عبد اللـه الجشي أستاذ الصناعتين
محمد رضي الشماسي * - 22 / 3 / 2011م - 10:04 ص - العدد (36)

في ساعة من ساعات الشعور بالفخر، والاعتزاز بالذات، يعيش الإنسان في غمرةٍ من النشوة قد تصل به إلى ما فوق حدوده. وأرجو ألا أخرج عن حدودي في هذه الليلة الميمونة، وأنا أمام هذا المنبر الكبير، والنشوة تغمرني بالاحتفاء التكريمي بعلَم كبيرٍ من أعلامنا، ورائدٍ من رُوَّاد حركتنا الأدبية، في هذه المنطقة. قد عرَفناه شاعرًا مبدِعًا، وكاتبًا قديرًا. عرَفته الساحة الأدبية في داخل المملكة وخارجها. عرَفته ملهمًا في الصناعتين، فإن كتب النثر أبدع، وإن نظم الشعر حلَّق. رجلٌ ما اطَّرح الكتاب، وما هجر اليراع أكثرَ من نصف قرن. فماذا بعد هذه الصحبة الحميمة بين أدب وأديب؟ أديب ملهم يعيش في صومعة فكره، والفكر لديه مستوعِب، والفكر وقَّاد. ماذا بعد هذا غير العطاء الوافر، الناضج، الذي وعى مختلِف العواطف الإنسانية، واستوعب كثيرًا من قضاياها؟.

أستاذنا الكبير عبد الله الشيخ علي الجشي، الذي أنشأته القطيف، وأدَّبته النجف، وأبرزته المنابر؛ يقف اليومَ على سَواء الهرَم في أدب الخليج العربي، بَلْهَ أدب المملكة والجزيرة العربية. بل هو في الأدب العربي أديب له مقامه، وشاعر له شأنه. دخل عالم الأدب بنتاجٍ خصبٍ، وفكر حصيف، وثقافة واسعة، برزت في ما كتَبَ ونظم وألَّف ونشر. عرَفه الأدباءُ العرب من خلال الصحافة مثل مجلتي الغري والبيان العراقيتين، والبيان الكويتية، وصوت البحرين البحرانية، ومجلات الألواح والأديب والعرفان اللبنانية، ومجلة العرب السعودية، ومجلة دارين للنادي الأدبي بالمنطقة الشرقية وغيرها من المجلات والصحف المحلية والخارجية. عرَفه الأدباء العرب من خلال مهرجانات المربد بالبصرة، ومهرجان الرواد العرب بالقاهرة، الذي أقامته جامعة الدول العربية عام (2001)، ومهرجان أثينا لنصرة فلسطين. عرَفه الأدباء من خلال الندوات الفكريَّة التي كان يرتادها في العراق والسعودية. عرَفه الأدباء العرب من خلال الدروع والشهادات التقديرية التي منحه إياها مهرجان الرواد العرب بالقاهرة، ودخل اسمه مادةً أدبية في نحو (60) مصدرًا من كتب ومجلات وصحف ومعاجم إعلامية.

(الحب للأرض والإنسان) أول ديوان يصدر للأستاذ أبي قطيف. يشتمل الديوان على اثنتين وستين قصيدة، تختلف في حجمها، كما تختلف - بطبيعة الحال - أغراضها، وإن كانت تنتظم في أكثرها بالشعور الوجداني؛ فهي تعبير عن وجدانيات الشاعر حول قضايا الحياة المختلفة التي تتناثر في الديوان مثل (طريق العبور)، (مرارة الإخفاق)، (بين اليمامتين)، (حياة التلمذة)، (ذكريات الحب)، (مأساة شاعر)، (شبابي الضائع)، و(فاتك السرب)، وغيْر هذه من قصائد الديوان.

يظهر الشاعر في ديوانه شاعرًا واقعيًا؛ ينأى بشعره عن التجريد، ويبتعد به عن ضبابية الغموض على الرغم من ميله إلى الرمز أحيانًا.

