[5] خصوصيات منطقة الأحساء
الأستاذ متألم * - 22 / 3 / 2011م - 5:15 م - العدد (13)

إلى القائمين على مجلة الواحة..

لم أتوقع أن أنزعج من مقالة الدكتور الشعيل بالقدر الذي تحدثتم عنه في مقدمة مقالته في عدد الواحة الماضي، إلا بعد أن أتممت قراءتي للمقالة، وإني لأعترف بأن القارئ العادي لن يشاركني ويشارككم في الانزعاج، ولربما لم يكتشف ما يدعو لذلك أثناء قراءته، نظراً لعدم تخصصه. ومن هنا وجدت بأن الرد على مقالة الدكتور الشعيل كان ينبغي أن يكون في العدد الذي نشرت فيه، وليس بعده، وذلك حتى يستطيع القارئ من المقارنة والإفادة مما ينشر، أما أن ينشر الرد متأخراً فإن القراء لا يتابعون خصوصاً في المجلات الفصلية.

يصعب في هذه الحال الرد على المقالة بصورة وافيه، ولكني سأتناول جزء منها بالرد والتعليق، وحسب القراء أن يقيسوا الأمور على بقية المقالة، أو ليتصدى المهتمون بالرد على الجوانب الأخرى وهذا ما آمله.

قال الباحث في التمهيد بتساهل مفرط: (كان للحرب العالمية الأولى دورها في أن تجعل المنطقة ذات خصوصية وملامح اجتماعية واضحة) إلى أن يصل في القول: (كل هذه المظاهر السياسية المحلية والدولية -والتي لم يعدد أي منها أو مقصده بالمظاهر- أسهمت في نشوء نسيج اجتماعي لمنطقة الأحساء ظل يعيش في مرحلة النشأة على الأنظمة المحلية، يمزجها ببعض الأنظمة والقواعد التي سبق أن طبقتها الدولة العثمانية في مرحلة قوتها -والتي لم يشر إلى أي منها أيضاً- وقدرة بعض قوادها الأقوياء.. الخ).

بدأ الشعيل زمنيا الحديث عن فترة لا تمت إلى فترة البحث، لأن الحرب العالمية قامت في عام 1914، ثم عاد وتحدث عن أنظمة العثمانيين مشيراً إلى مرحلة متقدمة لا تمت هي الأخرى إلى فترة البحث، حيث يفترض أنه يتحدث عن السبعينات الميلادية من القرن التاسع عشر. مع ملاحظة أن سلطة العثمانيين انتهت عام 1913م.

هذا من جهة، أما التساهل الحقيقي فهو قوله بأنه كان للحرب العالمية الأولى دوراً في خلق خصوصية وملامح اجتماعية واضحة في منطقة الأحساء. وهذا قول متساهل للغاية، خاصة وأن الأحساء لم تكن ساحة حرب، ولم يشترك فيها أحد بالمرة، بل حتى الملك عبد العزيز الذي سيطر على الأحساء قبل الحرب بأكثر من عام، لم يدخلها إلا بصورة عرضية، وجل ما فعله هو إعاقة ابن الرشيد من مهاجمة جناح البريطانيين الغربي في البصرة، كما هو مسطر في معظم كتب التاريخ. أي أن الحرب لم تؤثر على الأحساء ذلك الأثر الشديد، فضلاً عن أن يكون ذلك التأثير يؤدي إلى (خلق خصوصية وملامح اجتماعية واضحة). إن خصوصيات الشعوب لا تخلقها ولا تقتلعها أو تستبدلها أحداث عابرة، وإن الملامح الاجتماعية التي لم يشر إلى أي منها أستاذنا الشعيل، تحتاج إلى أجيال لكي تتشكل وتتوضح!.

وليت الأستاذ، قدم لنا ولو سطرين عن تأثير الحرب العالمية الأولى على المجتمع الأحسائي، على الأقل في المناحي الاقتصادية، بدل التساهل في الأحكام على غير هدى.

عدد المؤلف خصوصيات منطقة الأحساء، فاستوقفنا أكثرها:

1- نسبة سكان البادية كبيرة.

