من أدبائنا الجشي الشاعر المجهول
محمد منصور الشقحاء * - 22 / 3 / 2011م - 10:41 ص - العدد (36)

من الأوقات الجميلة التي تنسكب من ذاتها على الداخل ليشتعل الأتون بالنار توهُّجًا؛ هذا المساء، وأنا أقلب مجلة (العرب) لشيخنا وأستاذنا علاَّمة الجزيرة العربية حمد الجاسر في أعدادها الأولى، بحثًا عن معلومة أتزود بها في مبحث هام قررت دخوله عنوة بعد تردد؛ لأحقق أن التوثيق التاريخي لا يكون إشباع نهم أو تحقيق رغبة رعناء.

أخذت اقلب أعداد مجلة (العرب) في سنتها الثانية والتي تحمل أعدادها الكثير مما أبحث حتى أسجل، في بطاقات البحث، معلومات موثَّقة، وشعرت بالوعثاء[1]  من غبار التاريخ لأرتاح قليلاً في دوحة الشعر، حيث وجسدت ضمن الأعداد قصائد لشاعرنا الكبير حسين سرحان، وقصائد أخرى تدل على ذوق ومكانة صاحب المجلة لكل من الشاعر محمد الفهد العيسى، ومقبل العيسى، وحسن القرشي، وأخذت أردد: «حقًا، الشعر ديوان العرب»، وأنا أقرأ هذه النصوص الفريدة.

وبما أن هذه الأسماء ما زالت تشارك، ولها أعمال كمجاميع شعرية بين أيدينا يعود إليها الباحث في أوقات التجلي أو الانغلاق.

إنما لفت نظري اسم تكرر في المجلة أعتبره، بالنسبة لي، اكتشافًا لأنني أقرأ له لأول مرة، ولم أجده، في ما بين يدي من قصائد، عن شعرنا المعاصر، ولا أدري لماذا؟ أتراه تأكيدًا بأننا لا نقرأ أدب أمتنا؟ قد يكون الأمر كذلك. ولكن لما ذا تجاوزه الدكتور بكري شيخ أمين في دراسته عن الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية؟ ولما ذا لم يشر له الدكتور عبد الفتاح الحلو في كتابه (شعراء هجر)؟ وكذلك الدكتور عبد الله الحامد لم يتطرق لشعره في كتابه (الشعر المعاصر في المملكة العربية السعودية).

الشاعر الذي أعنيه هو (الجشي) من القطيف، هذا هو التوقيع، وهذا هو العنوان المذيلة به القصائد فقط، وتذكرت أن بين كتبي الخاصة كتابًا يحمل عنوان: (الأدب في الخليج العربي) للأستاذ عبد الرحمن العبيد مؤرخ في 1377هـ - 1957م، وبالتأكيد إنها الطبعة الأولى. يقول في صفحة (59): «عبد رب الرسول الجشي)، شاعر وكاتب وأديب لامع. ولد بالقطيف عام 1344هـ، ونشأ بين ربوعها، ثم نزح إلى العراق، وهناك تلقى دراسته، فتفتحت أكمام أفكاره، وانطلقت شاعريته المبدعة، وقد مكنته أصالة تفكيره وإشراقة أفقه أن يتولى إدارة مكتبة الرابطة الأدبية بالعراق، ثم تحرير مجلة (الغري[3] ) النجفية، وكانت له بحوث تاريخية قيِّمة حول (القرامطة)، وحول التاريخ العام لهذا الخليج. نشر الكثير من إنتاجه في الصحف العراقية وأهمها صحيفة (الغري)، وصحيفة (صوت البحرين)، وبعد مضي أربعة عشر عامًا قضاها في التحصيل والإفادة عاد إلى وطنه القطيف حيث تزعم الحركة الأدبية فيها، وشارك في إيجاد التربة المخصبة التي ساعدت في تكوينها، وهو، في شعره، إبداعي من الطراز المجدد. له أسلوبه الخطابي الخاص، وتعبيراته الفنية المبدعة. أعرف له بعض مخطوطات في البحث التاريخي، وديوان شعر من من نظمه لم ينشر بعد وعنوانه (غزل)، وفي الصفحة رقم (106) أورد نموذجًا من شعر (الجشي) بعنوان (أسطورة ناقصة):