أثر المدرسة العراقية في شعره:

 عاش الشاعر الجشي في العراق بين أساطين العلم والأدب، فعلقت نفسه بالكلمة، وأسرته نغمة الأدب، وسحرته موسيقى الشعر؛ فصغت نفسه إلى الأدب والشعر. وبحكم الأصالة التي تميَّزت بها المدرسة العراقية؛ برزت المدرسة الكلاسيكية التقليدية بروزًا واضحًا حتى طغت على ما سواها من المدارس الشعرية. وكان الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري رأسَ تلك المدرسة. وأستاذنا الجشي أحد المتأثرين بتلك المدرسة، وهو يعيش فترة صباه، وريعان شبابه. وقد بدأ تأثر شاعرنا بالأستاذ الجواهري في باكورة شعره؛ حتى كأنه يغرف من بحره، أو ينحت من صخره. نسمعه في قصيدته (خصب الفراتين) التي نظمها في عام 1946م في تكريم الجواهري، وشاعرنا في عقده الثاني. يقول الأستاذ:

بوركتِ مهدَ النابغين صعيدا

عقمَ الزمان، وما تزال ولودا

ما زلتِ حبلى بالسراة، ولم يزل

فجر النبوغ على سماكِ شهيدا

العبقرية من رمالك حفنةٌ

لو أومضت شهبًا لكنَّ سعودا

يا شاعر النهرين لو لم يخصبا

أرض العراق أباطحًا ونجودا

لكفى نبوغك أن ينضِّرَ وجهها

حتى ترفَّ زنابقًا وورودا

وفي مرثيته لاحدى الشخصيات الوطنية يقول فيها:

جدَّدتَ عهدًا للمعارف ذاهبا

ونجدت شعبًا للتحرر واثبا

ينْزع عن أفق الجواهري في قصيدته في هاشم الوتري:

مجَّدتُ فيك مشاعرًا ومواهبا

وقضيتُ فرضًا للنوابغ واجبا

وقصيدته (بلاد ربيعة) التي حيى فيها وفد جامعة القاهرة الذي زار القطيف عام 1951م، وشاعرنا في عقده الثالث:

يا قادة الجيل الجديد تحيَّةً

أزكى من الزهر النديِّ وأنضر

ألقى الربيع على المباسم ظلها

وافترَّ منها الأرجوان الأحمر

نرى شاعرنا الجشي كأنه يرمي بسهم من كنانة الجواهري الذي يقول في مصر:

يا مصر تستبق العصور وتعثر

والنيل يزخر والمسلة تزهر

وبنوك والتاريخ في قصبيهما

يتسابقان فيصهرون ويصهر

وليس بِدْعًا في القول، وشاعرنا يعيش ربيع الصبا وزهو الشباب، أن يتأثر بذلك الوسط المفعم بالتقليدية والمحاكاة، خصوصًا وأن الجواهري كان ملء السمع والبصر، والمتأثرون به كثيرون.

لكن شاعرنا ما أن استوى وقام على سوقه حتى أخذ يخرج عن طوق التقليدية المحافظة على القصيدة الجواهرية إلى حرية الاختيار والإبداع، بعد أن تنوَّعت أمامه الثقافات، وتعددت المذاهب كالرومانسية والرمزية والسريالية، في وقت نشطت فيه الحركة الأدبية في العالم العربي بظهور جماعة الديوان، وجماعة أبولو، ومدرسة المهجر مما ساعد الشارعُ الأدبي على الانفتاح نحو العطاء الجديد، والنتاج الحديث ممزوجًا بالثقافتين العربية والغربية. ولقد تمثل ذلك المزيج في مثل شعر علي محمود طه، وإبراهيم ناجي، وأحمد زكي أبو شادي، وبدوي الجبل، وعمر أبو ريشة، وإيليا أبو ماضي، وغير هؤلاء ممن أغنوا الشارع الأدبي العربي بنَتاجهم المتميز، الذي خالفوا فيه مدرسة الإحياء؛ مدرسة الجواهري العتيدة.