ولكن الباحث لم يعتمد في بحثه على أرقام، أو تقديرات منشورة، ولم يوضح النسبة، هل هي كبيرة بالقياس إلى عدد سكان الحضر في الأحساء، أم بالقياس إلى مناطق وإمارات أخرى. فمن الواضح أن أكثر إمارات الخليج كانت تتواجد بها نسبة كبيرة من البدو الرحل، مع ملاحظة أننا نتحدث عن الأحوال في مطلع القرن العشرين، والبادية يومها لم تستقر ضمن حدود دول. ولا أظن أن نسبة البدو في الأحساء قياساً إلى الحضر أعلى منها في المناطق الخليجية الأخرى، أقول هذا لأسباب عديدة: أولها أن الأحساء والقطيف كانتا تحتضنان أكبر تجمع سكاني حضري في شرق الجزيرة العربية قاطبة. فلوريمر قدر عدد سكان الأحساء في حدود عام 1907 بحوالي 158 ألف نسمة بين بدو وحضر، وإن عدد سكان الحضر في القطيف 28ألف نسمة (انظر لوريمر، دليل الخليج، القسم الجغرافي، الجزء الثاني، ص846 - مع ملاحظة أن تقديرات سكان القطيف متواضعة وهي أقرب في العدد إلى سكان البحرين). في حين كانت التقديرات السكانية لنفس الفترة لباقي المناطق على النحو التالي: (الكويت 35ألفاً، البحرين 100ألف، قطر 27ألفاً، ساحل عمان بأكمله 72ألفاً) (مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، عدد36، أكتوبر 1983). وتشمل الأرقام هذه الحضر والبدو. وينبغي الالتفات إلى أن نسبة الحضر في البحرين عالية جداً.

في تقدير أعداد البادية هناك من يعتقد أنهم ثلث سكان الأحسساء الحضر، في ما أوصلهم البعض الآخر إلى ثلثي السكان. لكن من الواضح من خلال الإستقراءات والتقديرات البريطانية أن عددهم أدنى بكثير من كان يعتقد (انظر تقديرات أعداد أفراد القبائل البدوية في الواحة العددان الثاني والثالث).

وهناك سبب وجيه جعل الكثيرين يعتقدون بأن عدد أفراد البادية كبير، نذكره فيما يلي.

ثانياً: إن قبائل البدو في الأحساء تختلف عن قبائل البدو في مناطق أخرى، في حجم العنف الذي تمارسه، وذلك نظراً لغياب أو ضعف السلطة المركزية، ومن هنا وجدنا أفراداً قلائل من البدو من الهواجر أو العجمان يملؤون شاشة الأحداث السياسية في المنطقة، أما القبائل في الإمارات الأخرى فقد روضتها السلطة البريطانية المركزية الحازمة وأدمجت بعضها قسراً في المجتمع الحضري، رغم أن بعضها أكثر عدداً وأقوى شوكة، من بدو الأحساء. ولذا اعتقد البعض ومن خلال الصوت العالي لبادية الأحساء في ظل غياب السلطة المركزية القادرة على ضبط الأمن، إن عدد أفراد القبائل كبير جداً.

ثالثاً: أن القبائل كانت في أكثرها مترحلة، وقد تحسب قبيلة على الأحساء بينما هي لا تقيم في ربوعها، وأبسط نموذجين يمكن تقديمهما: قبيلتا الهواجر وآل مرة، فقد ترحلتا بين الأحساء وقطر (انظر العدد 12 من الواحة، فيما يتعلق بوجود الهواجر في قطر وقيامهم بأعمال القرصنة: أحمد بن سلمان).

2- (البيئة الزراعية التي تعتمد على الإنتاج الزراعي الذي لا يكاد يفي بالاستهلاك المحلي).

ما قيمة بيئة زراعية لا تفي بحاجة سكانها، ما هذه الخاصية السيئة؟. ثم لم يكد الشعيل يعتبر البيئة الزراعية خاصية، حتى قفز إلى نتيجة خاطئة بل شديدة الوضوح في خطئها، وهي أن إنتاجها لا يفي بالاستهلاك المحلي. ولو رجع الباحث إلى نفس المراجع التي اعتمدها لوجد أرقاماً تفند الأحكام المتساهلة التي أطلقها، ففي نفس عام 1907 بداية تاريخ البحث، وضع لوريمر جدولاً بصادرات التمور الأحسائية فحسب، وهو أهم منتج زراعي، وهو الغذاء الرئيسي للسكان، فقال أن 3 آلاف طن صدرت إلى جدة عبر ميناء العقير، وألف طن إلى جدة عبر البحرين، وخمسة آلاف طن إلى البحرين، وألفي طن إلى قطر، وأربعين ألف طن إلى الكويت ونجد وقد استخدم بعض من ذلك للاستهلاك. (انظر لوريمر القسم الجغرافي جزء2ص99).

