حــــــديــث عن الشعر والخلود
محمد منصور الشقحاء * - 22 / 3 / 2011م - 10:39 ص - العدد (36)

الحديث عن الشاعر عبدالله الجشي يتعانق مع تاريخ الوطن كبقية الأدباء والكتاب مع تميزه، غير أن شاعرنا يحمل على عاتقه الشيء الكثير من البوح الإنساني الذي تمدد في تجربته العملية وسفرياته العلمية مختزلاً بعض قضاياه في شعره الذي صافحت القليل منه في يوم من الأيام فبهرني بموهبته كما بهرني بقدرته على سرقة عواطفنا.

يقول الشاعر عبدالله الجشي:

بلادي كم على أرضك قامت من حضارات..؟

وبين شعابك انطلقت تسابيح النبوات

وكنت وما يزال ثراك مدرجة الرسالات

رشدت، وكان عقل الكون يرسف في الخرافات

سلي (مكة) كم هلت بنبراس ومشكاة

الشاعر الجشي جرى تغيبه في خطابنا النقدي ونحن ندرس تجربتنا الشعرية مما خلق اشكالية البحث في اعادة صياغة السياق المعرفي بسبب غياب قاعدة البيانات الأساسية لتراثنا الأدبي وسيطرة الذائقة الخاصة والتساهل في نقاط البحث العلمي وتغيب الدراسة الراصدة للمشهد الثقافي.

يقول الشاعر الجشي: (وهذا من أوراقي التي احتفظ بها من ذاكرة الطائف في وجداني في نص صورته من مجلة العرب السنة الثالثة:

وتوالت الأيام تشبه بعـ

ـضها نوعاً وجنسا

في موطن ركدت به

الأحداث حتى كاد ينسى

مازال يجتر الموا

سم، باحثا عن ذاته

ويرى التقاليد العريـ

ـقة من صميم حياته

ولعل أروع موسم

أغنى (عليًّا) بالصور

هو موسم الشط

المنور بالصبايا، في صفر

وتتجلى في النص صور الوطن من خلال حركته وهذه الصور لم تعد قائمة في مشروعنا الأدبي المرتبط بالمذاهب الجديدة مما أفقدنا حساسية الاتقان الفني المرتبط بالحياة ذي المضمون الإنساني المكتسب من التراث الشعبي الذي معه تجلت عبقرية الشاعر الجشي بقوله:

ولعل أروع موسم أغنى (عليا) بالصور

هو موسم الشط المنور بالصبايا، في صفر

فرصد لنا الحركة على الشاطئ الشرقي من الوطن الذي لا يختلف في موروثه الشعبي عن باقي اقاليم الوطن مع تلاقي خصوصية كل موروث بالشبيه وفق طقوس مختلفة غنية بالمضامين التربوية الايجابية التي تساهم في نمو المجتمع وتنمية مهارات أفراده وربطه بقيم العالم الخارجي. وينشد الجشي في مكان آخر:

كانت تسير وكل شيء حولها يلد السرور.

الصحو والأنسام، والماء المرقرق والعطور

وغناء أبناء القرى وبناتها، بين المروج

وتناغم الأطيار بالتغريد والزجل البهيج

 

في العدد رقم (121 السنة الحادية عشرة) من المجلة العربية قلت:

(إنما لفت نظري اسم تكرر في المجلة (العرب) أعتبره، بالنسبة لي، اكتشافاً جديداً لأنني أقرأ له لأول مرة، ولم أجده فيما بين يدي من مظان عن شعرنا المعاصر ولا أدري لماذا، أتراه تأكيداً بأننا لا نقرأ أدب أمتنا، قد يكون الأمر كذلك، ولكن لماذا تجاوزه الدكتور بكري شيخ أمين في دراسته عن الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية، ولماذا لم يشر له الدكتور عبدالفتاح الحلو في كتابه شعراء هجر، وكذلك الدكتور عبدالله الحامد لم يتطرق لشعره في كتابه الشعر المعاصر في المملكة العربية السعودية، وغالبية الدراسات عن الأدب العربي السعودي، الشاعر الذي أعنيه هو (الجشي) من القطيف هذا هو التوقيع وهذا هو العنوان المذيلة به القصائد فقط، وتذكرت أن بين كتبي (مكتبتي السابقة) الخاصة كتاباً يحمل عنوان (الأدب في الخليج العربي) للأستاذ عبدالرحمن العبيد مؤرخ 1377 -  1957 وبالتأكيد إنها الطبعة الأولى يقول في الصفحة (59) عبدالرسول الجشي شاعر وكاتب وأديب لامع ولد بالقطيف عام 1344هـ ونشأ بين ربوعها ثم نزح إلى العراق، وهناك تلقى دراسته فتفتحت أكمام أفكاره وانطلقت شاعريته المبدعة)

واليوم نشعر إننا نتوسم كأدباء ومفكرين رتق التاريخ الأدبي بشكل فعال بما يجد فيه الجميع اعادة الاعتبار للقامات الحقيقية في الوطن بما يشعر معه الأجيال بأن العصر الحديث والمعاصر غني بمعطياته الإنسانية.

باحث - السعودية
323500