الإصلاحيون والمحافظون في الأحساء
عندما تكتمل الصورة
د. أحمد محمد اللويمي * - 19 / 3 / 2011م - 4:56 ص - العدد (35)

يعد التنبؤ من أهم الحقول المعرفية التي تجذب اهتمامات رعيل واسع من العلماء والمختصين في شتى الحقول المعرفية والأنماط الفنية والأدبية. ونتيجة للتراكم المعرفي المتزايد في الدراسات المستقبلية بدا ملامح حقل معرفي جديد بالظهور يطلق عليه (الدراسات المستقبلية) (Futuristic Studies). ويعتبر ألفين توفلر صاحب كتاب (صدمة المستقبل) الذي صدر عام 1970 والذي صاحب ظهوره صدى واسعا في الأوساط العلمية من أهم المراجع العلمية في هذا الحقل. كما تعتبر ( جمعية مستقبل العالم) الأمريكية من الجمعيات النشطة في هذا الحقل التي تضم أكثر من ثلاثين ألف عضو يعتبر ألف منهم من العلماء المختصين في الدراسات المستقبلية[1] .

وتعتبر الدراسات المستقبلية علما يوظف منهجا علميا في استنباط الاحتمالات المستقبلية في شكل الاقتصاد العالمي في المستقبل أو الاستراتيجيات السياسية في العلاقات الدولية المستقبلية كما يرسم علم المستقبليات هيئة وشكل العلاقات الإنسانية في المجتمعات 3. أما ما يعرف عن الإنباء عن أحداث المستقبل بالمنهج القطعي الحدوث والمسمى بالملاحم التي طفحت بها كتب التراث عن تنبأ النبي صلى الله عليه وآله عن ما يحدث بعده من تحولات اجتماعية وسياسية وما جاء عن الإمام علي (عليه السلام) عن تنبؤاته عن قيام الدولة الأموية أو ظهور الدولة البويهية وسقوط بغداد على يد المغول، كما أشار إلى ذلك أبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة،. لا يعتبر أحد حقول علم المستقبل الذي نحن بصدده ولكن يعتبر إطلالة غيبية يمكن من خلالها استشراف طبيعة الأحداث والتحولات القادمة واستغلال هذه النبوءات المستقبلية الغيبية للتخطيط المستقبلي.

وقد ظهر في أوروبا وبعض الدول الأخرى الكثير من الدعاة حول قدرتهم على التنبؤ بالمستقبل أو ما يعرف بالخيال العلمي.. حيث يمثل هذا الشكل من التنبؤ ضربا من الخيال والتأليف المرتجل كما ذهب الى ذلك الكاتبين الفرنسي جول فيرن والأمريكي جودمان كرولي في كتاباتهم في القرن التاسع عشر حول شكل العالم في القرن العشرين[2] .

تعتمد الدول المتقدمة في تحديث برامجها أو رسم خططها المستقبلية في كافة الحقول على ما يقدمه علماء الدراسات المستقبلية من رؤى واستنباطات.. ونظرا لأهمية هذا العلم وما يقدمه من إضاءات مستقبلية أصبح ملاذا مهما للدراسات السسيولوجية الأبستمولوجية لتقديم روئية حول هيئة المجتمعات والعلاقات الاجتماعية المستقبلية لمجتمعات العصر الراهن المتصف بالتسارع المحموم في أحداثه وتقلباته وتحولاته[4،3] .. ويعتبر توظيف أدوات الدراسات المستقبلية ذو أهمية بالغة في التعرف على شكل وتركيبة وطبيعة العلاقات الاجتماعية المستقبلية في الأحساء ودور النخب في تفعيل هذه العلاقات للمجتمع الأحسائي في المستقبل..

المجتمع الأحسائي من المجتمعات الحديثة العهد بالانفتاح على التحولات المدنية والحضارية التي تمر بها المملكة.. وبالرغم من ولعه الشديد في توطين كافة أدوات الحضارة الغربية في حياته، يتصف المجتمع الأحسائي-المتميز بمحافظته الشديدة في عاداته وتقاليده - بتحفظ تقليدي الأمر الذي يلعب دورا في تقليل تأثير الأدوات الحضارية الوافدة على استلاب هويته وتغريبه عن عاداته وتقاليده..