أما إنتاج الأرز الأحسائي فبلغ الإنتاج السنوي نحو 41مليون رطلاً، وبلغ إنتاج القمح ما يقارب ألف مليون رطلاً (انظر الدكتور السبيعي اكتشاف النفط وأثره على الحياة الاقتصادية، ص117، 118.

انظر أيضاً الواحة الأعداد1-4 البحث المتعلق بالتجارة الهندية مع القطيف).

3- علاقات الجوار:

انظر البند الثالث مما اعتبره الشعيل من خصائص الأحساء، حيث اعتبر مجرد إقامة علاقات مع دول الجوار، خاصية تنفرد به المنطقة!.

4- الوعي الوطني

قال المؤلف: (عدم وجود وعي وطني، الذي أسهمت الأحداث المتتالية في تفتيت هذا المفهوم)!!. معلوم أن الانتماءات الوطنية ضعيفة في ظل الانظواء تحت راية دولة ترفع شعار الجامعة الإسلامية، خاصة وأن الأحساء لم تكن دولة، ولم يكن الانتماء لها -بين البدو- بأقوى من الانتماء إلى القبيلة والعشيرة. وهذا ليس حال الأحساء فحسب بل عموم نجد أيضاً. ولكن ما هي الأحداث المتتالية وما هو المفهوم الذي تفتت، وما هو المقصود بالوعي الوطني؟

5- النقلة الحضارية

قال إن من خصائص الأحساء: (عدم وجود نقلة حضارية تسهم في الاهتمام بالتفوق الحضاري للمجتمع..إلخ).وهذه جملة لم أفهمها، وأدعها لأستاذنا الشعيل ليقدم لنا نموذجاً من التفوق الحضاري والنقلة الحضارية في أي بلد أو منطقة مجاورة، ليكون انفراد الأحساء بما قال أمراً مقنعاً.

6- التباين في النسيج الاجتماعي

وتبين أن المؤلف لا يقصد النسيج الاجتماعي، وإنما اختلاف تركيبة السكان.. (الوافدون، البادية، الحضر، السكان غير الأصليين). وأقف عند السكان غير الأصليين، لأنني أخشى أن يكون مقصده أن السكان الأصليين دون غيرهم هم غير الأصليين، لأنه لا علم لنا بوجود سكان غير أصليين وإن وجودوا فلا يزيدون على العشرات، وهم غير مقيمين دائمياً، وإنما كتجار في الأغلب.

7- (المذهب الشيعي ودوره في جعل هذه الأقلية تحاول إثبات وجودها على حساب البناء الاجتماعي الموحد).

دعك من الصياغة الركيكة للعبارة، فالباحث كما يبدو من النص موتوراً، وأيضاً قفز إلى النتيجة السريعة، فوصف (الأقلية) بأنها تحاول إثبات وجودها على حساب البناء الاجتماعي الموحد.

لم يكن هناك بناء اجتماعياً موحداً، ولم تكن (الأقلية) تحاول إثبات وجودها على حساب غيرها، أو على الأقل أن الباحث لم يأت بدليل على ما ادعاه، فضلاً عن أن من أسماهم بـ (الأقلية) ليسوا أقلية في الأصل حتى تحتاج إلى إثبات وجود. مع التأكيد على أن البحث هو حول منطقة الأحساء في ظل العثمانيين في الفترة ما بين 1907 و 1913.. هل كان الشيعة أقلية؟ قدر لوريمر سنة 1907، نسبة الشيعة في الأحساء بثلاثة أرباع السكان الحضر، وأشار إلى أن الشيعة في القطيف وما حولها يشكلون الأكثرية الساحقة (لوريمر القسم الجغرافي ج 2، ص 846). وفي الثلاثينات قدر حافظ رهبة، مستشار الملك، عدد سكان الحضر في الأحساء بتسعين ألفاً قال إن ثلثيهم ينتمون إلى المذهب الشيعي.