عاصر شاعرنا الجشي فترة ذلك المخاض الفكري، وعاش أجواء ذلك الشارع الأدبي المتحرك بتلك الآفاق المتنوعة، فتبادل معه ثقافيًّا أخذًا وعطاءً، وتفاعل معه فكريًّا. ظهر ذلك التفاعل في مضمون القصيدة؛ إذ صغت نفسه، إلى حد بعيد، عن قصيدة المناسبة، في حدودها الضيقة، وإن مال إليها أحيانًا، فلا تخلو - أعني قصيدة المناسبة - من جنبة وطنية، أو اجتماعية،

الجشي في نظر الأدباء:

لقد كوَّن الأستاذ الجشي حوله من المعجبين أدباء ونقادًا وباحثين. فالأستاذ عبد الرحمن العبيد؛ رئيس النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية حاليًّا يقول فيه: «إن شعره إبداعي من الطراز المجدد. له أسلوبه الخطابي، وتعبيراته الفنية المبدعة»[1] ، ويراه الدكتور عبد الله الحامد بأنه يأتي «بين قائمة شعراء المملكة المجددين»[2] ، ويرى فيه الأستاذ خلف الخليف «بأن شعره يمتاز بالجزالة وقوة الأسلوب، وجمال الصور الشعرية، وهو من شعراء السعودية في العصر الحديث»[3] ، ويصفه المرحوم الأستاذ محمد سعيد المسلم «بأنه شاعر محلق، قوي الديباجة، يقف في الطليعة بين الشعراء المجددين»[4] ، ويعتدُّه الدكتور بكري الشيخ أمين «بأنه من الطائفة التي اهتمت بظهور المعاني الجديدة في القصائد، وبروز أثر الحضارة والتفاعلات الفكرية والثقافية المستحدثة»[5] . وعلى هذا السنخ من التقريظ يرى كل من كتب عن أستاذنا عبد الله الجشي.

الوطنية والانسانية في شعره:

أكثر ما يلفت نظر الناقد أو الباحث عنوان الديوان (الحب للأرض والإنسان)، وحسب معرفتي القاصرة، واطلاعي المحدود، على دواوين الشعراء؛ أن كلمة (حب) لم ترد عندهم إلا في مدلولها الجنسي، وإن كانت مغلَّفة بالطهر والعفاف - غالبًا - من كل منهما: الشاعر العاشق وحسنائه المعشوقة ما لم يكن الشاعر نزاريًّا. أمَّا الحب عند شاعرنا الأستاذ الجشي فهو عنوان الوطنية، وعنوان الخلق الإنساني: حب شاعرنا للأرض التي عاش عليها طفلاً وشابًّا وكهلاً وشيخًا -أمد الله في عمره- ولا أدري إذا كانت الأرض هنا أوسع من مدلولها المحلي المحدود؛ فتكون عندئذٍ هذا العالم بجهاته الأربع، وأبعاده الثلاثة، وعندها تكون هذه النظرة الإنسانية الشاملة بكل مقوماتها؛ فالأرض كلها بلاد الله، والإنسان مستعمَرٌ فيها. قال تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، وأنا أحتمل وأميل إلى صحة هذا الرأي عند شاعرنا، ويكفيني على ما أدعيه اسم ولده (قطيف)، واسم ابنته (يمامة)، فلقد انتزع اسم ابنه قطيف من بلده القطيف، واسم ابنته يمامة من بلده اليمامة، وهي من أسماء الرياض. وقد حدثني الأستاذ نفسه أنه لو رزق ابنًا لسماه يثرب، ولو بنتًا لسماها طيبة، ويثرب وطيبة من أسماء مدينة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). وليس خافيًا على أحد ما في هذه الأسماء المنقولة أو المنْتزعة من حب للأرض في مدلولها الواسع، وحب الإنسان في مفهومه المطلق. يقول الأستاذ في قصيدته (بين اليمامتين):