يحتل الدين موقفا بارزا وحيويا في حياة المجتمعات الريفية المحافظة في كافة المجتمعات ولا يشذ المجتمع الأحسائي عن هذه القاعدة حيث لعب الشعور الديني المذهبي ورجاله دورا لا يستهان به في تشكيل الثقافة الشعبية للمجتمع الأحسائيأ.. ونظرا لبساطة مجتمع الأحساء الريفي السابق والمستوى العلمي الديني البسيط لشريحة لا يستهان بها من رجال الدين وقراء المنبر الحسيني في ذلك المجتمع (قبل مرحلة التحديث والانفتاح الذي يشهده مجتمع الأحساء الراهن ) كانت الثقافة الشعبية غنية بثقافة دينية تعلوها الخرافة والأساطير والكثير من الخزعبلات العقدية التي وظفها بعض رجال الدين وخطباء المنبر الأميين (الأمية الأبجدية والمعرفية) كغطاء أساسي في نقل المفاهيم والتعاليم الدينية للمجتمع الريفي والبسيط في احساء الماضي. ونظرا لما احتله رجل الدين بالدرجة الأولى وقاريء المنبر الحسيني من منزلة رفيعة في وجدان المجتمع الأحسائي وما ترسخ من تعاليمه الزاخرة بالثقافة الخرافية والأسطورية فان المجتمع الأحسائي الحديث الذي يعيش مرحلة زاهرة من الانفتاح والتجديد ما زالت رواسب الماضي تتجلى في ثقافته والتي تشاهد بشكل واضح في القداسة غير الممهنجة لرجل الدين وبعض المفاهيم الأسطورية ومظاهر من الخرافات الدينية التي ورثها من ثقافة الآباء والأجداد. وبالرغم من الجهد الحثيث والتصدي البارز لرعيل لا يستهان به من رجال الدين في الوقت الحاضر في تنقيح المفاهيم والتراث الشعبي في الأحساء من هذا الركام، فان الجهود ما زالت متواضعة لا سيما وان هذه الجهود تقاوم من قبل بعض الرموز الدينية رمزية في المنطقة التي مازالت تنافح عن هذا المسلك التقليدي في طرح الدين ومفاهيمه ناهيك عن إصرارها على عرض شخصيتها الدينية التقليدية على أنها هي الأنموذج الصادق لرجل الدين الرباني المقدس.

ويرجع استفحال ركام الماضي في الحاضر ويزيد من قتامته تزاوج الثقافة الدينية التقليدية مع الثقافة الدينية الطائفية المذهبية التي اعتبرت احد أهم الأدوات في مواجهة محاولات الطمس المذهبي الذي مارسه الخط التكفيري من الطرف الآخر. وما يؤكد على استفحال ركام الماضي في الحاضر هو تعاظم الشعور عند المجتمع في تحميل رجل الدين ما يفوق طاقته من التقديس والمسؤوليات من اختصاص رجل الدين كانت أو لم تكن بالرغم من تصدي رعيل لا يستهان به من المتنورين من رجال الدين لهذه الظاهرة ومحاولة علاجها بالتقويم والتهذيب. ويرجع هذا الوهم الاجتماعي في اعتبار رجل الدين الإنسان الخارق (Superman) إلى ما تركه ركام الماضي من ثقافة التعويم الذي تتجلى في أوضح صورها في اعتبار المجتمع أن أي عمل مهما كان شكله وحقله لا يتأتى له إلا من خلال مباركة رجل الدين وحضوره. وكان هذا جليا من خلال كثير من المشاريع الحضارية التي شهدها مجتمعنا في العقد الأخير والتي قامت على عاتق الشباب ومبادرته. وقد حملت ثقافة التعويم التي يعاني منها المجتمع الأحسائي رجل الدين آمالا عريضة ما يفوق طاقته وكفاءاته في مرحلة الانفتاح السياسي الذي شهده مجتمعنا والدعوة التي شهدها المجتمع للمشاركة في انتخابات البلدية.

