صورة الألم في شعر الجشي
- قصيدة (العام الجديد) مثالا -
عقيل بن ناجي المسكين * - 22 / 3 / 2011م - 12:19 م - العدد (36)

بين يدي وأنا أكتب هذه السطور قصيدة للشاعر عبد الله الجشي بعنوان (العام الجديد[1] ) و يمكنني أن أطلق على هذه القصيدة أنها من فصيلة المشاعر الانفعالية، والانفعال كما يعرفه المختصون «يطلق على الظواهر الوجدانية بوجه عام، كاللذة والألم، ويقابل الإدراك والنزوع، وقد يقصر على الانفعالات الشديدة التي يصحبها توقف أو حركة، كالخوف والحب»[2] ، والألم بما أنه نتاج طبيعي للانفعال الداخلي من جرّاء الحزن والإخفاقات التي يقع فيها الإنسان أثناء تحركه في هذه الحياة فإنه من أكثر البواعث على التعبير، والفنان المبدع يواجه الحياة منطلقاً من أحزانه وأفراحه فهي خيرُ باعث - أيضاً - على الإبداع، كما يقول الدكتور سلطان القحطاني في إحدى مقالاته الأدبية «إن الذين أبدعوا روائع الأدب - قديماً وحديثاً - كانوا يعانون آلام الإبداع وظروف الحياة القاسية، صاغها بعضهم في قوالب أدبية راقية كان ومازال لها شأن في عالم الكلمة شعراً ونثراً...»، ولعلّ المتلقي المطّلع والقارئ لهذه القصيدة ومثيلاتها في شعر الجشي يتّفق معي في ذلك لوجود دلالات لغوية وصور معنوية متعددة تثبت ذلك، وهذه القصيدة من القصائد التي كتبها الشاعر وهو في الربيع الخامس والعشرين من عمره بدلالة أنه ولد عام 1926م بينما نُشرت القصيدة في مجلة العرفان اللبنانية في تموز 1952م، أي بعد مرور ربع قرن من ولادته كما نوّه إلى ذلك في أحد أبيات القصيدة عندما قال:

مضى العام يتلو ربع قرنٍ قد انقضى

من العمرِ مسجور العواطفِ تلفحُ

أما قراءتنا لهذه القصيدة فتأتي بعد مرور أكثر من خمسين عاماً من ولادتها، ولا زالت إلى يومنا هذا جديدة في مضامينها وما تحشده في أبياتها من المشاعر الجياشة والأحاسيس الصادقة، إنها تعبّر عن خلاصة الألم الذي يكمن في صدر الشاعر ويحترق به جواه وتدمع منه مقلتاه، ومن خلال قراءتي المتواضعة لهذه القصيدة أوّل مرة في ديوانه (الحب للأرض والإنسان) الذي صدر عام 1419هـ وجدتُ بحكم معرفتي القاصرة بالشعر القطيفي وبحكم ذائقتي الفنية التي أتمنى أن تكون صائبة في حكمها على الفن أن هذه القصيدة من أروع ما قيل في الشعر القطيفي المعاصر، وأعني بذلك الشعر الذي يعبّر عن ألم الشاعر مطلقاً بشكل مُجرّد دون تحديد لأسباب بعينها لهذا الألم أو الحزن، فجوهر الأشياء والمعاني أجلّ وأكبر من الخوض في التفاصيل؛ والشاعر الجشي هنا يحكي معاناته الذاتية مع حركة الزمن ومرور السنوات؛ وطيّهِ لصفحات الأيام؛ التي تطوي بقدرها ما تطويه من عمره منتظرةً الوصول إلى الصفحة الأخيرة حتى ينطبق الغلاف الأخير ويُغلق كتاب الإنسان، وأنا لا أقول ذلك اعتباطاً وإنما استنتاجا من قراءات سابقة و متابعة لأكثر من ديوان تصفحته أو قرأته من ألفِهِ إلى يائه فلم أجد أروع من هذه القصيدة[4] ، فهذه القصيدة لخّص فيها الشاعر معنى المعاناة والألم الذي يشعر به ويحترق داخله من ناره ولظاه، وقد تتوضّح بعض معالم هذا الألم من خلال قراءة انطباعية سريعة للقصيدة، وهذا ما سأقوم به من خلال هذا المقال الانطباعي لتسليط الضوء على هذا النص الشعري الممتلئ ألماً وحزناً، وفي الحقيقة إن مجمل شعر الجشي يمتلأ بأمثال هذه المعاني التي تعكس حالة الألم الإنساني الذي يقبع في ذاته كما في قصيدته (مرارة الإخفاق) التي يعكس فيها ألمه وحزنه واختناقه بسبب إحساسه بانكفاء وابتعاد الرفقاء عنه أو فقدهم أو غربته عنهم ومما قاله في هذه القصيدة:

