، ويتصرف خارج نطاق كل القوانين والأعراف الدولية بشراسة متناهية.

15- لقد كان لشخصية الخطيب محمد جعفر العرب تواجداً واضحاً في الساحة السياسية في البحرين، وبالخصوص منذ بدايات التجربة البرلمانية عام 1973، حدّثنا قليلاً عن هذه التجربة؟..

كنتُ ممن طرح برنامجاً انتخابيا في 1971م لتأسيس أول تجربة برلمانية كانت أُسسها الأولى تتمثل في وضع أول دستور عقدي للبلاد، وسعيتُ - بكلّ جد - في حملتي الانتخابية تلك، ولكن لم يحالفني الحظ، وفزتُ بأصواتٍ محدودة عن دائرتي في بني جمرة والمنطقة الشمالية - الغربية، ولكنني خرجت بالفعل أكثر وعياً باللعبة السياسية في ذلك الوقت.

16- كيف تقيّم لنا المتغيرات الأخيرة خلال العقود الثلاثة الماضية إلى العهد الجديد الذي تعيشه البحرين في زمننا الحاضر خصوصاً على مستوى البرلمان، والحياة الديموقراطية، والمتغيرات على مستوى المطالب الشعبية الحقيقية ومدى تلبية الدولة لهذه المطالب؟..

في الحقيقة والواقع، لقد أُجهِضت التجربة الوليدة في 1975م، وفرض على البلاد قانون أمن الدولة المشؤوم، وخسر الشعب والحكم فرصةً ثمينة للتقدم الحقيقي على كل الصُّعُد، وقد استمر الحال على ذلك في ظل أوضاع غير صحيحة على الإطلاق قرابة ربع قرن من الزمن، عانَى فيها الشعب الأمرين، ثم جاءت فرصة سانحة أخرى مع العهد الجديد بتولي العاهل الشاب حمد مقاليد السلطة، واستبشر الناس خيراً، ولكن العبث بدستور البحرين العقدي المبرم في 1973م دون تراضٍ من الطرفين المتعاقدين الشعب والحكومة، أدّى إلى نشوء أزمة دستورية خانقة، لا مخرج لها إلا بتراضي الطرفين على أسس حوارٍ وطني حقيقي جاد، لا مجال فيه للتنصل والتهرب من الاستحقاقات.

17- باعتبارك أحد كبار الخطباء الحسينيين في البحرين ما رأيك في الإشكالية التي تتجدد كل عام حول موضوع العزاء الحسيني وما يتبعه من الشعائر كالتطبير[2]  التي تعدد حوله الآراء بين مؤيد ومخالف ومحايد، إلى درجة بروز الصراعات الفئوية بين مقلدي المراجع.. ما رأيك في الموضوع؟.. وكيف نتلمّس الحلّ الناجع لهذه المشكلة؟.. ومن المسئول برأيك؟..

مراسم العزاء الحسيني تمثّل - بحقٍّ - إحياءً لخط الأئمة عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، وتبياناً لمظلوميتهم، وهي الثقافة العاشورائية الخالدة خلود الدهر، والتطبير من جملة التقاليد التي شاعت - أول أمرها - في كربلاء على يد بعض التركمان، ثم سرت سريان النار في الهشيم في كل البلدان التي يتواجد بها محبو الحسين عليه السلام، وهو من القدم موضع شدٍّ وجذبٍ بين رموز التقليد والأتباع، وقد كثرت الاستفتاءات والإفتاءات في جوازه أو عدم جوازه، وإذا جئت للأساس الشرعي فليس لها من أساس، وإنما يجريها المطبّرون وفقاً لتصوراتهم الشخصية والعلماء والمراجع يجيزونها في حالة عدم الضرر، بينما لا يجيزها عدد آخر بسبب تأثيراتها السلبية في محيط هذا العصر الذي يراقب فيه الأعداء الشيعة مراقبة الذئب لفريسته! يجب - في رأيي المتواضع - أن توجّه مثل هذه الأعمال في الوجهة الصحيحة والمسار الصحيح ليكسب محبوا الحسين عليه السلام رضاه وقبوله وشفاعته، أنا أتصدّق بمالي وبالأطعمة والألبسة فلماذا لا أتصدّق بالدم بدل هدره في الطرقات يلوّث الناس والجدران والشوارع؟!