وبالرغم من شدة حضور القديم الماثل في وجدان المجتمع الأحسائي الحاضر إلا أن المجتمع الحديث خطى خطوات متسارعة وثابثة لبلورة ثقافة مجتمعية جديدة ورموز فكرية وثقافية غير تقليدية. ويعد الحوار الساخن الدائر في المنتديات الثقافية والمجالس والنوادي حول علاقة المثقف برجل الدين من أهم ملامح الثقافة المجتمعية الجديدة في مجتمع الأحساء الراهن. إن ظهور رموز ثقافية وفكرية خارج دائرة رجال الدين التي مكنتها قدرتها وكفاءتها الثقافية المتميزة من فرض وجودها كتيار مستقل في أطروحاتها ونظراتها ومنهجيتها في تفسير وتحليل الكثير من الظواهر الأجتماعية الراهنة وقابليتها على طرح قراءات متميزة وبالتخصص الدقيق حول مفاهيم الانفتاح ومواجهة الوافد من الثقافة والأدوات الحضارية. إن الحضور المتنامي لهذه الطبقة الحديثة في المجتمع الأحسائي الحديث بدأ يفرز لا محالة ظاهرة متنامية من المواجهة والتنافس الثقافي والفكري بين رواده وبعض رجال الدين الذين ألفوا ولزمن طويل التفرد بالساحة والخطاب المعرفي المتخشب في المجتمع الأحسائي.

إن ظهور المثقف الديني الليبرالي المستقل في طرح مفاهيمه حول الدين والحياة ابرق رسالة شابها الكثير من الفهم السلبي والقراءة المتشنجة عند البعض من رجال الدين الذين اعتادوا على رؤية الرضوخ والاستسلام المطلق لطرحهم من قبل أفراد المجتمع الأحسائي، مما حملهم على مواجهة هذا التيار المتنامي بالقذف والتمرد ونعته بالانحراف عن الجادة لا لشيء إلا الاستغلال في أطروحاته وتجاوزه الجريء لأولئك الذين مازالوا يعيشوا نشوة القداسة والسلطة الدينية المطلقة. وقد استقبل الرسالة ذاتها طبقة متنامية من رجال الدين الذين حملوا على كاهلهم رسالة التحديث والتطوير للمؤسسة الدينية والخطاب الديني بالترحاب والانشراح والتشجيع وحاولوا تعضيد وجود هذه النخبة من المثقفين من خلال مد الجسور وفتح قنوات الحوار. إلا أن المثقف الأحسائي المستقل ما زال ينظر بعين الخوف والشك ويتوجس الريبة من الاقتراب من هذه الشخصيات الدينية التي هي ذاتها ما زالت تعيش بعض رواسب روح التسلط الديني وحب الهيمنة والظهور بالرغم من أطروحاتها النظرية بالانفتاح على المثقف والتقارب منه.. وقد يحتاج المثقف الأحسائي المستقل لفترة غير وجيزة ليتمكن من خلالها ثبيت أركانه ووجوده الاجتماعي قبل أن يبدي استعداده للتحالف مع رجال الدين كي لا يختزل مجهوده بإمضاءاتهم ولا ينسب حضوره الفاعل وكيانه الشاخص لمباركتهم[*] . أن هذا الشعور المأزوم عند المثقف الأحسائي ينبع من شعوره المحبط بهيمنة مفهوم التعويم الذي يمارسه المجتمع في علاقته مع رجل الدين. وقد لا يتحمل رجل الدين وزر هذا الشعور وتبعات هذه الثقافة المجتمعية بشكل مباشر ولكن النظرة السائدة في أوساط المثقفين ترجع بشكل أساس لعدم استثمار رجل الدين المتنور الذي يشكل اليوم طيفا مقبولا في وسطه، دوره في المجتمع لتقويم مثل هذه الثقافة بل وكما يظن الكثير من المثقفين ذهاب بعض رجال الدين إلى استثمار هذه الثقافة في بناء سلطة اجتماعية على حساب المفاهيم الأصولية التي يعتبرها المثقفين حيوية في السعي نحو بناء مجتمع مدني يقوم بالدرجة الأولى على أساس توزيع الفرص والمساواة في الكفاءات والأدوار. والمأمول في المستقبل القريب سرعة مبادرة هذه الطبقة المتنورة من رجال الدين لتبني ثقافة توزيع المهام والأدوار في مجتمعنا بدل مفهوم الهيمنة السائدة للمساهمة في إرساء أركان المجتمع المدني في الأحساء.