طوفي يمامة باليمامة حلوة الأنغام نشوى

طيري يمامةُ لليمامة فالذرى للطير مأوى

عودي لسربك عودة البطل الذي بالحب يقوى

إنَّ الديار لتزدهي بالقرب حيث البعد يطوى

إن اليمامة موطنٌ لك مثل دارينٍ وصفوى

ويقول في قصيدة (أغنية العشق):

سلام على هضبات الحجا

زْ تشمخ كالأنسر الطائرة

ونجدٍ، وآرامها، والصبا

وعزَّة أمجادها الغابرة

سلام على سعفات القطيـ

ـفِ وشطآنها الحلوة الزاهرة

وجنَّات أحبابنا بالهفو

فِ ونيران ظهراننا الهادرة

وفي مقطع من قصيدته (دارين المسك) يقول:

صعيد بلادي واحة جنب واحة

وبحر بلادي عطره مسك دارين

خلجاته النفسية خلال شعره:

أستاذنا أبو قطيف -مع إنسانيته في شعره- هو إنسان في حياته، متواضع مع علو كعبه، ورفيع مقامه، لا تسمع (الأنا) في حديثه، ولا تلمس (العظامية) في سلوكه، يمقت النرجسية، وإن ظهرت منها فلتات في شعره وهذه كثيرًا ما يبتلى بها الشعراء، فهي لديهم نوع من خطرات القلب، ونزوات اللسان ونزغات الألم. يقول شاعرنا المتواضع في فلتة نرجسية

أنا كالأزاهر في السباخ استنبتت

أترى حياةً في الأزاهر تنبت؟

ويقول:

أنا الشاعر الحساس في كل موطنٍ

بإحساسه بكر القوافي تصرِّح

إذا ناح ناحت في الغصون حمائم

وإن هو غنِّى فالمزاهر تصدح

ويقول:

لم تحتكر منها الروى لكنما

غرفت يدي وترشفت شفتاكا

وإذا كان الأديب يُعرف من آثاره، والشاعر يُدرس من خلال شعره، كما فعل المرحوم العقاد في كتابه (ابن الرومي حياته من شعره)؛ فإن لنا مع أستاذنا وقفة إشفاق على نفسيته الشفافة، وروحه الشاعرة. فمن يقرأ ديوان الشاعر محاولاً أن يقف عند محطات سيرته، ومنعطفات صعوده وهبوطه في مسيرة حياته؛ فلا يعدم أن يرى لمسات تشاؤمية متناثرة على لوحات قصائده في مثل (مرارة الإخفاق)، (ندم)، (بين الحقيقة والخيال)، (الحب نعمة)، (فاتكَ السرب)، و(أسطورة ناقصة).

إنها نفثات شعورية حارة يتنفس بها تنفس الصعداء، وهو يواجه هموم حياته اليومية، وقضايا مجتمعه، ومحن غربته، وغير ذلك من متاعب عصره، وهي كثيرة في حياة شاعرنا. يقول في (مرارة الإخفاق):

فجِّري، ياعواطفي أشواقي

واسعديني بباقة من رفاق

ما الفراديس، دونَهم بالفراديـ

ـس، ولا العطر طيب استنشاق

 

كلما خلت أن كفي أثرت

برفيقٍ أحسست بالإخفاق

أسكب الحب في أزاهر قلبي

غير أني أحس بالإختناق

ويصل الأستاذ إلى الذروة من التشاؤم في قصيدة (ندم)، فنستمع اليه يقول:

لم يبقَ لي في العيش ما يغري

قد ضاع عمري، وانطوى فجري

لم يحتقب عمري سوى أسفٍ

ينساب مثل النار في صدري

ولكم ندمت، وكان من ندمي

أني انطويت، فلم يبح فكري

وعلى نفس هذا الوتر يخاطب ابنه قطيف:

أقطيف عفوًا، إنني بشرٌ

جهْلُ المصائر منتهى عذري

شُقَّ الحياة، إذا استطعت غدًا

أو لا؛ فدربك بالغٌ إثري

ولي، هنا، وقفة عتاب مع أستاذنا الكبير في قوله:

ودَّعت صحبي في مضاجعهم

لم يبقَ منهم غير ما يزري

يا أبا قطيف، هؤلاء المجتمعون بك في هذا المحفل البهيج هم صحبك، ومحبوك، وتلاميذك، وأهلك، ومواطنوك. فهل في هؤلاء ما يزري؟ طبعًا لا، وإن نعم، فأرجو ألا أكون أنا هو، وأنا من صغار تلاميذك. أعتقد جادًّا أنك قد غيَّرت رأيك. وإنني أعتذر عنك جادًّا أيضًا فأقول: إنها نفثة ربما نفثت بها من اللا شعور، أو نحوت بها نحو مداعبة الحبيب إلى حبيبه.

ألا ترى، يا أستاذ، أنك تثقل على أسماع محبيك والمعجبين بك بقولك:

إني أحس اليأس يغرقني

لأعيش مثل الدر في البحر

وأنا الثريُّ غداً إذا انعقدت

حفلات تأبين على قبري

أطال الله عمرك يا أستاذ، وسامحك الله، وعفا عنك. أكتفي بهذا الدعاء، وأكتفي عن التعليق والرد بهذا المحفل البهيج الذي أقيم تكريمًا لك، واعترافًا بريادتك، وأستاذيتك لهذا الجيل.

لا أريد أن أكثرَ العتاب، وألِحَّ في التثريب، وإن كان لي في الإعتذار عنك مندوحة، فأنت لم يفتك السرب يا أستاذ، ولست معك في قولك:

فاتك السربُ، وهو يهفو إلى المنـ

ـهلِ والروضُ معشبٌ، وفسيح

إنَّ ما قد غرستَ من ذكرياتٍ

وفنونٍ عفَّت عليها الريح

ولعل الغربة من أسباب ذلك التشاؤم لدى الأستاذ الشاعر في قوله:

قدري سابق خطاي إلى حيـ

ـث توارى أزاهري في العراق

السياسة في شعره:

كما رأينا، فإن في الديوان ومضات مشرقة كثيرة، إلا أن الومضات المتصلة بقضية فلسطين تعدُّ قليلة في الديوان، فقد مرَّت مرور الوميض الخاطف، وبرزت بروز الإيماءة العابرة؛ إذ لم تأخذ نصيبها الذي تستحق من صفحات الديوان، وهي قضيتنا الكبرى في التاريخ المعاصر، وأستاذنا الشاعر لديه شعر كثير، ومن هذا الكثير -حسب علمي- عدد لا يستهان به عن هذه المأساة، وقد عاش القضية منذ نعومة إهابه. أمَّا نحن قرَّاءَ العربيةِ فإننا ننتظر قصائده الفلسطينية في ديوان قادم.

تلك الومضة الفلسطينية جاءت في قصيدة نظمها في احتفال تكريمي لشخصية أدبية مصرية زارت العراق. يقول الشاعر:

الوضع ينذرنا إنا إذا اغتُصِبت

صبحًا فلسطين؛ ودَّعنا الضحى حلبا

يا نكبةً جدَّدت مأساة أندلسٍ

وصدعها بعدُ حتى الآن ما رُئبا

عظمتِ من نكبة جلَّت رزيتها

نصبَ العيون بها الإسلام قد نكبا

كأننا لم نقم في الغرب دولتنا

غداة قدنا إليه الجحفلَ اللَّجِبا

والشاعر رأى حجم ما كُتِب ونُظِم عن فلسطين، وقرأ وسمع طنين الخطب، ورنين المقالات، وهو يعلم جيدًا أن معجم (لسان العرب) مع ضخامة ثروته اللغوية غيرُ قادرٍ على حل هذا اللغز الفلسطيني، فيشير الأستاذ إلى هذا المعنى، فيقول:

أرى رعيلاً من الأخطار داهمنا

فهل ترى مجديًا أن نكثر الخطبا؟

وقصيدة (عروس البلقان) ومضة أخرى في الديوان؛ طرح فيها مأساة البوسنة والهرسك، فيقول:

ذكَّرْتِني، لو تضحك الذِّكَرُ

لمشت على ثغري لها صور

لكن جفوني بعدُ غائمةٌ

ما كاد عنها الدمع ينحسر

(بُسْنا) -وجلَّ الله مبدعُها-

في قبضة النيران تستعر

لم تلق (معتصمًا) ليعصمها

أو يبق منصور فينتصر

وساعتنا العربية والإسلامية -مع الأسف- ملأى في كل دوراتها بالأحداث الكبيرة، والمآسي المؤلمة.

ومن الوميض إلى الضوء. من ومضات الألم في فلسطين والبلقان إلى (قطرات ضوء) في حياة شاعرنا الجشي، وهي مجموعة رباعيات؛ عددها (229) رباعية، وفي (916) بيتًا، وكل رباعية تشكل نافذة حول عالم شاعرنا الأستاذ الجشي يستطيع القارئ أن يطلَّ من أية واحدة منها على فكر الأستاذ، أو يدخل في نفسيته. هي نوافذ يتباين بعضها، ويتفق البعض الآخر. وفي كلتا الحالين هي تعبير عن مواقف متعددة مرَّت بحياة الشاعر من حب وفشل في الحب، وتفاؤل وتشاؤم، وشكوى، وألم، وفرح، ومعاناة، وخواطر أخرى أعطاها من العناوين ما يتسق وغرض المقطوعة.

حسبي أن أذكر رباعيتين دونما أي تعليق لئلا يطول بي الوقوف أمام هذا المنبر. يقول في إحداهما (عيد ميلادي):

أنا لا أطفئ الشموع احتفاءً

بسنينٍ مرَّت على ميلادي

بل أضيء الشموع مثل نجومٍ

في سماءٍ من الهنا والوداد

كلُّ عامٍ، به، أحقق حُلمًا

ذهبيًّا أولى بضوءٍ معاد

كل تلك الشموع من معطيات الـ

ـعمرِ إشراقها يضيء بلادي

وفي ثانيتهما (مكافأة) يقول:

بلاديَ، بعد العزِّ والجاه والبذل

أراني غريبًا في زماني، وفي أهلي

لقد كانت النجمات تملأ راحتي

فأحسب أنَّ الشمس تفرش لي ظلِّي

ولم أغلق الأبواب في وجه آملٍ

مساعدتي، أو أسقط الحب من عقلي

بلادي ذي كم نمت فوق ترابها

زمانًا، وكم وسدت خدِّي على نعلي

أمَّا رائعة شعره فهي الملحمة التاريخية الإجتماعية، وهي ملحمة رجزية، عدد أبياتها (1500) بيت. يقول صاحب الملحمة عن ملحمته: (الملحمة الشعبية التي تحكي قصة الضياع الذي عاشته أجيال الخليج العربي عبْر العشرات من القرون قبل أن ينبثق الزيت على شواطئه فيغيِّرَ معالم الحياة فيه، ويغيِّر، فيما يغيِّره، حتى العادات والتقاليد واللهجات). وقد نظمها الأستاذ أناشيد. كل نشيد منها يعالج قضية أو عادة أو مناسبة من قضايا المجتمع الخليجي وعاداته ومناسباته، ولا زالت ضمن مسوَّداته المطوية ما عدا النشيد الرابع عشر (شراع على السراب) الذي نشره في مجلة العرب[6]  التي كان يصدرها المرحوم الشيخ حمد الجاسر، وكم هي حرية بالنشر في ديوان مستقل مع شرح مضامينها، وما يتعلق بشخوصها وأحداثها.