كلما خلتُ أنّ كفيَ أثرَتْ[5] 

برفيقٍ أحسستُ بالإخفاقِ

أسكبُ الحُبَّ في أزاهيرِ قلبي

غير أنّي أحسُ بالاختناقِ

وكذلك قصيدته (الأم الطيبة) التي قالها عندما فُجِع بوفاة أمه فجر يوم 12/10/1968م[6] ، وقد عبّر بصدق عن هذا الألم الكبير الذي داهمه بهذه المصيبة حتى شعر بالضياع، ومما قاله في هذه القصيدة:

أمّاهُ صرت أحسّ أني ضائعُ[7] 

عبر الحياةِ وأنّ عمريَ يقفرُ

واحسرةَ الآمال إمّا ضاع في

دنيا المآسي الشاعرُ المتخيَّرُ

وكذلك تعبيره عن الألم والحزن في قصيدته (هروب) التي قال فيها:

وأهربُ من حزنٍ لحزنٍ يفوقهُ[8] 

كما يهربُ الظمآن للفلواتِ

وهناك قصائد ومقطوعات ورباعيات[9]  أخرى للشاعر تتناثر فيها العديد من صور الألم والحزن وقد اخترت هذه القصيدة كمثال واحد على هذه الظاهرة في شعره.

يقول الشاعر في مطلع قصيدته (العام الجديد):

مضى العامُ إلا ذكريات من الصِّبا

وطيف من الأمسِ البعيدِ يُلوِّحُ

وأصداء قلب بالغرامِ معذب

كما سلسل الأنغامَ نايٌّ مجرّحُ

وأحلامُ عهدٍ بالصبابةِ زاخرٌ

نعمتُ به وهو الشقاءُ المبرّحُ

بدأ الشاعر قصيدته بكلمتين مباشرتين حينما قال (مضى العامُ) وكأنه يريد أن يختصر الكثير من المقدمات حول موضوع مرور الزمن على الإنسان ولا داعي لذكر هذه المقدمات لذلك فضّل الشاعر أن يدخل من بوابة المضمون مباشرة بهذه العبارة، وهو يشير هنا إلى انتهاء السنة الأخيرة التي يقف على نهايتها الشاعر استعداداً للسير في مضمار العام الجديد، ولكنه يستثني بـ(إلا) ذكرياته السابقة منذ أيام الصبا عندما قال:

(ذكريات من الصبا)، وكذلك ما يطوف على مساحة ذاكرته من (الأمس البعيد) يلوِّحُ له أنْ تذكرني لأنني راسخٌ في ذاكرتك، ثم يسرد الشاعر معالم مهمة من حياته السابقة كأصداء القلب المعذّب بالغرام، وأحلام الشباب الزاخر بالصبابة التي ينعم بها الشاعر إلا أنها شقاء مبرّح لا يزال مؤلماً في ذاكرة الشاعر، ثم يسترسل في ذكر النعيم الدنيوي الذي عادة ما يتغنّى به الشعراء كناية عن أهم ما يقوم به الشباب من التلذذ بالدنيا ونعيمها مستغلين بذلك قوتهم وطاقتهم الحيوية، وكذلك ما يتغنى به الشعراء كناية عن معانٍ مختزنة في مكامن أحاسيسهم ومشاعرهم تماماً كما فعل الخيام في كثير من رباعياته عندما تغنى بالخمر والنساء واللذات بينما ينظر العارف الحذق إلى هذه المعاني نظرة أخرى غير النظرة الظاهرة فيجدها مفرقة في معانٍ سامية وغايات نبيلة لا يدركها إلا الفيلسوف الحكيم أو العارف المتعمّق في المعرفة، فنرى الشاعر يتغنى بالحبِّ ويقول إنه نهل من كوثره خمراً وله عند هذا الكوثر ممسىً ومصبح، وأنه ذاق من جنّات الحبِّ سائغ الجنَى أي أحلاه وأطيبه، وأنه فاء إلى أفياء هذه الجنّات الفيحاء، ثم يأتي البيت الذي لا يخفي صراحةً طبيعة العلاقة التي حبّذها الشاعر في هذا الحب عندما قال (فلي في الثغور البيضِ خمرٌ مصفقٌ) وهي ثغور الجميلات، لأنه جاء بلفظ الثغور بصيغة الجمع، وكذلك قوله (ولي في الشفاه الحمرِ زهرٌ مفتّحُ)، ويؤكد في نهاية الدور من القصيدة بأنه (لمّا يزل) قلبه إلى الحبِّ ظامئاً وأنه ما زال يسقي روضَ هذا الحب، والتعبير عن مشاعر الحب بصور من أمثال هذه الصور كثيرة عند الشعراء إلا أنها تتباين نسبة لما يشعر به المبدع حقيقة تجاه هذا الإحساس الإنساني النبيل، وكذلك تتوضح معالم أمثال هذه الصور من خلال البناء العام للنص الشعري وما يرمي إليه الشاعر في نهاية الصورة.