إن المجتمع الأحسائي الحاضر الذي سعينا جاهدين رسم صورته الراهنة في حركة وتحول متسارع وإن صورته الحاضرة لا تصمد في حركة الزمن طويلا حتى تتبدل لصورة أكثر اتساعا وحيوية في المستقبل. إن القضايا الثقافية المطروحة في حلبة النقاش والمتداولة كعلاقة المثقف برجل الدين والكثير من القضايا المطلبية الأخرى المتعلقة بإعادة ترتيب البيت الشيعي سوف يعفو عليها الزمن ويأتي عليها القدم والرتابة ليحتل مكانها قضايا هامة ومفصلية في حياة الأجيال المقبلة ألا وهي قضايا الانفتاح والإصلاح الجوهري لخطابنا الديني المتهالك وهيئة الثقافة الكافلة لصيانة الذات دون الانغلاق على الواقع.

هذا الاستشراف والحراك الفكري الثقافي المستقبلي يلح على القوى الفاعلة في المجتمع إعادة النظر في القضايا المطروحة الراهنة وعقد العزم على الاستعداد المبكر لمواجهة الأزمة المتسارعة في الاستفحال للمجتمع الأحسائي في شكل المعالجه المطلوبة لقضايا الانفتاح والإصلاح لاسيما في الأدوات التربوية والفكرية. إن إشكالية العلاقة بين المثقف ورجل الدين آئلة إلى الزوال أسرع مما يتصور وذلك للضغط المتضاعف الذي يمارسه الشريحة العريضة من مجتمع الشباب والمثقفين المستقلين على رجال الدين في مطالبتهم لمزيد من الإصلاح في الخطاب الديني والعقلية التقليدية الماضوية. إن استجابة رجل الدين حتمية الوقوع وسوف يشهد المجتمع الأحسائي في غضون الأعوام المقبلة انقلاب صورة رجل الدين التقليدي إلى صورة رجل الدين المثقف وانقراض رجل الدين التقليدي الراكد وعند ذلك تضمحل الفوارق الراهنة بين رجل الدين والمثقف وسوف يفرز هذا التحول بروز تيارين جديدين على أطلال تياري المثقف ورجل الدين. ويعد بروز هذين التيارين من أهم التحولات الاجتماعية حيث يأخذان على عاتقيهما إعداد المجتمع لقضية الانفتاح وإشكالياته ويمثل هذا التحول الأمل الموعود لأي مجتمع يلج مرحلة الحداثة والانفتاح. تيار الإصلاحيون وتيار المحافظون هذه الأثنية واقعة لا مناص منها في المجتمع الأحسائي لتماثل تجربة الأحساء بتجربة الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية وبعض المجتمعات الأخرى في المملكة التي سبقت الأحساء في الانفتاح والحداثة وشهدت ظهور بروز هذين النموذجين من التيارات الفكرية.

السمات العامة للتيار المحافظ ومهامه في مرحلة الانفتاح والحداثة

يعتبر التيار المحافظ امتدادا للمد الفكري الذي يعبر عن حالة الممانعة والرفض للانفتاح المطلق أو الانفتاح غير الممنهج بوجه الثقافة الأجنبية وأدواتها المادية وقيمها الحضارية دون استصحاب ذلك لإمضاء الشريعة من خلال منهجية صارمة تبلغ الحد في بعض جوانبها الرفض المطلق حتى لو ترتب على ذلك الضرر بالحضور الفاعل للمجتمع في الساحة العالمية من خلال مساهمته الفكرية والعلمية والفنية والتراثية أو توظيف تلك الأدوات في تحديث المجتمع وتطويره. وبعبارة وجيزة التيار المحافظ ذو مسحة ماضوية وذلك لطلب إصلاح الحاضر بالماضي.

