عودة العاشق الكبير عبدالله الجشي
جعفر محمد العيد * - 22 / 3 / 2011م - 9:52 ص - العدد (36)

عندما تحن اليمامة إلى موطنها، وتلاقي البلابل عشيقاتها، وتعود العصافير إلى أعشاشها يصبح الصفير الحالم فوق الأشجار حلواً، عندها يصبح الغناء عشقاً يعانق شغاف القلوب، عندها تصدر أشجار الفلّ والياسمين روائحها احتفالاً بالمناسبة.

عبدالله الجشي، طائر الوطن المحلّق، طالما أطرب الجميع بقصائده.. طائر أحب هذه الأرض بكل تفاصيلها، وعندما غادرها لطلب العلم كانت موجودة في قلبه أينما ارتحل فكان يحن إليها مردداً:

إني أحنّ إلى الشوا

طئ والحدائق والنخيل

مثل البلابل والحمائم في

الصباح وفي الأصيل

ويظل همس الحب في

نفسي كإيقاع الهديل[1] 

هذا الشاعر يحمل صفات وشمائل عديدة تختلف عن غيره من الشعراء، ناهيك عن موهبته الشعرية منذ الصبا، وقد كانت البدايات حافلة بالإبداع فهو الذي كان يخاطب الإمام السيد أبا الحسن الأصفهاني في قصيدته الشهيرة (العيد جاء) وهو بعد في عمبر الثالثة والشعرين حتى يقول في أحد أبيات القصيدة:

فلو أن عهد المعجزات وقد مضى

يعود لقلنا ذا نبي مقرّب

هذا الشاعر الجشي، الذي طالما رفع اسم البلاد عالياً، عندما تراكمت مبادراته وخطواته من التعلم إلى رعاية الأدب والأدباء في العراق الأمر الذي أدى إلى تسنمه موقعاً مميزاً في تاريخ الأدب العربي.. وما كان ذلك إلا من مكنة وقوة كبيرتين لهذا الشاعر لأن ميدان العراق الشعري لم يكن ميدان الصعاليك، وإنما كان ميدان الفطاحلة، فعليه أن يثبت قدمه أمام الشعراء الكبار أمثال محمد رضا الشبيبي، والجواهري وغيرهما.

وعندما عاد كان يرى الوطن وأبناءه وحدة واحدة.. فيغني عسير، ويغني نجداً كما يغني القطيف فهو القائل عند عودته:

بلادي مهاد شبابي الحبيب

كيف يعانق قلب حجر

جثوت على شاطئ الذكريات

أقبل آصاله والبكر

فهل لليواقيت عطر التراب

تقبله رشحات المطر

وفي كل ذرة رمل فتي

ترحب بالعاشق المنتظر[2] 

واليوم وبعد أن جاءت مبادرة مهرجان الجنادرية الجريئة برعاية سمو ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بتكريم الشاعر عبدالله الجشي باعتباره رجل العام 1426هـ، وقبله احتفلت القطيف بمبادرة من لجان التكريم الذي كان على رأسها المرحوم السيد علي العوامي، الذي كان من الداعمين الرئيسين لـ(الواحة).

وعندما نضع بين يدي القارئ الكريم هذا الملف، لا نقصد به المنافسة مع الملفات الأخرى، بل إننا نجد أن كل الذين كتبوا في هذا الطريق هم كتابنا، بل إننا نسعى في هذا الملف أن نحيط قدر المستطاع بما قيل وما كتب في تكريم الشاعر (أبي قطيف) لكننا نتميز بالإضافة إلى الجمع هو تقصّي بعض ما كتب في المراجع المحلية مع إسقاط المتشابه منها.

أهداف الملف

ونستهدف من إعداد هذا الملف الأمور التالية:

1- بعض الوفاء لأصحاب الكفاءة في هذه البلاد وهو أمر كان قد اختطه في العقدين الأخيرين المرحوم السيد علي العوامي إذ كان هو صاحب المبادرة في تكريم الشاعر الجشي.

2- موقعية الشاعر (عبدالله الجشي) الأدبية في البلاد وفي العالم العربي والإسلامي.

3- القبول العام.

للشاعر الجشي قبول عام في أنحاء المملكة من جميع الأطياف الأدبية والفكرية في المملكة، نظراً للوعي الكبير الذي يحمله أبو قطيف، وتجربته الكبيرة في البلاد والعراق مكنتاه من التعامل الواعي بلا تعصب لقوم أو طائفة، أو لجزء دون آخر من هذا الوطن.

ومع أنه من أرض القطيف، والذي لا يخفى حبه لها، لكنه ومنذ البدايات خاطب بنت الشاطئ في زيارتها التاريخية للبلاد قائلاً:

هذي بلادي وهي ماضٍ عامر

مجداً وآتٍ بالمشيئة أعمر

وكذلك وعندما بلغ مغيبه عن الوطن العشرين عاماً نادى وطنه قائلاً:

عشرون عاماً كنت يا

وطني خلف الحدود

حتى نسيت بك القديـ

ـم ولست أعلم بالجديد

حتى يقول:

أهديك يا وطني رصيدي

في رحلة الأمل العنيد

عشرون عاماً برة

ما شانها إثم الحجود

من أجل هذا وذاك (ولا مجال للتفصيل) نجد أن الشاعر عبدالله الجشي مقبول في جميع المناطق والشرائح الاجتماعية.

4- اهتمامات الجشي:

إن الاهتمامات البحثية والكتابية تتخطى كونه شاعراً إلى كونه باحثاً ومثقفاً.. وهذا بحد ذاته قصة طويلة تحتاج إلى توقف وتأمل ولكن اختصاراً نقول: إن تقلد الشاعر الجشي المناصب في المجلات من الغري، صوت البحرين، الظهران، وجريدة أخبار الفجر الجديد... ومقالاته فيها عن الخليج والنقط ونشوء الدمام والأحداث التاريخية أعطاه فسحة وبعداً كبيراً في الكتابة.

[1]  قطرات ضوء، ص133.

[2]  قطرات ضوء، ص98.
عضو هيئة التحرير
323503