الوقوف على مَطويةٍ من صفحات الشباب:

في الدور الثاني من القصيدة يتغنى الشاعر بملمح آخر من رصيده الثر الذي تطفح به ذكرياته ألا وهو (الأماني)، ويكرر في بداية الدور الثاني جملته السابقة التي افتتح بها القصيدة عندما قال (مضى العام) وكم للتكرار من فوائد جمة لبنية النص وإيحاءاته للمتلقي، خصوصاً والشاعر يسرد هذه المشاعر التي تأخذه إلى ماضيه الذي رحل بأفراحه وأحزانه وتوقفه على حاضرهِ الذي بين يديه وتنقله بالأمل للمستقبل القادم، وقِوام هذا الدور هو (صفحة من شبيبتي) حيث يُرجع لهذه الصفحة عدة ضمائر أولها (لم أمحُ منها) ثم (طواها) و (فيها للأماني)، ثم يعرّج على الأماني الباقية التي تنوح كما ينوح اليتيم، وقد وفّق في اختيار اليتم هنا لأن أمثال هذه الأماني يتيمة الآباء والأمهات حائرة لا ترجع لأصل تركن إليه ولا تنطلق إلا للغيب غير المعلوم، وبعد ذلك يقرر الشاعر أن هذه الأماني الباقية هي سميرَهُ في الليالي وأن كحل الكرى منامه، كما يقرر الشاعر بأن هذه الأماني وهذه الأحلام لها في قلبه مغنىً لا تمل جواره، بل إن هذه الأماني والأحلام لها مطمحٌ بين الكواكب، وأنها تتغذى بقلبه وتشرب نهلاً من دمائه، ومع ذلك فإن الشاعر يرحّب بها إذا ضاق به العام وأطبقت عليه همومه وأحزانه، وهو يحنُّ إليها كما يحنّ للأمس ويجنح إليه، وكأنه قد أودع بعضه مفازةً ثم يفارقه في قبضةِ الموتِ وهي صورة قد تكون مخيفة نوعاً ما إلا أنها لا تعدو عن كونها تعبيراً عن شدّة حنينه إلى تلك الأماني وإن هي ضاربة في القِدم وقد طوتها صفحات الأيام مع ما طوته من الكثير من الذكريات الحزينة والمفرحة.

أزمة «الشاعر» مع الآخر:

في الدور الثالث من القصيدة يركز الشاعر على ما نسميه اليوم بأزمة المثقف أو بالأحرى ما يمكننا أن نسميه بأزمة الشاعر أيضاً حيث يبث شكواه كأديب وشاعر يتألم بعد مضي ربع قرن من عمره مسجور العواطف والأحاسيس يجوب دنيا الفنون والشعر بشكل خاص، وفي صدره قلب يخفق بالخيال المجنّح الطائر هنا وهناك، يعزف أنغامه بقيثارةِ الشاعر الذي يواسي جراحات القلوب ويمسح عليها بيديه خصوصاً وهو شاعر الحب والأرض والإنسان كما يشهد بذلك شعره ومجمل قصائده، ويجعل الشاعر صفة الحياة لمشاعره وأحاسيسه التي يتغنى بها ويواسي بها الآخرين لأنه يؤمن برسالة الشاعر في الإحياء والانطلاق، لذا يسميها بكلمة (وضاءةٌ) وهي تعطي دلالة الوضوح والظهور ثم يسميها بالأزاهير تعبيراً عن النمو والتفتح، حيث جناها الشاعر من غرس القلوب الطيبة، ومنبع الألم هنا هو قيامه بالتطواف لتبليغ رسالة الشعر في كل حفل ومجمع يعطّر من أجوائها ولكنه لا يُجازى بعد طول تفكر وحبٍّ إلا بما يدمي الجفون ويقرح، ولعل الشاعر هنا يشير إلى نكران الجميل من البعض لبعض أو جلّ جهود الشاعر الجشي منذ أيام شبابه في دعواته التنويرية سواء على صعيد الأدب عامة والشعر خاصة أو على صعيد النهوض الاجتماعي والتمسك بدواعي التقدم الحضاري في شتى مجالات الحياة.