دأبت الأدبيات على إطلاق مصطلح السلفية والسلفيون على التيار المحافظ على رغم ما يحمله هذا المصطلح من عدم ارتياح عند الكثيرين لتلازم المصطلح بطبقة عريضة من منتهجي الخط التكفيري والمتسم بالغلو والتشدد. لكن الدكتور حيدر إبراهيم علي في محاضرته [الاتجاه السلفي ][6]  والتي ألقاها في ندوة الفكر العربي المعاصر، التي نظمها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في إطار مهرجان القرين الثقافي الرابع نوفمبر/ديسمبر 1997 يباين هذه النظرة ويؤكد مخالفته لما شاع عن السلفية من الجمود أو الركود (ان السلفية كانت باستمرار حركة تحديثية أو تجديدية بأدوات ورؤى ومناهج تقليدية. فقد اكتسبت أسم “الإصلاح” و”التجديد” و”البعث” وهذه المعاني توحي بالتجاوز والجدة). (و يمكن ان تسمى عملية التجديد والبعث بالعودة إلى الماضي “الحداثة المعكوسة” اذ يجتهد السلفيون في اللحاق بالعصر وان يكونوا جزءا من عملية الحداثة والعولمة دون التخلي عن رؤية للعالم مستمدة من الماضي).

وقد يمر التيار المحافظ في الأحساء بعدة أدوار في مسيرة تكامله وتطوره. وتتسم المرحلة الأولى من حياة التيار المحافظ المرتقبة بمرحلة انتقالية بين الحاضر الراهن والمستقبل. حيث يغلب على أقطاب هذا التيار - الذي قد يشمل رعيلا من الشباب المثقف ذوو النظرة المحافظة ولفيف من رجال الدين - الفوضى الفكرية التي تتجاذبها السلفية المطلقة والتجديد الضيق في مناهج القراءة للنص وأدوات الخطاب الديني. وسوف يواجه التيار المحافظ في مرحلته الأولى انحسار طبقة الشباب الناشدة للانفتاح والليبرالية عن اسناد تيار المحافظين وسوف لن يكون له من سند أو دعم إلا طبقة ضيقة من الأكاديميين التقليدين والمتدينين البسطاء. وتشهد المرحلة الثانية من حركة التيار المحافظ في الأحساء ظهور تيار داخلي منافس للتيار العام المحافظ لخلق ثورة إصلاحية عامة على منهجية التيار المحافظ وذلك ببلورة نظرة محافظة أكثر وضوحا وتحديدا للخطوط العريضة التي يتخذ منها التيار المحافظ إطارا لحركته الإصلاحية بوجه الحداثة والانفتاح المغاير لنظرية المحافظين. وفي هذه المرحلة تبرز القطبية بشكل شاخص لكلا التيارين المتفرعين من التيار المحافظ العام ليعبر المحافظ- المحافظ بيمينية متطرفة في جمودها ورتابتها رفضه ونكرانه للمحافظ-المتجدد الذي يريد شق طريقه بيسارية معهودة في إقصاءها للآخر وهيمنتها عليه. وهكذا يعيش التيار المحافظ في الأحساء من خلال هذا الاستشراف صراعا داخليا ليدخل مرحلته الثالثة التي تنتهي بغلبة المحافظ- المتجدد وإقصاء المحافظ- المحافظ الذي يترك ليواجه مصيره في الانقراض والاختفاء من خارطة الحياة الاجتماعية في الأحساء. وأما الدور الذي سوف يضطلع به التيار المحافظ في مواجهة الانفتاح والحداثة التي تغمر المجتمع الأحسائي دورا مفصليا وهاما في المنافحة عن القيم الأصيلة والأدوات التقليدية في تقاليد المجتمع وعلاقاته الإنسانية. ويعتبر التيار المحافظ صمام الأمان في ضبط مستوى الانفراج عن الخط الأصولي للمجتمع من خلال خطابه الديني المحافظ-المتجدد ومنهجيته التي يمكن تحديد ملامحها من خلال النقاط التالية:

1- الملامح الأساسية للشعار الرمزي للتيار المحافظ يمكن التعبير عنه بالإشارة إلى ما جاء في قول المفكر والمؤرخ الكبير عبدالله العلايلي (ليس محافظة التقليد مع الخطأ وليس خروجا التصحيح الذي يحقق المعرفة)[7] . ويختلف المحافظ عن الإصلاحي الذي يشترك معه في هذا الفهم العام لهذا المعنى في تفسير التقليد وتحديد أدوات المحافظة.