أرجو ألاّ يفهمني أحد على نحوٍ خاطئ لم أقصده!

18- لقد عايشت الكثير من الصراعات الفكرية في المنطقة، ولعل من أبرز هذه الصراعات الفكرية التجاذب العلمي والمذهبي بين الأصوليين والإخباريين، وكان لوالدكم رحمه الله رأياً في ذلك.. حدثنا عن وجهة نظرك في الموضوع وعن ملابسات هذه الإشكالية التي عانى و لا يزال يعاني منها مجتمعنا، وماذا عن رأي والدكم رحمه الله؟..

المدرسة الأخبارية والمدرسة الأصولية مدرستان للفرقة المحقّة الإمامية الإثنى عشرية، هذا أولاً، والأخباري أو المحدّث، والأصولي أو المجتهد مصطلحات تعبّر عن مستويات فكرية، المستوى الأول يعبّر عن أن كل ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة عليه دلالة قطعية من قبله تعالى حتى أرش الخدش، والمستوى الثاني يعبّر عن الدور الذي يلعبه العقل في علم الأصول، فالإشكالية منحصرة بين المدرستين في خصوص أدلة التشريع، فعند الأخباري لا تتعدى الكتاب والسنة، وعند الأصولي أربعة بإضافة الإجماع والعقل - كما ذكرتُ - وما يعود إليها من الأدلة الأخرى كالاستصحاب والاستحسان وأمثالهما، وقد بذل بعض من أعلام الإمامية الأصوليين والأخباريين جهوداً تُذكر فتُشكَر، لتضييق هوة الخلاف - إن صحّ التعبير - بين هاتين المدرستين البارزتين، وكان على رأسهم العلاّمة الشيخ يوسف الحدائقي، فقد أوجد أرضية لدور الاعتدال وعدم التطرف بين طروحات هاتين المدرستين، وفعلاً ساعد بأُفقِه العلمي الرحب والواسع في تضييق الشقة، ومن جملة ما قال رحمه الله: (إن ما ذكروه في وجه الفرق بينهما جلّه بل كلّه - عند التأمّل - لا يثمر فرقاً في المقام)! وبذلك أرسى عليه الرحمة حقيقة اعتبار الفروق بين المدرستين لا تخرج عن إطارها العلمي، الذي يحصل عادةً بين العلماء أنفسهم، ولا يتطوّر - بالتالي - إلى الخروج عن المألوف، في نطاق الفكر الفقهي الإمامي، الذي اشتهر وسط فرق المسلمين كلها حتى ومنا هذا بالانفتاح المشرق وعدم الجمود والتشرنق!

والدي الشيخ محسن العرب - رحمه الله - في رسالته المتميزة (مصباح الهدى) طرح تصوّره ضمن إطار علمي متين، يدلّل على أصالة فكرية، وروح موضوعية، وقد اهتمّ - رحمه الله - اهتماماً واسعاً بتفتيت الاختلاف بين أبناء الطائفة المحقّة.

19- حدثنا في جلسة سابقة عن موقف لطيف لأحد الكتاب الذين تصدّوا للكتابة عن إحدى الشخصيات العلمية من إحدى الأسر العلمية، وقد اعترضت هذه الأسرة على بعض ما كتبه عن والدهم.. حدثنا مرة أخرى عن هذه اللطيفة، وما رأيك في هذه الإشكالية التي يعاني منها الباحث العلمي خصوصاً عندما يكتب عن شخصية علمية من إحدى الأسر العلمية في المنطقة؟..

