الأبعاد التربوية للتفكير: هل يمكن أن نغير نمط التفكير لدى طلابنا؟
جعفر محمد العيد * - 19 / 3 / 2011م - 4:51 ص - العدد (35)

تمهيد:

بعد الدراسة السابقة التي كانت بعنوان (العلاقة بين المعلم والطالب ) والمنشورة في العدد الرابع والثلاثون من الواحة ( الربع الثالث 2004 م ) والتي ناقشت فيها طريقة التعامل مع الطلاب وتأثيرها على مستوى تقديم الطلاب، ومستوى الإبداع، وكان من اللافت للنظر أن المناهج كانت من العوامل المؤثرة جدا بشكل سلبي في قتل إبداع الطالب، وتحديد نمط التفكير لديه، إضافة إلى الاعتماد الكبير على طرق قديمة في التعليم، نستثني منها بعض الاجتهادات التي خاضها مجموعة من التربويين والمشرفين، والمعلمين على حد سواء، والتي لا يمكن أن نعول عليها في التغيير الشامل، من دون أن تتغير السياسات التربوية في الوطن العربي، والإسلامي.

هل التفكير ثابت أم متغير؟

اليوم أطرق موضوعاً آخر له علاقة وثيقة بالموضوع السابق من حيث نقد العملية التربوية، ومحاولة الاستدلال على معالم في هذا الطريق، وفي الواقع انه سؤال قديم جداً، وجد منذ وجدت البحوث التربوية والنفسية التي ناقشت موضوع الذكاء وتأثره بالوراثة والبيئة، إلا أن الإجابة ظلت حائرة بين أصحاب النظرة البيئية، وأصحاب نظرة الوراثة.. ولكن العلماء اليوم يبلون بلاء حسنا في هذا الصدد، ويفرعون الدماغ والتفكير إلى أجزاء كبيرة، معظم الأمور العلمية تعتمد على أجزاء وعمليات قابلة للتطور والنمو إذا ما أريد لها ذلك.

مهارات التفكير.. البدايات:

من واقع المصارحة والشفافية، أقول إن بدايتي مع هذا العلم كانت ومضة.. وهي عبارة عن بقية كتاب وجدته ملقىً مع أغراض معلم قد حزم أمتعته ليغادر بلادنا العربية السعودية، وكنت في ذلك الوقت أعمل في مدارس التهذيب الأهلية بسيهات كمرشد طلابي للمرحلتين المتوسطة والثانوية في العام الدراسي 1419 -1420هـ كتب عليه برنامج الكورت لتعليم التفكير، وبالفعل كان هذا الكتاب عبارة عن مقدمة لبرنامج تعليم التفكير قام به العالم التربوي الكبير الدكتور ادوارد دي بونو، أخذت هذه القصاصات وصرت ادرسها في البيت وبدأت أطبقها على الفور على الطلاب ولو بشكل بسيط، ثم تتالت تجاربي على ذلك، إلى أن عثرت على نسخة كاملة من البرنامج عن طريق احد الأصدقاء كان يواصل دراساته العليا في الأردن، وهو بدوره عرفني على الأستاذ ثائر حسين، احد المدربين الرئيسين، ومسؤول مؤسسة دوبونو لتعليم التفكير في العالم العربي، وبالفعل استطعت أن انتمي إلى بعض الدورات في هذا العلم رغبة مني في كشف هذا العلم المجهول، ولأنني الاحظ الخيبة، والإحتراق النفسي الذي نعاني منه نحن معشر المعلمين نتيجة للإحباطات، الناتجة من مجموعة عوامل، أهمها عقم وقدم الطرق المستخدمة مع الطلاب، والهادفة إلى زيادة الدافعية لديهم نحو التعلم.

الدماغ الأيمن والدماغ الأيسر:

من جهة أخرى عندما أردت الكتابة في هذا الموضوع تحيرت من أين ابدأ أولى خطوات الكتابة ؟!

ووجدت أن من الأهمية بمكان الكتابة عن الدماغ وعلاقته بالتعليم، ووجدت في هذا الصدد كتابا من أروع الكتب التي قرأتها في هذا الصدد من حيث موضوعة الجديد، ومن حيث الجهد المبذول في هذه الدراسة من قبل المؤلف على جمع معلوماته[2] .

إنني وعندما أكتب عن تقسيمات الدماغ وأهم أجزائه المخ.. وكلنا يعلم أن لكل إنسان مخ واحد في رأسه إلا أنه ومنذ فترة ليست وجيزة توصل العلماء إلى امتلاك الفرد من جانبين من المخ (يساري، ويميني) وقليل منا من يستخدم هذين الجانبين بنفس الكفاءة وتفرض البيئة والتربية والمجتمع المحيط دورهم في ميل الإنسان إلى استخدام جانب من المخ أكثر من الآخر بشكل عام.