2- توظيف العاطفة الدينية التقليدية وإحياء الشعائر كأحد أهم الحاضنات في خلق مظلة صادة للأنفتاح المرفوض والممجوج في نظرة التيار المحافظ.

3- الاستخدام المكثف للنصوص الدينية كأحد أهم الوسائل الدعائية المضادة للتيار الإصلاحي.إلا أن قراءته للنصوص والفهم الذي يقدمه من خلالها يمثل اصل الخلاف والتباين بينه وبين التيار الإصلاحي.

إن القرب الملاصق للتيار المحافظ من النص الديني والبعد الواضح المعالم في تغيبه عن تفاصيل الواقع المعاصر يجعل من التيار المحافظ في أزمة ملازمة لتقديم رؤية دينية واضحة لكيفية الانفتاح الممنهج على ضوء الشريعة والأعراف. وان العجز المربك لمسيرة التيار المحافظ هو عجزه عن إثارة حركة تنويرية (Renaissance) دينية للمجتمع الأحسائي تمكنه من معاصرة الواقع بأدوات المحافظة والأصولية. وبعبارة أخرى إن حجر الزاوية في عجز التيار المحافظ الأحسائي المقبل هو عجزه عن تقديم مشروع متكامل دون مزيد من التحرر لتجعله أكثر قربا من قطب التيار الأصلاحي-المحافظ (انظر الفقرة التالية لمعرفة ما المقصود بالإصلاحي-المحافظ).

السمات العامة للتيار الإصلاحي ومهامه في مرحلة الحداثة والأنفتاح

يتمظهر التيار الإصلاحي من خلال اتسامه بالليبرالية تجاه الفكر الوافد والبراجماتية (النزعة الواقعية) في التعاطي مع هيمنة هذا الفكر وضرورة وأهمية إدراك عناصره وأدواته والأعداد لهضمه واستيعابه. وقد يظهر للوهلة الأولى أن التيار الإصلاحي حركة تستهدف إزالة الماضي وتغييب ما خلفه من تراث بدعوى العصرنة واحتضان الحاضر كمنهج نافع لضمان التقدم ونبذ التخلف.

إن حركة التيار الإصلاحي في واقعها تؤسس لحضورها على تحسين وتوطين الأدوات المعرفية التي تمكنها من خلق حالة توفيقية بين المنهج المؤسس على تراث الصالح والنافع من الفكر الوافد بتوظيف أدوات ومناهج حديثة لا يخلو معظمها من إنتاج الحضارة المهيمنة.

إن الرسالة التي تمثل الغاية القصوى للتيار الإصلاحي هي عملية هضم وإدراك الوافد من الثقافة الغربية ومحاولة تطوير أدوات ضابطة وكابحة لهذه الثقافة. إن التيار الإصلاحي يرى أن مهمته الأصولية تكمن في ترويض هذه الثقافة لا نبذها. إن البراجماتية التي تمثل أحد أهم العناصر المفصلية في ثقافة التيار الإصلاحي تدفعه اندفاعا في الانكباب على تقديم رؤية لهذه الثقافة وبلورة قراءة عنها بعين محلية دون سلبها عناصرها الذاتية التي تشكل شخصيتها. يستهدف هذا التوجه الجوهري في التيار الإصلاحي الكشف عن العناصر التي صنعت التقدم للحضارة الوافدة وعن الأدوات التي نفخت في جسدها الازدهار والعافية. إن هضم تلك الأدوات يمثل الخطوة الأولى نحو توظيفها من خلال تقديم قراءة عصرية لتراثنا. وقد لا يحالف الحظ الكثير من الإصلاحيين التوفيق في توظيف الأداة الإصلاحية لقراءة النص أو التراث دون الإضرار بالأخير. فقد قدم الكثير من الإصلاحيين مشاريع إصلاحية فكرية كان غرضها علاج التخلف وتفعيل التقدم إلا أن تلك المشاريع عانت من قراءة مشوهة وغير متقنة في فهم النصوص أو تراثه الفكري. ويرجع ذلك بالدرجة الأولى لشدة انهماك شريحة من التيار الإصلاحي بقراءة نصوص الثقافة الوافدة وابتعاده الواضح عن الطبيعة المعرفية لنصوص الثقافة الذاتية أو إدراكه لجوانب من التراث الفكري. إن التيار الإصلاحي قد يستطيع أن يقدم رؤية دقيقة عن الثقافة إلا أن جدوى تطبيقها مرهون بتقليص الحجم الفاقد من الفهم لنصوص الثقافة الذاتية. وبشكل عام ذلك لا ينقص من أهمية هذا التيار في ما يطلقه من حركة تنويرية وإصلاحية وما يثيره من انتباه في قرع أجراس إنذار التغريب والاستلاب الحضاري للمجتمع. وقد ظهرت نماذج إصلاحية نموذجية على مستوى الإصلاح الثقافي والفكري والاجتماعي في حركة التجديد والإصلاح ومن أهم هذه الرموز الشخصية العلمية الفكرية للسيد الشهيد محمد باقر الصدر من خلال تقديم قراءة علمية مازجت بين الحداثة في المعالجة والأصالة في الموضوع. وهناك السيد محمد حسين الطباطبائي من خلال الانفتاح على الفلسفة الغربية وإنشائه لمنهج الفلسفة المقارنة في الحوزة العلمية. وعلى مستوى المثقفين العلماء الدكتور الشهيد علي الشريعتي والدكتور عبد الكريم سروش. وتعتبر تجربة العلامة الفقيد الشيخ محمد مهدي شمس الدين رائدة في تقديم قراءة فقهية ودينية جديرة بالاهتمام لكثير من قضايا العصر ومسائل التجديد في الفكر الإسلامي[5] .