أزمة الشاعر مع الذات:

أما في الدور الثالث من القصيدة فإن الشاعر يركّز على ألم الذات حيث يبدأ الدور أيضاً بعبارة (مضى العام) ولكن في هذه المرة يحدوه المساء وخلفه من الشهب حشد بالوداع يلوّحُ، حيث يستعير الشاعر صورة من عالم الليل، وكم لهذا العالَم العجيب من مشاهد رائعة، هذه المشاهد التي يستلهم منها الفنانون والشعراء صورهم الفنية، والصورة الجميلة التي يرسمها الشاعر في هذه القصيدة عندما يبرز المساء ويُسقط عليه صفة إنسانية وهي صفة التلويح بالوداع وكأنّه يستنطق قبة الكون تلوّح به بأيدي الشهب المتساقطة هنا وهناك وهي تنظر إليه بخزرٍ رغم بعدها عنه وتغور في أعماق الظلام، كما أنها تدعوه للسهر وتسرق من أجفانه الكرى وتبث له أسى الحيرة كالليل تماماً وربما هي أكثر من الليل ذاته في بثها لهذا الأسى الذي يشعر به، ثم ينتقل إلى صورة أخرى وهي أشباح الليل والظلام التي تطوف به من كل جهة فمنها ما تسيء إلى قلبه ومنها ما تفرحه وما هي إلا نوازع الخير ونوازع الشر تتصارع في ذاته ونفسه، ونفسه تتأرجح بين هذي وتلك، وقد شبه هذا التأرجح بالسفينة التي غاب عنها رُبّانها وهي بين الأمواجِ تتجاذبها مرة هنا ومرة هناك فتجمح كالخيل تماماً عندما يستعصي على صاحبه أن يملك قياده، وبالطبع فإن هذه الصورة البحرية المتموّجة استقاها الشاعر من بيئته التي عاشها، والقطيف من أهم المرافئ على الساحل الشرقي من الخليج حتى سنوات متأخرة من القرن الماضي إلى أن جاءت الثورة النفطية وغيّرت الكثير من معالم المنطقة وحواضرها.

ويختم الشاعر هذا الدور بطلوع العام الجديد والفجر المصبح، وهو يتنقل بين الزمن من الظلام إلى النور، من العام الذي مضى إلى العام الذي أقبل لتوّه، ويُلاحظ في هذا الدور أن الشاعر أخّر الحديث عن ألمِ ذاته بعد الحديث عن ألمه وأزمته مع الآخر، وقد فسر ذلك بأنّ الشاعر أعطى أهمية للمجموع قبل إعطاءه أهمية لذاته وهناك في شعره ما يؤيد ذلك عندما يقول

أطوفُ بها في كلِّ حفلٍ ومجمعٍ

أعطرُ من أجوائها حين تنفحُ

فما لي أُجازَى - بعد طولِ تفكرٍ

وحبٍ - بما يُدمي الجفون ويُقرحُ

وقوله في أحد الأبيات الأخيرة من القصيدة:

وألهِم يراعي فكرة عبقريةً

تنوّرُ من أفكارِ قومي وتُصلحُ

التطلّع إلى الغد:

في الدور الأخير من القصيدة يلجأ الشاعر إلى تغيير مفاجئ في عبارته المكررة في بدايات الأدوار السابقة التي قال فيها (مضى العام) بينما هنا في هذا الدور يقول (أتى العام)، ثم يطلب من هذا العام الجديد الذي أطلّ بقدومه على الجميع أن يكشف عن غد الشاعر وأن يزحزح نقابه عن هذا الغد الذي ينتظره، ثم يطلب منه أن ينوّر طريقه في الحياة لأنها طريق بأنياب الأفاعي توشّح، وكم من صعوبات حقيقية لقيها الشاعر في حياته وهو يخطّ لنفسه هذا الخط وهذا الاتجاه كشاعر ومثقف تذوب ذاته بالحبّ للأرض والإنسان، شاعرٌ تعيش نفسه للأنفس الأخرى، وكأنّه يشكّلُ قطيفاً ثانية تسكن في القطيف الأولى وإن ابتعدت هذه القطيف الثانية المتحركة وتغربت فالشمس تغرب لكنها تعود وتشرق من جديد وهكذا.