جدول يبين خصائص المخ الأيمن والأيسر
 

م

المخ الأيسر

المخ الأيمن

1

يتعامل مع المعلومات اللفظية والرموز التجريدية

مع المعلومات التوضيحية والصورية والتخيلية

2

يحب الترتيب والنظام

يحب العشوائية والحرية

3

طريقة التفكير والنظر للأمور بصورة تفصيلية

طريقة التفكير والنظر للأمور بصورة كلية وشاملة

4

يعالج المعلومات بشكل متسلسل

يعالج المعلومات بنوع من التوازي والتزامن

5

يعالج المعلومات بشكل منطقي

يعالج المعلومات بشيء من الحدس

6

يكون متفحص ومحلل أثناء القراءة

يكون إبداعيا ومولداً للأفكار أثناء القراءة

7

يقرأ لأن التفاصيل مهمة له

يقرأ ليعرف الفكرة الأساسية في الموضوع

8

يعالج معلومات متعلقة بالأرقام والحقائق الرياضية

يعالج معلومات المتعلقة بالأشكال والتخيل

9

يحب التخطيط والتأني

يحب الإقدام بسرعة

10

يفكر بشكل متقارب (تفكير بشكل... في المصدر)

يفكر بشكل متباعد ( تفكير... )

11

استقرائي

استنتاجي

12

يقيس ويقارن الأمور مع أشياء يعرفها

ينظر للأمور وكأنها تكمل الأشياء التي يعرفها

13

يتعامل مع الزمن

يتعامل مع الفراغ ثلاثي الأبعاد

14

 

يتعامل مع الحقائق والواقع

يتعامل مع التخيل والاختراع

15

يعرف ويتذكر الأسماء بشكل أكبر

يعرف ويتذكر الأشكال بشكل أكبر

16

يحل المشاكل بطريقة منظمة وحسب منهج واضح

يحل المشاكل بالاعتماد على أنماط معينة عامة

17

يحب تحسين الواقع الموجود

يحب إيجاد واقع أ أشياء جديدة

18

يحب الواجبات المحددة واضحة المعالم والمفصلة

يحب الواجبات المفتوحة بحيث يتبع مايريد

19

آراؤه تأتي في إطار ردة فعل على الآخرين أو تكون تابعة.

مبادر مستقل في آرائه

 المشكلة ليست في تسيير العموم من الناس نحو الوجهة الصحيحة في الاستفادة من المخ، إنما في انتهاج بعض المتخصصين والمحسوبين على ذوي الاختصاص لتكذيب مثل هذه الحقائق دون أدلة علمية، إنما وفق قياس مزاجي يعتقد أصحاب هذا الرأي أنه قياس عقلي، معتمدا على اعتقادات ذاتية صرفة، ولقد حصل مثل ذلك في المجتمعات الغربية عندما كانت مثل هذه الاستنتاجات تشق طريقها إلى النور، ولكن وبعد الإنجازات العلمية في هذا الصدد، مثل حصول العالم الشهير روجرسيبري على درجة الدكتوراه في الطب بالذات على أعماله في فصل الدماغين الأيمن والأيسر.

فهل يمكن أن يقبل العالم الشرق أوسطي هذه النتائج ببساطة دون معوقات، الدكتور باسل عبد الجليل صاحب الكتاب المذكور والمعنون (من كيمياء الدماغ إلى التعلم والإبداع) يرى من جانبه أن كثير من تخلف طلابنا العرب عن الآخرين راجع إلى عدم إدراكهم لتركيبة الدماغ وماهية الكيميائيات الداخلة في تغذيته، وانعكاسات زيادة بعض الأغذية أو نقصانها على الدماغ وفاعليته، لم نشأ الكتابة عنه في الوقت الحاضر.. إذ وعلى الرغم من أهميته إلا أننا نود الحديث عن الأمور العامة في هذا الشأن قبل الدخول في التفاصيل.