8- عدم الاستقرار السياسي

وهذه صفة لازمت للأسف منطقة الأحساء والقطيف ردحاً من الزمن، وأظن أن دراسة الأمن في واحتي الأحساء والقطيف بعيداً عن دراسة المجتمع والسكان فيهما وفي المناطق المجاورة لا يساعد عل فهم أسباب الاضطراب الأمني. مشكلة الأحساء أنها تقع على حافة الصحراء التي تقذف إليها بالبشر قبائل وأفراد، وتنقل إليها العصبيات والحروب والمشاكل، وهذا ما جعلها في وضع قلق دائم. أي أن الاضطراب لم يكن حالة مؤقتة كما ألمح الشعيل بقوله (خلال فترة التأهب لترتيب الأوضاع السياسية العالمية) وهي جملة لا نفهم لها معنى، والغريب أنه ينقلها من رسالته للماجستير! فأي فترة وأي تأهب وأي أوضاع سياسية عالمية؟!

9- غياب الاستمرارية

الخاصية التاسعة التي ذكرها الأستاذ الشعيل هي: (عدم قيام أو استمرار حكومة متمكنة قادرة على تنفيذ التنظيمات الاجتماعية، قادرة على حمايتها). أيضاً لا نعتني بركاكة العبارة. ونذهب إلى الواقع. لقد قامت واستمرت الحكومة العثمانية في حكم الأحساء لمدة 42 عاماً (1871 - 1913) أليس هذا استمراراً زمنياً كافياً لأي حكومة تريد أن تفرض تنظيماتها الاجتماعية؟ بلى. ويلاحظ هنا أن الشعيل وضع إحالة، إلى كتاب أمراء وغزاة، وإذا بنا نرى أن المؤلف الدكتور عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، لم يقل ما قاله الشعيل مطلقاً، بل إن الأخير لم يفهم الموضوع من أصله. ما كان يريد قوله مؤلف الكتاب هو تبديل المتصرفين في آخر أيام الدولة العثمانية في الأحساء سبب عدم استقرار السياسة فكل متصرف يغير ويبدل، يقول ما نصه: (تميزت سياسة الدولة العثمانية في الأحساء بعدم الاستقرار حيث نجد تبدلاً دائماً للوجوه في منصب المتصرفية، ويبدو أن هذا الاضطراب الإداري كان نابعاً من سوء اختيار السلطات العثمانية للمتصرفين الذين يعينون لهذا المنصب) (انظر أمراء وغزاة، ص 127). فأين هذا المعنى مما قاله الشعيل، واعتبره خاصية أحسائية؟!

10- غياب العلاقات الإقليمية!

ومن خصائص الأحساء بنظر الأستاذ الشعيل: (عدم قيام علاقات إقليمية متقاربة متمثلة في المصالح الاقتصادية تستدعي الحرص على إقامة قوانين تنظيمية إيجابية النتائج يمكن تجربتها وتطبيقها)

معلوم أن هناك علاقات وثيقة بين الأحساء والقطيف مع جوارها الإقليمية خاصة (البحرين - قطر - الكويت - نجد) والعلاقات الوثيقة كانت قائمة فعلاً على مصالح اقتصادية (لاحظ التبادل التجاري مع البحرين) إضافة إلى الوشائج العائلية والدينية. أما بقية العبارة التي ذكرها الشعيل فلم نفهم قصده منها، ولربما كان فهمنا لكل ما قاله خاطئاً!

أخطاء أخرى

قال الشعيل في معرض حديثه عن التعامل الجمركي والضريبي في المنطقة، فقال إنه تأثر بمعطيات إدارية منها: (عدم اهتمام الدولة بالأحساء وإطلاق يد المتصرفين والولاة في الكسب من خلال الضريبة العامة على الأراضي والإدارة والجمارك).

إن القول بعدم اهتمام الدولة العثمانية بالأحساء، فيه تعميم كبير، والحقيقة أن الدولة كانت مهتمة أشد الاهتمام بمنطقة الأحساء، لأهميتها الاستراتيجية بالنسبة للعراق العثماني، ولنفوذ العثمانيين البحري في الخليج وممتلكاتها في أطراف البحر العربي، ولم يكن احتلال العثمانيين للأحساء إلا دليلاً ساطعاً على أهمية المنطقة بالنسبة لهم من الناحية الاستراتيجية، ولم يكن العثمانيون في الأصل يريدون الإفادة من الأحساء مالياً، وأدلتنا على ذلك كثيرة: أهمها اثنان:

أولاً - أن نفقات الدولة على الجند وغيرها لم تكن تفي بها الضرائب المستوفاة من المواطنين.