إن الدور المحوري الذي سوف يلعبه التيار الإصلاحي في الأحساء هو تطوير كيفية الانفتاح وحجمه ولونه وطبيعته على الثقافة الوافدة من خلال إثارة حركة فكرية لتطوير آليات جديدة لم يألفها مجتمع الأحساء في قراءة هذه الثقافة. ويمكن إجمال أهم الفعاليات والنشاطات التي سوف يضطلع بها هذا التيار في التالي:

1- تطوير رؤية محلية لقراءة الثقافة الغربية.

2- تطوير فضاء فكري حواري مفتوح لمعالجة القضايا العالقة التي يواجهها المجتمع.

3- الضغط على معاقل التزمت والأنغلاق -باعتبارها ظاهرة غير صحية، منافية لروح الدين وقيمه والفطرة السليمة- لأزاحتها عن مناطق نفوذها وسيطرتها من خلال تحديد عجزها وتلكؤها في مواجهة الواقع.

4- إنتاج كوادر فكرية وثقافية متخصصة في قراءة الثقافة الوافدة وقدرتها على تقديم رؤية تشخيصية تعين على العلاج أو الوقاية.

كالتيار المحافظ، يمر التيار الإصلاحي بمراحل من التطور والتحول حيث المرحلة الأولى من حياة هذا التيار المرتقبة هي امتداد للراهن مما يطرحه المثقف من أطروحات في تطوير النظرات وضرورة تبني مشاريع الإصلاح والتيار. في هذه المرحلة هناك خليط من توجهات متعددة وقد تكون متضاربة إلا أن القاسم المشترك هو مناوئتها للتزمت والانغلاق. يمر التيار الإصلاحي بمرحلة مشابهة لتلك التي يمر بها التيار المحافظ حيث القطبية الواضحة في التوجهات بين فئة تطلب الإصلاح حد التخلي عن الأصالة تماما وفئة تتمسك بالأصالة وتنشد التوفيق لها مع الحداثة. ويمكن أن يسمى القطب الأول بالإصلاحي المطلق والقطب الثاني بالإصلاحي-المحافظ. وتنتهي هذه المرحلة بمرحلة أخيرة حيث الانشقاق التام بين قطبي الإصلاحي-المطلق الذي يتسم بالندية للتيار المحافظ-المتجدد والإصلاحي-المحافظ[**] .

وأهم ما يميز قطب الإصلاحي-المطلق هو دعوته التامة للتخلي عن الأصالة التي يعبر عنها التراث مباينة للثابت من الفهم العام الذي اتفق عليه العقلاء من الأمة وذلك من خلال التطبيق المطلق لأدوات القراءة المدجنة من الثقافة الغربية دون النظر لأهمية قراءة النص وروحه المعنوي في ثقافة الأمة. ولا شك أن قطب الإصلاحي-المحافظ يمثل خطا مباينا للقطب الآخر من خلال التثبت والتدقيق والغربلة وتقديم ما يمكن استخدامه من أدوات في عملية التوفيق بين الأصالة والحداثة.