أنا وأنت والزهو

رُ والهزار الغردُ)

إذا تغشانا المنو)

ن وطوانا الأبد)

أسطورة ناقصة)

يلهو بها مبلَّد)

يضطرب الفضاء في)

أسطرها ويركد)

فلا الجمال مشرق)

ولا الشذا مخلَّد)

ولا الهديل ساحرُ)

ولا الهوى المتقد)

لنا من الربيع يوم)

ولغيرنا الغد)

فنحصد الوهم إذا)

لم يكُ زهرٌ يحصد)

فنحن في جفن الحيا)

ةِ حلمٌ مبدَّد)

وخير أحلام حيا)

تنا الهوى المعربد)

هذا كل ما عرفته من خلال كتاب (الأدب في الخليج العربي) عن الشاعر عبد رب الرسول الجشي، والذي ورد ذكره في كتاب عبد الله أحمد الشباط الصادر مؤخرًا بعنوان أدباء من الخليج العربي باسم عبد الله الجشي، وهو نقل كامل لما جاء في كتاب الأستاذ عبد الرحمن العبيد مضافًا إليه معلومات عادية ونماذج شعرية مبتسرة منها (أسطورة ناقصة).

وكان الأحرى بالأستاذ عبد الله أحمد الشباط، وهو من أدباء ومفكري المنطقة المعروفين بدورهم الريادي في تحقيق الريادة الصحفية بإصداره مجلة الخليج العربي[4] ، أن يوثق معلوماته عن الشاعر الجشي خاصة وأن الاسم الأول له تغير من (عبد رب الرسول) إلى (عبد الله)، والمساحة الزمنية لصدور كتاب (الأدب في الخليج العربي) 1377هـ وصدور كتاب (أدباء من الخليج) 1406هـ تشمل ثلاثين عامًا لا بد وأن المعلومات تطورت وأثرت، كما أن (الجشي) أصدر شيئًا من شعره وشارك في مناسبات عدة، ونظم العديد من القصائد الجديدة.

وحتى لا يؤخذ حديثي هذا عن شاعر مجلة العرب (الجشي) الذي لا أعرف عنه سوى ما ورد عن (عبد رب الرسول) أو (عبد الله الجشي)، وقد يكون شاعرًا آخر من عائلة الجشي، كما ورد في ترجمة الأستاذ عبد الله الشباط، إنما الروح الوثابة والحس الوطني الذي تحدث عنه العبيد في البداية، وأكده الشباط تؤكد أن شاعر مجلة (العرب) هو (عبد رب الرسول)، خاصة وهو يقول في قصيدة بعنوان (بشائر مولد) أهداها إلى الذي اتهمه بالإنعزالية، وتساءل أين كان خلال السنوات العشرين الماضية:

عشرون عامًا كنت أطفئ ناظري

لأنير فيها درب من لم يهتد

أنساب ما بين الصحائف باحثًا

عن كل كنزٍ في السطور منضَّد

أستخلص (الدانات) من أصدافها

وأعود أستصفي عروق العسجد

حتى إذا أثْرتْ بما كسبت يدي

قدمت للتاريخ ما كسبت يدي

في كل كسبٍ للحياة ضريبةٌ

وضريبة الأمجاد إخصاب الغد

أجل إنها تأكيد لتلك الروح الوثابة التي تحقق المستحيل، وتحقق الإصرار على التوهج، وإثبات الذات في كبرياء، ولنقرأ نموذجًا آخر متوهجًا من نماذج (مجلة العرب) التي أغفلها الأستاذ عبد الله الشباط في كتابه الجديد رغم أنها نشرت في عام 1387هـ/ 1967م والأعوام التي تليه، واكتفى بإثبات نص قاله الشاعر عام 1371هـ حين زار القطيف وفد من جامعة القاهرة، وأبيات أخرى غير مؤرخة، ولنواصل قراءة القصائد التي بين يدي ونختار منها قصيدة بعنوان (بلادي) أيضًا هذه القصيدة مهداة، ولكن للشاعرة المتفتحة نهاد الجشي، وهي في بداية دراستها المتوسطة حيث يغرد شاعرنا:

بلادي مصنع التاريـ)

ـخ والمدنية الزهراء)

تلاقى العلم والفن)

بها والجد والإثراء)

هنالك أمةٌ تنشي)

وثم مفكرٌ بناء)

(مدائن صالحٍ) و(الخـ)

ـطِ) و(البطحاء) والأحساء)

نجوم في سماء المجـ)

ـدِ تمنح أفقه لألاء)

بلادي كم شراع ر)

فَّ في شاطئك السحري)

وكم عبرت سفين[5]  بنيـ)

ـك من بحر إلى بحرِ)

تجوب العالم المعمو)

رَ من مصر إلى مصر)

وتنقل ما حواه الشرق)

من خزٍّ ومن عطر)

سلي (دارين) كم قذفت)

إلى الآفاق من دُرِّ؟)

وبما أن (الجشي) يتحدث عن أمته ووطنه كما ورد في النموذج السابق الذي أورد فيه أسماء مناطق تاريخية ممتدة من الشرق حتى الغرب في شمال الجزيرة العربية، فها هو يناجي جزيرة دارين إحدى كبريات جزر الخليج العربي على شاطي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية:

على الربوات الفيح من مرج دارين

نشرت أكاليلي وفتقت نسريني

وحييت من أمجادها كل باسق

وقبَّلت من آثارها كل مكنون

وعانقت فيها الذكريات شذيَّةً

كما عانق الريحانُ طاقةَ نسرينِ

وشاهدت (عشتاروت) في قلب هالةٍ

منوَّرةٍ فوق الخليج تناجيني

تهادى بها أمواجه مثل دُرَّةٍ

تهادت بها الأصداف من عهد (سرجون)

والشيء الجميل في النماذج التي بين يدي للشاعر الجشي مقاطع من النشيد الرابع عشر من ملحمة شعرية تحمل عنوان: (شراع على الضباب[6] ).

أخيرًا لعلني أناشد الشيخ حمد الجاسر البوح بالاسم الحقيقي للشاعر، وإنني لأطلب من الشباط والعبيد العودة إلى محفوظاتهما وسجلاتهما حول أدباء المنطقة لتوثيق أشعار الشاعر الجشي[7] .

المراجع:

1- مجلة العرب، بعض أعداد السنة الثانية 1387هـ.

2- مجلة العرب، بعض أعداد السنة الثالثة 1388هـ.

3- الأدب في الخليج العربي للأستاذ عبد الرحمن العبيِّد ط 1377 هـ

4- أدباء من الخليج العربي. للأستاذ عبد الله الشباط ط 1406هـ.

[1]  الوعثاء: المشقة والتعب، وفي الأصل: رعثاء، ولعله خطأ طباعي.

[2]  الغري: اسم رديف للنجف، في الأصل: (الفري)، ولعله خطأ طباعي، وقد تكرر في المقال.

[4]  الخليج العربي جريدة، وليست مجلة.

[5]  في الأصل: سفن، وبه يختل وزن البيت، فلعله خطأ طباعي.

[6]  الصواب: شراع على السراب.

[7]  المجلة العربية، العدد 121 السنة الحادية عشرة، عدد صفر سنة 1408 هـ، تشرين الأول (أكتوبر) 1987م، ص: 30- 13.
باحث - السعودية
323499