ثانياً - أن الدولة كانت في تعاملها مع المواطنين شديدة التسامح في مراعاة الاحتجاجات ضد زيادة الضريبة، يدلنا على ذلك أن أكثر الاحتجاجات الشعبية كانت تقابل بالإيجاب من والي البصرة أو بغداد.

هذا لا يمنع بالطبع سوء إدارة المتصرفين، وهذا يعود إلى وضع إداري سيئ لم يشمل القائمقامين والمتصرفين فحسب، بل شمل أيضاً الولاة والرتب الرفيعة من وزراء ومستشارين. فسوء الإدارة قائم حتى عند الصدر الأعظم والسلطان نفسه. إن سوء الإدارة هذا هو الذي يساعد على التسيب وعلى الفساد وعلى غمط الناس حقوقهم، أما أن تكون السياسة الرسمية العثمانية قائمة على أساس: "إطلاق يد المتصرفين والولاة في الكسب من خلال الضريبة العامة على الأراضي والإدارة والجمارك" فهذا غير صحيح، خاصة وأن منصب المتصرفية لم يكن في الأساس مغرياً، نظراً لضآلة الراتب الذي كان كثيراً ما يتأخر، وكانت الدولة وهي في أوج أزمتها السياسية والاقتصادية لم تلجأ إلى الضرائب كحل، لأن تحليلها كان دقيقاً وصحيحاً، وهي أن منطقة الأحساء لا تتحمل عنتاً وعنفاً وضغطاً اقتصادياً، مثلما هو الحال في بلدان عربية عانت من الطغيان العثماني، لأن المنطقة (الأحساء والقطيف) كانت قريبة من البدائل الأخرى والتي جربتها إمارات عربية مجاورة، كالكويت والبحرين وقطر والساحل المتصالح وعمان، وهي كلها انجازات وفضلت الإنجليز على العثمايين. المنطقة الوحيدة وهي (الأحساء والقطيف) كان متاحاً لها ما كان متاحاً للآخري، بل كان الإنجليز يريدون ويتمنون ذلك، ولكن السكان رفضوا الاستقلال والانظواء تحت سلطة الإنجليز، وذلك ضمن حجة منطقية تقول: لا نريد إضافة إلى الحكم الظالم حكماً كافراً.

ويبقى أيضاً موضوع حجم (الضريبة العامة على الأراضي والإدارة والجمارك) التي أشار إليها الدكتور الشعيل، وهذه لها موقع آخر من النقاش، ولكن ينبغي القول أنه لم تكن هناك ضريبة عامة على ما يسمى (الإدارة) والحقيقة أنني لم أفهم معنى ضريبة الإدارة من أساسه؛ ولم أجد شيئاً تحت هذا المسمى.

ومن الأخطاء التي وردت في مقالة الأستاذ الشعيل قوله: (استطاع الأحسائيون ممارسة التعامل العرفي التجاري الخاص، مما فوت على الإدارة العثمانية الاستفادة من الضرائب، وذلك عن طريق الضغط عسكرياً على الولاة والمتصرفين في سبيل إسقاط بعض الضرائب ورشوة بعض الولاة لتحقيق عدم دقة المعلومات التجارية).

(التعامل العرفي التجاري الخاص) عرف وتجارة وخصوصية ليس لها موقع من الأعراب في البحث. فلا الضغط العسكري يعدّ (عملاً عرفياً) ولا (الرشوة) عرفاً لدى سكان الأحساء والقطيف.

وأعود إلى موضوع الضغط العسكري، وهذا تعبير دقيق، بل الصحيح (الاحتجاج المسلح) وهو احتجاج قليل الحدوث، فالحوادث التي من هذا الصنف قليلة، وذلك لعدة أسباب:

1- إن سطوة الدولة العثمانية نظرياً على الأقل كانت أكبر من أن تقاومها احتجاجات الحضر، في القطيف والأحساء.