التيار الإصلاحي والمحافظ والحراك الاجتماعي

إن النهضة الثقافية والفكرية لأي مجتمع والتي تعد العمود الفقري لأي نهضة علمية مدنية حضارية لا يكتب لها النجاح إلا بمستوى ما تمتلكه أطروحتها من القوة في ملامسة الواقع والتأثير على مجراه. إن التيار الإصلاحي والتيار المحافظ الذي يستشرف ظهورهما في هذه الورقة في مستقبل الأحساء لا يعتبر في عداد الأنباء والأخبار عن حدوث وظهور هذه الظاهرة فقط بل إن هذه الورقة جادة في الدفع نحو عقد نطفة هذا المستقبل في الراهن ورعاية أمشاج هذه الظاهرة بالوقاية والعناية حتى ولادتها.

إن أهمية مثل هذا العمل في الدفع نحو توفير العناصر والبيئة الملائمة لتخلقه في مستقبل هذا المجتمع جدا ضروري لكسب مجتمع الأحساء دفعة قوية من الحراك الفكري والثقافي كي تدور عجلة التحول والتغيير الكافل لإنتاج حركة تضمن لهذا الجيل اسما في سجل التاريخ وتتلاقف إبداعه أجيال المستقبل.

شكر وتقدير

الشكر الوافر والجزيل المنهمر لكل من الأخوين الفاضلين الأستاذ المهندس عبدالله الشايب وسماحة الشيخ الخطيب محمد العباد على قراءتهما لهذه الورقة وتعليقاتهما وآرائهما الثمينة والنيرة في تمتين وتصويب المفاهيم الواردة في هذه الورقة. ولكن لا تعبر هذه الورقة بالضرورة عن كامل قناعتيهما بكل ما ورد فيها لاسيما ما يخص تقييم وضع الأحساء الراهن.

[*]  ويرجع ذلك بالأساس الى خوف المثقف من مفهوم التعويم الذي يعاني منه المجتمع الأحسائي الذي اشرنا الى بعض من مظاهره في ما مضى.

[**]  يتقاسم المحافظ-المتجدد والأصلاحي-المحافظ النظرة الى أهمية الثراث الفكري الذي يمثل جوهر الأصالة كينبوع مهم لعملية الأصلاح والتجديد للأمة ويمثل الحصن الكفيل في حمايتها من التغريب. إلا ان المائز الواضح بينهما يتمثل في اختلاف منهج القراءة للنص والزاوية الذي يستقريء بها الفكرة. فالأختلاف منهجي لا أصولي ولذى فالعوامل المشتركة واسعة بينهما ويعتبر دور كل منهما مكمل للآخر.
[1]  أبو زيد، أحمد. الحاجة الى استشراف المستقبل، العربي عدد 534 مايو 2003، 30-34

[2]  أبو زيد، أحمد. الخيال العلمي وعلم المستقبل، العربي عدد 535 يونيو 2003، 30-33

[3]  آل حبيل،. ذاكر. المستقبل والمستقبلية، التشكل والبناء والأستهداف، الكلمة عدد 41 (2003 / 1424)، 113-119

[4]  الكنبوري،إدريس. ثورة المعلومات وأفق المستقبل. في حوار مع الدكتور المهدي المنجرة. الكلمة، عدد 41 (2003 / 1424)، 125-127

[5]  الميلاد، زكي. الشيخ محمد مهدي شمس الدين وتجديد الفكر الديني، الكلمة عدد 39 (2003 / 1424)، 5-33

[6]  علي، حيدر ابراهيم. الأتجاه السلفي. عالم الفكر المجلد السادس والعشرون، العددان الثالث والرابع، 1998، 11- 53

[7]  الحمد، تركي حمد. فكر الوصاية ووصاية الفكر. عالم الفكر المجلد السادس والعشرون، العددان الثالث والرابع، 1998، 313- 337
أستاذ مشارك - جامعة الملك فيصل - السعودية.
297984