ماهو نمط التفكير لدى طلابنا؟

 لقد كان ملفتا للنظر النتائج التي توصل إليها الباحث العربي سليمان عبد الله بالاشتراك مع الباحث الأمريكي المعروف باول تورنس، عن اختلاف أنمطه التفكير بين كل من الطلاب الأمريكيين واليابانيين والعرب، فوجد أن الطلاب اليابانيين حصلوا على أعلى درجات التفكير في الجزء الأيمن من المخ،حيث يغلب على تفكيرهم الحدس والتفكير الإبداعي، بينما حصل الأمريكان على درجات فيها تكامل بين المخ الأيمن والأيسر، في حصل الطلاب في دولة عربية على أعلى درجات في سيطرة الجزء الأيسر من المخ (Soliman&Torrance 1986) والذي يتعامل مع المعلومات اللفظية والتجريدية، وآراؤه تأتي في ضوء ردة الفعل على الآخرين وعادة ماتكون تابعة، فما هو دور الجزء اليمن وما هو دور الجزء الأيمن من الدماغ؟

إننا هنا أمام تحدٍ كبيرٍ.. الحل فيه لايمكن أن يتأتى بصورة انقلابية، إنما بصورة تربوية تعتمد على تكثيف الدراسات الميدانية، كما أن الواقع ومهما كان سيئاً من خلال نتائج هذه الدراسة، فلايجب أن يعمينا ذلك عن كل ايجابيات الطالب العربي.

إن تحريك جانبي المخ هو الأفضل، ولكن جانب منه أيضا يفيد في جوانب محددة تبعا للأهداف المرسومة.

يوجد في العالم مقياس عالمي يقيس قدرات أي موظف يتقدم لوظيفة معينة، قيمة إجرائه ( $ 300 ) للموظف الواحد، إن وظيفة هذا المقياس تحديد قدرات هذا الموظف لشغل الوظيفة المحددة، ومن ثم اقتراح مجموعة من البرامج لإعداده للتوافق مع الوظيفة التي تتطلب قدرات في الجانب الآخر من المخ.

نمط التفكير لدى اليابانيين والعرب والأمريكيين:
 

الرقم

الطلبة

نمط التفكير

أ

اليابانيين

لديهم سيطرة على الجزء الأيمن من المخ (الحدس، التفكير الإبداعي...)

ب‌

العرب

سيطرة الجزء الأيسر من المخ (يتعاملون مع المعلومات اللفظية والتجريدية...)

أ‌

الأمريكيين

وحصل الأمريكيين على درجات فيها تكامل بين المخ الأيمن والأيسر.

• راجع دراسة الباحث العربي سليمان عبد الله والباحث الأمريكي باول تورنس (Soliman&Torrance 1986) راجع باسل عبد الجليل (من كيمياء الدماغ إلى التعلم والإبداع _ المتنبي 1424هـ.

 
السؤال المطروح هو كيف يمكن أن نغير نمط التفكير لدى طلابنا ؟!، والجواب على ذلك لايمكن أن يتغير هذا النمط بمبادرات فردية من قبل بعض المعلمين تصطدم بنظام لايرى ضرورة تغيير هذا النمط، كما أن الأغلبية الكبيرة من المعلمين تحمل نفس نموذج الطالب بشكل مكبر، من هنا أصبح من الضرورة بمكان النظر إلى تغيير نمط المناهج وطريقة التعامل مع الطالب، وفق ما تجدد في العلوم التربوية في العالم، ووفق النتائج التي ظهرت على علم جديد يمكن أن نطلق عليه علم التفكير، والبعض الآخر من العلماء يطلق عليه مهارات التفكير، وأهمهم العالم الشهير دي بونو، الذي نادى ومنذ زمن بعيد إلى التعامل مع التفكير كأي مهارة أخرى.. ولكي لانجحف حق وزارات التربية في العالم العربي والإسلامي، فإن محاولات عدة جرت في هذا الصدد، تتقدمها دولة الأردن والإمارات العربية المتحدة، حيث تسهم الأردن عن طريق مدارس اليوبيل لرعاية الموهوبين بمناهج مختلفة تتضمن مهارات التفكير، وتتوارد بعض الأنباء عن أن إمارة أبو ظبي، أدخلت ضمن مناهجها مادة التفكير، وهناك خطوات تتسم بالخجل في المملكة العربية السعودية، وخطوة من هذا النوع تحتاج إلى جهة تربوية دافعة ومتابعة وإرادة قوية نحو التغيير التربوي، نتمنى أن تتكاثف الجهود في سبيل الإصلاح ومن أجل مصلحة جيل المستقبل من الأبناء.

[1]  دي بونو (الدكتور ادوارد دي بونو) برنامج الكورت لتعليم التفكير، ترجمة وتعديل الدكتورة ناديا هايل السرور، ثائر غازي حسين، دينا عمر فيضي، الطبعة الأولى، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1418هـ (1998 م) عمان – الأردن.

[2]  عبد الجليل (الدكتور باسل عبد الجليل) من كيمياء الدماغ الى التعلم والإبداع (تدقيق لغوي دكتور حسن قرعاوي)، مكتبة المتنبي، الطبعة الأولى 1424هـ (2003 م) الدمام – المملكة العربية السعودية.
عضو هيئة التحرير
322881