2- وفي الغالب يلجأ السكان إلى وسائل غير عنيفة للتخلص من الضرائب، كطلبات الاسترحام التي تقدم إلى المتصرف وإن لم تفلح فإلى الوالي بالبصرة أو بغداد، فإن لم تفلح رفعوها إلى السلطان العثماني نفسه، أو إلى الصدر الأعظم.

ومن الثابت تاريخياً، لكل من درس أحوال هذه المنطقة، أن السلطات العثمانية كانت تتجاوب وتستجيب  لطلبات واسترحامات الجمهور التي يقدمونها عبر العرائض، وقد وفر هذا على العثمانيين الكثير من الجهد والكلف التي يمكن أن تحدث فيما لو تطورت الأوضاع نحو السوء، كما أن الأهالي (الحضر) عموماً، غير ميالين إلى استخدام العنف، وهذه طبيعة اجتماعية، -لها علاقة بالجوانب الاقتصادية- لأغلب السكان المستقرين في الواحة، خاصة مع ظهور إمكانية التجاوب من قبل المسؤولين العثمانيين، ووجود وسائل بديلة أخرى عن الاحتجاج العنيف المسلح كما قال الباحث الشعيل مثل: الرشوة كوسيلة للتخلص من الضرائب أو تخفيفها.

وإذا كان الحضر في المجمل ميالين إلى الهدوء والاستقرار، تبعاً لمصالحهم، ولعدم انسداد السبل السلمية لحل مشكلاتهم.. فإن البدو على عكس ذلك، تماماً، فقد تحول العثمانيون ، آخذي ضرائب إلى من البدو إلى مانحين لها، فقط بغية إشاعة الهدوء وعدم تعريض الأمن إلى الخطر، وإيقاف القبائل عن النهب ومهاجمة الحضر.. والبدو سريعوا الاحتجاج، وأعرافهم لا تساعد على قبول وتطور سلطة مركزية بين ظهرانيهم، فالسلطة المركزية عدو البدو اللدود، وهم لا يخضعون إلا لقوانينهم ولمشايخهم وأعرافهم، وهي التي كان يجدر بالباحث الشعيل أن يوفيها حقها من البحث، ولكنه لم يكد يشر إليها، بينما هي لب الموضوع.

ولذا فإن البدو سريعوا الاحتجاج، هم أنفسهم سريعوا المقاومة والاعتراض، وحمل السلاح. وعرفهم يعتمد مقولة: (الحر يأكل بمخلابه) وليس برجل ذلك الذي يعتمد الشكوى والعرائض في تحصيل حقه من الحكومة، بل الرجولة كل الرجولة في استخدام الذراع.

3-حدث عدة مرات في تاريخ (القطيف) على الأقل أن بعض أهالي القرى رفضوا دفع ضرائب وجدوا أنها مجحفة بحقهم، ولما أصر القائمقام التجأوا إلى القيادة المحلية، التي رفعت الأمر إلى المتصرف، فلم يستجب لهم، فتحرك القائمقام تدعمه القوة لتنفيذ ما يريد وسجن الرافضين، فهرب بعضهم إلى البحرين، ومن هناك فكروا في السفر إلى البصرة أو بغداد للشكوى. ولكن المتصرف عاجلهم برسالة وهم في البحرين يطلب منهم أن يحلوا مشاكلهم عبره، وأنه مستعد لذلك، وادعى بأن أحداً لن يحل مشاكلهم غيره هو، وربما خشي من تشوه سمعته أمام رؤسائه. وقد قيل دائماً العسف يؤدي إلى الجلاء والحيف يدعو إلى السيف!.

وقد تكرر فرار بعض أهالي القطيف والأحساء من جور النظام الضرائبي، على مختلف العصور والأزمنة وتنوع الحكومات.. وهذه مسألة بديهية تحدث اليوم في كل بقاع العالم، فالبشر ورأس المال يهاجران دائماً إلى حيث الأمن والاستقرار والربح (سوق، ومواد خام، وأيدي عاملة، وضرائب منخفضة، الخ..).