ربما كانت الإشكالية تلك تكمن في هيكلية البحث المشار إليه آنفاً وأطره الموضوعية! مع الأخذ بعين الاعتبار التجرّد العلمي التام المنشود، فالكاتب - أي كاتب - عندما يتصدّى لمهمة البحث تحكمه اعتبارات موضوعية عديدة، تنهض بإبعاد ما يكتب عن هوى النفس أو التحيّز، وفق معادلةٍ متوازنة، حقيقةً ربما كان الطرفان محقّين، وكان يتعيّن التوافق على صيغةٍ معينة!.

20- - باعتباركم من الخطباء اللامعين في البحرين والخليج - كيف تقيّم مستوى المتلقي لرسالة المنبر هل ترى من تفاعل جماهيري مع الموضوعات التي تُلقى عبر هذه المدرسة الحسينية التي تتكرر كلّ عام سواء في ذكرى عاشوراء أو في ذكريات وفيات الأئمة (عليهم السلام) أو ذكريات المناسبات الإسلامية الأخرى؟.. وبماذا تنصح المستمعين والجماهير وهم يواظبون على المشاركة في هذه المجالس؟.. وهل مجرد المشاركة بالحضور هو التفاعل المطلوب؟.. أم ماذا؟..

إنّ المتلقّين لرسالة المنبر الحسيني - بلا شك - قلوب طافحة بعشق سيد الشهداء عليه السلام، ارتباطهم القلبي بالنبي وأهل بيته صلوات الله عليهم ارتباط وثيق، وحصيلتهم من محبة أهل البيت عليهم السلام كبيرة جداً، ينطبق عليهم نصّ الحديث الشريف:

(يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)، فدموع الباكين على الحسين عليه السلام لسان الأفئدة، ودليل المحبة والولاء الصادق، وفي تواجد جماهير المنبر الحسيني تجديد للبيعة مع أبي الأحرار عليه السلام، واستمداد للطاقات الفكرية والنفسية والروحية لهذه المدرسة العظيمة، التي أثبتت - فعلاً - أنها الارتباط العقائدي الجلي مع خط أهل البيت عليهم السلام، وأنها المبدعة لدى أولئك المستمعين الأرضية المناسبة، لتصبح لديهم حصانة من الانحراف والزيغ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: (إن لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبدر أبداً)، فالدموع من مريدي المنبر الحسيني منبع للفيض الإلهي، وصلة دائمة بالحسين ومعطيات نهضته المباركة، فهو القائد العملاق الذي يشملنا برعايته، ونتربّى في مدرسته، ونكتشف جوهر التديّن في رحابه العامرة، نحن نعتقد بشفاعة الحسين عليه السلام، ونؤمن بثواب البكاء عليه، بالنتائج الحسنة المترتبة على محبة أهل البيت سلام الله عليهم، فهي صحيحة كلها، ومراسم وشعائر العاشوراء - اليوم - قد تطوّرت على مستوى العالم كله، إلاّ أنني أُذكّر في هذا المقام (إن الذكرى تنفع المؤمنين)؛ أن طرح هذه الأمور من زاوية أحادية الجانب، فيه تجنٍ على هذه الثورة المعطاة، يجعل الذين يعيشون الغفلة والسطحية لا يرون أي تعارضٍ بين مشاركتهم بالحضور؛ وارتكاب المعاصي والمحرّمات، و (إهمال الصلاة التي هي عمود الإسلام، وعدم الاكتراث بفرائض الدين، وأملهم في ذلك - وفق الطرح الساذج - هو القطرات التي يسكبونها من دموعهم، حتى وإن غرقوا - كما قلتُ - في المعصية والتقصير والآثام!