وكم في هذه الملحمة من صور فنية، وموسيقى عذبة، ورقة ألفاظ، ودقة معاني؛ ساعد على ذلك جودة في الحبك، وتسلسل دقيق في الأحداث، في هيكلية عضوية متماسكة تؤدي في مجموعها إلى وحدة الموضوع. أكتفي بالقليل جدًّا منها دونما تعليقٍ أيضًا. يقول الشاعر:

وتوالت الأيام تشبه بعضها نوعًا وجنسا

في موطنٍ ركدت به الأحداث حتى كاد ينسى

ما زال يجترُّ المواسم باحثًا عن ذاته

ويرى التقاليد العريقةَ من صميم حياته

* * *

ولعل أروع موسم أغنى عليًّا بالصور

هو موسم الشط المنوَّر بالصبايا في صفر

كانت ظلال النخل في الشطآن تزداد امتدادا

والشمس تغمر ضفة الأفق احمرارًا واتقادا

والموج يدفع مدَّه موجًا رفيقًا لينا

ويدغدغ الشاطي كما جسَّ النسيم السوسنا

وهكذا يستمر الشاعر المبدع في رسم صوره الجميلة خلال أدوار أبطال الملحمة مثل (علي) وحبيبته (بيبي)، وصديقتها (لولو)، ودايتها، أي وصيفتها، (رضيَّة)، ورضيعة علي (سلمى).

فكم هي من عملٍ أدبي رائع، وملحمة فيها من الفرادة ما فيها. إنها وثيقة تاريخية اجتماعية حافلة بالجنبات والالتفاتات حول المسيرة التاريخية الاجتماعية لأبناء الخليج العربي.

وأستاذنا - وفقه الله - ضنين بمثل هذه الأعمال عن التلف والضياع، كما ضاع له غير ديوان، وأنواع أخرى من نتاجه الأدبي، وهنا أبدي أسفي الشديد على ما أتلفه الأستاذ نفسه -كما حدثني- من بعض أناشيد تلك الملحمة، وأنا لا أرى لأستاذنا الكبير عذرًا أيًّا كان السبب، فإن الفن يبقى فنًّا، والواقع يبقى واقعًا.

في الختام اسمح لي يا أستاذي الكبير، وأنا تلميذك الصغير، أن أخاطبك بقول أستاذك الجواهري (رحمه الله):

مجَّدتُ فيك مشاعرًا ومواهبا

وقضيتُ فرضًا للنوابغ واجبا

وبقولك أيضًا، وأنا أخاطب بلدك المملكة العربية السعودية:

بوركتِ مهدَ النابغين صعيدا

عقم الزمانُ وما برحتِ ولودا

ما زلت حبلى بالسراة، ولم يزل

فجر النبوغ على سماك شهيدا

مدَّ الله في عمر أستاذنا الكبير الرائد، ونفعنا الله بريادته وأستاذيته.

[1]  عبد الله أحمد الشباط: أدباء من الخليج العربي، الدار الوطنية الجديدة للنشر والتوزيع، 1406هـ، ط 1، ص: 16.

[2]  سعود الفرج: شعراء مبدعون من الجزيرة والخليج، مطابع الفرزدق، الرياض، ط 1، 1417هـ، جـ 1/272.

[3]  نفس المصدر، ص: 273.

[4]  محمد سعيد المسلم، واحة على ضفاف الخليج، مطابع الفرزدق، الرياض، ط 2، 1411هـ، ص: 104.

[5]  سعود الفرج: شعراء مبدعون: جـ 1/272.

[6]  مجلة العرب: السنة الثالثة، محرم 1389هـ، نيسان 1969م.
أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران - السعودية
304695