الرشوة:

الرشوة في الأصل ظاهرة اجتماعية، تتداخل مع الفساد السياسي والإداري والاقتصادي. بل هي محصلة لهذا كله.. فالرشوة، قد تظهر بسبب البيروقراطية، وقد تظهر بسبب تعسف القوانين والأنظمة (الظلم)، وقد تظهر بسبب ضعف الانتماء الوطني لصالح انتماءات عشائرية أو مذهبية أو مناطقية أو قبلية، أو بسبب غياب مؤسسات المجتمع المدني، أو بسبب ضعف الوازع الديني والأخلاقي وشيوع الأنانية، أو بسبب الاحتقان السياسي فيصبح إفساد الوضع دليل على معارضة للسلطة أو عدم احترامها، ولذا رأينا في بعض البلدان تعدياً وتخريباً مريعاً للممتلكات العامة، باعتبارها (أموال الحكومة) فهي مشاعة للتخريب والنهب. وتصبح الأنظمة الموضوعة مثار تجاهل واحتقار وتجاوز، لا يشعر معها الفرد بخطأ في الفعل.

المثال المطروح أمامنا هنا الرشوة، ودورها لا كعرف، بل كوسيلة، في تخفيض نسبة الضرائب والتهرب منها. إنني أعتقد بأن موضوع الضرائب، لم يحدث مطلقاً من زاوية الأعراف، التي هي عنوان الموضوع، وإنما بحث من زاوية لا علاقة لها بالعرف. ولو فعل الدكتور الشعيل، أو أي باحث أخر، فإنه سيقدم بالفعل دراسة جيدة، لابد ,أن تعتمد على دراسة للمجتمع الأحسائي المتعدد.

معروف أنه يوجد في كل المجتمعات المتحضرة وغير المتحضرة الغنية أو الفقيرة، المتدينة أو غير المتدينة، المتعلمة أو الجاهلة، يوجد أناس يتهربون من دفع الضرائب، سواء تلك التي تتم باسم الدين (الزكاة مثلاً) أو باسم حق الدولة، فالتهرب ظاهرة عالمية، لا يختلف فيها مجتمع عن أخر، وإنما الاختلاف يحدث في قدرة الأنظمة على ضبط وملاحقة دافعي الضرائب بالدرجة الأولى، وعلى إقناع الناس بفضيلة دفع الضرببة للدولة إما على قاعدة شرعية توجب على الناس دفع الزكاة، أو على قاعدة مصلحة البلاد، التي لا يمكن أن توفر الخدمات (تعليم، صحة، مواصلات..) وتلغي حالات الفقر بلا دفع الضرائب. أو على قاعدة: لا حقوق مدنية بدون ضرائب، أي تحصل مقابل دفع الضرائب على فوائد، في حال التقاعد والعجز والمرض، إضافة إلى الحقوق السياسية والأمنية والتعليمية والثقافية، الخ.

مع تجربة الدولة العثمانية في عهدها الأخير، 1871- 1913، يلاحظ بوضوح تام أن حجم الضرائب كان قليلاً للغاية، وفي الحقيقة أن حجم الضرائب التي تستوفيها سلطات العثمانيين في الأحساء والقطيف كانت أقل بكثير مما كان يتقاضاه الملك عبد العزيز، لكن الفارق بين الإثنيين كان واضحاً ومهماً: أن ما يتحصل عليه المواطن مقابل الضرائب في عهد الملك كان أكثر أيضاً مما كان يتحصل عليه في عهد العثمانيين.

لم يكن أمر الخدمات مطروحاً، بل لم يكن يعد من مسؤليات الدولة في الشرق، وبالتالي كان ينظر دافعوا الضرائب، وهم من جملة المواطنين، إلى حقيقة أن الضريبة يفترض فيها أن تخفف من (الضغط الأمني) أو بصورة أصح، أن جل ما يتحصل عليه المواطن مقابل دفع الضريبة هو توفير الأمن له من قبل السلطات المركزية.

وهذا بالتحديد ما لم يستطعه العثمانيون، وقام به الملك عبد العزيز. فأصبح الاحتجاج على الضرائب العثمانية رغم قلتها ذا معنى، لأن عدم توفير الأمن، كان يؤثر بشكل ملحوظ وكبير للغاية في بعض الأحيان، على الحالة الاقتصادية للناس، كأن يقوم البدو بنهب الحاضرة ولا تستطيع السلطة العثمانية مواجهتهم، فإذا حان موعد دفع الضرائب جاؤوا إلى المواطنين الذين هم في أسوأ الأحوال، يطلبون منهم دفع ما عليهم من زكاة وضرائب!.