والشاعر يبث معاناته هنا من الركض فوق هذا الطريق الشائك والممتلئ بالمخاطر التي استعار لها لفظة الأفاعي، ثم يقول بأن رجله قد دميت وأن المدَى فوق هذه الأرض ينأى بعيداً عنه، ولكن الشاعر يستمر في الطلب من العام الجديد مخاطباً إياه بأن يلهم يراعه فكرة عبقرية تنوّرُ أفكار قومه وتصلحهم، مصداقاً لرسالته في الحياة كشاعر ومثقف يحمل مسؤولية تجاه الآخرين قبل أن يحمل مسؤولية تجاه نفسه وذاته، إنه يهدف إلى غاية نبيلة هي التغيير إلى الأفضل، إنه يبحث عن الثقافة المسؤولة والفكر الخلاّق الذي يحيي الأمم ويرفع من شأنها، فالثقافات الميّتة التي لا تحيي أحداً يشبهها الشاعر بالظلام الدامس الموحش والخراب الذي لا يبدو على البعدِ إلا خراباً وصحصحاً.

ويختم الشاعر قصيدته بشيء من الفخر كعادة الشعراء الذين يفخرون بأنفسهم، ولكن الشاعر هنا يحق له أن يفخر بأعمال قام بها فعلاً على مسرح الواقع خصوصاً وهو يحمل بين جنبيه آمالاً وتطلعات صادقة كلها أو جلّها ترمي إلى خدمة وطنه ومجتمعه وأمته.

أنا الشاعر الحسّاس في كلِّ موطنٍ

بإحساسهِ بكر القوافي تُصرِّحُ

إذا ناحَ ناحتْ في الغصونِ حمائمٌ

وإن هو غنّى فالمزاهرُ تصدحُ

وأختم هذا المقال الانطباعي المقتضب عن قصيدته (العام الجديد) مؤكداً أنّ هذه القصيدة نموذج واحد من شعره يحمل هذا الهم وهذه المعاناة الذاتية للشاعر، وأرجو أن أوفّق مستقبلاً أو يوفّق غيري في حصر مجمل ما قاله الشاعر في هذه الجوانب الإنسانية وتصنيفها ومن ثم دراستها دراسة منتظمة وفق منهجٍ علمي متكامل يأخذ من كل اتجاه نقدي بطرف، لأنني أعتقد أنّ شعره يفيض بهذه الصور التي تستحق التوقف عندها واستنطاقها لإبراز معالمها الفنية وعناصر الإبداع في صورها البيانية[10] .

[1]  الجشي، عبد الله، الحب للأرض والإنسان، د.ناشر، ط 1، 1419هـ، ص 5- 10.

[2]  وهبة، مجدي، معجم مصطلحات الأدب، مكتبة لبنان، ط 1974م ص 131.

[3]  القحطاني، سلطان، الإبداع والألم، مجلة الواحة، العدد 25 - الربع الثاني 2002م ص 81.

[4]  وأنا لا أطلق هذا الحكم على القصيدة إلا من خلال ذوقي الخاص وقد يكون للقارئ رأي آخر أحترمه وأقدّره، ولكن لكلِّ متذوق للشعر دلوه الخاص ويمكن أن يُدلي به.

[5]  الجشي، عبد الله، الحب للأرض والإنسان، د.ناشر، ط 1، 1419هـ، ص 44- 46.

[6]  نشرت القصيدة بمجلة العرب لحمد الجاسر الصادرة بالرياض في نفس العام.

[7]  الجشي، عبد الله، الحب للأرض والإنسان، د.ناشر، ط 1، 1419هـ، ص 47- 52.

[8]  الجشي، عبد الله، الحب للأرض والإنسان، د.ناشر، ط 1، 1419هـ، ص 59- 61.

[9]  كما في رباعية (الأمل الذبيح) من ديوانه (قطرات ضوء).

[10]  أحد المشاريع الأدبية القائمة للكاتب دراسة عن الشاعر بعنوان (صورةُ الألم في شعر عبد الله الجشي - دراسة تحليلية -).
عضو هيئة التحرير
287399