يجب أن نفهم - يا أعزتي - أنّ ماهية وأهداف الثورة الحسينية عظيمة وحضارية وراقية ورائعة، وأنها ما قامت إلاّ لأجل الصلاة:

لولا وقوفك بالطفوفِ

لما وقفنا للصـلاةِ

وأنّها ما فُجّرت إلاّ لأجل رونقٍ للإسلام جديد في ظهر العاشوراء ذكّر البطلُ أبو ثمامة الصائدي إمامه وقائده الحسين عليه السلام بوقت دخول فضيلة الظهر، فأجابه الحسين عليه السلام: ذَكَرْتَ الصلاةَ جعلك اللهُ من المصلّين الذاكرين! فالإمام الشهيد - أرواحنا فداه - قد حقن حُبّ الصلاة في شرايين أمة جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم - كما حك بمواقفه العظيمة الخالدة الأجواء الأموية المقيتة، وأشعر المجتمع الغافل بالذنب؛ لعدم مناصرة صرخة الحق، وأداء التكليف الشرعي، وأبرز سلام الله عليه أهل بيت الرسالة صلوات الله عليهم كنماذج مُثلى لقيادة الأمة المتحيرة، كما بلور البُعد الأيديولوجي لدى الشيعة؛ على محور الإمامة المنصوص عليها إلهياً.

خلقت نهضته هذا الشعور الاجتماعي الذي ننعم به في كل ذكرى سنويةٍ له، ووحّد مئات الملايين في بوتقة نهضته الخالدة، وجعل هذه الفرقة الإسلامية متماسكةً في خندقٍ واحدٍ، لمواجهة الكفر العالمي والظلم والانحراف.

إنّ مدرسة الحسين هي مدرسة الصلاة والصلاح والثورة والحرية والاستقامة والعطاء الدائم، (تؤتى أكلها كلّ حينٍ بإذن الله ربها).

21- من خلال متابعتك للصحافة ما رأيك في مستوى الصحافة ذات طابع المذهب، التي تحمل سِمات ومزايا وخصوصيات مذهب أهل البيت ؟.. هل تراها مواكبة لمستوى الحدث والواقع؟.. أم أنها تهتم بطابعها المذهبي أكثر من تفاعلها مع الحدث اليومي والواقع العام؟..

صحافة مذهب أهل البيت عليهم السلام - كما أراها - ذات طرحٍ ناضجٍ ولله الحمد، ولكنها - بالمقابل - تعاني من نواقص فنية، أتمنى لو تُستكمل، أما قضية مواكبتها لمستوى الحدث فهناك - ربما - بعض القصور الذي أتمنى - أيضاً - لو يُعالج، عندنا أقلام جادة، تضطلع بحمل الهمّ العام بكل وعيٍ وبصيرةٍ، وأنا أحييها.

وفق الله المخلصين.

22- من خلال تنقلاتك في مختلف مناطق البحرين ودول الخليج العربي والدول المجاورة، كيف كان اتّصالك بالعلماء والخطباء وأهل الفكر والثقافة والأدب، وهل هناك تعاون في هذه الأطر العلمية والفكرية والثقافية والأدبية بما يفيد الساحة والمجتمع؟.. وماذا عن تواصلك مع شخصيات القطيف وتوابعها؟..

في بواكير الشباب ومقتبل العمر احتككتُ في موطني بالعديد من العلماء والفضلاء أمثال المرحوم آية الله الشيخ عبد الحسين بن قاسم الحلي العراقي، المرحوم آية الله الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد صالح بين الشيخ أحمد آل طعان الستري، والمرحوم أستاذي الشيخ محمد علي بن أحمد آل حميدان، والعلامة المرحوم الشيخ باقر بن الشيخ أحمد آل عصفور، في الستينات من القرن الميلادي العشرين المنصرم نشأت صداقة وزمالة بيني وبين المرحوم الشاعر السيد رضي بن السيد سلمان الموسوي؛ وكان من شعراء البحرين المجيدين؛ وكنت أعرض عليه قصائدي ومقطوعاتي الشعرية فيجيزها، أتذكر أنه كان يقول لي: إذا أردت أن تكون شاعراً فعليك بمفتاح الشعر، فأتساءل: ما هو مفتاح الشعر؟! فيرد: مفتاحه كثرة قراءة دواوين الفحول من الشعراء، كانت لي صولات وجولات في المنتديات الأدبية في بلادي، والتقيت شعراء كبار كعزيز أباظة المصري بنادي العروبة، واصطدمت بدعاة الطلاسم المسماة شعراً حُراً، شاركت في المناسبات السياسية والاجتماعية والندوات وغيرها على مدى نصف قرن دون تلكؤ.