في عهد الملك عبد العزيز، اتسع حجم الضرائب في منطقة الأحساء، لكن مع توفير الأمن، فظهرت بعض جوانب الرخاء.. ولكن هذا لم يمنع الناس في ذلك الحين سواء في الأحساء أو نجد أو الحجاز من الاحتجاج والتظلم لدى الملك من اتساع حجم الضرائب ومطالبته بالتخفيف عنهم وإسقاطها.

هذا لا يعني في الأصل أن الناس تقبل الموازنة بين ما يتحصلون عليه مقابل ضرائبهم، فإذا كانت الرشوة قائمة للتهرب من الضرائب العثمانية وهي قليلة، فإن بعضاً منهم قاموا بذات العمل مع موظفي حكومة الملك عبد العزيز، بصورة أقل، لأن النظام الإداري كان أكثر انضباطاً في عهد الملك عبد العزيز منه، في عهد العثمانيين، وكان جباة الضرائب في عهد الملك عبد العزيز، في المجمل، أكثر تديناً من نظرائهم في العهد العثماني.

إن الرشوة قد تكون وسيلة للتخلص من البيروقراطية ودفع المظالم والتعديات. وأظن أن الرشوة المقيتة هي تلك التي تتم في ظل نظام إدارسي صالح، فتأتي الرشوة لتعطل مسيرة النظام وتتجاوز القيم التي قبل بها المجتمع مرجعاً له، وهي تقرب وتحابي وتعين جماعة أو أفراد غير ملتزمين بالقانون ضد مصالح الأكثرية. أما الرشوة -كتلك التي كانت تحدث في العهد العثماني أو في أي عهد لا يلتزم مسيرة القانون والنظام -فهي تعتبر في الحقيقة وسيلة للتخلص من شرور البيروقراطية من جهة، ومن طغيان الأنظمة أو مطبقيها أو الاثنين معاً، وهذه من وجهة نظري أهون من سابقتها.

ويبقى القول بأن الرشوة، كما وسائل الخداع والغش الأخرى، تستخدم لتهرب من دفع المكوس (الضرائب). فإخفاء المعلومات عن السلطات فيما يتعلق بالإنتاج الزراعي والحيواني، لا تعدو ما ذكرناه وتحدث في كل دول العالم، وهي ليست عرفاً خاصاً بفئة أو جماعة، ولا هو موجه لسلطة من السلطات، بل إن هذه الطريقة من إخفاء المعلومات يمارسها وزراء ورؤساء دول حتى لا يدفعوا ضرائب، وهي جريمة على أية حال حسب قوانينهم.

يعتقد بأن السلطات العثمانية في الأحساء والقطيف لم تكن تمتلك سجلات صحيحة وكافية عن النشاط الاقتصادي عامة في المنطقة، بعكس الملك عبد العزيز، فسجلات الزكاة السعودية تعكس قدراً كبيراً من الدقة. لكن النقص في الدقة سواء بالنسبة للسجلات العثمانية والسعودية، لا يعود إلى أن البعض يخفي المعلومات الخاصة، حتى يتهرب من دفع الضرائب فحسب، بل وأيضاً، لأن النظام الضريبي قام على أساس ما كان يعرف (الضمان). والضمان طريقة عثمانية استمرت مع العهد السعودي. وملخصها كما هو معروف، أن الحكومة تتفق مع تاجر بأن يتولى أمر نشاط تجاري محدد، مثل ضرائب الجمارك في ميناء معين أو مركز حدودي، مقابل أن يدفع لها مبلغاً محدداً من المال، فما زاد فهو له. وعلى سبيل المثال إن ضامن الموانئ في القطيف في العهد العثماني كان هو نفسه ضامن الجمارك في العهد السعودي.

أما النخيل فيحدث أن تطلب الدولة مقداراً من قلال التمر، فيقوم مسئولوا المالية في كل بلدة بتوزيعها على مالكي النخيل كل حسب حجم النخل وعدد النخلات. بالطبع يحدث الكثير من التجاوزات في هذا النوع من الترتيب، ولكنه كان يخفف عن الدولة توظيف عدد غير قليل من البشر، هي بحاجة إلى توفير المبالغ التي ستمنح لهم، خاصة في زمن الفقر والمجاعة، وفي ظل التوسع للعمليات العسكرية التي كان يقوم بها الملك عبد العزيز في سبيل توحيد المملكة.

* كذا رمز لاسمه
307104