في سفراتي خارج البحرين حرصت على زيارة المراجع العظام عليهم شآبيب الرحمة والرضوان في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة والكاظمين ومشهد، فقد زرتُ آية الله المرحوم الشيخ عبد الكريم الزنجاني وسعدت بلقاء ذلك العملاق الشامخ، وزرت المرجع الشهير آية الله السيد محسن الحكيم رحمه الله عام 1964م، وآية الله الشيخ محمد أمين زين الدين رحمه الله، وكنت أحرص على زيارة هذا العالم عندما يزور أهله وأقرباءه بالبحرين بصورة سنوية، وأسعد حقاً بطروحاته الفقهية والعلمية والأدبية.

قابلت في النجف المحقق الشهير أسد حيدر، كما زرت المرحوم الآية الشيخ محمد علي اليعقوبي خطيب العراق، وقد قرأت مجلساً عنده في منزله بالنجف، وقد استحسنه وأثنى عليّ وذلك في 1964م أيضاً.

سعدت بلقاء علماء كبار كما زرت المرحوم آية الله الشيخ محمد طاهر آل شبير الخاقاني خلال أسفاري إلى مدينة قم المقدسمة في 1975م، كما أسعدني الحظ بلقاء بعض خطباء المنبر الحسيني في إيران كالخطيب السيد شريف الموسوي، وفي مشهد التصقت بالسيد أحمد أحمدي الواعظ إمام جامع صنعتكران رحمه الله، وكان نعم الصديق الصدوق.

كنت تلقائياً أنجذب في حلّي وترحالي إلى منتديات العلم والأدب والثقافة، وواظبت على ذلك، وفي دار الشيخ عبد الحسين أمين إمام جامع الزهراء عليها السلام بالشارقة بدولة الإمارات العربية اجتمعت بالشيخ محمد الفاضلي، والخطيب الشيخ عبد الله حسين البحراني، والشيخ قاسم الحائري عام 1998م.

زرت المكتبة الكبرى لأديب الإمارات الوجيه جمعة الماجد، واجتمعت به في دبي، أما سفراتي إلى الهند وغيرها من البلاد فلازمني الحرص ذاته على الاجتماع بالفاعليات الأدبية والاجتماعية والثقافية.

أما في العوامية بالمنطقة الشرقية من المملكة فقد أسعدني الحظ - مرات - بالاجتماع مع العلامة الشيخ سعيد بن الشيخ علي أبي المكارم.

اتصالاتي ومشاريعي الأدبية والثقافية لم تنقطع ولم تخبو مع العلماء والخطباء والأدباء والكتّاب وأهل الفكر والاجتماع والثقافة لا داخلياً ولا خارجياً، ولي بعض الاهتمامات الثقافية مع بعض رموز الحياة الثقافية في البحرين.

[1]  الصانع هو الذي يقرأ في بداية المجلس الحسيني قبل الخطيب، حيث يبدأ ببعض الشعر الفصيح ثم يقرأ مرثية عاميّة. (المحرر)

[2]  التطبير: هو ضرب الرؤوس بحد السيوف ضربات خفيفة إلى حدِّ الإدماء غير المضرّ بالبدن غالباً.
عضو هيئة التحرير
287398